حين يتبنى المجتمع المدني بخريبكة مهرجانه السينمائي

حفظ

نجح مهرجان السينما الإفريقية بـ "خريبكة" في حلته الجديدة، باقتلاع الأعشاب السامة التي كانت تلتصق به في الماضي فتسيء إليه أكثر مما تخدمه حيث نفضها عنه واغتسل منها ولم يعد يسمح لكل ما من شأنه الإساءة لتاريخه. لقد دخلت هذه التظاهرة – خاصة بعد أن تأطرت بمؤسسة قائمة الذات – في احترافية شاملة تهم مختلف مكوناته (أنظر مقال لنا في الموضوع نُشر في موقع الجزيرة الوثائقية قبل أسبوعين).
لقد تأكدت ساكنة المدينة ونواحيها، واقتنعت بالواقع الملموس والمحسوس، بمناسبة الدورة الرابعة عشرة، أن هذه التظاهرة التي أسسها الأستاذ "نور الدين الصايل" لن يقودها إلى برّ أمان السينما إلا هو نفسه كقائد لشبكة من الأطر المحلية، لأنه ليس من السهل أن تقود تاريخا شائكا وأشخاص من مرجعيات مختلفة ليلتقي الجميع حول هدف واحد هو إنجاح المهرجان كضرورة حتمية، حتى أصبح كل فرد يعتبر نجاح المهرجان هو نجاحه الشخصي، فتراكمت النجاحات الفردية ليصبح نجاحا جماعيا وهو ما أسعدنا، فعدنا إليه بنفس الحماس الذي كنا نملكه في دوراته الأولى. يمكن القول بأننا استرجعنا تظاهرة ذات قيمة معنوية هائلة بعد أن كدنا نفقدها بسبب ممارسات غير سينمائية لأشخاص لا علاقة لهم بالسينما بل وظيفتهم تحدد تخصصهم في الدعم وليس غيره.
وهذا النجاح الجماعي، ساهم فيه أيضا بكثافة جمهور المدينة سواء في القاعة الرسمية للعروض أو في الفضاءات الأخرى التي تحتفل بالسينما الإفريقية وكذا خلال عروض الأفلام المغربية الموازية للتظاهرة.

 جمعية أصدقاء مهرجان السينما الإفريقية بـ "خريبكة"

دفعت هذه النقلة النوعية الإيجابية لمهرجان السينما الإفريقية، منذ دوراته الثلاث الأخيرة، بمجموعة من أبناء المدينة الذين واكبوا هذا المهرجان منذ سنوات مراهقتهم، بتوجيه دعوة مفتوحة في بلاغ وجهوه إلى جميع عشاق السينما المحليين، وكل من يرى في نفسه أهلا للمشاركة في تأسيس هيئة تحت إسم "جمعية أصدقاء مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة". الغرض الأساسي منها هو دعم مهرجان السينما الإفريقية بكل ما يتطلب ذلك تطوعيا وعن طيب خاطر. إن تفاعل المجتمع المدني المحلي بالمدينة مع مهرجان يُقام في أحضانه ينبئ بمستقبل جد منير ومنفتح على السينما والحداثة الفكرية والتنظيم الفعال. ولا شك أن هذه الجمعية ستكون السند الأساسي للمهرجان وعُمقها الاستراتيجي كما هو الحال دائما مع النادي السينمائي المحلي لمدينة "خريبكة" منذ انطلاقه ومازال يرافقه إلى الآن في كل خطوة جديدة يقدم عليها.
تلقى المهرجان ومؤسسته، طيلة مدة إقامته، دعما من لدن كثير من الفنانين المغاربة بالحضور الجسدي والمعنوي والفني من خلال لقاءاتهم المباشرة مع الحضور إذ بعضهم فضل "خريبكة" على تظاهرات أخرى نظرا لما تتميز به وغير متوفر في التظاهرات الأخرى نخص الاحترافية بالأساس. لا يمكن مقارنة تظاهرة احترافية كمهرجان السينما الإفريقية بـ "خريبكة" بأخرى يغلب عليها الطابع الهاوي والارتجال أو الاسترزاق. كما أن الأسماء الإفريقية من جهة، والمغاربية (تونس والجزائر) من جهة أخرى، كانت هي أيضا حاضرة بقوة وعادت إلى بلدانها بحصيلة إيجابية من الجوائز والأفكار والعلاقات المهنية. وعليه فالمهرجان مثمر بالنسبة لكثيرين منهم.

جانب من الحضور في مهرجان "خريبكة" السينمائي بالمغرب

تبين بالملموس، خاصة في دورة هذه السنة التي اختتمت فعالياتها يوم السبت 23 يوليوز / تموز 2011، أن المهرجان لعب دورا فعالا في تفعيل الاتفاقيات المُبرمة بين المغرب وبعض الأقطار الإفريقية في مجال الإنتاج التي كانت مُجمدة من قبل بدون مبرر إذ لم تعد حاليا حبرا على ورق بل انتقلت إلى ترجمة مرئية من خلال مجموعة من الأفلام. لقد لاحظنا أن أربعة أفلام إفريقية جنوب الصحراء (المشاركة في المسابقة الرسمية) قد ساهم المغرب في إنتاجها بخدمات فنية وتقنية ولوجيستيكية وبالتالي فقد تجاوز حدوده الجغرافية في أقصى شمال إفريقيا ليتفاعل مع السينما الإفريقية ويؤكد على تعاونه "جنوب – جنوب". وقد أكد على ذلك رئيس مؤسسة مهرجان السينما الإفريقية والمدير العام للمركز السينمائي المغربي في كلمته يوم الاختتام – خلال تكريم المخرج البوركينابي إدريسا وودراوغو – بوقوف المغرب إلى جانب مشاريعه التي لم يتمكن من تحقيقها منذ أزيد من 7 سنين رغم أن أفلامه جميعها تقريبا حاصلة على جوائز منها جائزة لجنة التحكيم بمهرجان "كان" الفرنسي سنة 1990 عن فيلمه "تيلاي"، وكان قد حصل من قبل في سنة 1998 من نفس المهرجان على جائزة النقد عن فيلمه "يابا". وبعض الأفلام المعروضة في المهرجان تجمع فنانين وتقنيين من أقطار إفريقية مختلفة فتذوب الحدود الوهمية بفضل الفن السابع. كما شارك الممثل التونسي "هشام رستم" في بطولة الفيلم المغربي "الوتر الخامس".
كما يتم التفكير، أيضا، بين السينمائيين الأفارقة لعقد المؤتمر القادم للفدرالية الإفريقية للسينمائيين على أرض المغرب ليصبح – ربما – هو المقر الدائم لهذه المؤسسة حسب ما علمناه من مصادر إفريقية. فلماذا لا تحتضن مدينة "خريبكة" ذاتها هذا المقر وتصبح ملتقى للسينمائيين الأفارقة وموقع اجتماعاتهم وسيكون له تأثير مباشر على المهرجان والإنتاج المشترك وحتى التوزيع السينمائي إذا تحقق ذلك.

إعلان

 إعادة النظر في الكتب.. وفي النشرة.. ولنا اقتراحات..

لكن للأسف، مازال المهرجان يجر معه بعض أثار الماضي الذي لم يتخلص منه كتلك الفقرة الروتينية للكتب التي لا ولم تأتِ بجديد سواء في مضمونها أو في شكل تقديمها وعرضها حيث تغيب عنها القراءات النقدية والتحليلية بل يغلب عليها طابع المجاملة الظاهر للعيان. نقترح على إدارة المهرجان إعادة النظر فيها بالقيام بنوع من الانتقاء والاختيار كما هو مع الأفلام. أو أن تشترط مثلا العلاقة مع موضوع المهرجان نفسه أو لأفلامه أو اختيار تيمة معينة عوض إقحام كل الإصدارات دون مراعاة مستواها، وهل تستحق كلها حقا الاحتفال بها في تظاهرة من حجم مهرجان السينما الإفريقية؟ إن السؤال الذي ينبغي طرحه كما هو معمول به في العالم: ما هي الإضافة العلمية أو النقدية أو الثقافية لتلك الكتب في التظاهرة ولصالحها؟ كما ينبغي التفكير فيها مسبقا بالإعداد لها بالدراسة ليكون النقاش حولها مثمرا ومفيدا لصاحب الكتاب ولعموم الحاضرين والمتتبعين. وهذا الأسلوب سيسمح بالرقي بمستوى الكتابة في الإصدار عوض الاستهجان بهذه المسؤولية النبيلة والراقية.

يجرنا هذا الموضوع للحديث أيضا عن النشرة اليومية التي يصدرها المهرجان. فبقدر ما هي فكرة مهمة وصائبة للتواصل والإشهار بمحتويات المهرجان بقدر ما تُشكل وثيقة تاريخية للمستقبل. وبالتالي، لا ينبغي الاستسهال في العمل بها. وهذا ما يحدث للأسف، لأنها ضعيفة جدا في إخراجها وتحريرها وفي تبويبها إذ يتهيأ للقارئ أنها تُملأ بما هو موجود ومُتاح. وأن موادها غير مُفكر فيها مسبقا اعتمادا على خريطة للعمل توازي المهرجان أو من عمقه ضمن إستراتيجية لنشر إشعاعه. تبدو موادها وكأنها وُضعت لملأ البياض فقط. وحُررت عن عجل بدون مراجعة. ومتضاربة في ما بينها حيث لا يتم التفريق بين الأجناس الصحفية فيها. وكنت قد سطرت هذه الملاحظات في السنة الماضية. وأعيدها، هذه السنة أيضا، لعلها تجد من يقرأها ويسمعها ويستجيب لها ويدرك بأن النشرة ستبقى وثيقة ملتصقة بتاريخ المؤسسة والمهرجان ومن يتحمل مسؤوليتها. ينبغي التعامل بجدية مع النشرة اليومية بنفس مستوى التعامل مع الأفلام والضيوف والجمهور فلا تسيئوا بها للمهرجان، خاصة وأن بعض الضيوف يحتفظون بها ويحملونها معهم إلى أقطارهم فأعطوهم هدية جميلة في شكلها ومضمونها لأنها ذكرى من ذكريات العبور في خريبكة، فليكن ذلك العبور لحظة جميلة في شتى مكوناتها.
تبقى المناقشات الصباحية للأفلام، واللقاءات الليلية الموضوعاتية، من أهم لحظات المهرجان إلى جانب عروض الأفلام طبعا. إن اللقاءات الليلية جزء من مكون هذا المهرجان منذ كان مجرد ملتقى. فهو يتيح فرصة استثنائية للتداول السينمائي في جو حميمي بعيد عن الرسميات. ونشيد بأهمية الورشات التي هي متنفس فئة واسعة من الشباب حيث يتورط كثير منهم في عوالم فنون السينما باقتناع وإصرار على ربط علاقة دائمة بها. 

كما نقترح أيضا على إدارة المهرجان إعطاء الفرصة للفيلم القصير الإفريقي بالوجود والاحتفال به علما أن كثير من الأقطار لها تجارب مهمة نظرا للاستقلال الفني عند شبابها. وإعطاء كذلك فرصة للفيلم الوثائقي. لقد لمسنا، من خلال معاينة شخصية، أن الفيلم الوثائقي الإفريقي أكثر نضجا من الأفلام الروائية خاصة بعد انسحاب كثير من الأسماء التي صنعت مجد سينما القارة السمراء.

إعلان

 الجوائز: أهمها لشمال إفريقيا… 

يخصص مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة جوائز مالية مهمة والتي عرفت هذه السنة تتويج مصر بالجائزة الكبرى التي تحمل إسم المخرج السنغالي الراحل "عصمان سمبين" حسمت فيها لجنة رسمية ترأسها الكاتب والناقد مصطفى المسناوي، وجاءت نتائجها كالتالي:
– الجائزة الكبرى للفيلم المصري "ستة. سبعة. ثمانية" للمخرج محمد دياب، كما حصلت ممثلته ناهد السباعي على جائزة ثاني دور نسائي
– جائزة لجنة التحكيم للفيلم المغربي "الوتر الخامس" للمخرجة سلمى بركاش
– جائزة أحسن إخراج ذهبت إلى المخرج التونسي عبد اللطيف بن عمار عن فيلمه "النخيل الجريح" وهو إنتاج مشترك مع الجزائر.
– جائزة أفضل سيناريو كانت من نصيب المخرج الجزائري عبد الكريم بهلول عن فيلمه "سفر إلى الجزائر"
– جائزة أول دور نسائي حصلت عليها الممثلة إيما لوحويس عن دورها في فيلم "الصديق المثالي" من ساحل العاج أخرجه أوييل برون. وعن نفس الفيلم حصل الممثل مايك دانون على جائزة أفضل دور رجالي
– جائزة ثاني دور رجالي كانت للممثل إبراهيما سيرج بايلا عن دوره في فيلم "في انتظار التصويت" من بوركينا فاسو للمخرج ميسا هيبي.
– كما نوهت لجنة التحكيم بالطفل لطفي صابر عن دوره في فيلم "ماجد" للمخرج المغربي نسيم عباسي. ونوهت أيضا بفيلم "خطوة إلى الأمام" للمخرج سيلفيستير أموسو من بنين.      
   

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان