السينما والفنون البصرية في ضيافة الكتاب بطنجة


شهدت مدينة طنجة تظاهرة ثقافية كبيرة متمثلة في معرضها الدولي السنوي للكتاب والفنون، لقد وصل في السنة الحالية إلى الدورة 15، والذي نُظم في إطار الموسم الثقافي الفرنسي/المغربي بأحد معالم المدينة وهو قصر مولاي حفيظ. صُور في هذه المعلمة التاريخية كثير من الأفلام الأجنبية، وما زال لحد الآن يستقبل مجمل الإنتاجات التي تستحضر فن العمارة العربية وفضاءات حدائقها. يشرف المعهد الفرنسي بطنجة/تطوان علي تأطير المعرض بشكل مباشر حيث تُعد التظاهرة من أهم أنشطة السنة لهذه المؤسسة الثقافية الأجنبية بشمال المغرب.
لا يقتصر المعرض على عرض المنشورات والإصدارات والحديث عنها وحولها بالشكل التقليدي فقط بقدر ما اختار أن يكون الكتاب مقرونا بالإبداع، حيث يزاوج بين المطبوعات والفنون، وهو الإسم الرسمي الذي يحمله المعرض منذ سنوات مضت: "المعرض الدولي للكتاب والفنون". وفي كل سنة/دورة يختار موضوعا فنيا يحتل الصدارة ويصبح الكتاب، حينها، صديقا لعموم الناس خاصة في إطار أزمة القراءة التي تنخر مجتمعاتنا العربية، وإن كان الكتاب الفرنسي هو المهيمن في المعرض نظرا لاستجابة دور النشر والمكتبات المحلية بالمدينة أو الآتية من الدار البيضاء والرباط.
"إبداعات المدن": هو عنوان الدورة 15 لهذه السنة حيث انكبت جميع الدراسات والمداخلات في الندوات التي امتدت طيلة أيام المعرض (5 أيام)، في الصباح والمساء، تناول المدينة من مختلف الزوايا الأدبية والفنية والمعمارية والاجتماعية باعتبارها – أي المدينة – ليست مجرد مجمع سكاني فقط بل أيضا وأساسا علاقات إنسانية وقوانين اجتماعية وضوابط ثقافية تتوزع في فضاءات مشتركة أو خاصة أو فردية لمعاينة تشكُلها. إن المدينة هي مُركب حضاري وعصري يتطور سريعا بتطور أفكار ساكنتها أو يتدهور بأزمتها. وعليه، فالإنسان يتفاعل مع محيطه بنفس قوة تأثيره فيه وتأثُره به. إن هذه العلاقة الجدلية بين الإنسان والمكان، تنتج – أيضا – أدبا وفنونا كتعبير عفوي أو مدروس، بموازاة لما ينتجه المهندس في المدينة نفسها من أشكال وخطوط ومساحات بمشاركة فنانين تشكيليين (في الأقطار الغربية وليس العربية) في إعطاء لمسة فنية في الألوان والأضواء حسب الطقس الذي تعيشه المدن خلال فصول السنة، دون إغفال الجانب البيئي في مدلوله المباشر.
كانت المدينة ومازالت في عُرف الحضارات القديمة والحديثة والمعاصرة جوهر اللوحة التشكيلية بمختلف مكوناتها. ويتضاعف هذا العُرف حاليا بوجود أشكال أخرى التي ظهرت في العقود الأخيرة كالإشهار والإضاءة. وبقدر ما يغتني فضاء المدن الحضري المألوف يزداد غموضا لكنه يصبح أكثر جاذبية للإنسان المعاصر نظرا لما تتيحه له من سهولة في الحياة من جهة ومن جهة أخرى تضع البعض على هامشها.
إن للثقافة علاقة وطيدة بالمدينة فعَمِلَ المتدخلون، في مختلف الورشات والندوات والموائد المستديرة واللقاءات الحرة والمفتوحة بين الحضور، على إبراز هذه العلاقة القائمة كمصدر للإلهام الإبداعي والأدبي من خلال نماذج وأسفار في بعض المدن الشهيرة عالميا منها مدينة طنجة التي أثمرت فنونا بحكم تاريخها الخاص والعام.
جاء الكتاب والفنانون من مختلف بقاع العالم ومن جنسيات ولغات متعددة وحساسيات متنوعة تجاوز عددهم 71 متدخلا وكأن مدينة طنجة تعيد من خلال هذا المعرض إحياء تاريخها الدولي من جديد، وأن تكون نقطة إلتقاء لمناقشة "الإبداع في المدن" ومن وحي المدن على حد سواء.
يتساوى في هذا المعرض الكتاب مع الفنون بحيث يمكن للزائر أن ينتقل بينها بسهولة ويقتنع بالتكامل بين وسائط المعرفة. فلم يكن، بالتالي، الافتتاح تقليدي بتسليط الضوء على الكتاب المطبوع وحده وإنما بدأ بمعرض فني اعتمد على التركيب بين المسرح والشعر والفيديو والصورة الثابتة والمتحركة من خلال توزيع مركبات مشهدية موزعة في فضاء المعرض، الذي هو قصر مولاي حفيظ الذي اشرنا أعلاه إلى قيمته التاريخية، جنبا إلى جنب الكتب فضلا عن معارض تشكيلية وفوتوغرافية تتمحور كلها حول المدينة وللمدينة دون إغفال حضور الموسيقى والغناء والمسرح.
بعض المعارض أُقيمت في أروقة أخرى خارج فضاء المعرض كرواق "دولا كروا" (إسم الفنان الفرنسي الذي قطن بطنجة ) وبمندوبية الثقافة المغربية بالمدينة وببعض المكتبات. سهرات موسيقية ممتعة استقبلتها الأمكنة العتيقة تاريخا بالمدينة لتعكس روح المحور الذي اشتغل عليه المعرض في السنة الحالية. وذلك بغرض توزيع الثقافة والفنون على جميع شرائح الساكنة كحق من الحقوق الأساسية للفرد بالذهاب إليه وطرق أبوابه واستدعائه للمشاركة الفعلية أو الرمزية وهذه هي قوة هذا الحدث الثقافي/الفني الذي يفكر في مَنْ يؤثث المجال الحضري ويتحرك فيه ليخلق أشكالا إبداعية جميلة بوعي أو بدونه لكن ملموس عند الباحثين.
إن هذه الرؤية في التنظيم والتعامل مع المواطن/الإنسان/المستهلك هو جزء من التربية على المواطنة والوعي بالمشاركة الجماعية في مساحة يتقاسمها الجميع حتى يستوعب كل فرد قيمته الاعتبارية فيه ويدرك بضرورة الفعل فيها والمساهمة بكل ما له من إمكانيات وقدرات فكرية وجسدية لتحسينها خاصة الشباب الذين هم الأكثر دينامكية في الفضاء الحضري بممارسات عدة يتقبلها البعض فيما يرفضها آخرون.
وبما أن مدينة طنجة تعيش حاليا أوراش في مختلف الاتجاهات بإعادة الاعتبار لها كشكل من أشكال جبر الضرر بعد معانات طويلة مع التهميش وتدمير معالمها في عهد الملك الحسن الثاني كعقاب لها على نضالية سكانها فقد تمحورت كثير من الموائد المستديرة والمعارض حول طنجة.
أفلام تحمل نفس النفس تم عرضها بمناسبة المعرض والتي احتضنتها الخزانة السينمائية بطنجة كشريك فعال في التظاهرة. أفلام وثائقية وروائية، حديثة الإنتاج أو قديمة، لإعطاء صورة شاملة على الموضوع المحوري المشار إليه، خاصة وان السينما تجعل من المدن خلفياتها الأساسية في الحكي، وحملت كثير من المدن عناوين لها.
وهكذا سافرنا مع المخرج الألماني فيم فينديرس في مدينة طوكيو نقتفي خطوات المخرج الياباني "أوزو" بينما مخرج ألماني آخر، وهو والتير روتمان، يبرز لنا جمالية العاصمة الألمانية وحيويتها من الفجر إلى الليل. وتوقفنا بالمناسبة عند مدينة نيويورك صحبة فريديريش ويزمان، وكذا عند الحي الشهير بمرسيليا "جولييت" الذي عرف إعادة تهيئ جديد في السنين الأخيرة حيث تابع المخرج الفرنسي تيل روسكين ماضي وحاضر الحي، دون إغفال الفيلم الإسباني "في طور البناء" للمخرج خوصي لويس غريرن الذي اعتمد فيلمه على اليد العاملة الأجنبية التي تشتغل في البناء وفي ذات الوقت التغيير الحاصل في ملامح المدينة الجديدة التي يتم إعادة تشكيلها بهندسة عصرية جديدة تطرد الفقراء من حولها.
وقد تمتع الجمهور بأرشيف نادر حول مدينة طنجة حيث حضر بكثافة لاكتشاف أهم شارع بالمدينة في سنة 1935 وهو شارع السوق الداخل (كتب عنه محمد شكري وبول بولز خاصة) وكذا الساحة الشهيرة "سوق برا".
لم ينس المعرض الدولي للكتاب والفنون بطنجة جمهور الأطفال الذي خصه بعدد من الأنشطة الثقافية ببعد ترفيهي وتربوي حيث زار المعرض أفواج من التلاميذ الذين وجدوا فضاءات خاصة بهم لممارسة الرسم والتمرين على الحكي والقص واكتشاف عوالم الرسوم المتحركة ل"مانغا" التي يتابعونها كثيرا على شاشة التلفزة. كما خصت القناة الفرنسية الخامسة ورشة لتعلم اللغة بفضل السمعي- البصري تسهل عليهم استيعابها صوتا وصورة. وأيضا فن القراءة. وتم توزيع جائزة "متعة القراءة".
وقد تم نقل بعض من هذه الأنشطة إلى مدينتي تطوان والعرائش غير البعيدتين عن طنجة.