مهرجان "تيمبو" للسينما الوثائقية: حضور يترسخ

ستوكهولم: قيس قاسم
يسعى مهرجان "تيمبو" لتكريس نفسه واحدا من أهم المهرجانات الوثائقية الأوربية، بعد أن رسخ موقعه على الخارطة السينمائية الأسكندنافية. ف"تمبو" ومنذ تأسيسه عام 1998 حرص على تميزه بوصفه ملتقى لكل سينمات العالم وركز بشكل خاص على الطلبة والاتجاهات الجديدة، لكن ميزته الأكبر تجلت في رهانه على سينما المرأة، وفي دورة هذة العام نلمس هذا التوجه على أكثر من مستوى بدءا من توقيت أيامه مع الثامن من أذار، يوم المرأة العالمي، الى تثبيت المرأة كثيمة رئيسية حيث وصلت حصة ما عرض لمخرجات أو أفلام وثائقية تناولت قضاياها قرابة 70 % من مجمل عروضه، وفيلم الأفتتاح "أنا نفسي دولي بارتون"، ربما جسد هذا التوجه عندما تابعنا من خلاله قصص النساء الخمس، اللاتي كن من أشد المعجبات بالمغنية الشعبية الأمريكية، الى الدرجة اندفعن فيها لتأسيس فرقة أطلقن عليها نفس اسم المطربة. وثائقي مدهش أضفت الموسيقى عليه جمالا وقصص النساء الخمسة أغنته ليذهب عميقا في طيات المجتمع السويدي ومشكلاته المعاصرة، وكلمات مديرة المهرجان أغنيتا مورغن بررت أسباب اختارها لهذا الفيلم لإفتتاح دورة العام.. "لتزامن انعقاده مع يوم المرأة فأن هذا الفيلم يعطي للأمر معنى مضاعفا، كونه من اخراج امرأة، هي ياسيكا نيتيبلاد، وبطلاته هن فنانات غاية في القوة والعطاء. وعلى المستوى العربي قدم المهرجان فلمين لمخرجتين لبنانيتين، الأول "12 لبنانيا غاضبا" لزينة دكاش وهو اعادة انتاج سينمائي لمسرحية أبطالها سجناء لبنانيين في سجن رومية تدربوا على عرض مسرحي ضمن مشروع يهدف الى العلاج وتخفيف معاناة السجناء من خلال الدراما. تجربة مثيرة تحاول اعادة النظر بمفهوم الذنب والتطهر منه من خلال اعترافات السجناء بما يشعرون به مباشرة الى الجمهور.
![]() |
| من فيلم طعم الحرية المر شعار المهرجان |
الفيلم نقل روح التجربة "المسرحية" بشغل وثائقي مميز، والى جانبه عرض لكلويه مازلو فلمها القصير "ديروت" وهو يحكي عن الغربة والحروب التي شهدها لبنان وتجربتها الشخصية مع والديها اللذين غادرا الوطن الى باريس قبل ثلاثين عاما، واستذكارا لهذة المناسبة تقرر كلويه السفر الى موطنها الأصلي لتتعرف عليه عن قرب ولكن وفي سياق مصير بائس تندلع حرب تموز لتعيش الفتاة نفس ما عاشه والديها وأضطرا بسببه الى الرحيل من بلدهم. وعن ذات المعاناة يسجل الكردي زانيار آدمي ومعه السويدي ديفيد هيرديس تجربة الشاب طاهر الذي وصل، طفلا، وحيدا الى السويد، ثم التحقت به بقية العائلة التي التزمت الصمت عن سنوات معاناتها وكفاحها بين صفوف البيشمركة الكردية ولكن اشداد المرض على الوالد يدفع الإبن باقناعه بضرورة البوح عما في داخله. رحلة الى ماضي التجربة الكردية يسجدها شريط "ابن البيشمركة" الذي لم يكتمل حتى الآن وعرضه جاء ضمن اطار أفلام تحت الانتاج. من بين ثيمات الدورة الحالية الفيلم التسجيلي الروسي حيث تشارك أسماء ثقلية فيه ضمن حقل "من روسيا مع الحب"، من بينهم: الكسندر غوتمان، سيرجي ميروشنتشينكو ومارينا غولدوفيسكايا وفيلمها "المذاق المر للحرية" الذي حاولت فيه البحث عن حقيقة ما جرى للصحفية الروسية آنا بوليتكوفيسكايا التي قتلت في ظروف غامضة عام 2006. أما المسابقات فتشارك فيها أفلام أغلبيتها من دول الشمال، والتوقعات بالفوز تشتد حول الفيلم الدنماركي "أراماديلو" والفرنسي "نساء بطلات" ومخرجة جي إر، المصور الفوتغرافي الذي التقا مجموعة من النساء في أماكن متفرقة من العالم وقتما كن قريبات من الموت ولكنهن استطعن مقاومته والنهوض ثانية. الفيلم ينتمي الى حركة ما بعد الحداثة لهذا خصصت له ندوة مفتوحة مع الجمهور تحدث فيها المشاركون عن مفهوم الحداثة وما تلاها في السينما الأوربية. وبذات القدر حظت ثيمة "الفيلم والعلم" باهتمام الجمهور والمختصين على حد سواء وأشركت فيها مخرجين وأفلام مهمة تناولت المخاطر التي تهدد البيئة والحروب ومن بينها فيلم "الخنوع" للمخرج المختص بقضايا البيئة ستيفان يارل أنجز عدة أفلام مهمة من بينها: "انتقام الطبيعة"، "التهديد" و"الوقت ليس له اسما". ومن خلال عمله تحول الى ناشط ضد جشع الشركات الرأسمالية للناس واستغلال قلة معرفتهم بحقيقة ما يقومون به وفيلمه المعروض يتناول وجود المواد السامة في أجسامنا والتي تأتينا عن طريق الغذاء الذي نتاوله.
![]() |
| من فيلم 12 لبنانيا غاضبا |
في مقابلته مع صحيفة "سفينسكا داغبلادت" تحدث عن دوره كسينمائي وكيف تحول مع الوقت الى ناشط لحماية البيئة: مع الوقت توصلت وفهمت كيف نحن البشر نخضع بسهولة لإرادة وشروط الغير، وكيف نتعرض للخداع ونستغل بسهولة من قبل شركات الانتاج الرأسمالية. الشيء الأخر ان الانسان بسلوكه التدميري هذا يمضي الى حتفه بيده ويريد ان يأخذ الطبيعه معه الى ذات المصير وعلينا نحن الذين نعارض هذا الجنون ايقاف هذا الاندفاع الذي تغذية الشركات الكبرى. وعن الجانب الفني في "الخنوع" قال انه استعان، ليس بأكثر الأسماء العلمية فقط، بل أيضا بكادر من المبدعين الكبار أمثال المصور يوري بيرسون والسينوغراف الآىيسلندي أرنيال يوهانسون والمونتيرة السويدية آنيتا لوندبيرغ. لقد طلبت منهم توصيل الاحساس بحجم الكارثة التي تهدد وجودنا الى الجمهور كما هي، وتحليل مفهوم المجتمع الصناعي الكيمياوي كما نطلقه على أنفسنا. هذا المجتمع الذي بدأ تكوينة بعد الحرب العالمية الثانية. في تلك السنوات كنا ننتج مليون طن من الكيمياويات أما اليوم فنستخدم حوالي 500 مليون طن، ولهذا أردت ان يكون فيلمي نابعا من هذا المجتمع وعداه كان بمستطاعتي الذهاب الى بعض بلدان العالم الثالث وجلب المزيد من الصور والوثائق، المرعبة، عن الدمار البيئي الذي يحدث هناك.
وما يسجل كتميز ل"تيمبو" اهتمامه بالفيلم القصير الذي خصص له مسابقة كاملة ومبلغا جيدا للفيلم الفائز فيها وبذات القدر يرعى أفلام طلاب المدارس ويخصص لهم عروضا مجانية يشترك الجمهور مباشرة في مناقشة أفلامهم وبهذا يمهد الطريق لهم ليصبحوا في المستقبل صناع فيلم تسجيلي، يسهم في تطوير الحركة السينمائية في بلدانهم وبقية العالم.

