الأوسكار والعرب: 2

حفظ

التجربة الصعبة للسينما المصرية 

محمّد رُضــا

هناك نفحة خاصّة للسينما اللبنانية أوصلتها  لا إلى الأوسكار فحسب بل إلى المهرجانات والأسواق التجارية الأوروبية والأميركية. إنها ذات النفحة التي تمتّع بها المخرج الراحل يوسف شاهين: شبابية اللغة السينمائية المستخدمة للتعبير عما يريد المخرج إيصاله. إذا ما قارنّا بين أفلام شاهين وأفلام أترابه من جيله ومن أجيال لاحقة (او حتى سابقة) لاحظنا تفرّده. هذا وحده لا يعني أنه أفضل من صلاح أبوسيف او عاطف سالم او كمال الشيخ او الآخرين، لكنه بالتأكيد يعني أنه يعرف كيف يتواصل مع ذاته الفنية،  ويستخرج منها تلك الملامح التي تُثير اهتمام المجتمع الغربي (كما العربي عموماً).
الجمهور الأجنبي أثبت مراراً وتكراراً أنه يهتم بالشكل وبحداثة اللغة وجمالية الأسلوب وهو يبدّيها على المضمون الا في حالة إذا ما كان المضمون نابعاً من وضع يريد الغرب معرفة المزيد عنه ويتوخّى من ذلك المخرج أن يوفّر له هذه المعرفة.
هذا هو السبب الذي من أجله التمّ هواة السينما والمثقفون في الغرب حول تجربة المخرج العراقي محمد الدرّاجي «إبن بابل» لكن هل حكاية الصبي، في «إبن بابل«،  الذي جاء يبحث عن أبيه بصحبة جدّته أفضل صُنعاً ورهافة وإجادة في السرد وفي اللغة من حكاية الصبي الذي يكتشف مساويء الحروب ويجد أمامه تحدّيات أكبر من سنواته الصغيرة في «طفولة إي?ان» لأندريه تاركوفسكي؟ بالطبع لا. لكن هناك الرغبة المشروعة في مشاهدة شهادة حول زمن ما بعد حكم صدّام حسين وما فعله الرئيس الراحل بشعبه. محمد الدرّاجي تولّى فتح ذلك الموضوع المهم ونجح في مهمّة الإجابة على تلك الرغبة.
لكن ذلك لم يدخله الترشيح الرسمي للأوسكار حينها (2010)  ولا أستطيع، او سواي، الفتوى في الدوافع والمسببات التي من أجلها أخفق الفيلم في ولوج التصفية النهائية الا من باب مقارنته بالأفلام التي ربحت ذلك الترشيح الرسمي وهي «حرائق» لدنيس فيلانيوف (كندا ودار عن الحرب الأهلية في بلد "مثل لبنان")،  "خارج عن القانون" لرشيد بوشارب (الجزائر)، "سن كلب" ليورغوس لانتيموس (اليونان) "في عالم أفضل" لسوزان باير (دنمارك وهو الفيلم الذي ربح الأوسكار) و"بيوتيفول" لأليخاندرو غونزاليس أناريتو.
السينما العراقية بدأت بإرسال ترشيحاتها إلى الأوسكار من العام 2005 حين اختارت الفيلم الناطق بالكردية "تحية للثلج" لجميل رستامي. تبعته في العام التالي بفيلم محمد الدرّاجي "أحلام" ثم بفيلم جميل رستامي الآخر "جاني غال" سنة 2007 ليليه الدرّاجي مجدداً بفيلم "إبن بابل" وغني عن القول أن هذه المحاولات حتى الآن لم تخترق الجدار الخارجي، لكن ذلك ليس أمراً فريداً او ناشزاً: معظم الدول التي شاركت منذ عشرات السنين لم تصل إلى الترشيحات الرسمية الأخيرة…. و…. من بينها مصر.
إذا كانت التجربة العراقية في الأوسكار لم تتعد بعد أربعة أفلام، فإن مصر بعثت من العام 1958 بسبعة وعشرين فيلماً لم يجد المحكّمون في أكاديمية العلوم والفنون السينمائية سبباً لقبول واحد منها. سآتي على السبب الأكثر ترجيحاً بعد قليل، لكن الملاحظ أن أفلاماً ليوسف شاهين، هنري بركات، كمال الشيخ، صلاح أبوسيف، سعيد مرزوق، على بدرخان، داوود عبد السيد، محمد خان كانت من بين تلك الأفلام التي لم تتخط العتبة الأولى لجانب أفلام لحسين كمال وشريف عرفة ومجدي أحمد علي.
المحاولة الأولى كانت ليوسف شاهين حين تقدّمت مصر بفيلمه "باب الحديد" لتلك الترشيحات. وبعد ذلك تم إرسال فيلمين آخرين له هما "الإسكندرية … ليه؟" و"المصير"، لكنهما وجدا الصد نفسه.
في هذا الإطار فإن السبب أوسع من أن يتم تحديده بأوضاع ثابتة. هناك حقيقة أساسية تُعد عاملاً فاعلاً  وإن كان ليس العامل الوحيد، وهو أن الثقافة التي تنتج أفلاماً مثل "القاهرة 30″ و«المستحيل» و"زوجتي والكلب" و"على من نطلق الرصاص" و"المصير" هي مختلفة عن ثقافة أعضاء الأكاديمية الذين من واجبهم النظر إلى فنيّة الفيلم وليس ثقافته وبالتالي مصدره. الجانب الملاصق لهذا السبب هو أن مصر لم تكن محبوبة من العام 1958 الى الستينات التي تم فيها ترشيح تسعة أفلام. الهيمنة الصهيونية كانت من القوّة حينها بحيث لم يكن من الممكن أن يخترق فيلم عربي الحصار خصوصاً إذا ما انتمى لمصر جمال عبد الناصر وحرب السويس والعدوان الثلاثي والموقف السياسي الثابت حيال إسرائيل.

المسألة الثقافية هي أيضاً مسألة اختيار مفردات التعبير اللغوية التي يتحدّث فيها فيلم للعالم. في سنة  2006 قدّم المخرج مروان حامد باكورة أعماله «عمارة يعقوبيان» وسواء أعجب الناقد العربي بذلك الفيلم، وهو بالتأكيد يحمل ما يدعو للإعجاب، او لم يعجب، فإن المسألة هي أنه بثقل طروحاته وبأسلوب عمله الكلاسيكي لم يكن ليستطيع مخاطبة الغير. تماماً كما كان الحال عندما قدّم علي بدرخان «أهل القمّة»  (1981) وحسين كمال »إمبراطورية ميم» (1973) او سعيد مرزوق «أريد حلاً» (1975). بل أن الأكاديمية استبعدت الفيلم الذي كان حاز على إعجاب الأوروبيين كما لم يفعل فيلم مصري من قبل وهو «المومياء» (1970)،
في المقابل، استطاعت إسرائيل دخول الترشيحات الرسمية تسع مرّات من أصل 43 مرّة قدّمت فيها أفلاماً لمسابقة أفضل فيلم أجنبي. أول مرّة قدّمت فيه فيلماً للأوسكار كانت سنة 1964 عبر فيلم بعنوان «صلاح» لإفرام كيشون  وتم إدخاله الترشيحات. في الأعوام 1971 و 1972 و1973 وصلت إسرائيل الى الترشيحات الرسمية. بعد ذلك دخلت الترشيحات خمس مرّات أخرى آخرها عبر فيلم »عجمي» الذي هو من تمويلها ومن إخراج فلسطيني هو اسكندر قبطي وإسرائيلي هو يارون شاني.
لم تنل إسرائيل أي أوسكار إلى الآن، لكنها من الدول الموجودة دوماً كما نرى. في العام 1977 بلغ التزلّف حدّاً دفع بالأكاديمية لقبول فيلم مناحيم غولان «غارة على إنتابي«، أحد أكثر أفلام ذلك العام رداءة في الإخراج والتمثيل ومن أكثرها تنميطاً وبعداً عن التحليل السياسي.
هل كان ذلك الفيلم أفضل من «على من نطلق الرصاص؟» لكمال الشيخ الذي رُشح قبله بعام، او من «الإسكندرية … ليه؟» الذي رشّح بعده بعام؟ (لم يتم ترشيح فيلم مصري في العام ذاته).
الحصيلة تحتاج إلى صفحات أكثر بكثير وربما إلى كتاب. المسألة هي أن المساهمات العربية التي حملت جديداً في الطرح وخفّة في أسلوب النقاش (كتلك اللبنانية) وتلك التي تمتّعت بأسلوب وعناصر إنتاج فرنسية (لنقل أفلام الجزائري رشيد بوشارب) نجحت أكثر من أفلام سواها من الدول العربية في دخول الترشيحات الرسمية بما فيها المصرية.
هل سينجح فيلم عربي ما في نيل الأوسكار يوماً؟ ربما. لا ننسى أنه في مقابل كل فيلم عربي جيّد، هناك عشرات جيّدة أخرى وأنه مقابل كل فيلم عربي دخل الترشيحات الرسمية كانت هناك دوماً أفلام أفضل وبعضها أكثر قرباً من الثقافة المريحة للأجنبي.
السؤال الثاني هنا هو: وهل الأوسكار فعلاً مهم للسينما العربية؟ قبل الإجابة على هذا السؤال: هل هو مهم للسينما أساساً. بكلمة واحدة نعم، لكن ليست الأهمية الفنية بالضرورة، بل الإعلامية والتجارية والإنتاجية والذاتية. لذلك سيبقى حلم بعض السينمائيين العرب الحصول على الأوسكار مشروعاً، لكنه يجب أن لا يكون الحلم الوحيد.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان