المكان والسينما : نماذج أفلام صورت في الأردن

حفظ

السينما عموما فن زماني / مكاني، ويتبع هذا أن الزمان والمكان في السينما يرتبطان بأواصر علاقة متينة ومتبادلة ينتج عنها في نهاية المطاف مادة بصرية تصبح بحد ذاتها وثيقة مرئية، وهذا، من بين أمور أخرى، ما يميز إعادة إنتاج المكان والزمان في السينما عن باقي الفنون التي تنتمي إلى ذات الفئة الزمنية/ المكانية، المسرح مثلا، حيث المكان افتراضي وليس واقعيا، وجوده مرهون بزمن عرض المسرحية، وبعدها يختفي ولا يتحول فيصبح وثيقة يمكن الرجوع إليها، كما هو الحال في السينما التي من أهم خواصها أنها تعيد إنتاج الواقع عن طريق عكسه مباشرة ومن ثم تسجيله وتثبيته على شريط الفيلم ليكتسب بعد ذلك وجودا مستقلا.
ثمة ناحية إضافية ذات أهمية خاصة ترتبط بإعادة إنتاج المكان في السينما وهي أن طريقة أو أسلوبية إعادة الإنتاج لا تعكس فقط رؤية فنية إبداعية للمكان من قبل المخرج أو المصور، ولا تعكس فقط وظيفة ما، وظيفة سياحية أو تعبيرية مثلا، بل تعكس أيضا في حالات كثيرة موقفا فكريا من المحيط الجغرافي للمكان ومن الواقع نفسه، موقفا يتجلى سواء عن طريق الخيارات التي تحدد وتقرر ما يجب تصويره من عناصر المكان وكيفية تصويره أو عن طريق ربط المادة المصورة بموضوع يجيّر المكان لصالحه وبمضمون يجعل المكان خادما لفكرة مسبقة.
تنطبق هاتان الملاحظتان خاصة على النوعين الأساسيين من أنواع الأفلام السينمائية، أي الأفلام الوثائقية( التسجيلية) والأفلام الروائية، وتشكل الملاحظتان مدخلا مناسبا لمعالجة موضوع المكان في السينما، وبالنظر إلى أن الحديث سيخص المكان الأردني والسينما تحديدا، ولغايات التوضيح والحصر سنكتفي هنا بتناول الموضوع من خلال أبرز نماذج الأفلام الروائية الطويلة حصرا والتي صورت في الأردن، الأفلام الأردنية والأفلام الأجنبية.
  
المكان الأردني في السينما الأردنية

إعلان

  ثمة مجالات متعددة للتعامل مع المكان في السينما، على أنواعها: أفلام سياحية دعائية، أفلام وثائقية، أفلام علمية، وأخيرا أفلام روائية طويلة و قصيرة. بعكس الأفلام السياحية أو الوثائقية، ذات الوظيفة المحددة، تتميز الأفلام الروائية من هذه الناحية، بأنها تعطي للمكان شخصية ذات هوية خاصة ترتبط بالتاريخ والحاضر وتتكشف عن أبعاد وقيم روحية وجمالية وثقافية. هذا مثلا ما نلاحظه عند التأمل في السينما الفرنسية التي جعلت من شوارع باريس وساحاتها القديمة مادة للتعبير عن الثقافة والإرث الحضاري الفني الفرنسي، الملاحظة ذاتها تنطبق على السينما الإيطالية التي خلدت شوارع و ساحات روما ونافوراتها وكرستها كرمز من رموز الحضارة الإيطالية. نلاحظ مثل هذا الإنجاز أيضا في السينما المصرية التي نجحت في إبراز جماليات وثقافة الأحياء الشعبية القديمة ووثقت وثبتت صورتها في الأذهان( إضافة إلى أفلام حسن الإمام وصلاح ابو سيف تحديدا، تلفت النظر بهذا الخصوص أفلام المخرج المصري الباكستاني الأصل محمد خان بتميزها وبراعتها في تصوير أحياء وشوارع القاهرة وجعلها من عناصر بنية أفلامه الرئيسية).
 تحتاج السينما الروائية إلى خبرة تراكمية كي تتمكن من بناء علاقة خاصة مع المكان الوطني، فلا يكفي فيلم واحد أو حتى مجموعة أفلام جرى إنتاجها خلال فترات زمنية متباعدة لتكريس صورة المكان وكشف جمالياته وقيمه. تفتقد السينما الأردنية، أو بتعبير أدق، الأفلام الأردنية التي أنتجت خلال نحو نصف قرن من عمرها والتي لا يتعدى مجموعها رقم العشرة أفلام روائية طويلة، مثل هذه الخبرة التراكمية التي تسمح لها بالتعبير عن المكان وهويته، خاصة وان من قاموا بتحقيق ما توفر من أفلام أردنية روائية طويلة لم يضعوا مثل هذه المهمة في بالهم، ولم يمتلكوا رؤية فنية تجاه الأماكن التي صوروها حاولوا التعبير عنها. بالرغم من ذلك ثمة ما يقال حول المكان في الأفلام الأردنية :

أول الأفلام السينمائية التي جرى تصويرها في الأردن كان بعنوان" صراع في جرش" إخراج واصف الشيخ ياسين، وهو فيلم روائي طويل أنتجه مواطنون أردنيون يحكي قصة ملاحقة ضابط شرطة لعصابة تسرق وتبيع الآثار. جرى إنتاج الفيلم في العام 1957 وتم عرضه في صالة سينما الفيومي في جبل اللويبدة ثم في صالة أخرى في إربد لبضعة أيام، بعد ذلك اختفى الفيلم ولم يعد له أثر إلا في ذاكرة بعض من شاهدوه في حينه، وأكثر ما حفظته الذاكرة عن الفيلم انه كان فيلما بدائيا في صنعته وساذجا في موضوعه وقصته.

صراع في جرش

بعد نحو نصف قرن من اختفاء الفيلم تم العثور على النسخة الأصلية منه و بالتالي صار من الممكن مشاهدة الفيلم، أو بتعبير أدق:" إعادة اكتشافه" ومن ثم إعادة الاعتبار له من حيث كونه وثيقة مرئية باتت تسمح لنا الآن بالتعرف على المكان الأردني في زمن مضى وما طرأ عليه من تغيرات وتطور، مثلا، آثار "جرش" كانت مجرد أطلال مهملة وصارت الآن معلما سياحيا حضاريا، كذلك البحر الميت : كان فضاء فارغا إلا من رمال جرداء وماء فصار الآن ينبض بالحياة والعمران، لكن، ليس هذا فقط ما يشكل أهمية هذه " الوثيقة السينمائية".

كامل الملف

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان