رموز: المُخْرج التُّونسي حميدة بن عمّار

حفظ

                                               الهادي خليل

حميدة بن عمّار هوعميد المخرجين الوثائقيّين بتونس وأمهرهم مضمونا وجماليّة.
 ولد حميدة بن عمّار بأكـودة بالسّاحل التونسي سنة 1941. ومعه بلغ مستوى العمل السينمائي الوثائقي درجة عالية من الجودة من العسير بلوغها. لقد أنتج غيره من المخرجين التونسيين،وسينتجون،أفلاما عن تاريخ تونس والحضارة العربيّة الإسلاميّة من خلال تصوير معالم أثريّة شهيرة وجوامع ذائعة الصّيت أو الاهتمام بفنون عتيقة، لكنّهم لم يبلغوا مستواه. يتقن بن عمّار التأليف الوثائقي، ويجيد استخدام الألوان والأضواء.وتبهره التحوّلات الحاسمة سواء أكانت سياسيّة إجتماعيّة أم ذهنيّة فكريّة. وبذلك أمكن لحميدة بن عمّار أن يبنيَ عالمه الخاصّ وأن يظفر بلمسة فنـّية لانجدها عند غيره،مثلما استطاع أن يؤسس لرؤية تمتاز بشدّة الإحساس بحيوية عمليّة الإخراج السينمائي وجمالها.
 في كلّ أفلامه -"الزيتونة في قلب تونس" (1981) و"الخطاط العربي" (1971) و"الرّباط"(1986) – يبدو التّوقيع توقيع فنّان أراد أن يوظّف طاقات اللغة السينمائيّة من أجل أن يتمثّـل التاريخ تمثّلا جذّابا وخلاّقًا.
 يبدو حميدة بن عمّار للوهلة الأولى من أنصار تصوير التّـاريخ وتناول أهمّ تحوّلاته الحاسمة. يقف عند لحظاته الوهّاجة، مستعينا بسارد يسرد الوقائع وصور تعود إلى الحقبة التي يتناولها، مستندا إلى وثائق مكتوبة أو جداريات مرسومة، مسكونا بهاجس الدّقّة التاريخيّة. لذلك تراه يعوّل في أعماله على المقاربة العلميّة يستقيها من الجامعيين والباحثين.في شريط "الزيتوتة في قلب تونس"، كان "عبد العزيز الدُّولاَتلي" مستشاره التـّاريخيّ. وفي "الرّباط"، عوّل على جمال لغة التوحيدي الصوفية بصوت الممثّلة التّونسيّة "منى نور الدّين"، السّاردة.ويتميّز شريط " الخطّاط العربي "بالتعليق الذي جاء في لغة فرنسية تُزَاوِجُ بين الإبداع الأدبي والمعرفة الفلسفيّة بفضل لمَسَات محمّد عزيزة، الشّاعر والمثقّف التونسي المتخصّص في موضوع الصّورة في الإسلام.
 لكنّ هذه الضمانات العلميّة ليست هي التي تصنع سحر أفلام حميدة بن عمّار الوثائقيّة. تسرّ هذه الأشرطة العين وتمتع الخيال لأنّ المادة التاريخيّة المعروضة فيها في شكل مراحل وأطوار قد تمّت مسرحتها وَتَخَيُّلُهَا بالصّور. إنّ أعمال بن عمّار الوثائقيّة محكومة بأسلوب الوصف الحي ّ المؤثر الذي يحوّل الحدث إلى فرجة. ولا يجيد هذه التقنية إلاّ كبار الساردين السينمائيين. غَالبا ما يُعرض في أفلام بن عمّار هذا المستند المشهدي منذ البداية، إذ نرى في المشهد الافتتاحي لشريط "الخطّاط العربي" ألواحا صغيرة تغمرها مياه البحر. يبدو هذا الكتاب الضخم الموضوع على الشاطئ صامدا كالدّرع.
 أمّا في شريط "الزيتونة في قلب تونس"، يظهر قبل الجينيريك مسافر قادم من بعيد كأنّه راع من رعاة العصور القديمة، يقطع الصحراء قاصدا أرضا يحجّ إليها. وتنطبع فوق آثار خطاه على الرّمال بخطوط سوداء وبيضاء آيات من سورة "النّور"، تلك الآيات التي تُبْهِرُكَ بمعانيها ومغازيها الإنسانيّة والوجوديّة الفيّاضة. ونشاهد في شريط "الرّباط"، شَابًّا يَطْرُقُ بيده باب الحصن الحصين المنغلق على اثنَيْ عشر قرنا من التاريخ، لكنّ الباب يظلّ مغلقا وينفتح باب آخر دونه ضخامة عن طريق عجوز يستقبل الشاب الزّائر وهو يحمل مصباحا.

 ليس التّاريخ، بالنّسبة إلى حميدة بن عمّار، معرفة باردة أكاديميّة وإنّما هو رحلة عبور فيها يعود مسافر،عارف أو جاهل، لكنّه مأخوذ دوما كأنّه في حلم،إلى ينابيع تاريخ بلاده، وإلى مرتكزات الحضارة العربيّة الإسلاميّة .من خلال نظرة امرأة شابّة، يتمّ في شريط "الخطّاط العربي" كشف توريقات الحرف العربيّ واكتشاف المعابد التي فيها تبدّت تفريعاته الملتوية كالثعابين. وفي الزيتونة توقّـع تنقّلات شاعر جوّال متعطّش إلى المعرفة مختلف مراحل تاريخ مدينة تونس بدءا من تأسيس جامع الزّيتونة عن طريق "حسّان بن النعمان" وترميمه من قبل "عبيد الله الحبحاب"، مؤسّسه الفعليّ، مرورا بمرحلة النهضة الفكريّة والعلميّة التي مثّلها المؤرّخ وعالم الاجتماع المجدّد عبد الرحمان بن خلدون وابن عرفة الفقيه التقليديّ المحافظ، وصولا إلى الدّور الخطير الذي نهضت به المدرسة الزيتونيّة في تعليم العلوم ونشر المعارف وظهور ثلّة من كبار المصلحين مثل خير الدّين باشا وأحمد بن أبي الضّياف وتأجيج نار المقاومة من أجل استقلال تونس ودور النخبة الزيتونيّة في تأطير الحركة الوطنيّة وتحفيزها. 

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان