دمشق السينمائي : لا يُعوّضه إنسانياً أيّ مهرجانٍ

حفظ

                                        صلاح سرميني ـ باريس

رُبما تكون هذه القراءة مُفيدة لمهرجان دمشق السينمائي الدوليّ، خاصةً، وإدارته حالياً بصدد تجهيز الدورة القادمة (الثامنة عشر)، أكتبُها قبل أن تزداد حمّى التسابق، والتنافس بين المهرجانات السينمائية العربية، وتتسارعُ الأيام نحو لحظاتها الحاسمة.
وبالإضافة إلى الأفلام الكثيرة التي يفخرُ بها، تُعتبر نشرته اليومية بحقٍ إحدى العلامات البارزة في نشاطاته، وواحدةً من المطبوعات الجادّة لنشر الثقافة السينمائية (مع القليل من التحفظات التي سوف تتضحُ في سطوري القادمة).
شخصياً، أعتبرها الأفضل شكلاً، ومضموناً بين معظم النشرات التي صدرت عن المهرجانات السينمائية العربية الأخرى التي تسنّى لي مُتابعتها (بما فيها مهرجانيّ دبي، وأبو ظبي).
تحتوي النشرة على 40 صفحةٍ من القطع الكبير (العدد الأول من دورة عام 2009) بما فيها الغلافيّن الداخليين، والخارجيين، 29 باللغة العربية، و11 بالإنكليزية، ومن الطبيعي أن تزخر الصفحات العربية تحريرياً بالمُقارنة مع مثيلتها الإنكليزية المُقتصرة على الأخبار المُوجهة للضيوف الأجانب.
تُشكل نشرات المهرجان لدورةٍ واحدة وثيقةً بالغة الأهمية، بينما تعتبرُ حصيلة دوراته الـ 17 الماضية خزينةً سينمائية تاريخية عُظمى.
وأنتهزُ هذه الفرصة (بالمعنى الإيجابيّ)، كي أقترح على إدارة المُؤسّسة العامة للسينما جمعَ كلّ أعدادها منذ بداية المهرجان، وحتى الدورة العشرين المُقبلة (مثلاً)، بما فيها تلك النشرات الورقية الشبيهة بالصحيفة اليومية التي صدرت في الدورات الأولى، وشاركتُ (مُتطوّعاً) في تحرير واحدةٍ من دوراتها، وكنتُ وقتذاك طالباً في المعهد العالي للسينما بالقاهرة، ومنها سافرتُ على نفقتي الخاصة إلى دمشق لمُتابعة أول مهرجانٍ سينمائيّ في حياتي (كنتُ أتابعُ عروض مهرجان القاهرة السينمائي كمُتفرجٍ فقط).
لم أذهب بدعوةٍ رسمية، ولم يخطر في بالي أبداً الحصول عليها بصفتي الطلابية (مع أنني كنتُ أمارسُ النقد السينمائيّ بنشاط)، ولهذا، تغاضت أسرة تحرير النشرة عن "احتلالي" المُؤقت للمكتب الصحفي الذي كنتُ أحوله ليلاً إلى مكان إقامتي (بعلم إدارة المهرجان، أو بمعرفتها، لا أدري).
كان الناقد السينمائي "رفيق الأتاسي" ـ رحمه الله ـ  يرأس تحرير النشرة، يُشاركه في الكتابة عمار مصارع، محمد قاسم، بندر عبد الحميد،….وآخرين لا أتذكرهم (وأرجو من أيّ شخصٍ يحتفظُ بتلك النشرات تصحيح أخطائي إن وُجدت).
كنتُ أنامُ في المكتب الصحفي، ويُزوّدني المخرج، والناقد السينمائيّ السوريّ "مروان حداد" ـ أطال الله في عمره ـ ببعض بطاقات الطعام، ويجب الاعتراف بأنه أول من شجعني على دراسة السينما، عبر الأثير أولاً من خلال برنامجه الإذاعيّ الأسبوعيّ الذي كنتُ مواظباً على سماعه، وفيما بعد، عن طريق علاقتي الشخصية معه، وزياراتي المُتقطعة له في المُؤسّسة العامة للسينما، وكم كانت فرحته صادقة عندما عدتُ يوماً إلى مكتبه (بعد أن أصبح مديراً عاماً للمُؤسّسة)، وأخبرته بأنني أدرس السينما في مصر، وأكثر من ذلك، عضواً في"جمعية نقاد السينما المصريين".

النسخة العربية من النشرة

وكي لا أنسى النشرة، وأستغرق في الحديث عن هذا الرجل الفاضل، وغيره، ويتوّجب عليّ يوماً الاحتفاء بكلّ النقاد، والسينمائيين الذين "ورطوني" في السينما (سامحهم الله) بدلاً من "الهندسة المدنية" التي درستها لمدة سنتين في جامعة حلب، أو بيع الخضار، والجبن، وحلويات العيد في حيّ "القصيلة" المُحاذي للقلعة الشهيرة .
يتضمّن العدد الأول من نشرة دورة عام 2009 النصّ الكامل لكلمة وزير الثقافة "رياض نعسان آغا"، وأخرى لمدير المُؤسّسة، والمهرجان "محمد الأحمد"، وحواراً مُطوّلاً معه يُجيب على أسئلةٍ صحفية، هي بمثابة تساؤلاتٍ تدور في أذهان جميع الضيوف، والعاملين في المشهد السينمائي العربي، والسوري بشكلٍ خاصّ.
ـ أسباب تقليص عدد أيام المهرجان من عشرة إلى سبعة.
ـ السعيّ للحصول على الشرعية الدولية من الإتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام (أتمنى بأن لا تشغل الإدارة نفسها كثيراً بجمعيةٍ فرنسية تمنح اعترافها لمهرجانٍ ما وُفق مصالحها التسويقيّة، وإقامتي في فرنسا تجعلني أعرف جيداً آليات عملها).
ـ البعد الثقافي للمهرجان من خلال عروضه، وتظاهراته.
ـ استغلال تيمة دمشق العريقة كمكانٍ في عروض المهرجان.
ـ هل وصل المهرجان إلى مرحلة الاستقرار.
ـ عروض الافتتاح.
ـ المُشاركة السورية سابقاً، وحالياً.
ـ سياسة المهرجان في اشتراك الأفلام السورية.
ـ شروط اشتراك الأفلام في المُسابقة الرسمية.
ـ تساؤلات حول سينما القضية الفلسطينية، ندوة، وتظاهرة.
ـ معاناة الندوة المركزية من الخلل (وهي بحاجةٍ فعلاً إلى مراجعةٍ جذرية).
………..
لم يكن الغرض من ذلك الحوار دعائياً، مع أنّ النشرة لسان حال المهرجان، والمؤسّسة التي تُنظمه هي الوسيلة الأمثل لهذه الأغراض .
ولكن، أعتقد بأن مديره "محمد الأحمد" كان صادقاً في أجوبته، وخاصةً عندما تحدثَ عن السينما السورية، والعربية بموضوعيةٍ، ووضعها في مكانها الصحيح مقارنة مع السينما العالمية.
ومن المُتوقع، في مناسبةٍ كهذه، بأن لا يكشف عن مشاعره الداخلية في مواجهة بعض المُعارضين لسياسته السينمائية (وهل هناك أحدٌ في المشهد السينمائي العربي حالياً لا يُعارض أحداً آخر؟)، وهذا دليلٌ بأنه لم يستخدم النشرة مكاناً للمُجاملة، والمُحاباة، وتعاملَ معها مثل أيّ صحيفةٍ أخرى (هو الذي لا تنقصه الوسائل الإعلامية).
تحتوي النشرة (والحديث دائماً عن العدد الأول لدورة عام 2009) على 8 صفحاتٍ للتعريف بأعضاء لجان التحكيم لمن لم يقرأها في الدليل الرسميّ الضخم (الذي يحتاج إلى إعادة نظرٍ أيضاً)، أو الجمهور المحليّ الذي لن يحصل عليه إلاّ في نهاية المهرجان.
لم تلجأ إدارة التحرير إلى إعادة نشر ملخصات الأفلام، ومعلوماتها الفنية، والتقنية (بدورها تحتاج إلى تدقيقٍ مُسبق)، وبدلاً منها، تُثرينا بقراءاتٍ جادة حول الأفلام، والمخرجين، ولكن، وهي النقطة الجوهرية، من حقّ القارئ العادي، والمُحترف معرفة كاتب هذا الموضوع، أو ذاك، هل اعتمد على التأليف، الترجمة، الإعداد، التجميع، القصّ/اللصق(هذه المُشكلة التي أصبحت تُؤرق الثقافة السينمائية العربية حالياً، وأتمنى من إدارة المؤسسة دراسة خطورتها الآنية، والمُستقبلية).

النسخة الانجليزية

وبعيداً عن نشرته (وأتمنى تحويلها إلى مجلةٍ شهرية)، وقريباً من أجوائه، يمتلكُ مهرجان دمشق شعبية كبيرة في الوسط السينمائي العربيّ، وقد حقق نجاحاً مُبهراً في الجوانب المُتعلقة بالحفاوة، وكرم الضيافة، وجعل دمشق، وسوريا بشكلٍ عامّ، عشقاً جماعياً لا يختلف عليه ضيفان (واختلافات وجهات النظر بين الضيوف كثيرة في مهرجاناتٍ أخرى)، ومحاولات تأصيل هذه الفكرة بالتحديد هي واحدةٌ من الأهداف الكبرى (والمشروعة) للمهرجان توازياً مع السينما، قبلها، أو بعدها، ولن أكون صادقاً لو عمّمت اتفاقاً جماعيّاً على البرمجة بكافة فروعها، ولكنني، بالمُقابل، أؤكدُ بأنها مسألة نسبية، هي جديدة، ومفيدة، لضيفٍ من الجماهيرية الليبية، وقديمة بالنسبة لآخرٍ من باريس، رُبما يفرحُ بها صحفيّ من مصر لا يسافر كثيراً خارج المنطقة، ويكزّ على أسنانه ناقدٌ مُتمرسٌ قادماً من لندن، ولكن، يجب الاعتراف دائماً، وأبداً، بأنّ الأفلام مُوجهة للجمهور المحليّ الذي يُولي سنةً بعد أخرى اهتماماً متزايداً بعروض المهرجان، وهي ظاهرةٌ مشتركة مع أيام قرطاج السينمائية في تونس.
هناك مهرجاناتٌ سينمائية عربية، وبدون قصدٍ، تبعدُ الضيف عن الآخر (الإقامة في فنادق مختلفة، التمييز بين الصحفيين، النقاد، والسينمائيين، المسافة البعيدة بين أماكن الإقامة، وصالات العرض،…).
وأخرى (يُقال عنها حميمة) تحتضنُ الضيوف، تقرّب فيما بينهم، وتُشعرهم بالأمان منذ اللحظة التي تطأ أقدامهم أرض المطار على الرغم من كلّ السلبيات الجانبية التي يتعرضون لها، ويتجاوزونها برحابة صدرٍ، ولا يسكتون عنها في مهرجاناتٍ أخرى.
مهرجان دمشق السينمائي الدولي واحدٌ من المهرجانات العربية النادرة التي نجد مديره "محمد الأحمد"، والسكرتير العام "رأفت شركس" بانتظار الضيوف في المطار، ومعهم عدداً من المُتطوعين يتحدثون لغاتٍ مختلفة، ويدعونهم إلى قاعة الشرف، ومن ثم يرافقونهم في سيارات رئاسة مجلس الوزراء، وهنا يشعر الجميع بأنهم ضيوفٌ (فوق العادة) للمهرجان، وسورية في آنٍ واحد .
على أيّ حال، رُبما تتمتعُ مهرجانات سينمائية عربية أخرى بهذه المُميزات، وأكثر، ولكن، طالما لم يتسنى لي متابعتها، فلا يمكن الإشارة لها، وبما أنني لم أسعى البارحة، ولا اليوم إلى الحصول على دعوةٍ من هذا المهرجان، أو ذاك، وبدأتُ بتنفيذ خطة اعتذار عن متابعة بعض المهرجانات التي أصبحت، بالنسبة لي على الأقلّ، مُملة، وعديمة الفائدة، ولم تعد فكرة السفر تُثيرني، ولا التجوال في شوارع هذه المدينة العربية، أو تلك، ولا الإقامة في هذا الفندق الفخم، أو المُتواضع، …..
والأسباب بسيطة للغاية، فالمهرجانات الأوروبية التي أتابعها بهدوءٍ تمنحني ثقافة سينمائية لا مثيل لها.
وحده، مهرجان دمشق السينمائيّ الدوليّ، لا يُعوضه (إنسانياً) أيّ مهرجانٍ عربيّ، أو أجنبيٍّ آخر.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان