"شو صار؟" : تطهري للخروج من دوامة الحرب

![]() |
نقولا طعمة
أثار فيلم "شو صار"، مؤلفه ومخرجه ديغول عيد، حالة تعاطفية لأكثر من سبب: الأول، منع عرضه من قبل جهاز الرقابة اللبنانية، وثانيا، موضوعه الذي تناول حدثا جللا مرتبطا بالمخرج، لوقوعه في البلدة الشمالية العكارية عدبل التي ولد وتربى فيها، وهاجرها مطلع الثمانينات بسبب الحادث الذي خلف مجزرة انسانية واجتماعية مفجعة، طاولت المخرج بمقتل مروع لوالدته وشقيقته وعدد من أنسبائه.
كان الحدث رد فعل على حوادث اغتيال لأخوين من البلدة عينها، اتهم حزبهما بالاغتيال مسؤولا أمنيا في حزب معاد لحزبهما وهو من البلدة عينها. وأدى رد الفعل إلى مجزرة ذهب ضحيتها تسعة أشخاص، وترافق بأعمال عنف مروعة.
ترك الحدث، الذي آثر ديغول عيد وصفه ب"المجزرة"، وطأة قاسية على أبناء البلدة، خصوصا الذين طاولتهم بأحد أبنائها، أو تعرض منزلهم للممارسات المروعة.
لم يعرض الفيلم مشاهد عن المجزرة أو آثارها المباشرة بسبب عدم توافر الوثائق، فكانت المجزرة ووطأتها، وما سببته وخلفته من آثار، معروضة على ألسنة أشخاص قابلهم عيد، فبدا أن آثارها لم تمح، لا بل وكأنها وقعت بالأمس القريب.
هاجر كل ذوي الضحايا حاملين معهم ذكريات الحدث الأليمة، ولم يجر اعتذار أو مصالحة تنهي مفاعيل الفعل ورد الفعل، فظلت النفوس متأججة، ومختلجة بالأسى والحقد.
حاول عيد إعطاء الفيلم معان انسانية وحضارية، فكرر في عرضه كلاما عن أهمية تجاوز الحدث وآثاره، مصرحا ل"الجزيرة دوك": “أعرض الفيلم لا لأثير غباره مجددا، بل ليعرف الناس هول الأحداث علهم يبتعدون عن تجدد ارتكابها".
رغم قرار منعه، ثم السماح بعرضه في مجالات متخصصة وضيقة، استضافت جمعية "امم" عرض الفيلم في هنغارها في محلة الغبيري بالضاحية الجنوبية لبيروت، وحضر العرض المخرج قادما من فرنسا للغاية.
لا تعرف الغاية الحقيقية من عرض الفيلم بعد مرور نحو ثلاثين عاما على وقوع الأحداث، لكن الواضح أن ديغول عيد كان لا يزال حتى اللحظة متأثرا به، ومنزعجا من استمرار وطأته عليه. أظهرت تطورات أحداثه انفعالات شديدة لم يستطع الزمن تجاوزها لأنها ظلت كامنة في النفوس خارج إطار مكان وقوع الحدث، فلم تجر متغيرات، هي في العادة يومية وروتينية تسقط رهبة من هنا أمام مرتكب، أو من هناك أمام مسؤول. ظلت العواطف متأججة ومتفاعلة دون تفريغ، فكان شحنة عاطفية مقلقة وموترة لعيد، ولكل من كان في موقعه من أهل الفعل ورد الفعل. هذا ما أظهرته تطورات أحداث الفيلم ووقائعه، وكلام أبطاله الذين كانوا من أبناء العائلة عينها، ومنهم المسؤول المتهم عن اغتيال الأخوين.
مفعمة بالحزن والقلق والأسى كانت تطورات أحداث الفيلم، وعروض وقائع الحدث الذي تناوله. كيف يمكن لإنسان أن يعيش طوال حياته مثقلا بهكذا عناصر؟ كل واحد ممن يعنيهم الموقف تعامل مع واقعه بطريقته المحافظة على آلامه، أما عيد فأحب أن يخرج، ويطوي صفحة مضى عليها الزمن، ولم يعد من المفيد الإبقاء عليها في النفوس. كان يجب التطهر من آثارها بطريقة ما. لماذا عليه الاعتراف وهو ليس المرتكب؟ لكن كيف يتطهر من دون اعتراف؟ وبماذا يعترف؟.
![]() |
| ديغول يقدم فيلمه |
لم يكن أمام عيد سوى وضع فيلم عن المجزرة تنهي روايته معها، ويفرغ شحنة الثلاثين سنة الماضية التي تركت المجزرة عبئها عليه. فكان الفيلم بالنسبة له خطوة تطهرية أولى، تصل به إلى تلك الغاية، فيعود وأولاده إلى بلدتهم، ويعيشون متجددين لمرحلة ما بعد المجزرة التي طال محو ذاكرتها عنهم.
والفيلم يفتح باب الاعتراف، وقص ما جرى، والتعبير عما في الذات، إذن وضع الفيلم من دون عرض لا يؤدي المطلوب، فكانت الرقابة اللبنانية بالمرصاد كأنه من غير المسموح التطهر لدى اللبنانيين، ولولا ذلك لما ظلت الحرب الأهلية كامنة، وقابلة للتفجر في أي لحظة. هل هي إجراء عفوي، أم مقصود؟ قد لا نعرف. لكن المؤكد ان النتيجة هي بقاء الواقع اللبناني في حرب أهلية كامنة، حتى إذا جاءت اللحظة المناسبة، والظروف المؤاتية، عاد الوضع في البلاد إلى تكرار ذاته من تفجر وقتل وتدمير.
خطوة عيد كانت باتجاه يلغي الحرب الأهلية من النفوس، بتطهرها، ليستعيد الناس عافيتهم، ويعودوا لحياتهم الطبيعية.
لكن عيد ينفي أن يكون الفيلم ما يشبه المعالجة النفسية له، ويذكر في معرض مناقشته مع الجمهور الذي حضر العرض: “لا أعتبر الفيلم معالجة نفسية لي، ولو لم أكن متصالحاً مع نفسي سابقاً، لما تمكنت من انجازه".
وردا على سؤال يتعلق بسبب إصراره على العرض في صالة عامة، قال: "الهدف من السينما التأثير على جماعة وقصته تتعلق بكل الجماعات اللبنانية. وليس بفرد يقوم بـ"نقرة" على الانترنت. ثمّة مصيبة في لبنان تسمّى "تسوية"، والانترنت تسوية أيضاً، ولم يعد جائزا الاستمرار هكذا".
وثائقية الفيلم
قدم عيد فيلمه على أنه وثائقي، وهكذا تناولته التعليقات عليه. غير أن الفيلم المفعم بالانفعالات العاطفية الذاتية، والمعاناة الفردية الكبيرة، لا يمكن أن تترك فسحة واسعة للموضوعية والحياد والتجرد كعناصر يتطلبها التوثيق.
بالمقابل، لم يكن من السهل على عنصر معني بالمجزرة بشكل مباشر القيام بمقابلة كل الأطراف، فهو لن يكون في موقف سليم بمواجهة قاتله. لذلك لم يستطع إجراء هذه المقابلة، فلا القاتل يقبل، ولا المقتول يستطيع.
ويصيب الفيلم هدفا توجيهيا عندما يركز مخرجه على أنه للعامة وليس تجربة فردية. وفي مقابلة معه نشرها موقع الجمعية المستضيفة، يقول: "عندما تنطلقين من تجربة ذاتية، تخافين ألا يفهمك الناس وأن تصل الرسالة الى عائلتك فقط. تمثلت الصعوبة في أن أنسى أن القصة تخصني وألبس دوري كمخرج، ومن الصعب جداً ألا يكون عندك كبرياء أمام الكاميرا. اخترت أن أكون مخرج الفيلم قبل أن أكون بطله”.
لكنه كان بطلا في الفيلم، ومعنيا مباشرا بأحداثه، فتفاعل مع موقع بلدته التي عاد إليها بعد سنين طويلة، وبكى بغزارة دموع من شأنها تفريغ ما اختبأ بداخله لسنوات طوال”.
وهنا، يضعف الموقف عنصر التوثيق لصالح عنصر ثان يفترض أن ينضم تصنيف الفيلم إليه وهو أنه روائي أدبي يستند إلى وقائع حقيقية. لكن هذا ما نفاه عيد ذاكرا أن التوثيق أبواب وأصناف.
وفي كلام ل"لجزيرة دوك" عن هدفه من الفيلم، قال: “الهدف هو إحياء الذاكرة المطمورة لضيع كثيرة في لبنان جرت فيها حوادث مماثلة، أو غير مماثلة، وقد تكون أقوى وأفظع، لكي نعيد فتح الذاكرة مجددا بغية عدم تكرارها. لم يكن عندي حل آخر أنطلق منه إلا القصة الشخصية، وهي موجعة”.
وعن عدم موافقة الأمن العام علي الفيلم، قال أن الحجة هي أنه متضمن لذكر أحزاب سياسية وأشخاص، مما يمكن أن يسبب ردة فعل، ويصبح المخرج مسؤولا عن ردات الفعل التي تقع عليه. بما يعني أن الدولة لا تحميك. تورطك وتتركك دون مساعدة”.

