عدي رشيد: "كرنتية" خطوة أولى في الإنتاج العراقي

اعتاد أن يحرك السكون بارادة وثابة، وقلق متقد، ليلون الأشياء ببصمته البكر ويخط ملامحه الأولى على محيا سينما غابت ملامحها لعقود خلت، وكان أول من طبع قبلة الحياة على فم سينما تحتظر واسمى قبلته الاولى "غير صالح" حتى عادت صالحة جدا، ثم يعود بخطوة أولى في طريق الانتاج السينمائي العراقي،لتكون "كرنتية".
إنه المخرج السينمائي العراقي الشاب عدي رشيد الذي انتهى مؤخرا من مرحلة تصور فيلمه السينمائي الروائي الطويل الثاني كرنتية. ليسجل السبق في مرحلة الانتاج العراقي. وقد أنتج الفيلم بمساعدة دائرة السينما والمسرح في بغداد بالتعاون مع شركة انليل العراقية التي يديرها عمار رشي.

عدي رشيد

* لو بدأنا باسم الفيلم ، ما معناه ولماذا هو ؟
 كرنتينه: اسم  مشتق من مصطلح لاتيني ( Quarntain ) ويعني مكان (حجر المجانين). وهو عنوان نفسي. وقد وجدت شحصياتي محجور عليها في كرنتية وهي خلف أبواب فعلية من نوع ثاني الباب الاجتماعي  باب العنف الباب السياسي وهي إذا اجتمعت تشكل حجرا كبيرا  وانا اعتقد اننا كعراقيين لا زلنا في حجر،
وغير أصحاء. والفيلم لا يحتمل بنية رمزية فالدال يعادل المدلول. وهذا المكان استخدمه الاتراك خلال فترة الاحتلال التركي للعراق لحجر المجانين.

 * اليس من المجازفه التعويل على دائرة السينما والمسرح ، في إنتاج فيلم سينمائي روائي طويل، واقصد الإمكانات البشرية والتقنية أمام الوضع الراهن في العراق ؟
بعد الخبرة التي حصلت عليها في إخراج فيلم "غير صالح" متابعا لآليات الإنتاج السينمائي، وجدت نفسي قادرا على رسم مخطط انتاجي ساهم فيه المنتج عمار رشيد  وقسم السينما. وقد قضيت خمسة أشهر في أروقة السينما والمسرح أشكل فريق العمل، وأجمع المعلومات عن تاريخ وآلية اشتغال كل شخص، وكنت أراهن دائما على الانتاج العراقي، وأتساءل دائما، لماذا لا يمكننا أن نصنع فيلما عراقيا خالصا؟ وبعد طرح الفكرة على دائرة السينما والمسرح، قوبلت بالترحيب والمباركة، وكل الذين عملوا في الفيلم كان يجمعهم حب السينما.

* هل يكفي برأيك حب السينما، لإنتاج فيلم سينمائي ؟
نعم، خصوصا عندما تنجح في مزج جيل قديم  ذي خبرة لا يستهان بها برغم سنين السبات القسري، وجيل جديد، مليء بالإرادة والإصرار على التعلم،  ومتى وجدت فريق عمل يجتمع على قاسم مشترك هو "حب السينما" دون أن يضعوا الماديات في اولويات اعمالهم، ستصنع عملا ناجحا، وفي "كرنتينه" لم تكن مهمتي أن أصنع فيلما سينمائيا فحسب، بل كنت أصنع فريق عمل البعض منهم قضى تسعة سنوات يدرس السينما دون ان يشاهد كاميرا سينمائية، وهذا ليس ذنبه، برغم تفوقه النظري في الدراسة الاكاديمية لذلك، كان دافع الفريق الاول ان يستفيد من تجربة تصوير فيلم سينمائي ، وبكادر عراقي كامل.
ولا أخفي عليك، كان لدي قلق في بداية الأمر، ففريق العمل لم يعمل في مجال السينما لأكثر من عشرين سنه، والتلفزيون قد أخذ مأخذا من إبداعهم السينمائي.

إعلان

* نعم لكن دائرة السينما والمسرح تواجه مشاكل تقنية، أكثر منها مشاكل إبداعية ؟
طوال مسيرة دائرة السينما والمسرح لم تكن لديها مشكلة تقنية، لكنها واجهت مشاكل فكرية، أقصد الفكر الذي كان يقود ويتعاقب على قيادة الدائرة، ويسيرها بحسب الاتجاه الفكري والايدولوجي الخاص به.
وأؤكد لك أن التقني العراقي ، يستطيع أن ينجز ما ينجزه التقتني الأوربي، لو وفرت له تقنيات مماثلة، واعتقد أن الفيلم ساهم في تشكيل فريق عمل متكامل جاهز للعمل مع المخرجين الاخرين وإعادتهم إلى أيام إبداعهم الأولى، لسنين خلت، الأمر الذي جعل بعظهم يجهش بالبكاء، عندما اكتمل التصوير، لأن الفيلم أدخلهم في فضاء السينما التي لطالما عشقوا العمل فيها وأحبوها.

* أنت إذا لم تضطلع بانتاج فليم فحسب، بل أعددت فريق عمل متكامل بالإضافة إلى إعادة الثقة الدائرة السينما والمسرح ، من خوض تجربة الانتاج . وباموال متواضعة.
ان دائرة السينما والمسرح، لديها إمكانات تقنية، إلا أنّ مخصصاتها المالية ليست كبيرة، لكن لو تم استقطاع مبلغ 15 مليون شهريا، من قيمة الميزانية البالغة78 مليون، لاستطعنا أن ننتج بهذا المبلغ فيلمين في السنة، طالما هناك أجهزة ومعدات للتصوير ، مع وجود كادر متمرس.

* ماذا عن مرحلة ما بعد الإنتاج ما يسمى بالبوست برود كشن؟

مشكلتنا هي مرحلة( البوست  برودكشن )  اذ يجب ان تتم في الخارج كون معمل  التحميض معطل . واعادته يجب أن يتم بتدخل دولة ، كونه يكلف  اموال كبيرة. وهناك تحضير مسبق مع شركة كوداك والتحميض سيكون في دبي والمونتاج ليس مقررا للان اما ان يكون في برلين أو القاهرة.(هذه العمليات تخص شركة النيل التي يديرها عمار رشيد كون الإنتاج مشتركا.

لقطة من الفيلم

* كيف اخترت الممثلين ؟
الهم الثقافي والعطش للشريط السينمائي بالنسبة للمثل العراقي. هو الدافع الاساس،  وعندما يؤدي فنان مثل سامي عبد الحميد كم هو  فرح عندما يرى خلف الكاميرا عراقيين، وكم هو متعطش للسينما ، التي غاب عنها ، بل غابت عنه طويلا ، وليس بوسعي وصف اخلاصهم والثقة المطلقة التي منحوها لي، بينما الأجور كانت  رمزية . كون المنتج ثقافيا وليس تجاريا . وليس هناك دور عرض جاهزة للعرض والممثل يعرف انك لا تربح من هذا الفيلم لكنه يساهم في إنجاز منجز ثقافي  على شكل سينما.

* كونك وفريق عملك ، تعملان لانتاج ثقافي، هل تجد اشكالية في الساحة الثقافية الان ؟
اشكاليتنا كمثقفين، هي وجودنا بين عقلين:
الأول مؤثث دينيا ومتطرف أو متساهل وهو الذي يمسك بزمام السلطة في العراق وموضوعة السينما ليست في سلة اعماله ، وهناك جانب من هذا العقل يعمل على قتل الجنين السينمائي.
والعقل الثاني : هو العقل الاداري الجبان، كونه لايفقه شيئا من حيثيات الادارة، وهو موجود، مع بعض الاستثناءات، والذي يستثنى من ذلك أما أن يقصى أو يحدث له مثل ما حدث للمرحوم كامل شياع، مستشار وزارة الثقافة، قتل على ايدي مجهولين ) .والسينمائي الان يعمل في ساحتين، الأولى كيف تصنع فيلما جيدا، والساحة الثانية هي محاربة هذين العقلين، فصانع الفيلم في أي دولة، يركز على انتاج الفيلم، دون الخوض في معركة ، ومحاربة العقليات التي تؤخر ذلك.

إعلان

* مدير تصويرك،  شاب لازال صغيرا على مثل هذا العنوان، إلى أي مدى راهنت عليه ؟
يجب أن تتوفر في أي مدير تصوير  ثلاث صفات:
 1- العلمية، اذ  يجب ان تتوفر في مدير التصوير ، الصفة العلمية التي تمكنه من التعامل مع الشريط  السينمائي، بكل تفاصيله، ودراية تامة بدرجة حرارة اللون، ودرجات الإضاءة، ومضامينها.
2- الحس الفوتغرافي العالي، لايترك شيئا داخل الكادر لا يعنيه.
3- الشجاعة: لديه شجاعة وثقة تكاد تكون نادرة في مدير  تصوير عمره 23سنة هذا الصفات. مع إصراري على أن أفتح له الأبواب ليدخلها بحرية. وكنت أثق بثقته بنفسه والنتيجة التي وصلت من المعمل كانت هائلة.
أنا أقول إن لدي مدير تصوير شاب لديه قدرة على انتاج صورة لاتقل جمالا  عن صورة اي مدير تصوير أجنبي، واعتقد انه امتداد لمدير التصوير والمصور  زياد تركي صور وأدار التصوير في فيلم غير صالح..

أثناء التصوير

* لماذا لم يشارك معك زياد؟
لأسباب  عائلية وسفر لم يشارك معي زياد تركي وهو اهم الاسماء التي خسرناها بسبب الوضع في العراق .
* أليس بإمكانك الاستعانة بفريق عمل اجنبي، مثلما فعل بعض المخرجين ؟
 لدي إصرار وطني أنه من الضروري ان أنجز فيلمي بدماء عراقية، وفي هذه المرحلة تحديدا، من الضروري أن يعيد التقني العراقي الثقة بنفسه، وتعيد دائرة السينما والمسرح الثقة بنفسها، وهي قادرة بموظفيها، من الجيل الأول، الذي شارك في انجاز جل الافلام العراقية. وفريق عملي كان من جيل الكبار والشباب فتلاقح الخبرة مهم. تخيل أن احد مساعدي من الشباب، درس السينما 9 سنوات، دون أن يشاهد كاميرا سينمائية، لكن معي أعاد التنفس في هذا الفضاء.
 
* هل من اختلاف في ظروف التصوير بين "غير صالح" و" كرنتينه" ؟          
ظروف التصوير في كرنتينه ، بالكامل ايجابية ، في "غير صالح" كان كل شيء غير صالح، الشارع، الناس، الأمريكان، وكل شيء، الآن نحن العراقيين ، نحاول الخروج من الكرنتينه ، نحن مررنا بظرف طائفي ، ربما لو مرت به دولة اخرى لاستمر لسنوات طويلة ، لكن علينا ان نخرج من هذا ، ونزيل الحجر ، المتمثل بالمحاصصة، ويكون لدينا فهم حقيقي للديمقراطية ، عموما يمكن القول إن الظرف الآن أفضل، ويكون أفضل لو أن أفلامنا تصور وتعرض في  العراق.

* هناك سؤال يتكرر دائما، أين نرى هذه الافلام ؟ الناس تقرأ وتتابع أخبار الأفلام العراقية، لكن لا تعرف كيف تحصل عليها، الأمر يقتصر على جمهور المهرجانات، ألا تفكر في إمكانية تسويق أفلامك                    
ندرس إمكانية عرض أفلامنا وتسويقها على أقراصDVD   وهذه العملية تتطلب رأس مال ضخم، ونحن الآن بصدد إنجاز أفلامنا، وليس تبديد المال بتسويقها .

* أنت كمخرج أفلام، هل تعتقد أن هذه الأفلام قادرة على إعادة الوعي السينمائي لدى الناس، وعودة الجمهور الى السينما، ولم تعرض هذه الافلام في دور عرض عراقية ؟
قبل  18سنه أي منذ بداية الحصار الاقتصادي على العراق عام 1991، بدأ الناس بالعزوف عن ارتياد صالات العرض، لأسباب اقتصادية واجتماعية ، وعدم قدرة اصحاب صالات العرض من استيراد افلام جديدة
جعل بعض الصالات تغلق ابوابها الى اجل غير مسمى ، اذن جيل التسعينيات لديه فكرة السينما صفر ، والطامة الكبرى ان اغلب خريجي كلية الفنون الجميلة – قسم السينما ، تخرجوا ولم يدخلوا صالة عرض سينمائي ابدا .
وبدأت الصالات تتحول الى أسواق أو مخازن، لكن من هو صاحب القرار السينمائي الذي يسمح بتحويل دور العرض الى مسميات اخرى، قانونيا كيف يتم ذلك ؟ وانا متأكد لو هُيّئت صالة عرض محترمة وفيها فيلم جيد لتهافت الناس عليها، المسالة صناعة ثقافة وحياة ، تخيل بغداد بدون مطابع، ولديها شعراء.

* تفكر في عرض فيلمك في العراق ؟
أعمل على ذلك، إن أعطي فرصة للناس أن يعاودوا الاتصال بدور العرض السينمائي، وليس بصالة المسرح الوطني، وأتمنى أن يفكر الآخرون في ذلك، فالمهرجانات قد اخذت منا الكثير، لكن العراقيين لهم حق في أفلامهم، وسأعمل على ذلك، حتى لو استأجرت صالة عرض، يجب أن يشاهد الناس الأفلام في أماكن عرضها، وأفكر أن يعرض الفيلم أولا في بغداد.

إعلان

* هل تعول على الدولة ؟
لا خيار آخر لي لأن رأس المال العراقي جبان، ولا يدخل إلى سوق السينما إلا بعد نجاحها.
* تعتقد أن ذلك سيدوم طويلا ؟
نعم ربما سنوات، وبعد أن تستكمل مراحل الانتاج في العراق.
* بالتالي يمكن أن تعمل مع شركة أخرى، إذا وفرت لك إمكانات أفضل ؟
أنا مستمر مع دائرة السينما والمسرح، ومع فريق العمل نفسه، وبإمكاننا إضافة مجموعة من الشباب والمبدعين الجدد.

بطاقة التعريف بفيلم "كرنتينه"
فريق عمل
سيناريو وإخراج : عدي رشيد.
إدارة إنتاج : عمار رشيد  –  قاسم محمد سلمان
مدير تصوير : أسامة رشيد
مصور : جعفر عزيز
ادارة فنية : علي رداعة

الممثلون :
أسعد عبد المجيد
آلاء نجم
حيدر منعثر

ضيوف الشرف :
سامي عبد الحميد
د . عواطف نعيم
حكيم جاسم
عواطف السلمان
زهرة الربيعي
زهرة بدن
هادي المهدي

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان