إسرائيل تغير قواعد الاشتباك ضد لبنان.. حرب مع حزب الله أم مناورات إقليمية مع إيران؟

الطائرات الحربية الإسرائيلية شنت غارات لأول مرة منذ حرب 2006، مما يمثل رسما لقواعد اشتباك جديدة ضد لبنان (رويترز)

بيروت – يجمع محللون على خطورة الأوضاع الأمنية عند الحدود الفاصلة بين لبنان وفلسطين المحتلة، إثر قصف الطائرات الإسرائيلية مواقع جنوبي لبنان لأول مرة بعد حربها مع حزب الله عام 2006، التي انتهت حينها بالقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، الذي ألزم الطرفين ببنود رسمت قواعد الاشتباك بينهما، فجاءت الغارة فجر أمس الخميس خارج إطار هذه القواعد.

ويأتي قصف المقاتلات الإسرائيلية -التي استهدفت محيط مخيم الرشيدية قرب مدينة صور، والدمشقية في خراج بلدة المحمودية وهي منطقة مفتوحة غير مأهولة- ردًا على إطلاق 3 صواريخ من الجنوب اللبناني، لم يتبناها أحد، حيث سقط اثنان منها بمستوطنة كريات شمونة.

وعليه، ثمة ترقب لتعامل حزب الله مع التصعيد الإسرائيلي، فربطه خبراء بتداعيات الصراع المستعر بين إسرائيل وإيران التي يرى مراقبون أن حزب الله يشكل ذراعها الأقوى في المنطقة.

وفي حين اعتبر رئيس الجمهورية ميشال عون أن استخدام إسرائيل لسلاحها الجوي ضد لبنان يكشف عن نوايا عدوانية تصعيدية، يترقب لبنان تقديم شكوى عاجلة ضد إسرائيل لدى مجلس الأمن الدولي.

خلفيات الضربة الإسرائيلية

يرى هشام جابر -رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث بلبنان وهو عميد متقاعد وخبير عسكري- أن غارة إسرائيل الجوية لن تكون الأخيرة، ما دام لم يتبن أحد إطلاق الصواريخ الثلاثة من جنوب لبنان، غير أن إسرائيل تتعاطى معها بوصفها من حزب الله، وإيران من خلفه.

ويرجح الخبير نظرية وجود طرف ثالث أطلق الصواريخ نحو كريات شمونة، حتى لو كان حزب الله يعلم بنية إطلاقها، لأنه لا مصلحة لديه بتسجيل خرقٍ واضح للقرار 1701، الذي تعد أحد أبرز بنوده أن تكون المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني (مكان إطلاق الصواريخ) خالية من أي مسلحين ومعدات حربية وأسلحة، ما عدا التابعة للعسكرية اللبنانية وقوات اليونيفيل.

ووجود طرف ثالث -بحسب جابر- يخدم مصلحة المتضررين من استقرار الجنوب، ويرى أن إسرائيل -التي يصف ردة فعلها بـ"المبالغة جدا"- هي المستفيدة؛ لأنها سارعت لاستثمار ضربتها عسكريًا وسياسيًا.

ويلفت جابر إلى أن القصف الإسرائيلي، رغم خطورته، استهدف حقولا ومناطق غير مأهولة، وأن تدخل طيرانها غير المألوف، سعت من خلاله الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي يرأسها نفتالي بينيت، أن تسجل نقطة قوة وجرأة واندفاع خلافًا لحكومة سلفها بنيامين نتنياهو.

وقال إن إسرائيل استغلت توقيت غارتها بمعركتها المفتوحة مع إيران، لما يعرف بحرب الناقلات، والدعوة ضدها بمجلس الأمن.

وفي إطارٍ أوسع، يجد الخبير العسكري، أن هدف إسرائيل من غارتها تكثيف الحشد الدولي ضد إيران وحلفائها وممثليها، وأنها تضع نصب أعينها عرقلة مفاوضات فيينا النووية بين أميركا وإيران.

وإسرائيل -بحسب جابر- أول المتضررين من عقد هذا الاتفاق، وتسعى من ضرباتها أن تجبر أميركا ضم عناوين جديدة إلى الملف النووي، وفي طليعتها: الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، ونشاط حزب الله، أي نشاط إيران بالمنطقة.

محللون يرون أن التصعيد في جنوب لبنان لا ينفصل عن ساحات المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل (أسوشيتد برس)

جبهات متعددة

ولأن إسرائيل تعيش حالة جبهات متعددة، وفق الكاتب والمحلل السياسي وسيم بزي (المقرب من حزب الله)، سواء بمواجهتها مع إيران بخليج عمان، أو لأن تفاهمات حرب غزة الأخيرة ما زالت هشة، بعد معركة سيف القدس، "فإن الجبهة اللبنانية، هي الأكثر خطورة، والأكثر قدرة على النيل من الخواصر الرخوة للكيان الإسرائيلي".

ورغم التصعيد من طرفها، يعتبر بزي أن وجود حزب الله ممثلًا بالخبرة والتجربة على الأرض، يشكل أكبر تحدٍ مباشر لأمنها، مما يدفعها لاستثمار الانهيار اللبناني، لحرف نظر مقاومة حزب الله عن جبهة الجنوب، اعتقادًا منها أنه منشغل بالأوضاع الداخلية.

وقال بزي -للجزيرة نت- إن حزب الله، وإن لم يعلن عن تبنيه للصواريخ، ينظر للرد الإسرائيلي بوصفه تطورا خطيرا لقواعد الاشتباك القائمة منذ 2006، "مما قد يضع لبنان بالمسار المرسوم للمواجهة الكبرى في المنطقة".

ويشير المحلل السياسي إلى أن استهداف إسرائيل لأي نقطة من نقاط قوة "محور المقاومة"، سيأتي الرد عليه.
ومع ترقب موقف أمين عام حزب الله حسن نصر الله من التصعيد الإسرائيلي -في خطاب متوقع غدا السبت- يلفت بزي أن حزب الله قد يلجأ إلى الرد سواء على قاعدة التبني أو الغموض البناء "لأنه مستعد لمواجهة مفترضة مع إسرائيل وبجهوزية كاملة بإطار المعنى الكبير والتكاملي مع محور المقاومة، من دون أن يسمح لها بجره لردود أفعال".

سيناريوهات التصعيد

يرى وسيم بزي أن مناوشات إسرائيل تجاه لبنان، تدفع إقليميًا إلى مسارين متناقضين: إما انفراج أو انفجار الصراعات.

لكن هشام جابر يجد أن القصف -وإن خرج عن قواعد الاشتباك- قد لا يؤدي إلى مزيد من التوتر، إلا إذا قصف الطيران الإسرائيلي مجددًا مراكز لحزب الله، ومناطق مأهولة جنوبًا وأسفر عن ضحايا.

ويبدو أن إسرائيل تريد الحرب مع لبنان -وفق جابر- لكنها لا تتجرأ على الضربة الأولى لتشعلها، نظرًا لمسؤوليتها تجاه شعبها وتجاه المجتمع الدولي، وتحديدا بعد عدوانها على غزة. لذا، قد "تستمر باستفزاز حزب الله لاستدراجه نحو الحرب، شرط أن يبدأ بالضربة الأولى، كي تشنها بموقع المدافع عن نفسها".

بالموازاة، تعتبر الكاتبة والمحللة السياسية روزانا بو منصف، أن إطلاق أي صاروخ من الجنوب، لا يمر من دون علم حزب الله، نظرا لسيطرته على المنطقة، حتى لو لم يتبناه.

ومع ذلك، فهي ترى لا نية لحزب الله بإشعال حرب رغم قدراته العسكرية "لأنها تهدد آخر ركائز صموده بظل الأزمات التاريخية التي تعصف بلبنان، وتحديدًا بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/آب 2020، الذي سلط الضوء أكثر على نشاطه الإقليمي".

وترى بو منصف أن إسرائيل تسعى للاستفادة من الأزمة اللبنانية، للاستشراس ضد حزب الله، خصوصا أن البلاد تعيش شبه انهيار للبنى التحتية. وأن إيران تستفيد أيضًا من الوضع، لمقارعة إسرائيل بساحة جديدة خارج ساحتها الداخلية، تضاف إلى سوريا والعراق.

ولأن لبنان على مسافة أشهر من انتخابات ربيع 2022، "فالكل يترقب إقليميا وضع لبنة لنظام سياسي مختلف، والسؤال عن موقع حزب الله فيه".

لذا، تستبعد المحللة ذهاب لبنان لتصعيد مع إسرائيل، وترجح أن تستمر بتبادل الرسائل مع حزب الله، "لكن هامش الخطأ بحساباتهما كبير، وقد يجر الطرفان إلى حرب خطيرة غير مسحوبة، إذا أخطأ كلاهما تقدير الأهداف، عند قصف غارة، أو اطلاق صاروخ".

المصدر : الجزيرة