آخر تحديث: 2017/8/2 الساعة 19:40 (مكة المكرمة)

تهاوي أكذوبة التبرير العلمي للشذوذ الجنسي

شاذتان تحصلان على وثيقة زواج في أميركا (رويترز)

إسماعيل عرفة*

بين الحين والآخر تطفو إلى السطح منجزات علمية باكتشاف جين الشذوذ الجنسي (Gay Gene) التي تزعم أن المثلية الجنسية هي أمر طبيعي و"فطري" لدى البشر، فما مدى دقة هذه المزاعم؟

وتمثل مثل هذه الأبحاث أو الأخبار الإعلامية المؤيدة للشذوذ أحد المرتكزات الرئيسية التي يقوم عليها الخطاب الإلحادي الذي يروج أن المثلية الجنسية ليست علة أو مرضا عضويا أو خللا نفسيا إنما هي خيار مشروع للغاية لأنها طبيعة موروثة في الحمض النووي يولد بها الإنسان ولا يمكن إزالتها منه، فضلا عن عقابه بسببها كما تدعو إلى ذلك الأديان السماوية.

ويقوم الخطاب الداعم للمثلية الجنسية بنشر فكرة "طبيعية" الشذوذ الجنسي معتمدا على ثلاثة محاور: الأول هو مقارنة السلوك البشري بالسلوك الحيواني، إذ إن كثيرا من الحيوانات قد تمت ملاحظة ممارستها سلوكا جنسيا مثليا.

المحور الثاني هو الزعم بوجود كود جيني (Genetic code) معين مسؤول عن الشذوذ الجنسي والسلوك الجنسي بشكل عام في الحمض النووي البشري، أما المحور الثالث فيتمحور حول أن المتغيرات البيئية والعوامل الاجتماعية لا علاقة لها بتحديد التوجه والهوية الجنسية.

والظاهر أن هذه المحاور تواجه شكا كبيرا في مصداقيتها، وهو ما يؤكده الكاتبان العلميان الأخوان نيل وايتهيد، وبريار وايتهيد في كتابهما "جيناتي جعلتني أفعلها" واللذان يقولان في مقدمته "إن الغرب كان موضوعا لحملة من التضليل والخداع في السنوات العشرين أو الثلاثين الأخيرة جعلت مؤسساته العامة من المشرعين إلى القضاة ومن الكنائس إلى التخصصات الذهنية الصحية يؤمنون بشكل واسع أن المثلية الجنسية موروثة عضويا وبالتالي لا يمكن تغييرها".

وهو الرأي الذي يتفق فيه المحلل الإعلامي مارك دايس معهما قائلا إن "الإعلام الليبرالي أجرى عملية غسيل مخ من خلال بروباغاندا المثليين الجنسيين حتى يقنع الأميركيين بارتفاع نسب الشذوذ الجنسي".

السلوك المثلي لدى الحيوانات
يعتبر كثير من العلماء أن الاستدلال بالسلوك المثلي الجنسي لدى الحيوانات على صحة وغريزية السلوك المثلي البشري هو استدلال خاطئ من وجهين، الأول: هو أن الغرائز والسلوكيات الحيوانية لا يصح قياسها على مثيلتها الإنسانية، فمثلا تقوم بعض القطط إناثا وذكورا بقتل القطط الصغيرة حتى لو كانت أبناءها، وهو فعل بسبب غريزي في القطط بسبب بعض التغيرات السيكولوجية والعضوية.

وفي سلوك كهذا يصبح من العبث أن يقتل الإنسان أخاه الإنسان بدعوى أن هذا السلوك طبيعي لدى الحيوانات، فلكل نوع كائن حي (Species) تركيبته البنيوية والوظيفية المختلفة تمام الاختلاف عن النوع الآخر.

أما الوجه الثاني لرفض قياس السلوك المثلي للحيوانات على السلوك المثلي للبشر هو أن أغلب الحيوانات التي تمارس السلوك الجنسي المثلي لا تمارسه من دافع الشهوة والرغبة الجنسية في الجنس المثيل وإنما تمارسه لأسباب متنوعة لا علاقة لها في الأغلب بميل جنسي أصيل تجاه نفس الجنس.

ومن ضمن أسباب المثلية الجنسية في مملكة الحيوان إعلان الذكر السيطرة على الذكور الآخرين، وإظهار الذكر المتسيد هيمنته على أرض معينة، وإثبات الذكر رجولته أمام الإناث التي تبحث عن الأقوى، وأحيانا اضطراب حاسة الشم -وهي المسؤولة عن التقاط الرسائل الجنسية لدى بعض الحيوانات- عند الذكور في تحديد الأنثى من الذكر، وهي مبررات تختلف بالكلية عن المبررات التي تقدمها البروباغاندا الداعمة للمثلية الجنسية.

الجينات
كثيرا ما تتصدر الصحف والمواقع الإلكترونية بعض العناوين من نوعية اكتشاف "جين الشذوذ" أو "دراسة تثبت الأصل الجيني للتوجه الجنسي"، لكن يبدو أن أغلب هذه العناوين مشكوك في مصداقيتها ومدى صحتها.

فعلى سبيل المثال وفي أحد الحوادث الملفتة قام عالم الوراثة الأميركي الشهير والمؤيد للمثلية الجنسية دين هامر بإجراء بحث يزعم فيه الربط بين علم الجينات والمثلية الجنسية، وتلقت الصحف الأميركية الخبر بسرعة كبيرة تحت عنوان صريح "باحث يكتشف جين الشذوذ الجنسي"، ورغم جاذبية هذا العنوان ودلالته الصريحة بالنسبة للقارئ العادي فإن دين هامر نفسه نفى هذا الأمر، وصرح قائلا بعد انتشار الخبر "لم نكتشف الجين المسؤول عن التوجه الجنسي، بل نعتقد أنه ليس موجودا أصلا"، فهامر نفسه -وهو المنافح بشدة عن "جينية" الشذوذ الجنسي- يعتقد أن أي محاولة لإثبات وجود جين واحد يحكم المثلية الجنسية هي محاولة عبثية.

وفي حادثة مماثلة عام 2015 أعلن فريق من الباحثين بجامعة كاليفورنيا عن وجود بعض العلامات الفوق-جينية (تغيرات كيميائية لا تؤثر في تركيبة الحمض النووي) التي تؤثر بشكل مباشر في المثلية الجنسية لدى الرجال.

وقامت مجلة الطبيعة (Nature) الشهيرة بتلقي الخبر بحفاوة شديدة، وتبعتها سريعا عدة مواقع إلكترونية علمية، لكن قام عدد من المحققين بمراجعة الدراسة فوجدوا فيها عدة أخطاء تطعن في مصداقية الدراسة ككل، إذ رصد الكاتب العلمي البريطاني إد يونغ بعض هذه الأخطاء، وأوضح أنها شملت استبعاد الفريق البحثي مجموعة معينة من الاختبارات وانتقاء مجموعة أخرى للتوافق مع لوغاريتمات البحث الموضوعة مسبقا من قبل الفريق البحثي، بالإضافة إلى اعتماد البحث على 47 توأما للدراسة فقط وهو عدد صغير جدا لا يكفي لتعميم الدراسة أو حتى لإعادة تجربتها لأنه لا يضمن قوة إحصائية (Statistical Power) كافية.

وقال يونغ مستنكرا "اعتمادا على الإستراتيجية التي وضعها هذا الفريق البحثي فإن فرصة الحصول على نتائج إيجابية هي الصدفة العشوائية وحدها".

وفي إطار نفس الدراسة، وجه أستاذ علم الجينات جون غريلي نقدا للدراسة انتهى إلى تصريح رئيس فريق الباحثين نفسه واعترافه بأن الدراسة قاصرة علميا وإحصائيا.

هل تؤثر الجينات في الشذوذ؟ (دويتشه فيلله)

وبعيدا عن الدراسات التي يتم الترويج لها إعلاميا أجرى فريق من الباحثين في جامعة "نورث ويستيرن" الأميركية دراسة علمية عام 2014 شملت فحص الحمض النووي لأربعمئة ذكر من المثليين الجنسيين، ولم يتمكن الباحثون من العثور على جين واحد مسؤول عن توجههم الجنسي، وقالوا إن "الجينات كانت إما غير كافية، وإما غير ضرورية لجعل أي من الرجال شاذا جنسيا".

وعلق أستاذ علم الجينات الأميركي آلان ساندرز على هذه الدراسة قائلا "الجينات ليست هي القصة الكاملة، إنها ليست كذلك".

العوامل الاجتماعية
أما العوامل الاجتماعية التي تؤثر في الاتجاه إلى المثلية الجنسية فمتعددة ومتنوعة، وتطرح إحدى الدراسات أن غياب الأب أو الأم يجعل نسبة الاتجاه إلى المثلية أكثر بنسبة 20%، ففي دراسة أخرى اعترف 84% من المثليين الذكور بأن آباءهم كانوا غير مكترثين وغير مبالين بهم في صغرهم مقابل 10% فقط للغيريين (أي الذين يمارسون الجنس مع الجنس المغاير).

أما عن الصحبة في الصغر فقد أظهرت الدراسات أن الشواذ جنسيا كان لديهم في الأغلب أصدقاء قليلون من نفس جنسهم وكان يتم رفضهم من المجموعات الكبيرة من نفس جنسهم، ونتيجة لخلل الأسرة أو لنبذ البيئة الاجتماعية لهم تظهر حالة اللاتحديد للهوية الجنسية (Gender Non-Conformity) لدى بعض الأطفال، الأمر الذي يساهم بنسبة 15% في اتجاههم إلى المثلية الجنسية، خصوصا إذا صاحب هذا الاضطراب اعتداء جنسي على الأطفال في الصغر.

كل هذه المعطيات تظهر عدم مصداقية مزاعم أن الشذوذ الجنسي أمر تحدده الجينات، وأنه ليس خيارا يتخذه الشخص وإن كانت عوامل أخرى مثل البيئة تلعب دورا فيه، وهذا يسقط ما يسميها البعض "أكذوبة التبرير العلمي للشذوذ الجنسي".
_____________
* منشور بتصرف عن موقع ميدان الجزيرة تحت عنوان "الشذوذ الجنسي.. حتمية جينية أم سلوك مكتسب؟".
لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية

متعلقات
جميع الحقوق محفوظة © 2018 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: