اللجـوء الصـامـت

 فلسطينيو لبنان يهجرونه فرادى

سجل في الأشهر الأخيرة ارتفاع ملحوظ بأعداد اللاجئين الفلسطينيين الذين يهجرون مخيماتهم وتجمعاتهم في لبنان بعد بيع ممتلكاتهم إلى عدد من الدول الغربية بطرق نظامية جوا وأخرى غير نظامية بحرا.

 

بيروت : تحقيق عفيف دياب

JS Bin

لبنان

إثيوبيا

البرازيل

بوليفيا

إسبانيا

قائمة انتظار

تقول مصادر متابعة في بيروت إن "رحلة التيه الفلسطيني" من لبنان إلى دول غربية قد انطلقت فعليا من خلال تنظيم مكاتب سفر لبنانية هجرة لفلسطينيين من مخيماتهم إلى بلدان أوروبية عبر محطات في عدد من دول أميركا اللاتينية وإسبانيا.

 

وكشفت هذه المصادر للجزيرة نت أن عدة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين غادروا لبنان بواسطة مكتب سفر واحد بالتنسيق مع مكاتب مماثلة له في دول غربية.

 

وتضيف المعلومات أن مكتب اللبناني (ج. غ) للسفريات في العاصمة بيروت -على سبيل المثال- نجح في تنظيم رحلة سفر للمئات مقابل مبلغ مالي أدناه ثمانية آلاف دولار للشخص الواحد، وأن أكثر من ألف لاجئ ينتظرون إنجاز معاملات هجرتهم من مخيمات لبنان.

 

هجرة بدأت تقض مضاجع المتابعين من الفلسطينيين الذين ينظرون إلى ارتفاع نسب هذه الهجرة بعين من القلق، ولا سيما أنه سجل في أقل من ثلاثة أشهر سفر حوالي 1500 لاجئ عبر مكتب سفريات واحد في بيروت كان قد نظم مع غيره من المكاتب المماثلة هجرة الآلاف في أقل من سنة ونصف السنة.

 

هذه المعطيات رأت فيها مصادر فلسطينية مطلعة إرهاصات لتصفية حق العودة نزولا عند متطلبات ما تعرف بـ"صفقة القرن" وإنهاء "الصراع العربي الإسرائيلي" من خلال تصفية القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها ملف اللاجئين.

 

وتقول المعلومات إن هذا المكتب نجح في تأمين تأشيرات دخول لمئات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى دول كالبرازيل وبوليفيا والأرجنتين وتشيلي وإثيوبيا، ثم يتوقفون في رحلة عودتهم إلى بيروت أو إسطنبول "ترانزيت" في دولة أوروبية، حيث يتقدمون بطلب لجوء.

 

في تسجيل صوتي لصاحب هذا المكتب انتشر بين أوساط لاجئين فلسطينيين في مخيماتهم وخارجها، يقول إنه يسعى لتأمين إذن سفر جديد لمن يرغب من اللاجئين في السفر إلى إسبانيا، ومن لا يريدون الانتظار بإمكانهم زيارة مكتبه واستعادة أموالهم التي دفعوها بغية السفر، موضحا في التسجيل الصوتي أن لا أحد يرغب باستعادة أمواله أو جواز سفره.

صوت جمال غلاييني - مدير مكتب سفريات

وينفي مدير مكتب السفريات في لقاء معه صحة دخول الفلسطيني إلى دولة أوروبية بطريقة غير نظامية، أو أنه يطلب اللجوء فور وصوله إليها بعد أن يتلف جواز سفره.

 

يقول جمال غلاييني للجزيرة نت إن مكتبه تقدم بعدد -رفض أن يحدده- من طلبات اللجوء السياسي لفلسطينيين في دول أوروبية لم يسمها، مشيرا إلى أن مكتبه يقدم شهريا لوائح مفصلة بأسماء الذين سافروا عبر مكتبه إلى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي وإلى جهاز الأمن العام.

 

ويوضح أن هجرة اللاجئ الفلسطيني من لبنان "لا تلغي حقه في العودة إلى فلسطين، فبعد أن يحصل على جواز سفر أوروبي يصبح بمقدوره زيارة بلاده"، مؤكدا أن "المشكلة ليست بما أقوم به لأن عملي شرعي بالكامل، ويجب سؤال الدول الأوروبية التي تفتح باب اللجوء للفلسطينيين"، مشيرا إلى أن مكتبه يهتم بتقديم طلبات اللجوء.

 

18 محاولة

من جهته، يقول اللاجئ الفلسطيني غسان حماد -الذي يحمل شهادة جامعية في إدارة الأعمال منذ العام 2011- إن هناك مجموعة من أقرانه اللاجئين في لبنان قد وصلوا إلى الإكوادور بانتظار الانتقال إلى دولة أوروبية، مضيفا أنه يسعى لترك لبنان والهجرة نهائيا.

 

ويتابع حماد في حديث للجزيرة نت أنه حاول الهجرة 18 مرة، ووصل في بعض محاولاته إلى إيطاليا وفرنسا وتركيا وبولندا ولم ينجح في البقاء، كما حاول أن يسافر من بيروت عن طريق تركيا (ترانزيت) إلى الإكوادور ومنها إلى إسبانيا، مشيرا إلى أن رحلته هذه لم تتم على الرغم من أنه دفع سبعة آلاف دولار لمكتب سفريات، جازما بأن إقامته خارج لبنان "تؤمّن له حياة آمنة".

 العميد منير عقيقي

لبنان.. الخروج نظامي

وهجرة الفلسطينيين من لبنان والقائمة منذ سنوات ارتفعت نسبتها في الآونة الأخيرة، حيث لا يمكن للسلطات اللبنانية منعها كما تطلب قوى سياسية فلسطينية.

 

ويقول رئيس تحرير مجلة "الأمن العام" في المديرية العامة للأمن العام اللبناني العميد منير عقيقي إن الفلسطيني اللاجئ في لبنان والمسجل رسميا في قيود وكالة الأونروا ويحمل وثيقة سفر لبنانية "له الحق في مغادرة البلاد ساعة يشاء إلى أي دولة أخرى شرط أن يكون سفره بصورة نظامية وبحوزته تأشيرة دخول إلى الدولة المقصودة إن كان دخولها يتطلب من الفلسطيني تأشيرة".

ويضيف عقيقي للجزيرة نت أن سلطات الأمن العام عند المعابر الجوية والبرية والبحرية "لا يمكن لها منع أي شخص فلسطيني مقيم شرعا من مغادرة الأراضي اللبنانية ما دام سفره يتم وفق الطرق والأشكال القانونية المتبعة".

 

ولكن إصرار السلطات اللبنانية على "نظامية" كل من يريد الخروج من البلاد ومن أي جنسية لم تمنع بعض شبكات تهريب البشر من تحقيق نجاحات بتأمين خروج غير نظامي لمن يرغب من لاجئين فلسطينيين أو سوريين، وهو ما يجهد الأمن العام اللبناني في ضبطه إذ يراقب كافة المعابر من وإلى لبنان بشكل احترافي كما يقول العميد عقيقي.

 

ويوضح عقيقي أن عمليات ضبط جرت لمحاولة تهريب أشخاص من الشاطئ اللبناني، و"مؤخرا جرت عمليات ضبط تهريب عبر خلجان موجودة على تضاريس بحرية لبنانية"، مشيرا إلى أن مكاتب السفر في لبنان تعمل وفق النظم القانونية، وإذا ما لوحظ وجود مخالفات تعاقب فورا وفق قرارات قانونية.

 

غرقى بلا إعلان

نجاح السلطات الأمنية اللبنانية في "ضبط" بعض عمليات التهريب البحري عبر قوارب وزوارق سريعة لعدد من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، لا يخفي وجود عمليات ناجحة تمكن المهربون من إيصال زوارقهم وقواربهم المحملة بلاجئين إلى شواطئ قبرص وتركيا انطلاقا من شواطئ لبنان. وقد كشفت مصادر لبنانية للجزيرة نت أن خروجا للاجئين من مخيمات لبنان رُصد نحو ليبيا ومنها بحرا نحو الشواطئ الإيطالية، حيث سجل غرق عدد منهم من دون إعلان ذلك.

 

ويقول أحد الأشخاص العاملين في تنظيم رحلات سياحية بحرية بمدينة طرابلس شمالي لبنان للجزيرة نت، إن قوى الأمن العام وبحرية الجيش اللبناني "ضبطت أكثر من عملية تهريب للبشر من لبنان"، لكن "هناك عمليات نجحت أكثر من تلك التي ضبطت".

 

ويضيف المصدر -الذي فضل عدم ذكر اسمه- أنه بين عامي 2015 و2017 حصل "غض نظر أمني عن التهريب البحري لمواطنين بهدف تخفيف أعداد اللاجئين في لبنان من فلسطينيين وسوريين".

 

عمليات "تهريب البشر" من الشواطئ اللبنانية -كما كشف المصدر- تستغرق رحلتها إلى المياه الإقليمية القبرصية حوالي 12 ساعة في قارب عادي، وحوالي ست ساعات في قارب سريع.

ورفض الإفصاح عن أعداد اللاجئين الفلسطينيين الذين خرجوا من لبنان بطرق غير نظامية عبر البحر نحو رأس لارنكا وإلى شواطئ تركيا فإلى اليونان، لافتا إلى أن التكلفة المالية تتراوح بين ستة وثمانية آلاف دولار.

 

وينفي العميد منير عقيقي بشدة حدوث خروج غير نظامي للاجئين فلسطينيين أو من جنسيات أخرى، مشيرا إلى أن "كل المرافئ السياحية أو تلك المخصصة للصيادين والسياحة تخضع لمراقبة الأمن العام اللبناني وبحرية الجيش، والإبحار منها يخضع للتدابير الوطنية اللبنانية".

 

ماريا فرناندز

متحدثة باسم الشرطة الإسبانية تعلن في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 عن تفكيك عصابة تولت تهريب 1200 فلسطيني أوروبا

مخيم الدانمارك

وفتحت الأعداد المرتفعة للاجئين الفلسطينيين القادمين إلى أوروبا عبر دول أميركا اللاتينية طلبا للجوء أعين الأمن الفرنسي والإسباني، حيث نجحا في وقف "المتسللين" إلى أراضي الدول الأخيرة، كما يقول مصدر سياسي فلسطيني في بيروت للجزيرة نت، وذلك بعد أن تم غض النظر عن عشرات عمليات انتقال اللاجئين من لبنان إلى أوروبا.

 

وكانت الشرطة الإسبانية قد أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 بمساهمة الشرطة الفرنسية و"ويوربول"، عن تفكيك "شبكة تهريب" أدخلت إلى إسبانيا 1200 فلسطيني على الأقل عام 2018 من خلال ما سمته التحايل للحصول على الحماية الدولية أو اللجوء.

 

ونشرت صحيفة ألبايس الإسبانية وصحف أخرى الخبر، مشيرة إلى أن الشرطة اعتقلت تسعة أشخاص من الشبكة، خمسة منهم في مدريد وأربعة في فرنسا.

 

وأشارت تحقيقات الشرطة إلى أن أفراد الشبكة كانوا يتقاضون مبلغ ثمانية آلاف دولار من كل فلسطيني مقابل إدخاله إلى إسبانيا (وهو مبلغ يتطابق مع ما تطلبه مكاتب السفر في لبنان). وأشارت محاضر الشرطة الإسبانية إلى أن أرباح الشبكة بلغت نحو تسعة ملايين يورو.

ويشير المصدر الفلسطيني -الذي فضل عدم الكشف عن اسمه- أن حركة الهجرة الفلسطينية من لبنان بصورة نظامية إلى محطة ثانية ومنها إلى محطة ثالثة بصورة غير نظامية، نسبيا "لا يمكن وضعها إلا في خانة التعبير السياسي الدولي عن تقليص أعداد اللاجئين الفلسطينيين في الدول المضيفة، خصوصا لبنان".

 

وأشار إلى أن ارتفاع حركة هجرة اللاجئين الفلسطينيين من مخيمات لبنان "تأتي أيضا نتيجة سياسات السلطات اللبنانية التي تضيق الخناق على الفلسطينيين وتسهم في تهجيرهم بصورة غير مباشرة".

 

يقول إن مخيم الجليل في مدينة بعلبك شرقي لبنان "صار اسمه مخيم الدانمارك بسبب الأعداد الكبيرة من قاطنيه الذين غادروا إلى هناك منذ سنوات، ولم يبق فيه إلا كبار السن والعجزة، وينتظر الفتيان للحاق بمن سبقوهم".

 

ويقول (ع .ص) فلسطيني من مخيم عين الحلوة وصل قبل أشهر عدة إلى دولة أوروبية في اتصال مع الجزيرة نت، إن ما دفعه للهجرة هو عدم اقتناعه بجدوى البقاء في لبنان والبحث عن "حياة إنسانية"، وإن "صفقة قرن أو غيرها لا تعنيه"، موضحا أنه خرج بطريقة نظامية من مطار بيروت الدولي، ووصل عبر رحلة ترانزيت إلى أحد البلدان الأوروبية حيث أصبح لاجئا حاليا.

 

علي هويدي

صفقة القرن

من جهته، يقول المدير العام لهيئة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين بلبنان علي هويدي إن هيئته تتابع بقلق "موجة" هجرة الفلسطينيين من لبنان. ويضيف هويدي للجزيرة نت أن هناك الآن أكثر من 55 فلسطينيا في مخيم عين الحلوة عرضوا بيوتهم للبيع، إضافة إلى آخرين في مخيمات البداوي والبرج الشمالي والرشيدية بهدف تأمين مبالغ مالية للهجرة، وهذا الأمر في تزايد مستمر و"يثير الشبهة، خصوصا أنه يتزامن مع تقدم الأفكار الأميركية والإسرائيلية الإستراتيجية ببدء توطين اللاجئين واستهداف قضيتهم".

وأبدى عتبه على السلطات اللبنانية التي "تسهم في رفع مستوى استهداف كرامة اللاجئ وإذلاله عند مداخل المخيمات وحرمانه من العمل في عشرات المهن والتضييق عليه اقتصاديا وسياسيا".

 

في المقابل استبعد أمين سر اللجان الشعبية الفلسطينية في لبنان أبو إياد شعلان أن تكون الهجرة الفلسطينية من لبنان التي بلغت ذروتها عام 2018 ممنهجة، مشيرا إلى أنه "لا أدلة على أن جهات سياسية تحرض أو تسهل عملية هجرة الفلسطينيين من المخيمات".

 

وأفاد بأن تقديرات اللجان الشعبية تشير إلى "أن هناك نحو 800 أو 850 عائلة هاجرت في العام 2018 وهو عدد كبير" جراء الأوضاع الاقتصادية المزرية، معتبرا أن الشباب يهاجرون من المخيمات "لقناعتهم بأن لا مستقبل لهم في لبنان في ظل استمرار حرمانهم من حقوقهم المدنية والاجتماعية والإنسانية".

 

توطين في لبنان

وفي هذا السياق، أفادتنا مصادر دبلوماسية في بيروت بتوجه غربي يجري العمل على بلورته بانتظار التوقيت السياسي المناسب لعرضه على السلطات الرسمية اللبنانية. ويقضي هذا التوجه بتوطين حوالي خمسين ألف لاجئ فلسطيني في لبنان.

 

وتضيف هذه المصادر للجزيرة نت أن هذا "المناخ" الغربي وصل صداه إلى مسامع بعض المسؤولين الرسميين اللبنانيين. وتكشف أن المجتمع الغربي وجد إمكانية لديه بتوطين حوالي مئة ألف من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان بكندا وأستراليا وبلجيكا، على أن يتم لمّ شمل حوالي عشرين ألف لاجئ فلسطيني في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

ووفق مصادر متابعة في بيروت، فإن هذا التوجه الغربي "لم يأت من فراغ"، بل جاء بعد أن أنجز لبنان رسميا لأول مرة إحصاء أعداد اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه.

 

وتضيف المصادر ذاتها أن إدارة الإحصاء المركزي اللبناني بالتعاون مع الجهاز المركزي الفلسطيني وبتوجيه من لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني (مؤسسة لبنانية رسمية) نفذا دراسة إحصائية في العام 2017 خلصت إلى أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هو 174 ألفا و422 فردا فقط يعيشون في 12 مخيما و156 تجمعا عشوائيا بمحافظات لبنان الخمس.

 

وتشير أرقام الأونروا إلى أن عدد اللاجئين في مخيمات لبنان بلغ نحو 455 ألفا عام 2011، في حين تشير مصادر وإحصاءات أخرى إلى أن العدد يصل 600 ألف.

 

وأوضحت تلك الدراسة الإحصائية أن حوالي 45% من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون في مخيمات، مقارنة بـ55% منهم يقيمون في تجمعات فلسطينية محاذية لهذه المخيمات.

"اللجوء الصامت".. فلسطينيو لبنان يهجرونه فرادى