لكيلا تكون سببا في انتحار أحدهم

عكفت مؤخرًا على تحضير تقرير مُفصّل يتناول ظاهرة بثّ الانتحار وجرائم القتل بشكل مُباشر على شبكة فيسبوك الاجتماعية. وفي إحدى الفقرات تناولت جهود فيسبوك للحد من هذه الظواهر وانتشارها. أردت في تلك الفقرة الإشارة إلى أن فيسبوك تُحاول مُساعدة أولئك الأشخاص، وعوضًا عن الأشخاص أشرت إليهم -أولًا- بكونهم يُعانون من أمراض نفسية ولا تجب مُعاملتهم بشكل أساسي على أنهم مُجرمين أو على أنهم مُختلّين عقليًا. لكنني سُرعان ما عُدت لاستخدام كلمة الأشخاص لأنني وجدّتها مُلائمة أكثر للحالة.

 

اختيار الكلمة لم يكن عشوائيًا بل جاء بعد تفكير عميق حول الأسباب التي دفعت شخص ما للانتحار، ولماذا اختار شبكة فيسبوك تحديدًا أو الشبكات الاجتماعية بشكل عام لبث تلك المشاهدة المُروّعة. وهُنا تولّد تساؤل داخلي حول حالة أولئك الأشخاص النفسيّة بعيدًا عن مُعتقداتهم الدينية أو البُقعة الجغرافية التي ينتمون إليها.

 

كل 40 ثانية تقريبًا –بحسب الدراسات– يُقدم شخص ما على وجه الكُرة الأرضية على الانتحار، خصوصًا أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عام. وبالتالي فإن ما يحصل على فيسبوك ليس سوى توثيق للحادثة وليس تشجيعًا عليها، ولا أعتقد أن الوضع يُمكن أو يكون أسوء من انتحار شخص ما كل 40 ثانية!

 

بتحليل بسيط لمكوّنات الشبكات الاجتماعية نجد أنها عبارة عن شبكة من العلاقات تجمع المُستخدم مع بقيّة الأصدقاء والهدف منها بشكل أساسي هو التواصل ما بين أفراد شبكة العلاقات تلك، والاطّلاع على آخر أخبارهم

بالعودة إلى بعض الدراسات الأُخرى، تنبّهت إلى وجود رابط يجمع مُعدّل الاكتئاب مع استخدام الشبكات الاجتماعية، فكثرة الاستخدام قد يؤدي إلى ارتفاع حالات الإحباط الخاصّة بالمُستخدم؛ فعلى الرغم من ثُلّة المقاطع الفُكاهيّة هُنا وهناك، إلا أن نفس المنصّة تؤدي إلى استفزاز بعض الأشخاص ورفع حالات الكراهيّة كذلك.

 

بتحليل بسيط لمكوّنات الشبكات الاجتماعية نجد أنها عبارة عن شبكة من العلاقات تجمع المُستخدم مع بقيّة الأصدقاء، أو أفراد العائلة، أو رفاق العمل، أو رفاق الدراسة القُدماء. والهدف منها بشكل أساسي هو التواصل ما بين أفراد شبكة العلاقات تلك، والاطّلاع على آخر أخبارهم للتفاعل معها بتسجيل الإعجاب "لايك" تارة، واختيار وجه تعبيري تارةً أُخرى كنوع من التغيير وكسر الرتابة لا أكثر ولا أقل.

 

لكن حتى الآن لم أصل إلى جوابٍ مُقنع حول اختيار الشبكات الاجتماعية للانتحار. فمثل تلك المُمارسات موجودة وبمُعدّل مرتفع حول العالم، لكن لا بد من وجود سبب لتزايد بثّ هذه الظاهرة على الإنترنت، وكأن صاحبها يُريد إرسال رسالة صريحة ومُباشرة لجميع الموجودين ضمن دائرة الأصدقاء بشكل خاص.

 

لا نحتاج الإشارة إلى الدراسات التي تذكر رغبة مُستخدمي الشبكات الاجتماعية في تجميل واقعهم بشكل دائم، فكل مُشاركة نصيّة كانت أم مرئية، صورة أو فيديو، تحمل في طيّاتها حياة لا تعكس أبدًا واقع ذلك الشخص، فهي محاولة للتجمُّل لا أكثر ولا أقل في مُعظم الأوقات.

 

وانطلاقًا ممّا سبق، فإن جزء كبير جدًا من المواد المنشورة على تلك الشبكات تُظهر واقع عكس الواقع الحقيقي، وهو ما يدفع البعض للحصول على جرعة زائدة من الإحباط ولسان حالهم يقول: "فُلان على الرغم من أنه لم يُكمل مرحلته المدرسية ها هو ينشر صورًا له تُظهره وهو سعيد جدًا، وأنا صاحب الشهادات والخبرة الطويلة مُقيّد ولا أجد منفس أو طاقة أمل لأشعر بالسعادة"، أو "فُلانة تغرّبت عن موطنها مثلي لكنني أنا جالسة انتظر الفرج، وهي تقضي أفضل الأوقات وتجتمع يوميًا بأشخاص جُدد وهي لا تُتقن بالأساس لغة ذلك البلد".

 

دافع مُشاركة الجريمة على الشبكات الاجتماعية قد يكون انتقامًا من شبكة المعارف التي جمّلت الواقع وبالغت في تجميله، تمامًا مثل الطفل الذي قد يُحطّم لعبة أخيه الصغير من دافع الغيرة

وما تلك الأمثلة إلا جزء بسيط من الحوارات الداخلية التي تجري وتتكرّر مع كل مُشاركة نمرّ عليها في الشبكات الاجتماعية، ليتحوّل الفردّ مِنّا إلى سيناريست -كاتب أفلام- قادر على كتابة قصّة كاملة خلال أجزاء بسيطة من الثانية. لذا فالشعور بالإحباط أمر طبيعي ومنطقي جدًا، لأن النفس تنظر للظاهر ولا تلتمس ظروف حياة بقيّة الأشخاص. وهُنا يجب التنويه إلى أن حديثي ليس عن أصحاب المشاركات التي تهدف إلى نشر السعادة والبهجة. بل إلى ذلك الشُق الداخلي فينا الذي يحثّنا دائمًا على تجميل كل شيء غير آبهين ولا مُكترثين لما سيُصيب البقيّة.

 

لو عُدنا الآن إلى حالات الانتحار التي تُبث بشكل حي ومُباشر، أو الجرائم التي تجري وتُرفع مقاطعها على فيسبوك سنجد أن هناك دافع للجريمة ودافع لمشاركة الجريمة. دافع الإقدام على الجريمة لسنا بصدد الحديث عنه، فالله أعلم بما تُخفي الصدور. أما دافع مُشاركة الجريمة على الشبكات الاجتماعية، فهو قد يكون انتقامًا من شبكة المعارف التي جمّلت الواقع وبالغت في تجميله، تمامًا مثل الطفل الذي قد يُحطّم لعبة أخيه الصغير من دافع الغيرة، أي سأقطع طريق المُتعة عليه لأنني أشعر بالاستفزاز والغيرة.

 

بمعنى آخر، دعونا نبتعد عن المُبالغة في تجميل الواقع، وعن إظهار حياتنا على أنها كاملة ولا ينقصها شيء أبدًا لأن هُناك أشخاص يعانون من مشاكل حياتيّة قاسية. وهُنا لا أتحدث عن أشخاص عشوائيين، بل عن شبكة من الأشخاص المُقرّبين من أقرباء ورفقاء مقاعد الدراسة ولعب الكرة في الأزقّة الذين من المفترض أننا نهتم لأمرهم.

 

اليوم تُستورد قصص الانتحار تلك من بُقعة ما بعيدة جغرافيًا عنّا، لكنها قد تجري يومًا ما في منزل أحد أولئك الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقة تتجاوز حدود الشبكات الاجتماعية. وهذا ليس من فراغ، بل لأنّنا أصرّينا على تجميل كل شيء من حولنا غير آبهين وحتى لا مُكترثين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

سعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستيعاب العاصفة التي أعقبت إقالة مدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي، ورفض تسمية مدعٍ عام خاص للتحقيق في احتمال تدخل روسي بحملة الانتخابات 2016.

الأكثر قراءة