التنظيمات الأمازيغية بالمغرب

| " قام مجلس التنسيق الوطني بالمغرب بإرسال لجنة منتدبة إلى الندوة الدولية لحقوق الإنسان المنظمة سنة 1993 والتي تبلورت عنها فكرة تأسيس كونغرس عالمي أمازيغي" " |
واستطاعت ستُّ جمعيات أمازيغية أن تلتقي بالدورة الرابعة لجمعية الجامعة الصّيفية في شهر أغسطس/ آب 1991، لتوقّع أول وثيقة مشتركة بلورت فيها مطالبها الثقافية بوضوح. ونظرا للسياق الصّعب، بالنظر إلى المناخ السياسي السائد آنذاك حيث لم يكُن الانفراج الذي بدأت تعرفُه البلاد إلاّ نسبياً بعد سنوات الحصار والتوتر، فإنّ ميثاق أكادير، الذي تم تقديمه لم يتضمن إلاّ الحدّ الأدنى للمطالب الثقافية.
وعرفت فترة التنسيق الوطني العديد من الأحداث الهامة ذات الصّلة بالأمازيغية، حيث أدت اعتقالات الرشيدية خلال فاتح مايو/أيار 1994 بسبب رفع مناضلين أمازيغيين لشعارات تطالب بدسترة الأمازيغية، إلى توتّر الأجواء وتصعيد وتيرة النضَال الجمعوي الأمازيغي، مما كان نتيجة له الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك الحسن الثاني يوم 20 أغسطس/آب 1994، والذي كان أول خطاب ملكي يتناول موضوع الأمازيغية، ويُقرُّ بضرورة إدماجها في التعليم الابتدائي.
| " واجه التنسيق بين الجمعيات الأمازيغية صعوبات تنظيمية بعد أن بلغ عددها 32 جمعية، وذلك ما جعله إطارا يضيق عن استيعاب كل الطّموحات المتعارضة " |
وواجه التنسيق بين الجمعيات الأمازيغية صعوبات تنظيمية بعد أن بلغ عددها 32 جمعية، وذلك ما جعله إطارًا يضيق عن استيعاب كل الطّموحات المتعارضة، وخاصة منها ذات التوجه السياسي التي تطمح إلى التماس أساليب أكثر فاعلية للتأثير في القرار السياسي، ولتنطلق بعد 1997 مرحلة جديدة يمكن نعتُها بمرحلة التنسيق الجهوي.
-
وجود عائق نفسي مكبوت يرجع إلى الشعور بالانتماء الجهوي.
-
وجود إستراتيجيات مختلفة بين الجمعيات الكبرى المؤسِّسة للتنسيق الوطني، حيث تحاول كلُّ جمعية فرض منظورها الخاص.
-
تضخّم الهاجس التنظيمي وهو ما كان يتعارض مع مصالح الجمعيات الكبرى الراغبة في الحفاظ على استقلالها وريادتها.
-
ارتباط بعض الجمعيات بشخص رئيسها.
-
تكاثر الجمعيات التي تضمُّ مناضلين شبابا ذوي أفكار راديكالية.
-
عدم وجود أي تنسيق إستراتيجي بين النخبتين الأمازيغيتين الثقافية والاقتصادية، مما أفقر الأولى ماديا وجعلها تقتصر على فئات الطلبة ورجال التعليم والمحامين. وجعل الثانية بدون مشروع يتجاوز النزوع النفعي المحدود، فصارت تحتمي بالنخب ذات الإطار الثقافي والسياسي الرسمي وترتبط بالسلطة ومصالحها.
ضعف الصلات بين النخبة الأمازيغية والقواعد الواسعة مما أضفى طابعا ثقافويا على الخطاب الأمازيغي، وقلص من تأثيره في الفئات العريضة والشعبية.
-
توجه ثقافي يعتبر العمل الثقافي الفكري والإبداعي المنطلق الأساسي لتغيير الوعي العام، وللتأثير في القرارات الرسمية عبر المطالبة بإصلاح ثقافي. ورغم ضعفه الإستراتيجي فله الفضل في تأطير المبدعين الشباب وتنظيم اللقاءات الأدبية والفنية وإصدار الكتب والدراسات.
-
توجه يميل إلى تدويل القضية الأمازيغية عبر الاشتغال في لجان الأمم المتحدة والمشاركة في المؤتمرات الدولية لحقوق الإنسان من أجل إسماع صوت الأمازيغية في الخارج. ويعاني هذا التوجه من ضعف في التواصل مع الفاعلين في الداخل.
-
توجه يفضل العمل الراديكالي ويتبنى خطابا أكثر عنفا، ويعتبر أن تهميش الأمازيغية كان بقرار سياسي، ولا يمكن رفعه إلا بتحرك سياسي. ويعاني هذا التوجه من فراغ فكري ومن انعدام إستراتيجية عمل واضحة.
وقد عرفت هذه المرحلة الفاصلة بين 1997 و2000 أحداثًا هامة، حيث صدر أول تصريح حكومي لحكومة التناوب التوافقي عام 1998 ينصُّ بصريح العبارة على الأمازيغية كبعد جوهري للهوية الوطنية بجانب الأبعاد الأخرى المتعدّدة. كما صدر في نفس السنة ميثاق التربية والتكوين الذي خصّص المادتين 115 و116 منه للغة الأمازيغية.
|
" " |
سرعان ما تحوّل البيان الأمازيغي إلى أرضية إيديولوجية لعمل نضالي وهو ما أعطى إمكانية أكبر لتطوّر النقاش.
-
التوجّه الداعي إلى تأسيس حزب سياسي.
-
التوجّه القائل بضرورة البدء بتأسيس جمعية ذات طابع سياسي تعمل أولا على وضع مشروع مجتمعي.
-
التوجّه المدافع عن ضرورة هيكلة الحركة في شكل جبهة سياسية جماهيرية مع تجنّب أسلوب العمل الحزبي الضّيق والمدجّن.
-
التوجه الذي ظلّ ينتظر نتائج عمل المعهد لكي يقوم بنقدها وتقويمها، والعمل نضاليا بدعم عمل المعهد.
-
التوجّه الذي تعامل مع تأسيس المعهد بنوع من الحذر، فالمعهد إيجابي غير أنه ربما جاء لاحتواء الحركة وقد بلغت قمّة غليانها مع إعلان "تاوادا" ومع مؤتمرات البيان الأمازيغي. ويدعو هذا التوجّه إلى الاستمرار في النضال في جميع الأحوال.
-
التوجه الذي أعلن منذ البداية عن موقف معارض لمضمون الظهير المنظّم للمعهد الملكي، والذي اعتبر المعهد خطوة واضحة لاحتواء الحركة الأمازيغية، ويسعى هذا التوجّه بشكل واضح إلى بناء مصداقية نضالية على حساب المعهد. ويتجاهل المعطيات المتوفرة وكلّ الجوانب الإيجابية، ويعتبر المعهد مؤسسة شكلية، ومخططا مخزنيا يهدف إلى إجهاض نضالية الحركة الأمازيغية وإفشال مشروعها الديمقراطي.
| " الحركة الأمازيغية حاليا مهتمّة أكثر بالعمل النضالي الحركي، وبنهج أسلوب الاحتجاج، واقتراح البدائل السياسية، والتصورات العامة " |
وقد جعلت التطورات المتلاحقة التي مست الفكر والمجتمع المغربيين على السواء، هذا الخطاب ينعطف في اتجاه قضايا جديدة لم تُطرح لديه من قبلُ، مما جعله يتجاوز عمليًا خطاب الحقوق الثقافية واللّغوية، ليعبّر عن انشغالات تمسّ مستويات عديدة، وتعكس التوجهات الحالية للحركة الأمازيغية بالمغرب:
-
لقد ظهر اتجاه حثيث لدى الجمعيات الأمازيغية نحو الاهتمام بعلاقة الثقافي بالتنموي. وكان من نتائج ذلك إثارة موضوع الأرض وملكيتها بالمغرب، وكذا قضايا تنمية العالم القروي التي سمحت بإبراز العلاقة الجدلية العميقة بين العامل الثقافي والقيم الرمزية، وبين البنيات التحتية والممتلكات المادية. وكانت القوانين العرفية الأمازيغية موضوع نقاش مستفيض. وقد كان من أهم نتائج هذا التوجه ظهور بوادر التعاون والتنسيق بين الجمعيات الثقافة الأمازيغية، وجمعيات التنمية المحلية بالبوادي المهمشة بصفة خاصة.
-
أصبح الخطاب الأمازيغي أكثر شمولية حيث بدأ يتّجه نحو الانفتاح على القضايا الوطنية الأخرى كقضية المرأة وقضية الإصلاحات السياسية والدستورية، واتخذ في الآونة الأخيرة طابع الخطاب الاحتجاجي الرامي إلى التحديث والدمقرطة عبر إكساب النظام الثقافي في المغرب قيم التعدّد والاختلاف والنسبية والعقلانية. ومن تم لم يعد المطلب الدستوري للجمعيات الأمازيغية مقتصرًا على إدماج الأمازيغية في الدستور بل تعدى ذلك إلى المطالبة بدستور ديمقراطي شكلاً ومضمونًا، وجعل الأمازيغية جزءًا من التعديلات المقترحة.
-
أدّى الصراع الذي احتدم بين الحركة الجمعوية الأمازيغية والحركة الإسلامية منذ 1995، إلى بلورة الخطاب الأمازيغي لمنظور متميز عن علاقة الدين بالسياسة، حيث بتّ بشجاعة في العديد من القضايا التي كانت تدخل في إطار الطابو والمقدس، ومع اندلاع الأحداث الإرهابية ليوم 16 مايو/أيار 2002، برز تيار قوي داخل الحركة الأمازيغية، ليرفع شعار العلمانية وفصل الدين عن الدولة بشكل علني وصريح، ولأول مرة في الشارع العمومي، ولم يكتف هذا التوجه بإعلان تبنيه للعلمانية، بل قام بجهد نظري في إكسابها أسسًا أصيلة متجذرة في التربة المحلية، مؤكّدًا أن إمازيغن كانوا دائمًا علمانيين بفصلهم في تنظيمهم الاجتماعي بين الشؤون الدينية التي هي من اختصاص الفقيه، والشؤون الدنيوية المتعلقة بتدبير الحياة اليومية، والتي هي من اختصاص الجماعة، التي تعتمد في ذلك على قوانين عرفية وضعية.
وعاد في الأسابيع الأخيرة الخطاب الداعي إلى تأسيس حزب سياسي أمازيغي، حيث أعلن بعض الفاعلين الأمازيغيين عن إيداعهم لملف لدى السلطات يخبرونها فيه بعزمهم على إنشاء تنظيم أطلقوا عليه اسم "الحزب الديمقراطي الأمازيغي"، وقد عبروا في تصريحاتهم للصحافة عن تبنيهم لمبادئ الحركة الأمازيغية، مبادئ التعدد والاختلاف والنسبية والعلمانية.
_______________
كاتب مغربي مهتم بالشأن الأمازيغي