كأس العالم

جدول مباريات

أكاديمي: كأس العالم في قطر على وشك تحطيم الأساطير الاستعمارية

كأس العالم يجب أن تكون مساحة مشتركة لحداثة جديدة ليست بيضاء أو استعمارية، حداثة تتحدث عن القيم العربية والآسيوية والأفريقية والأصلية واللاتينية للتسامح.

فعالية الليالي العربية أحد الفعاليات الجماهيرية في المونديال (الجزيرة)
فعالية الليالي العربية أحد الفعاليات الشعبية في المونديال (الجزيرة)

يقول العربي صديقي كبير الباحثين بمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية بالدوحة إن منافسات كأس العالم المقامة بقطر حاليا ستساعد في إنهاء الاستعمار من التفكير المتحيز حول الثقافات العربية والإسلامية بدلا من محاكاة القوى الاستعمارية السابقة.

ويرى صديقي -في مقال له بموقع الجزيرة الإنجليزية- أن قطر ستدخل التاريخ كأصغر دولة على الإطلاق تستضيف أكبر حدث رياضي في العالم. وفي قطر يمكن أن تساعد "اللعبة الجميلة" في تقويض الميول الاستعمارية والنرجسية الثقافية في عالمنا متعدد الثقافات.

ويضيف أنه في حين أن "القوة الناعمة" و"القوة الذكية" في المخزون الدبلوماسي لدولة قطر كان لهما الفضل في ذلك، فإن كأس العالم تستحق أن يُنظر إليها من خلال أكثر من مجرد الرؤية للعلاقات الدولية.

إعادة ضبط الروايات الاستعمارية

ويستمر الكاتب ليقول إنه وكما جادل علماء ما بعد الاستعمار مثل إدوارد سعيد وغاياتري سبيفا، فإن الخيال الأوروبي الأميركي يملي منذ فترة طويلة ما هو "جيد" مع تحديد كيفية تمثيل "الآخر" الشرقي. وإن كأس العالم هذه المرة توفر فرصة لإعادة ضبط تلك الروايات.

ومع ذلك، يقول صديقي بينما من المفترض أن تلهم ملاعب كرة القدم الوحدة الدولية والروح الرياضية، رأينا الحملة الممنهجة والقاسية والمتحيزة عنصريا في الغرب ضد قطر في السنوات التي سبقت كأس العالم.

ويرى الكاتب أن قطر تعرضت لحملة من التشهير لم يسبق لأي مضيف قبلها أن تعرض لها؛ فلم تتعرض الدول الصغيرة الأخرى ذات الطقس القاسي مثل سويسرا عام 1954 لمثل هذه الحملة، ولا الدول العظمى مثل الولايات المتحدة، حيث استضافت منطقة لوس أنجلوس نهائي كأس العالم عام 1994 بعد عامين فقط من مشاهدة بعض أسوأ أعمال الشغب العرقية في البلاد منذ عقود. وليس كنظام موسوليني الفاشي، والمجلس العسكري الأرجنتيني الوحشي، ولا البرازيل حيث تم إخلاء الأحياء الفقيرة لأن البلاد كانت تتطلع إلى إخفاء فقرها عن المشجعين الذين يسافرون لكأس العالم عام 2014.

اقتحمت دائرة لا يحق لها اقتحامها

وكان يُنظر إلى هذه البلدان على أنها مضيفة شرعية بغض النظر عما فعلته، وعلى النقيض من ذلك كان يُنظر إلى قطر بازدراء في اللحظة التي فازت فيها بعرضها، وعُوملت على أنها دولة خارجية تقتحم -من دون حق- دائرة النخبة.

وقال الكاتب إنه من المفارقات أن دراسات ما بعد الاستعمار لم يكن لديها الكثير لتقوله عن كرة القدم، على الرغم من أن العديد من الأحياء الفقيرة في المستعمرات السابقة أخرجت نجوما بارزين.

وأكد أن كأس العالم لكرة القدم يجب ألا تكون مجرد تمرين في أشكال جديدة من التقليد الثقافي للقوى الاستعمارية السابقة.

شكل جديد من التقاليد الثقافية

على سبيل المثال، يمكن أن تكون الملاعب الخالية من الكحول في قطر خلال كأس العالم مثالا يحتذى به؛ إذ سيُسمح للأغلبية من الناس بالحضور إلى المباريات من دون القلق بشأن العنف الذي يغذيه الكحول والعنصرية واللغة البذيئة الشائعة في ساحات كرة القدم الأوروبية. ونظرا لأن قطر تستضيف المشجعين من جميع أنحاء العالم، فيمكنها عرض طريقة بديلة للاستمتاع بالرياضة؛ طريقة لا تستورد تجربة عامة لكونك من مشجعي كرة القدم بينما تتجاهل القيم المحلية للدولة المستضيفة.

واعتاد القطريون على العيش مع الأجانب، ومونديال كأس العالم فرصة أخرى لإظهار تقاربهم مع التعددية الثقافية لمواجهة الصورة النمطية الغربية عن "المسلم المتعصب"، كما رأينا مؤخرا في الرسوم الكاريكاتيرية الفرنسية المعادية للإسلام والعنصرية التي تصور المنتخب القطري.

سرد بديل للنظر للعالم الإسلامي

ومن خلال تقديم سرد بديل للطريقة التي يُنظر بها إلى العالم الإسلامي وكرة القدم في الغرب، يمكن لكأس العالم هذه المرة المساعدة في إنهاء استعمار لغة الرياضة. "كرة القدم الأوروبية" ليست بيضاء. إن كرة القدم "الأفريقية" أو "العربية" ليست علامة على اللون أو العرق. ومع ذلك، تُستخدم هذه العلامات رموزا للأعراق والأجناس المهيمنة في كثير من الأحيان في الطريقة التي تتم بها تغطية الرياضة.

وقال صديقي إن العالم العربي مليء بالعقول الأدبية التي تعاملت مع التمثلات النمطية والعلاقات غير المتكافئة بين العرب والمسلمين من جهة والمستعمرين السابقين من جهة أخرى، مثل السوداني الطيب صالح، والسعودي عبد الرحمن منيف، قائلا إنه من الممكن أن تكون كتاباتهم مصدر إلهام حيث تتطلع المنطقة إلى استضافة العالم وفقا لشروطها.

وختم الكاتب مقاله بأن كأس العالم يجب أن تكون مساحة مشتركة لحداثة جديدة ليست بيضاء أو استعمارية، حداثة تتحدث عن القيم العربية والآسيوية والأفريقية والأصلية واللاتينية للتسامح وحقوق الإنسان والحكم الرشيد، وتتطلب الحق في تقرير المصير الثقافي، وتؤكد المستقبل المشترك والخبرات على أساس الاحترام المتبادل، وتتحدى القوالب النمطية التي غالبا يتم دفعها إلى الجنوب العالمي.

المصدر : الجزيرة