المتبنون الأوائل.. المقاومة الفلسطينية تعطي دروسا لرواد الأعمال

إدارة المعركة الأخيرة والانتصار فيها يخلق جيلا مختلفا من رواد أعمال المقاومة (الفرنسية)

هناك مصطلح مهم في مجال ريادة الأعمال يتعلق بتصنيف فئات المتبنين (Adaptor) للأفكار والابتكارات والمنتجات الجديدة إلى عدة فئات.

ويعتمد هذا التصنيف على مدى استعداد الجمهور لتجربة أو تقبل منتج جديد، وقد تم تحديد 5 فئات من المستهلكين ابتداء ممن لديهم أعلى استعداد لتجربة المنتجات الجديدة، وهم المبتكرون لهذه المنتجات ويمثلون 2.5% من الجمهور فقط، ويتميزون بحبهم لتجربة الأفكار الجديدة وتحمل المخاطر، ومنهم ستيف جوبز الذي كان يؤمن بأن عالم الهاتف المحمول التقليدي انتهى وأن جهاز الآيفون سيغير الموازين.

ثم يأتي بعد المبتكرين في التصنيف المتبنون الأوائل، وهذه الفئة هي المهمة لرائد الأعمال الذي يسعى لإنجاح مشروعه وفكرته، فما يميز هذه الفئة أن لديها وعيا بالمشكلة التي يحاول رائد الأعمال حلها ومستعدة لتبني الحل ودعم رائد الأعمال، حتى ولو لم يكن المنتج بالمستوى المطلوب، وهذه الفئة لا تتجاوز 13.5% من الجمهور ولكنها حاسمة، وفي مثال الآيفون كانت هذه الفئة ممن سجلوا لشرائه قبل أن يرى النور وصبروا على الأخطاء أو المشاكل في المنتج الأول.

أهمية هذه الفئة هي أنها الرافعة للفئات التي بعدها، وهي فئة الأغلبية المبكرة التي تقتنع بالتغيير بعد تجربة المتبنين الأوائل والأغلبية المتأخرة، وهؤلاء الذين يقبلون التغيير بعد رؤية الأغلبية التي سبقتهم، وكلهم يشكلون 68% من الجمهور.

ثم تأتي في الأسفل فئة المتخاذلين، وهم الفئة المحافظة التي تكره التغيير بصفة عامة ولا تقبله إلا إذا كانت مضطرة، وهؤلاء يمثلون 16% من السوق المستهدفة، وجميعنا بالتأكيد يعرف واحدا منهم على الأقل ممن لديه لحد الآن هاتف نوكيا قديم.

فئة المتخاذلين وتاريخ المقاومة

بدأت المقاومة الفلسطينية قبل بداية النكبة في النصف الأول من القرن الماضي وقد مرت خلال هذه الفترة بمراحل مختلفة.

ولكن مرحلة الابتكار والتميز ميزت فترة التسعينيات وما بعدها، وليس ذلك بسبب غياب العقول والرغبة في الفترات التي قبلها ولكن بسبب الظروف المحيطة.

ففي الفترات التي سبقت اتفاقية أوسلو وغيرها من اتفاقيات السلام كان الجمهور العربي وحتى الأنظمة العربية مشجعة وداعمة للثورة، وكان الوسط مواتيا للابتكار والريادة في مجال المقاومة، سواء من حيث الدعم المعنوي أو المادي.

ولكن منذ التسعينيات وجدنا أن فئة المتخاذلين بدأت تتسع في الوطن العربي وخصوصا خلال السنتين الأخيرتين، وبعد تسارع قطار التطبيع مع إسرائيل أصبحت هي الفئة الغالبة "كصوت" في جميع المحافل وعلى جميع الصعد.

مدونات - يحيى عياشيحيى عياش رائد أعمال المقاومة الأول آمن بالنهج العلمي واتبعه (رويترز)

حرب غزة الأخيرة.. وتذكرة العبور في ريادة الأعمال

جاءت حرب غزة والمسجد الأقصى الأخيرة لتعيد تذكيرنا بأن رائد الأعمال الناجح هو مقاوم من الطراز الأول، وأن ثباته على رؤيته ومعرفته الجيدة بأدواته هو مفتاح نجاح مشروعه.

فالمبتكرون من أمثال يحيى عياش والتونسي محمد الزواري وغيرهم من أبناء المقاومة الذين لا نعرف أسماءهم ولكن بالتأكيد نرى منتجاتهم، فاقوا بإيمانهم ورؤيتهم وهدفهم العديد من رواد الأعمال الذين يتمتعون بقدرات كبيرة، واستطاعوا أن يثبتوا أن حلمهم يمكن أن يتحول إلى حقيقة حتى مع ضعف الإمكانات وقلة الدعم.

وأثبتت حرب "سيف القدس" الأخيرة أن مشروع المقاومة الريادي في فلسطين يمكن أن يكون نموذجا لمشاريع المقاومة في جميع أرجاء العالم، كما كان الحال عندما انتصر المقاومون الفيتناميون على الولايات المتحدة باتباع نهج حرب العصابات في سبعينيات القرن الماضي.

المتبنون الأوائل.. هم فرصة المقاومة للتقدم بمشروعها

الآن وبعد انتهاء الحرب وتفوق المقاومة النوعي في إدارتها، يجب طرح السؤال الأهم: من سيكون الداعم والمتبني لهذا المشروع الريادي؟

الحقيقة هناك الكثير، ولا نعني بهذا الحاضنة الشعبية في فلسطين والوطن العربي فهؤلاء ومع التأكيد على أهميتهم ودورهم إلا أنهم "حاليا" لا يمكن أن يكونوا عاملا حاسما في نجاح منتج المقاومة، ولكنهم عامل مكمل.

المتبنون الأوائل هم دول وشركات ومؤسسات وحتى أفراد يمكنهم أن يروا في انتصار المقاومة ورقة رابحة يمكنها تحقيق نتائج جيدة لو حصلت على الدعم.

لقد قدمت المقاومة في غزة تذكرة عبورها لعالم ريادة التقنيات بصواريخها وطائراتها وغواصاتها المسيرة، وهذا العالم ستجد فيه العديد من اللاعبين والداعمين الذين يودون معرفة كيف وصلت المقاومة بضعف إمكانياتها إلى تصنيع هذه الأسلحة؟.

فإيران والصين وتركيا وحتى روسيا كدول يمكن أن تكون من ضمن المتبنين الأوائل لمشروع المقاومة الريادي في فلسطين، وهنا لا نتكلم عن موقف سياسي بل عن موقف أمني وإستراتيجي.

جبهات التحرر والمقاومة في الدول التي تعاني من الظلم وضعف الإمكانيات يمكن أن يكونوا من ضمن المتبنين الأوائل.

المبدعون في المجالات العلمية في الجامعات ومعاهد الأبحاث ممن يؤمنون بنهج المقاومة ويرون إمكانية التطوير في المنتجات التي تقدمها المقاومة والذين قد يستلهمون تجربة شهيد فلسطين وتونس محمد الزواري في بناء مشروع المقاومة.

وحتى الناشطون والإعلاميون والرموز المشهورة التي تؤمن بالقضية يمكن أن يكونوا أيضا جزءا من هذه الفئة.

مهندس الطيران محمد الزواريمهندس الطيران التونسي محمد الزواري بجانب منتجه الأول الذي آمن به حتى النهاية (مواقع التواصل الاجتماعي)

كن متبنيا أول أو حتى أغلبية متأخرة ولكن لا تكن متخاذلا

قدمت المقاومة في فلسطين درسا في مجال ريادة الأعمال للجميع، ويمكنها التقدم بدون الاعتماد على أحد، ولكنها تحتاج الآن إلى التقدم والتوسع، وهذا يعني أنه يجب أن تبدأ تسويق مشروعها الريادي للفئات المختلفة، بداية من المتبنين الأوائل ونهاية بالأغلبية المتأخرة.

فإذا لم نستطع أن نكون عياش أو الزواري أو المبحوح كمبتكرين في دعم المقاومة، فربما يمكننا أن نكون من فئة المتبنيين الأوائل الذين يدعمون المشروع مهما كانت الأخطاء والعثرات التي تواجه المنتجات الأولى للمشروع.

كما يمكننا أن نكون مع الأغلبية المبكرة أو المتأخرة، ليس مهما أين نكون، طالما أننا لسنا من فئة المتخاذلين والذين ظهروا بشكل واضح خلال الحرب الأخيرة وأكثرهم مع الأسف في الوطن العربي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أحداث فلسطين
الأكثر قراءة