بعد أن تضع الحرب أوزارها.. ماذا عن متطلبات إعمار غزة؟

إسرائيل تستهدف في حربها على غزة استنزاف القطاع اقتصاديا من خلال تدمير البنية الأساسية والمباني الحكومية والمباني السكنية ذات القيمة المرتفعة.

القيام بإعادة إعمار غزة يعوزه فقط توفير التمويل (وكالة الأناضول)
القيام بإعادة إعمار غزة يعوزه فقط توفير التمويل (وكالة الأناضول)

لم تضع الحرب أوزارها بعد في غزة، وفي باقي مناطق الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكنْ ثمة أمران مهمان فيما يتعلق بعملية التدمير التي تقوم بها إسرائيل في غزة على وجه التحديد، حيث يتم تدمير البنية الأساسية والمباني الحكومية، وكذلك المباني السكانية ذات القيمة المرتفعة، كما هو مشاهد من تدمير الأبراج السكانية.

الأمر الأول أن عملية التدمير تستهدف استنزاف غزة اقتصاديا لمدة طويلة في عملية إعادة الإعمار خلال فترة ما بعد وقف إطلاق النار، لشل قدرة المقاومة الفلسطينية على استكمال مشروع التحرير، ولخلق المزيد من القلق السياسي داخل قطاع غزة عبر صعوبة سير الأمور الحياتية بعد تدمير البنية الأسياسية.

الأمر الثاني تعميق التداعيات السلبية اقتصاديا واجتماعيا في غزة بشكل كبير، على الرغم من أنها لم تكن في حاجة للمزيد من هذه التداعيات السلبية في ظل الحصار وكورونا.

ولم تكن الأمور في قطاع غزة قبل الاعتداءات الإسرائيلية على ما يرام، فالقطاع محاصر اقتصاديا منذ ما يزيد عن 16 عاما، فضلا عن تعرضه لثلاث حروب من قبل إسرائيل، مما أدى إلى أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، كان أبرز مؤشراتها زيادة معدلات البطالة والفقر.

ففي منتصف عام 2020 أظهرت بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني أن معدل البطالة في غزة بلغ 49.1%، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020 أعلن رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار جمال الخضري أن معدل البطالة بين الشباب في غزة يبلغ 65%، كما أن 85% من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر.

وسوف ينتج عن الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة زيادة معدلات البطالة والفقر، وهو ما يفرض تحركا سريعا عقب وقف إطلاق النار لإنقاذ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية هناك، والعمل على عودة الحياة لمسارها الطبيعي، وتخفيف حدة المشكلات المزمنة التي يعاني منها سكان غزة.

وفي ظل حصار غزة والتداعيات السلبية لكورونا، فإن القطاع ليس بحاجة لمزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية واستهدافها تدمير البنية التحتية وكذلك هدم المباني السكانية والورش والمصانع.

الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة سينتج عنها زيادة معدلات البطالة والفقر (غيتي)

متطلبات الإعمار

وبلا شك أن الدعوة لإعادة الإعمار في غزة، والإسراع في تنفيذها، هي عمل إنساني بالدرجة الأولى، إلا أنه له جوانبه الاقتصادية والاجتماعية، وحتى تتم عملية إعادة الإعمار، بعد أن يتم التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب، لا بد من توفير عدة متطلبات تتمثل فيما يلي:

  • وجود حصر دقيق وشامل للخسائر التي تعرض لها قطاع غزة، من تدمير للطرق والمباني السكانية والورش والمصانع، التي استهدفتها القوات الإسرائيلية أثناء الحرب الأخيرة، وعمل خطة إعمار تأخذ في الاعتبار الاحتياجات الضرورية في الأجل القصير، وبخاصة للأسر التي فقدت بيوتها تحت آلة التدمير الإسرائيلية، وكذلك إعادة العمل بالمؤسسات الحكومية، التي توقف العمل فيها بسبب تدمير مقارها.
  • الدعوة لمؤتمر مانحين على مستوى العالم لدعم إعادة الإعمار في غزة، وينبغي أن تحدد مبالغ معينة كهدف لمؤتمر المانحين، لا ينبغي أن تسفر أعمال المؤتمر عن تحقيق نتائج أقل منها، حتى يكتب لعملية إعادة الأعمار النجاح.
    ولكن لا بد من الخروج من إشكالية التعامل مع السلطة أم مع الإدارة الموجودة في غزة، فمن قبل أُعلن عن تقديم أموال لإعادة الإعمار من قبل بعض الدول، وبخاصة الدول الخليجية، ولكنها كانت تشترط أن تقدم الأموال للسلطة الفلسطينية، التي كانت تضع عراقيل سياسية في وجه تنفيذ إعادة الإعمار من خلال تلك الأموال، وهو ما أضاع هذه الأموال، وعدم الاستفادة منها.
  • تيسير وصول التبرعات العينية من قبل الدول والمؤسسات إلى قطاع غزة، والاتفاق على آلية لدخول هذه التبرعات، وعدم تأخرها أو منعها من الدخول، وبخاصة أنها تمثل احتياجات ضرورية، مثل مواد البناء أو الآلات.
  • عدم قصر عملية تمويل إعادة الإعمار على الحكومات والمؤسسات الدولية المعنية بمثل هذه الأمور، ولكن لا بد من فتح الباب لمؤسسات المجتمع المدني، وبخاصة أن هناك حالة تعاطف كبيرة على مستوى العالم، ولدى الدول الإسلامية خصوصا، لمساعدة الشعب الفلسطيني، ولا بد من التنظيم والإعلان عن الآلية المناسبة لتجميع ووصول هذه الأموال للمساهمة في إعادة إعمار غزة.
  • السماح بدخول المواد الأولية اللازمة، وبخاصة مواد البناء، ولعل مصر هي الدولة الأكثر ملاءمة لهذه المهمة لسهولة الوصول عبر معبر رفع، ولكون مصر منتجة بشكل جيد لمواد البناء، أو ما يتوفر لها من إمكانية استيراد بعضها ووصولها على وجه السرعة من خلال ميناء قناة السويس، ومرورها عبر سيناء إلى غزة.
الدعوة لإعادة الإعمار في غزة، والإسراع في تنفيذها، هي عمل إنساني بالدرجة الأولى (رويترز)

من يقوم بإعادة الإعمار؟

من المهم هنا أن نشير إلى أن غزة على الرغم من محدودية مساحتها الجغرافية، مقارنة بمناطق أخرى شهدت عمليات إعادة إعمار، فهي تختلف عن تلك المناطق من ناحية مهمة جدا، وهي تمتعها بثروة بشرية كبيرة، فعدد سكان القطاع يزيد عن مليوني نسمة، فضلا عن تمتعها بالكفاءات اللازمة لإعادة الإعمار، سواء من ناحية توفير الفرق الهندسية القادرة على القيام بعمليات التخطيط والتصميم، كذلك التنفيذ من خلال الأيدي العاملة المتوفرة بشكل كبير.

ومن هنا فالقيام بإعادة إعمار غزة يعوزه فقط توفير التمويل، وبالتالي فقيام الشركات والمؤسسات في غزة بعملية إعادة الإعمار سوف يحقق أكثر من فائدة اقتصادية واجتماعية في آن واحد، فتنفيذ إعادة الإعمار من خلال شركات المقاولات بغزة، أو من خلال المكاتب الهندسية، سوف يعوضها عن خسائرها بشكل كبير عن خسائرها خلال الفترة الماضية، سواء خلال فترة الحصار الممتدة لأكثر من 16 عاما، أو خلال الحرب الإسرائيلية.

ومن غير المقبول أن يتم التعامل مع الشركات والمؤسسات في غزة عبر آلية "مقاول الباطن"، فذلك يعني دخول وسطاء في عملية إعادة الإعمار، ومحاولة مزاحمة الفلسطينيين بغزة في أمر لا يحتمل المزاحمة.

ما بعد الإعمار

إن كان الإعمار ينال البنية التحتية والمنشآت، فإن الإنسان هو الأكثر أهمية، والاعتناء به يأتي في المقام الأول، فمن أجل الإنسان تتم عملية الإعمار وإعادة الإعمار، وقد نتج عن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة أكثر من 217 شهيدا، وأكثر من 1500 جريح، فضلا عن النازحين الذين تركوا بيوتهم بعد تدميرها، ولجؤوا إلى المدارس وغيرها.

وهؤلاء أمام تحديات كبيرة، فما بين أسرة فقدت عائلها، أو بعض أفرادها، أو مصاب لديه إعاقة مستديمة تعوقع عن الكسب والحركة، أو نازح فقد كل ما يملك وعليه أن يبدأ حياته من الصفر، وبلا شك أن ذلك يتطلب أوجها للمساعدة، منها المادي والنفسي، وكلاهما ضروري، وينبغي أن يدرج ضمن خطة إعادة الإعمار.

فمن حق الإنسان في فلسطين أن يتمتع بكامل حقوقه في الحياة مثل بقية شعوب العالم، وبعد أكثر من 7 عقود من الاحتلال آن للفلسطينيين أن يكون لهم وطن مستقل يتمتعون فيه بكامل حقوقهم التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أحداث فلسطين
الأكثر قراءة