الفلسطينيون: الإضراب وحّدنا وأضر بإسرائيل اقتصاديا وسياسيا

أول إضراب شامل منذ عام 1936.. الفلسطينيون يضربون في وجه الاحتلال

الإضراب شل مختلف مناحي الحياة في الضفة الغربية وأراضي عام 1948 (الجزيرة)
الإضراب شل مختلف مناحي الحياة في الضفة الغربية وأراضي عام 1948 (الجزيرة)

ما إن أعلن الإضراب الشامل في جميع مناحي الحياة في "فلسطين التاريخية" نصرة لغزة ورفضا للحرب الإسرائيلية عليها وعلى مدينة القدس وأهلها حتى تداعت الجماهير الفلسطينية بكل أماكن وجودها، ولبت نداء الإضراب متحدية سياسة الاحتلال الإسرائيلي العنصرية ضد الفلسطينيين.

وغير آبهين بانعكاسات هذا الإضراب عليهم سياسيا واقتصاديا انطوى الفلسطينيون تحت جناح الإضراب الشامل معلنين "حالة توحد" تهون أمامها كل النتائج مهما كانت قاسية.

وهذا الإضراب -كما يراه أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة النجاح بكر اشتية- لا يقاس بتأثيره الاقتصادي ليوم واحد، فهناك أبعاد وطنية وسياسية كبيرة تجسدت خلفها "وحدة فلسطين التاريخية" بإضراب لم يشهد مثله منذ الإضراب الشهير الذي خاضه الفلسطينيون عام 1936.

وقال اشتية -في حديث للجزيرة نت- إن الحسابات الاقتصادية تتقزم أمام المكاسب والمفاهيم الوطنية، وتوعية جيل بأكمله "يعاني جهلا بهذا الجانب" بأهمية المنظومة الوطنية الفلسطينية ووحدتها بين الضفة الغربية وغزة والداخل المحتل والقدس.

الإضراب تبعته مظاهرات ومواجهات مع الاحتلال بمناطق الاحتكاك (الجزيرة)

لا خسائر مقابل الوعي

ورأى اشتية أن الإضراب واحد من أدوات عدة -كحركة المقاطعة العالمية لإسرائيل "بي دي إس" (BDS)- يمكن لهذا الجيل أن يحققها ويعمل على رفع منسوب الوطنية لدى المجتمع الفلسطيني بكافة أطيافه وجغرافية مناطقه.

وعلى المستوى المحلي، استبعد اشتية -وبالمفهوم المجرد- أي خسائر أو تأثير كبير للاقتصاد الفلسطيني المعتاد أصلا على الخسائر في ظل الأزمات المختلفة، فإغلاق المحال التجارية أو المصانع ليوم لا يؤثر كونها "أرباحا مؤجلة".

أما العمالة داخل إسرائيل فهي المتضررة أكثر في حال استمر الإغلاق، خاصة أن إسرائيل أعلنت اليوم منع دخول من هم دون سن 45 عاما من العمال إليها.

لكن بالمقابل، فإن الخسائر ستكون كبيرة على إسرائيل حتى ليوم واحد -وفق اشتية- ويمكن للهبة الفلسطينية أن تحدث خللا في الاقتصاد الإسرائيلي وتزداد وتتسع باتساع رقعة الإضراب، كأن يتوقف العمال عن التوجه للعمل داخل إسرائيل شريطة تعويضهم فلسطينيا كونهم الفئة "الأكثر تهميشا في المجتمع".

وأضاف أن التأثير يتضاعف عندما يوقف التجار ووكلاء المنتجات الإسرائيلية من الفلسطينيين استيراد بضائع الاحتلال، خاصة تلك التي لها بديل فلسطيني.

وتشير دراسة اقتصادية أجراها معهد أبحاث السياسات الاقتصادية (ماس) مؤخرا إلى أن حجم التبادل التجاري مع إسرائيل -والذي يمكن الاستعاضة عنه بمنتجات فلسطينية- يقدر بمليار و150 مليون دولار، وهذه توفر 70 ألف فرصة عمل إذا استغلت الموارد الاقتصادية الفلسطينية جيدا.

ويكفي من هذا الإضراب -حسب كلام اشتية- "تفتيح أعين" هذا الجيل الفلسطيني الشاب حول كيفية وآليات إلحاق الضرر بإسرائيل وإيلامها بكل الوسائل من الإضراب والمقاطعة لمنتجاتها.

وبالتالي، عندما ينتفض الفلسطينيون وتضج وسائل الإعلام محليا وعالميا ومواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عن قضاياهم الوطنية وكيفية تخلصهم من التبعية لإسرائيل فهذا "إنجاز وطني تتقزم أمامه أي خسائر اقتصادية".

خبراء أكدوا أن تأثير الإضراب على الاقتصاد الإسرائيلي أكبر منه على الاقتصاد الفلسطيني (الجزيرة)

داعم للاقتصاد الفلسطيني

من جهته، يرى محمود نواجعة -من الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها (بي دي إس)- أن الإضراب شكل من أشكال العصيان المدني والمقاومة أيضا، ولا يضر بالاقتصاد الفلسطيني، بل يعززه من خلال الدعوات الواسعة لمقاطعة منتجات الاحتلال، وبالتالي دعم الاقتصاد الوطني.

ويؤكد نواجعة -في حديث للجزيرة نت- أن الإضراب أضر بالاحتلال وأصابه بحالة من الشلل، وبالمقابل أظهر أن الفلسطينيين مستعدون لدفع الثمن من أجل حريتهم.

وتواجه إسرائيل أصلا -حسب نواجعة- خسائر اقتصادية كبيرة، ولكنها لا تصرح بها، فقد باتت تخسر من تصنيعها العسكري 2%، أي نحو 37 مليار دولار سنويا، كما انخفض الاستثمار الأجنبي لديها بنسبة 47%، وانخفضت صادراتها إلى السوق الفلسطيني حسب البنك الدولي 24%.

وبعيدا عن تأثيره الاقتصادي، تبقى للإضراب أهميته السياسية عبر توحيد كل فئات الشعب الفلسطيني -خاصة في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948- حول قضايا جوهريا ووطنية كبرى تتعلق بموقفه من الاحتلال وإقامة دولته الفلسطينية كجزء أصيل من الشعب الفلسطيني.

الإضراب أعاد إحياء القضية في نفوس الأجيال الشابة (الجزيرة)

إفشال "الأسرلة" والتدجين

وبهذا، يرى إمطانس شحادة الأكاديمي الفلسطيني وعضو الكنيست السابق -في حديثه للجزيرة نت- أن الإضراب أكد "تجذرهم وعمقهم الفلسطيني، وفشل محاولات الاحتلال سلخهم عن شعبهم وأسرلتهم عبر تدجينهم وكي وعيهم".

كما أفشل الإضراب محاولات دفع فلسطينيي الداخل "للاكتفاء بالقضايا المعيشية اليومية"، وهذا -وفق شحادة- سيغير قواعد اللعبة والوعي "وهو الأهم بهذا المجال".

واقتصاديا، فإن إسرائيل تخسر عمليا وتتأثر بهذا الإضراب -حسب شحادة- الذي أكد أن شللا أصاب المرافق الاقتصادية الإسرائيلية، ولا سيما قطاع العمال والبناء والمواصلات والتي تعطلت بأكثر من 50% كونها ترتكز على السائقين العرب بنسبة كبيرة، وبالتالي فهذا يزعج المؤسسة الإسرائيلية ويفشل مخططاتها.

وأشار شحادة إلى أن تكلفة الحرب الإسرائيلية على غزة تقدر بأكثر من 912 مليون شيكل (حوالي 280 مليون دولار) يوميا، موزعة على العتاد العسكري، وصواريخ القبة الحديدية، وتجنيد الاحتياط بالجيش، والبطالة، وتعطيل العمل، وإغلاق المرافق الاقتصادية، وغير ذلك.

وعلى الرغم من أنه كان ليوم واحد فإن إضراب الفلسطينيين اليوم أعادهم لإضرابهم الشهير عام 1936، والذي استمر 6 أشهر وأدى بهم لإطلاق ثورتهم الكبرى ضد المحتل الإنجليزي.

كما مهد لإضرابات خاضها الفلسطينيون لاحقا خلال انتفاضتهم المختلفة، ولا سيما انتفاضة الحجارة عام 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000، وهو ما تداوله فلسطينيون كثر في حساباتهم المختلفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي اليوم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

دعت لجنة المتابعة العربية العليا في إسرائيل اليوم الأحد إلى إضراب شامل في المدن والبلدات العربية بعد غد الثلاثاء، في حين أعلن الشاباك اعتقال العشرات من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

16/5/2021
المزيد من أحداث فلسطين
الأكثر قراءة