صارح والدا الفتاة الفرنسیة مارلین ابنتھما في فترة مبكرة من حیاتھا بأنھما لیسا والدیْھا الحقیقیین، وأنھما تبنیاھا بعد مقتل والدیھا خلال الحرب الأھلیة اللبنانیة. بعد سنوات صدمت مارلین مرة ثانیة بعد أن اكتشفت بنفسھا أن تل الزعتر ھو مسقط رأسھا، وأنھا في الأصل ناجیة من مجزرة ارتكبت ھناك. قصة مارلین إنسانیة بامتیاز، وتستحق أن تُروى. لكنھا إلى جانب ذلك مثلت مفتاحا لأحد ملفات الحرب المسكوت عنھا، وھو ملف المفقودین خلال استسلام أھالي مخیم تل الزعتر للاجئین الفلسطینیین لمسلحي الملیشیات الیمینیة اللبنانیة یوم 12 أغسطس/آب 1976 بعد حصار المخیم وتدمیره. التغطیة التالیة تعرف بالتفاصیل.

مارلين الفرنسية أحيت "تل الزعتر"

لا تشبھ قصة مارلین غ. أیا من القصص التي نقرأھا أو نشاھدھا على التلفزیون أو السینما. إنھا قصة یختلط فیھا الإنساني، بالشخصي، بالسیاسي المتعلق بمجزرة مسكوت عنھا. وأین؟ في بلد شھد حربا أھلیة طاحنة مثل لبنان. ففي قصة مارلین نبش لملف أرید لھ أن یطوى مع بدایات تلك الحرب التي انتھت عام 1989 لكنھ یأبى ھذه النھایة. إنھ ملف الضحایا والمفقودین في مجزرة مخیم تل الزعتر للاجئین الفلسطینیین عام 1976 التي ارتكبتھا المیلیشیات الیمینیة اللبنانیة.

شاعت قصة مارلین وانتشرت صیف عام 2011 عندما وقفت ھذه الفتاة الفرنسیة على أعتاب منزل مسؤول رابطة أھالي تل الزعتر محمد عبده في مخیم مار الیاس للاجئین الفلسطینیین بالعاصمة اللبنانیة باحثة عن ذویھا. حتى ذلك الوقت لم یكن أحد من سكان المخیم المكون من غالبیة من سكان تل الزعتر السابقین یعتقد أن أحدا من الذین اختفوا خلال الخروج من المخیم یوم 12 أغسطس /آب باق على قید الحیاة. فما بالك إذا كانت الباحثة عن أھلھا فرنسیة. فذلك یعني أن ھنالك فعلا ناجین من المجزرة، كانوا بالتأكید أطفالا. وأنھ تم تبني بعضھم في الخارج. والدلیل ھو مارلین. إذا لماذا لا یتم السؤال أیضا عن مصیر المفقودین الآخرین، الذین لا یعرف إن كانوا أحیاء أو أموات وفتح ملف مصیرھم؟.

مارلین روت قصتھا للجزیرة نت في حوار طویل ومفصل. ملخصھا أنھا وھي في سن العاشرة عرفت من أبویھا الفرنسیین والمقیمین في مدینة تولوز جنوبي فرنسا أنھا متبناة من لبنان وأن أبویھا البیولوجیین قتلا خلال الحرب الأھلیة اللبنانیة. لكنھا وكأي إنسان یصاب بمثل ھذه الصدمة، باشرت رحلة البحث عن أبویھا ما أن واتتھا الفرصة. فحضرت إلى لبنان لأول مرة عام 2003 مسترشدة بالمعلومات القلیلة التي توفرت لھا وباسم العائلة اللبنانیة الذي تم تبنیھا على أساسھ. لتكتشف أن عملیة تبنیھا تمت أصلا بوثائق مزیفة. وأن الأسرة التي یسرت ذلك، لا ترید لھا أن تعرفھا تفاصیل عملیة التبني وخلفیاتھا، وھو ما أثار فضولھا أكثر.

ومع وصولھا إلى أبناء الأسرة ، وراھبة مسیحیة سبق لھا العمل في الحضانة التي تولت إجراءات التبني، تیقنت مارلین أنھا من تل الزعتر أولا، وأنھا ناجیة من مجزرة ارتكبتھا المیلیشیات الیمینیة في المخیم . وأدركت مارلین خطورة الاكتشاف وحساسیتھ، مع إصرار الأسرة اللبنانیة المسیحیة على نھیھا عن الذھاب إلى موقع المخیم.

وبعد عودتھا إلى فرنسا تعرفت مارلین على صحفیة فرنسیة سھلت لھا التواصل مع الصلیب الأحمر، وعبره وصلت إلى مخیم مار الیاس وإلى رابطة أھالي تل الزعتر، لینكشف أمام الفتاة عالم آخر على الصعیدین الشخصي والعام. ففي الأول أتیحت لھا فرصة للتواصل مع أسرة العلي التي فقدت ابنة لھا تدعى فاطمة كانت تعیش في تل الزعتر مع أبنائھا الأربعة. واختفوا جمیعا یوم الخروج من المخیم في 12 آب أغسطس.

وبین أطفال فاطمة طفلة تدعى فادیا كانت في عمر مارلین وقت المجزرة. وتبع ھذا الاكتشاف سفر مارلین إلى ألمانیا لمقارنة حمضھا النووي بحمض أخ غیر شقیق لفادیا یعیش ھناك یدعى فایز. ورغم أن النتیجة أتت سلبیة، إلا أن مارلین لم تیأس، خاصة أن احتمال أخوة لاح لھا ضمن أسرة أخرى من المخیم.

أما على الصعید العام ففتحت ھذه الاكتشافات لمارلین بابا للشعور بالانتماء إلى تل الزعتر وأسرتھ الكبیرة ومأساتھ المعلومة- المجھولة. وبالنسبة لأسر المخیم المنكوب، فتحت مارلین ملفا ظل مغلقا بفعل تقادم الزمن، وفعل التسویة اللبنانیة التي أنھت الحرب الأھلیة، والتي أصدر فرقاءھا عفوا عن كل الجرائم التي ارتكبت خلالھا ، وعن مرتكبیھا بدون تمییز.

مارلین غ. باتت تشعر بانتماء حقیقي إلى تل الزعتر وإلى ضحایا المجزرة. وھي تواصل بحثھا عن أسرتھا الصغیرة بین أبنائھ. أما بالنسبة لأھالي تل الزعتر، فقد جددت مارلین فیھم الأمل بالعثور على أحیاء من أقاربھم وأسموھا " مارلین- فادیا الزعتریة" . وفي آخر تجمع لإحیاء ذكرى المجزرة في أغسطس/ آب 2013 دعوھا لإلقاء كلمة كي تكون الشاھد الحي علیھا.

أنا ابنة "تل الزعتر"

مارلين الفرنسية

أعربت المواطنة الفرنسیة مارلین غ. ( 40 عاما) عن اعتزازھا بالانتماء إلى أھالي مخیم تل الزعتر الذي كان یوجد شمالي شرقي العاصمة اللبنانیة بیروت قبل تدمیره وإبادة أكثر من ألفین من سكانھ عام 1976 ، على ید قوات لبنانیة مسیحیة.


وفي حوار حصري مع الجزیرة نت، أضافت مارلین -التي فضلت عدم كشف اسم عائلتھا بالتبني- أنھا وجدت جریحة بالمخیم، في أغسطس/آب من تلك السنة، قبل أن تنقل لتلقي العلاج في مستشفى محلي غادرتھ للإقامة في دار حضانة تشرف علیھا راھبات مسیحیات ببیروت الشرقیة. وأوضحت أن عائلة فرنسیة تبنتھا، بعد أشھر من وقوع مذبحة تل الزعتر، ثم استقبلتھا في منطقة تولوز بجنوبي البلاد، مشیرة إلى . أنھا لم تعرف أن جذورھا تعود للمخیم إلا في 2003

و كشفت مارلین أن بحثھا عن أھلھا قادھا إلى زیارة لبنان مرتین للاتصال ببعض عائلات الناجین من المذبحة، مشیرة إلى أنھا أجرت عدة اختبارات للحمض النووي بھدف تحدید قرابتھا مع تلك العائلات. وتحدثت "ابنة تل الزعتر" عن الآثار التي تركھا العنف الذي عاشتھ وھي طفلة على سلوكھا وردود فعلھا. كما أكدت تصمیمھا على مواصلة البحث لمعرفة ما سمتھ "الحلقات المفقودة" في قصتھا الشخصیة.

فیما یلي نص الحوار:


من أنت ؟

حسب أوراقي الرسمیة الفرنسیة، أنا مارلین غ. ولدت في بیروت عام 1973 ، أقیم حالیا بضاحیة مدینة تولوز بجنوبي فرنسا. حصلت قبل عامین على شھادة الدراسات العلیا في علم النفس. ما زلت أبحث عن عمل. لست متزوجة ولیس لدي أطفال.


"غ". ھو الحرف الأول من اسم العائلة التي تبنتك في فرنسا، ألیس كذلك؟

بالضبط، لقد أحضرت إلى فرنسا من بیروت عام 1976 بجواز سفر لبناني مزور یتضمن معلومات متطابقة مع البیانات المثبتة في أوراقي الفرنسیة بشأن الاسم الشخصي ومكان المیلاد وتاریخھ. لكن الجواز اللبناني كان یحمل اسما عائلیا مختلفا.


ما ھو ھذا الاسم؟

(تخرج جوازا لبنانیا من ظرف أصفر): انظر، في الجواز اللبناني، اسمي الكامل ھو مارلین ریمون زوما.


من قال لك إن ھذا لیس الاسم الحقیقي لعائلتك الأصلیة؟

العائلة التي تبنتني كانت تعرف أن ھذه ھویة زائفة وضعتھا السلطة التي أصدرت الجواز بناء على رغبة راھبات كن یشرفن على دار الحضانة التي كنت أقیم فیھا قبیل نقلي إلى فرنسا. ھذه الدار -التي توجد في بیروت الشرقیة- ھي التي وقعت وثائق التبني مع عائلتي الفرنسیة.


متى عرفت أنك لست فرنسیة الأصل؟

عرفت ذلك في وقت مبكر. عائلتي بالتبني لم تخف قط عني هذه المعلومة. كانوا يقولون لي دائماً إني جئت من لبنان. قبل أن أبلغ العاشرة من العمر، أخبرني أبي وأمي ببعض الظروف التي سبقت مقدمي إلى فرنسا. قالا لي إن راھبات دار الحضانة في بیروت أخبرنھما أني وجدت في مكان شھد قصفا. وأكدا لي أنھما علما أن والدي البیولوجیین قتلا جراء القصف. لكن كان ھناك تباین في الروایة في ما یتعلق بالوضع الذي وجدت علیھ.


كیف؟

عائلتي الفرنسیة تقول إن الراھبات قلن لھا، مرة، أني وجدت معلقة على جذع شجرة. ومرة أخرى، أني كنت عالقة تحت كومة من الأنقاض. المؤكد ھو أني كنت مصابة بجروح بالغة.


لماذا تقولین إن ھذه المعلومة مؤكدة؟

لأني لدي شھادة من مستشفى "نوتر دام دي لیبان" ببلدة جونیھ (الواقعة شمالي بیروت) تفید بأني نقلت إلى ھذه المؤسسة الطبیة في الخامس من أغسطس/آب 1976 ، و أني تلقیت العلاج فیھا من جرح في الرأس وكسر في الفخذ. بعد تلقي العلاج، نقلت إلى دار الحضانة التي تدیرھا الراھبات. لكن وثیقة المستشفى التي احتفظت بھا عائلتي في ملف التبني لم تتضمن أي اسم لي.


ھل احتفظت بأي ذكرى شخصیة عن كل ھذه الأحداث؟

(اغرورقت عیناھا بالدمع)، لا أستطیع أن أقول إني أتذكر شیئا ما لأن عمري –حینھا- كان على الأرجح یتراوح بین ثلاث سنوات ونصف وأربع سنوات. لكن، بالمقابل، أحسست دائما أني جئت من لبنان والشرق الأوسط. وكنت، وأنا طفلة، أرغم والدي على التوقف عن الحدیث والإنصات حینما یكون التلفاز یبث خبرا یتعلق بالمنطقة. كما أن سلوكي، في تلك المرحلة من عمري، كان یعكس معاناة سابقة لظروف العنف والحروب. إذ كنت أبادر إلى الانبطاح على الأرض ووضع یدي فوق رأسي كلما حلقت طائرة في المنطقة التي أوجد فیھا. كما كنت أصاب بالھلع عند مشاھدة الجرارات الزراعیة، فقد كنت أربط، ذھنیا، بینھا وبین مشھد الدبابات والمدرعات.


لقد نقلت أیضا من وسط إنساني إلى بیئة أخرى مختلفة، ھل كان لذلك من أثر؟

فعلا، لقد ترك ذلك أیضا أثره. قالت لي أمي بالتبني أنني كنت، في الأشھر الأولى التي تلت وصولي إلى فرنسا، أصاب بنوبات ھستیریة عنیفة، وأنھا لم تكن قادرة على فھم الكلمات القلیلة التي كنت أنطقھا لأن تلك الكلمات كانت –بالتأكید- عربیة. وفي وقت لاحق عندما أصبحت مراھقة، نشأ عندي اشمئزاز من كل ما یحیل إلى المشرق. كنت أنفر من الموسیقى والوجبات الشرقیة. ولم أتغلب على ھذا الأمر إلا بعد ذلك بسنوات طویلة.


متى عرفت أنك من مخیم تل الزعتر؟

لم أعرف ذلك إلا في 2003 . في تلك السنة، استجمعت قواي وقررت أن أعود، لأول مرة، إلى لبنان أملا في العثور على خیط یقودني إلى تبدید الغموض الذي یلف قضیتي. كان أبي وأمي بالتبني قد توفیا في بدایة ثمانینیات القرن الماضي. بعد رحیلھما، تولى العنایة بي أفراد من عائلتیھا. كان لي أخ واحد تبناه والداي، ھو الآخر، في لبنان قبل بدایة الحرب الأھلیة. لم تعد لي صلة بھ. كنت دائما أتساءل: ما دامت عائلتي الفرنسیة أٌبلغت أن أبي وأمي البیولوجیین قتلا، فلماذا لا أجد أثرا لاسم أي منھما في ملف التبني؟ كان ھذا الملف یتضمن كل المعلومات الضروریة عن دار الحضانة. اتصلت بالقائمات علیھا، ھاتفیا، قبل أن أغادر فرنسا. لما وصلت إلى بیروت، دلتني دار الحضانة على عائلة لبنانیة مسیحیة لعبت دورا في إجراءات التبني. فقد قامت ھذه العائلة بنقلي من لبنان إلى فرنسا وھي التي سلمتني إلى عائلتي الفرنسیة. وجدت أبا العائلة وأمھا قد توفیا. الا أن ابنتھما الكبرى، التي كانت شاھدة على بدایات القصة، أخبرتني، بطریقة ملتویة وغیر ودیة، أنھ تم العثور علي في مخیم تل الزعتر.


ماذا فعلت عندھا؟

أخبرتھم أنني أرید أن أزور موقع المخیم فورا. جن جنون تلك العائلة وحاولت بكل الوسائل صدي عن تلك الفكرة. غیر أني ذھبت إلى الموقع. وھناك، وجدت رجلا طاعنا في السن، قدم لي نفسھ على أنھ كان من مقاتلي الكتائب سألتھ: "ھل سمعت عن قصة طفلة وجدت معلقة على شجرة في تل الزعتر؟". ابتسم وقال: "لا".
قضیت في لبنان عشرة أیام حافلة بالبحث والتنقیب.


أین توجھت من بعد؟

ذھبت إلى "مستشفى نوتردام دي لیبان" في جونیھ. إلا أن إدارتھ رفضت رفضا قاطعا إطلاعي على أرشیفھا أو إفادتي بأي معلومة بشأن ملفي الطبي. بعدھا، زرت صحیفة "لوریان لوجور" (جریدة لبنانیة مكتوبة بالفرنسیة) لعلي أعثر على خبر في أرشیفھا بشأن الحادثة. كانت النتیجة سلبیة. لم أحاول البحث في الصحف العربیة المحلیة لأنھ لا یوجد لدي أدنى إلمام باللغة العربیة. ثم توجھت إلى مستشفى تعالج فیھا إحدى الراھبات اللاتي كن یشرفن على دار الحضانة وكانت تلك الراھبة مھتمة بقضایا الأطفال الذین تم تبنیھم.
بعد الكثیر من الأخذ والرد معھا، أكدت لي ھذه السیدة أني قد وجدت في مخیم تل الزعتر. بعدھا، عدت إلى تولوز وجرت بیني مراسلات مع ھذه الراھبة التي كتبت لي، في إحدى الرسائل، أني –فعلا- من أبناء المخیم.


رجعت إلى فرنسا، دون الاتصال بالناجین من مذبحة تل الزعتر الموجودین في لبنان أو زیارة المخیمات الفلسطینیة ھناك؟

نعم، في تلك اللحظة لم تكن لدي أي فكرة عما حدث في مخیم تل الزعتر. ومعلوماتي عن القضیة الفلسطینیة كانت قلیلة وسطحیة. حینما رجعت بدأت أقرأ وابحث على الإنترنت عن فصول المأساة الفلسطینیة واكتشفت حینھا ما جرى في مخیم تل الزعتر. الا أن انصرافي للدراسة، منعني من إعطاء دفعة قویة للبحث الذي بدأتھ في بیروت. انتظرت حتى حصلت على شھادة الدراسات العلیا في علم النفس، في 2011 ، قبل استئناف ذلك الجھد. التقیت في السنة الموالیة بصحفیة فرنسیة من أصل فلسطیني تقضي أغلب وقتھا بین باریس وبیروت. كان ھذا اللقاء مفصلیا في القصة.


كیف؟

بفضل علاقاتھا مع الھیئة الدولیة للصلیب الأحمر، مكنتي ھذه السیدة من ربط الاتصال مع رجل فلسطیني یسمى محمد عبدو كان یترأس "رابطة أھالي مخیم تل الزعتر" التي یوجد مقرھا بمخیم "مار إلیاس" بلبنان. طلب مني محمد أن أرسل لھ فورا صورا لي وبادر إلى إعداد ملصق إعلاني یحمل تلك الصور ونشره في كل المخیمات الفلسطینیة التي یقیم بھا ناجون من مذبحة تل الزعتر.


وماذا كانت نتیجة نشر الإعلان؟

أتصل بى محمود العلي وھو فلسطیني یقیم بلبنان. لقد فقد أختھ فاطمة العلي وأطفالھا خلال أحداث المخیم. كان من بین ھؤلاء الأطفال، طفلة تسمى فادیة تقاربني في العمر. اقترح علي محمود لقاء فایز الأحمد وھو أخ لفادیة (من أبیھا) یقیم في برلین بألمانیا وإجراء اختبار الحمض النووي معھ لمعرفة ما إذا كنت أختھ أم لا. رحبت بالفكرة وتوجھت إلى ألمانیا حیث استقبلت بحفاوة من قبل عائلة الأحمد. أجرینا الاختبار في أبریل/نیسان الماضى، إلا أن النتیجة كانت سلبیة.


كیف كان وقع ذلك علیك؟

شعرت بنوع من الإحباط. لكني أتصور أن خیبة أمل عائلتي العلي والأحمد كانت أكبر. فھما كانتا تبحثان عن أفراد من ذویھم لھم معھم ذكریات. أما أنا فلیست لي ذكریات مع أي أحد في المخیم، لأنني لم أكن أعي أي شيء حینما اٌخرجت من لبنان. أنا أحس أنني أحرزت أھم مكسب حینما عثرت على عائلتي الكبیرة المؤلفة من الناجین من مذبحة تل الزعتر.


ھل ھذا یعني أنك توقفت عن البحث عن "عائلتك الصغیرة"؟

لا، أبدا. لقد رجعت إلى لبنان الصیف الماضي، بدعوة كریمة من محمد عبدو لحضور إحیاء ذكرى المذبحة. لقد استقبلت بحرارة في المخیمات الفلسطینیة وحظیت بكرم ضیافة عائلتي العلي والأحمد. لقد تأثرت كثیرا حینما التفت إلى ولید الأحمد قائلا: "مرحبا بك، أنت جزء من العائلة". وقد مكنتني ھذه الزیارة من ربط الاتصال مع خمس عائلات فلسطینیة تبحث كل منھا عن فتاة مفقودة في أحداث المخیم. حتى الآن قمنا بمقارنة الحمض النووي مع اثنتین من تلك العائلات. كانت النتیجة استبعاد وجود قرابة بیني وبین العائلة الأولى. أما العائلة الثانیة، فكان الأمر یتعلق بممرضة فلسطینیة من بیروت فقدت أختھا في المخیم. وقد أفاد الفحص باحتمال وجود قرابة لا ترقى إلى مستوى الأخوة بیني وبین تلك السیدة. ونحن بصدد إجراء فحص تكمیلي للحمض النووي لمعرفة درجة تلك القرابة على نحو أدق.


وماذا عن العائلات الثلاث الأخرى؟

(تبتسم)... أنا لا یمكن أن أكون قریبة للجمیع. قبل كل شيء یجب انتظار الحسم في اختبار القرابة مع الممرضة.


ماذا یعني لك الآن تل الزعتر؟

أولا، ھذا الاسم أصبح مرادفا لجریمة نكراء ارتكبھا فاشیون عنصریون. ثانیا، لدي شعور بالتماھي والتضامن العمیق مع الناجین الذین وجدت لدیھم ما یمكن أن أسمیھ "روح تل الزعتر"، تلك الرابطة الروحیة التي لا یعرفھا إلا الناجون من الكوارث المھولة. لذا، فأنا لا أخجل من انتمائي لمخیم تل الزعتر. سأواصل البحث، حتى آخر رمق، عن الحلقات المفقودة في قصتي الشخصیة. وأعلم -علم الیقین- أن السند الوحید الذي یمكن أن أعول علیھ في ھذه المعركة الطویلة ھو "رابطة أھالي مخیم تل الزعتر".

مخيم تل الزعتر

ھو أحد المخیمات الستة عشر للاجئین الفلسطینیین في لبنان المسجلة لدى الأونروا، وجرى ، إنشاؤه في القسم الشرقي من بیروت بعد ھجرة الفلسطینیین القسریة من أرضھم عام 1948 واستمر لغایة 12 أغسطس/آب 1976 عندما أزیل من الوجود إثر واحدة من أعنف جولات 1989 ) التي قتل خلالھا الآلاف من سكانھ - القتال خلال الحرب الأھلیة اللبنانیة ( 1975 الفلسطینیین واللبنانیین، وھجر الباقون قسرا إلى الشطر الغربي من بیروت.


الموقع والمساحة

أقیم مخیم تل الزعتر عام 1949 على أرض للوقف الماروني سبق أن استخدمت كمعسكر للجیش البریطاني خلال الحرب العالمیة الثانیة. ویحمل المخیم في وثائق وكالة الأونروا اسم مخیم الدكوانة، نسبة إلى الحي المأھول القریب منھ. لكن باحثة فلسطینیة أشارت إلى أن اسم تل الزعتر استمد من معمل للزعتر كان یقوم على مقربة منھ.

وقدر باحث مھتم بتاریخ المخیم مساحتھ بنحو 365 دونما. أما حدوده فكانت تحده من الشرق أحیاء المكلس والمنصوریة وعین سعادة ودیر مار روكز، ومن الغرب حرش تابت وسن الفیل حیث القصر الجمھوري القدیم، ومن الشمال الدكوانة، ومن الجنوب المكلس أیضا وضیعة (قریة) جسر الباشا والحازمیة.


الجاذبیة الاقتصادیة

لم یزد عدد العائلات التي سكنت المخیم عند إنشائھ عن ستین عائلة فلسطینیة، لكنھ ما لبث أن تضخم تدریجیا جراء ھجرات فردیة إلیھ من باقي مخیمات لبنان، وخاصة الرشیدیة والنبطیة والبرج الشمالي، إضافة إلى ھجرة مماثلة للعائلات اللبنانیة الفقیرة من مدن وقرى الجنوب والبقاع.

ومثلما كان الوضع الاقتصادي المتردي في الجنوب والبقاع عامل طرد للفقراء اللبنانیین والفلسطینیین، شكل تل الزعتر نقطة جذب لھذه العائلات لوقوعھ على مقربة من منطقة المكلس الصناعیة التي كانت تضم قبل الحرب الأھلیة 22 % من المصانع اللبنانیة. وشكلت بیروت وقطاع الخدمات فیھا عامل جذب إضافي لمھاجرین لبنانیین وفلسطینیین وسوریین اختاروا السكنى بالمخیم لقربھ من العاصمة.


العمل الفدائي

بلغ عدد سكان المخیم من اللاجئین الفلسطینیین حسب بحث أعده عام 1972 ھاني مندس 11415 شخصا. وما لبث العدد أن ارتفع حسب تقدیرات متطابقة عام 1976 إلى 17 ألفا، یضاف إلیھم نحو 13 ألفا من الفقراء اللبنانیین المھاجرین من الجنوب والبقاع وبعض العائلات السوریة.

بقي المخیم خاضعا بالكامل لسلطة الدولة اللبنانیة وسیطرة أجھزتھا الأمنیة حتى أواخر ستینیات القرن العشرین، وبدأ الوضع داخلھ بالتغیر مع ظھور العمل الفدائي الفلسطیني في الأردن ولبنان خلال تلك الفترة، وما رافقھ من انخراط شباب المخیم من اللاجئین الفلسطینیین في الفصائل المسلحة وإنشائھا مراكز ومعسكرات تدریب في كافة مخیمات لبنان وبینھا تل الزعتر.

وقد شكل الوضع المستجد عنصر تحد واستفزاز لحزب الكتائب اللبنانیة الیمیني الذي تمثل تلك المنطقة الجغرافیة معقلھ السیاسي ولجماعة صغیرة في الدكوانة تدعى "حركة الشبیبة اللبنانیة" ویتزعمھا قیادي محلي یدعى الباش مارون خوري. وقد بدأت احتكاكات متفرقة بین الطرفین منذ عام 1969 ، وازدادت بعد انتقال الفدائیین من الأردن إلى لبنان مطلع السبعینیات، في ظل عدم رضى حزب الكتائب وحلفائھ المحلیین عن الوضع الجدید. ومنذ عام 1969 بدأ أنصار الباش مارون شراء أسلحة بمواردھم الذاتیة بدعوى التصدي لما اعتبروه "خطرا فلسطینیا داھما".


تل الزعتر وحرب لبنان

كان مخیم تل الزعتر حاضرا في قلب المشھد لحظة اندلاع الحرب الأھلیة اللبنانیة یوم 13 أبریل/نیسان 1975 ، فقد انطلقت شرارة الحرب كما ھو معروف من حادث "بوسطة (حافلة) عین الرمانة" عندما أطلق وقتھا مسلحون من حزب الكتائب اللبناني نیران بنادقھم على حافلة كانت تقل فلسطینیین أثناء عودتھم إلى مخیم تل الزعتر من مھرجان سیاسي في مخیم شاتیلا غربي بیروت، أقامتھ الجبھة الشعبیة لتحریر فلسطین-القیادة العامة.

وأتى الھجوم -الذي أودى بحیاة 27 فلسطینیا- كرد انتقامي لحادث غامض سبقھ بساعات في الحي ذاتھ، وأدى إلى مقتل اثنین من الكتائب في عین الرمانة، كان أحدھما یعمل مرافقا لرئیس الحزب بیار الجمیل.

وتفید مراجعة أحداث تلك الأیام -بمعیار الزمن الحاضر- بأن موقع المخیم كان واحدا من عناصر شحن الأجواء بین سكان المخیم من الفلسطینیین، وبین أنصار الأحزاب الیمینیة، خصوصا حزب الكتائب، فتل الزعتر یقع في قلب منطقة المتن الجبلیة، وھي منطقة تسكنھا أغلبیة مسیحیة، كما أنھا أیضا منطقة نفوذ أمین الجمیل الابن الأكبر وقتھا لزعیم حزب الكتائب بیار الجمیل، والنائب في البرلمان، وكان وقتھا مسؤولا لما یعرف بإقلیم المتن الكتائبي.

وقد عومل المخیم -منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب من قبل الملیشیات الیمینیة- باعتباره نقطة عسكریة متقدمة للخصوم، وقد تغذت ھذه الفكرة عن المخیم على تجاوزات ارتكبھا مسلحون فلسطینیون من تل الزعتر، بینھا اعتقال بشیر الجمیل النجل الأصغر لزعیم حزب الكتائب على أحد حواجز المخیم، وإطلاقھ بعد اتصالات، وانخراط الفصائل الفلسطینیة بالمخیم كذلك في المواجھة التي جرت بین الجیش اللبناني والمخیمات الفلسطینیة في بیروت عام .1973

ومع اتساع دائرة الحرب الأھلیة وانتشارھا في باقي أرجاء لبنان انخرط تل الزعتر كغیره من مناطق التماس في النزاع المسلح، لكن الملیشیات الیمینیة -التي ظھرت بعد الحرب- وضعتھ في بؤرة اھتمامھا، وكذلك فعل قادة الأحزاب المنتمیة للتیار ذاتھ.

ففي مطلع ینایر/كانون الثاني عام 1976 بدأ مسلحو ما كان یعرف بالتنظیم ومجموعة مارون خوري بإقامة حزام حول المخیم انطلاقا من الدكوانة، وتركوا طریقا واحدا مفتوحا باتجاه عالیھ، وضرب الحصار التمویني الأول على المخیم في 4 ینایر/كانون الثاني بالتزامن مع اشتعال القتال في جبھات أخرى بطرابلس والدامور والبقاع.

ونفذ الحصار -الذي استمر 22 یوما- عناصر من الكتائب والأحرار والرابطة المارونیة عندما قامت بمنع أربع شاحنات محملة بالمواد التموینیة كانت متوجھة إلى تل الزعتر بحراسة عناصر من الارتباط من المرور في منطقة حرش ثابت، وھددت بنسفھا.

وبعد جولة قتال أخرى في 22 مایو/أیار 1976 شملت مناطق الدكوانة وتل الزعتر وامتدت إلى جسر الباشا والحازمیة والشیاح والمسلخ طالب حزب الكتائب بنقل تل الزعتر إلى مكان آخر "تفادیا للاحتمالات". وقال رئیس الحزب بیار الجمیل "إن وجود المخیم في تلك المنطقة لا یشكل موقعا إستراتیجیا وضروریا للمعركة مع إسرائیل".

لكن مصير المخيم حسمه في الواقع اتجاه الأحزاب اليمينية في سياق تطورات الحرب لإقامة غيتو للمسيحيين لا وجود فيه للأحياء الفقيرة والمخيمات الفلسطينية. وفي هذا السياق، نفذت سلسلة مجازر في مناطق سبنية وحارة الغوارنة في أنطلياس، حيث السكان لبنانيون فقراء، وتبعتها أخرى في حيي المسلخ والكرنتينا القريبين من المرفأ.

بالتوازي مع ذلك، سعت الملیشیات ذاتھا لمنع إقامة تواصل بین مخیمي جسر الباشا وتل الزعتر والنبعة التي سمیت في أدبیات الحركة الوطنیة اللبنانیة والفصائل الفلسطینیة "مثلث الصمود".

وفي 22 یونیو/حزیران ضربت الملیشیات حصارا عسكریا وتموینیا على المناطق الثلاث بدعم من وحدات انشقت عن الجیش اللبناني وعرفت بجیش أنطوان بركات، ثم بدأت عملیة عسكریة علیھا استمرت 52 یوما، وانتھت بسقوط مخیمي جسر الباشا عسكریا وإخلاء النبعة من سكانھا، ثم سقوط تل الزعتر بعد تدمیره.

قضى في مخيم تل الزعتر أكثر من ألفي شخص، معظمهم من الأطفال والنساء حسب شهادة الدكتور عبد العزيز اللبدي، وهو أحد طبيبين وجدا في المخيم أثناء الحصار، وتوفي بعض الأطفال عطشا في الأسبوعين الأخيرين من الحصار بعد أن أصبح مصدر الماء الوحيد المتبقي لسكان المخيم تحت مرمى نيران المليشيات.

ودفعت هذه العوامل إلى جانب تهدم منازل المخيم وأكواخه تماما "القيادة الفلسطينية إلى الاتفاق مع الميليشيات اليمينية على إخلاء تل الزعتر من المقاتلين والسكان في 6 أغسطس/آب على أن يكون التسليم للصليب الأحمر الدولي وقوة الأمن العربية وليس للميليشيات"، حسب ما أفاد للجزيرة نت قائد ميداني من فتح نجح مع مجموعته باختراق الحصار المضروب على المخيم وقاتل داخله, ووصف بأنه كان آخر المقاتلين الذي غادروا تل الزعتر.

ومع سقوط البئر الأخيرة بيد المليشيات في 10 أغسطس/آب، طلبت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية من المقاتلين الانسحاب عبر الجبال، ودعت الأهالي إلى تسليم أنفسهم استنادا إلى الاتفاق مع المليشيات والصليب الأحمر الدولي والجامعة العربية ممثلة بمندوبها حسن صبري الخولي.

وأثناء استسلام الأهالي يوم 12 أغسطس/آب 1976 نفذت المليشيات اليمينية مجزرة على حواجزها بين منطقتي الدكوانة والمتحف طالت فلسطينيين ذكورا من سن 16 إلى أربعين، ونساء وأطفالا، وقتل أثناء تلك المجزرة -حسب شهادات الصحفيين الأجانب- نحو أربعمائة شخص، إما ذبحا أو رميا بالرصاص.

لذا لم يخطئ الباحث الفلسطيني حسين أبو النمل حين قال العام الماضي في دراسة عن العلاقات الفلسطينية اللبنانية "إن رمزية مأساة فلسطينيي لبنان لا تتجسد أولا في (مجزرة صبرا وشاتيلا) رغم حجم ضحاياها ورمزيتها والاحتفالية السنوية التي تتم بمناسبتها". وأضاف أن الرمزية هي بلسان الفلسطيني المناور "مجزرة صبرا وشاتيلا"، ولكنها في الوجدان الفلسطيني "مجزرة تل الزعتر".


الفصائل والمليشيات المتحاربة

كانت الفصائل والمليشيات المتحاربة في تل الزعتر هي ذاتها المنخرطة في الفصول الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية والتي عرفت وقتها باسم "حرب السنتين": 1975 و1976.

وعلى امتداد الأراضي اللبنانية كان يوجد أفراد مليشيات ينتمون إلى أحزاب سياسية يقودها كبار الزعماء الموارنة كحزبي الكتائب والوطنيين الأحرار, يضاف إليهم أعضاء في مليشيات محلية نشأت قبل الحرب, وتسلحت قبل نشوبها على خلفية خشيتها من الوجود الفلسطيني المسلح، وكانت هذه الفئة توصف في أدبيات الفئة المقابلة بالانعزاليين، وفي بعض الأحيان وبـ"الفاشيست" أو "الفاشيين" في أحيان أخرى, في حين كانت الأحزاب والمليشيات اليمينية تكتفي بتسمية خصومها بمجموعات اليسار أو "اليسار العالمي" والفلسطينيين. وقد قاتلت في تل الزعتر والنبعة وجسر الباشا -حسب مصادر متطابقة- المجموعات التالية:

مليشيا الكتائب الموزعة على عدة فرق بقيادة رئيس المجلس الحربي الكتائبي وليم حاوي الذي قتل يوم 13يوليو/تموز 1976 أثناء معارك تل الزعتر, ليخلفه بشير الجميل الابن الأصغر لزعيم الحزب بيار الجميل، وكان هذا أول منصب حزبي رفيع يتولاه بشير قبل وصوله عام 1982 إلى سدة الرئاسة.

حركة الشبيبة اللبنانية أو "الحركة" بزعامة مارون خوري، وهو زعيم محلي في منطقة الدكوانة، توفي عام 2007.

حزب التنظيم الذي كان نائب رئيس الهيئة التنفيذية لحزب القوات اللبنانية جورج عدوان أحد قادته.

النمور, وهي الجناح العسكري لحزب الوطنيين الأحرار بزعامة كميل شمعون.

الرابطة المارونية برئاسة شاكر أبو سليمان.

حراس الأرز بزعامة إتيان صقر المطلوب بمذكرات توقيف والمقيم حاليا في إسرائيل.

وحدات من الجيش اللبناني كانت تتبع للجنرال إنطوان بركات عند انشقاق الجيش جراء تطورات حرب السنتين، وقد أقر الجنرال ميشال عون في سياق وثائقي "حرب لبنان" -الذي بثته الجزيرة قبل سنوات- بأنه قاتل في تل الزعتر, علما أنه كان وقتها برتبة رائد، وكان مسؤولا عن منطقة الدكوانة.

حركة فتح بزعامة ياسر عرفات.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش.

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة.

جبهة التحرير العربية بزعامة عبد الرحيم أحمد، وهي فصيل فلسطيني كان ضمن منظمة التحرير الفلسطينية، لكنه كان جزءا من حزب البعث الحاكم بالعراق.

طلائع حرب التحرير الشعبية قوات الصاعقة, وهي تنظيم كان يتزعمه وقتها زهير محسن، وهو قيادي في حزب البعث الحاكم في سوريا وعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وقد انشق هذا الفصيل على نفسه أثناء الحصار جراء الموقف السوري من الأزمة اللبنانية.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل, وقد انشق هذا الفصيل بدوره جراء ولاء قيادته لسوريا، وخرج منه فصيل سمي جبهة التحرير الفلسطينية.

جيش التحرير الفلسطيني المتمركز في سوريا, شارك بعض عناصره من الذين انشقوا على موقف القيادة الموالي لسوريا، وتسلل بعضهم إلى داخل تل الزعتر، في حين بقي قسم آخر على ولائه لحزب البعث الحاكم في سوريا.

من الأحزاب اللبنانية قاتل في تل الزعتر تنظيمان، هما الحزب الشيوعي اللبناني بزعامة نيقولا شاوي وقتها، ثم خلفه جورج حاوي, ومنظمة العمل الشيوعي بزعامة محسن إبراهيم.

لم يعرف العدد الدقيق لقتلى المعارك في الجانبين, لكن الفصائل الفلسطينية والأحزاب اللبنانية أعلنت أسماء شهدائها بعد سقوط المخيم، فبلغوا مع موظفي الهلال الأحمر الفلسطيني 507 مقاتلين و210 مدنيين، حسب إحصاء شامل بالأسماء نشره حسين فارس، في حين أشارت إحصائيات أخرى إلى أسماء أقل. أما على الجبهة المقابلة فلم تنشر إحصاءات، وطوي ملف تل الزعتر والفظائع التي ارتكبت أثناء حصاره واستسلام مدنييه مع طي ملف الحرب الأهلية اللبنانية، فقد اتفق الفرقاء اللبنانيون في ما بينهم على العفو عن كل الجرائم التي ارتكبت أثناء الحرب لتمرير تسوية الطائف الموقعة عام 1989.

جدول زمني

4 يناير - كانون الثاني 1976

میلیشیات یمینیة لبنانیة تمنع قافلة طحین یرافقھا ضباط ارتباط لبنانیون من الدخول إلى المخیم وتضرب حولھ حصارا.

7 ینایر- كانون الثاني 1976

قوة من 1200 مقاتل فلسطیني نقلت من الجنوب ومناطق غربي بیروت تھاجم منطقة حرش ثابت غربي مخیم تل الزعتر في مسعى لخلق ثغرة تتیح كسر الحصار علیھ.

17 ینایر – كانون الثاني 1976

مخيم ضبية للاجئين الفلسطينيين شمالي بيروت يسقط بايدي ميليشيات الكتائب والأحرار بعد ثلاثة أيام من القتال.

17-15 ینایر- كانون الثاني 1976

القوات المشتركة(الفلسطينية واللبنانية) تهاجم الجية والدامور والسعديات جنوبي بيروت حيث قصر كميل شمعون وتحتلها فيما يشبه الرد على احتلال ضبية.

19 يناير- كانون الثاني 1976

الميليشيات اليمينية تحشد قواتها في منطقتي المسلخ والكرنتينا شمالي بيروت بدعم من الجيش الذي انقسم على نفسه وترتكب فيها مجزرة راح ضحيتها 60 شخصا.

9 أبريل- نيسان 1976

قوات سورية تعبر نقطة المصنع الحدودية شرق لبنان بعد أن سبقتها في يناير وحدات من جيش التحرير الفلسطيني المتمركز في سوريا والخاضع لقيادتها.

7 يونيو – حزيران

القوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية – تشتبك مع القوات السورية في منطقة صوفر الجبلبة في مسعى لتأخير تقدمها باتجاه بيروت.

8 – يونيو حزيران 1976

المشتركة تتصدي لقوات سورية أثناء دخولها مدينة صيدا الساحلية جنوبي لبنان وتدمر لها 18 دبابة.

10 يونيو – حزيران 1976

قصف سوري بالصواريخ لمناطق برج البراجنة وشاتيلا والطريق الجديدة غربي بيروت حيث مقرات القيادة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.

22 يونيو/ حزيران 1976

1500 مقاتل من ستة أحزاب ومجموعات يمينية تبدأ هجوما شاملا على مخيم تل الزعتر . ضمن اللجنة المشرفة على الهجوم كلا من داني شمعون(الأحرار) إتيان صقر, شارل عقل(حراس الأرز) جورج عدوان (التنظيم) مارون خوري(الحركة) والضابطان في الجيش اللبناني ميشال عون وفؤاد مالك.

29 يونيو- حزيران 1976

سقوط مخيم جسر الباشا القريب من تل الزعتر ورفع علم الأحرار عليه. المسلحون اليمينيون يركزون هجومهم على تل الزعتر. والصليب الأحمر الدولي يتحرك لإجلاء من تبقى من سكان جسر الباشا.

13 يوليو- تموز 1976

مقتل رئيس المجلس الحربي الكتائبي وليم حاوي برصاصة أطلقها قناص من داخل مخيم تل الزعتر , وبشير الجميل الابن الأصغر لرئيس الحزب بيار الجميل يخلفه بالمنصب.

6 أغسطس- آب 1976

اتفاق بين القيادات الفلسطينية والميليشيات اليمينية على إخراج السكان من تل الزعتر برعاية ممثل الصليب الأحمر والجامعة العربية , لكن الميليشيات أوقفت تنفيذه بعد خروج المجموعة الأولى من السكان.

12 أغسطس - آب 1976

بعد 52 يوما من حصار تل الزعتر آخر المجموعات الفلسطينية المقاتلة في تل الزعتر تغادره باتجاه الجبال , ومسلحو الميليشيات اليمنية يرتكبون مجزرة أثناء استسلام الأهالي وخروجهم نحو معبر المتحف. وممثل الجامعة العربية يقول إلى 57 شاحنة أقلت نحو 13 ألفا إلى بيروت الغربية.

20 يوليو – تموز 1976

خطاب للرئيس السوري حافظ الأسد يثبت معادلات جديدة في الصراع الدائر بين فرقاء الأزمة اللبنانية وانحيازا غير معلن رسميا للأحزاب اليمينية. حيث أعلن رفضه دعوة كمال جنبلاط للحسم العسكري في لبنان محذرا من لجوء المسيحيين نتيجة الضغط عليهم إلى إسرائيل.

29 يوليو تموز 1976

صفقة لم يعلن إلى اليوم عن مضمونها بين مجموعات محلية في النبعة والميليشيات اليمينية تتيح تهجيرا جماعيا لسكانها باتجاه بيروت الغربية وأجراس الكنائس في الجوار تقرع فرحا بالانتصار.

الحصار والتسليم

بالتزامن مع اشتعال القتال بین القوات المشتركة والملیشیات الیمینیة على عدة جبھات في شمالي لبنان والبقاع والجبل وبیروت، وبعید فترة من انقسام الجیش اللبناني على نفسھ وانضمام بعض قطاعاتھ إلى الملیشیات، ضربت ھذه الأخیرة حصارا عسكریا وتموینیا كاملا على مخیم تل الزعتر المعزول شرقي بیروت في 22 یونیو/حزیران 1976 ، وشنت ھجوما عسكریا ضاریا علیھ بھدف احتلالھ.

وتمكن المقاتلون الفلسطینیون الموجودون في المخیم من صد سلسلة الھجمات بفضل سیطرتھم على عدد من التلال المحیطة بھ، والدعم الناري الذي أمنتھ مدفعیة القوات المشتركة الفلسطینیة–اللبنانیة المتمركزة على مرتفعات عالیھ وصوفر القریبة نسبیا من المخیم.

وأرسلت القوات المشتركة رجال "كوماندوز" لدعم صمود المخیم، ووصل عدد قلیل منھم، لكن فاعلیتھم كانت محدودة في التغلب على التفوق العددي للملیشیات المھاجمة وقوتھا الناریة، إلى جانب الشح التدریجي لمقومات الصمود من الغذاء والدواء الذي أضعف صمود المدافعین والروح المعنویة للسكان.

وبعد شھر من الحصار ظھرت أزمة میاه جراء سیطرة المھاجمین على مستدیرتي المكلس وبیت مري جنوبي المخیم، بحیث لم یبقَ عملیا إلا بئر واحدة ضمن حدود المخیم، كما بدأت تظھر حالات إصابة بالكزاز والغرغرینا بین الجرحى، حسب ما أفاد بھ الأطباء الذین عایشوا الحصار، ودفع ذلك مجموعة من سكان المخیم للنزوح باتجاه منطقة الدكوانة، فكان أن قتل المسلحون الفلسطینیین منھم، وأخلوا سبیل اللبنانیین، حسب ما أفاد بھ الباحث حسین فارس.

في ھذه الأثناء، تحولت بئر الماء الوحیدة إلى مصیدة یموت علیھا عشرات النساء یومیا برصاص القناصة أثناء ذھابھم للحصول على ما یسد الرمق، كما انعدمت مصادر الطعام، ولم یتمكن السكان من البقاء إلا بفضل مستودع للعدس یدعى "مستودع غرة" اكتشف السكان وجوده في المنطقة الصناعیة القریبة، وبات زادھم الوحید.

وفي السابع من أغسطس/آب بدأت القیادة الفلسطینیة -عبر مبعوث الجامعة العربیة حسن صبري الخولي- ببحث إخلاء المخیم المدمر فعلیا، وإجلاء سكانھ عبر الصلیب الأحمر الدولي وسحب المقاتلین عبر الجبال، إلا أن الملیشیات لم تستجب لھذا الطلب.

وفي 11 أغسطس آب تسلمت قيادة الفصائل المقاتلة في تل الزعتر برقية من قائد قوات الثورة الفلسطينية ياسر عرفات تلاها القيادي في فتح صلاح خلف يطلب فيها منهم تقدير الموقف والنظر في إمكانية إخلاء المخيم بعد استحالة العيش فيه وسقوط آخر مصادر المياه فيه بيد مليشيا الكتائب وحلفائها. وقال نص البرقية حسب ما أفاد به كتاب حسين فارس" النهار لكم, الليل لصالحكم, والله معكم, تصرفوا حسب واقعكم".

وفي برقیة أخرى، طلبت القیادة المشتركة في بیروت الغربیة من الفصائل المقاومة بالمخیم تسھیل انتقال الأھالي إلى مناطق الملیشیات، ومنھا إلى بیروت الغربیة ومطالبة الصلیب الأحمر الدولي وقوات الأمن العربیة العمل على ذلك مع الملیشیات المسیحیة.

وفي یوم 12 أغسطس/آب سقط مخیم تل الزعتر في ید المھاجمین بعد أن كان عدد كبیر من المقاتلین غادروه لیلا، وبقي قلیلون قاتلوا حتى الموت بین الأنقاض، بینھم القیادي في الجبھة الشعبیة لتحریر فلسطین محمد عبد الكریم الخطیب، ولم یبقَ أمام سكان المخیم من المدنیین والأطفال وكبار السن ومدنیین آخرین إلا الاستسلام لقدرھم والانتقال عبر خطوط التماس إلى مناطق الدكوانة وحرج ثابت أملا في الوصول إلى بیروت الغربیة عبر شاحنات خصصھا الصلیب الأحمر الدولي لنقلھم. ونقلت صحیفة السفیر عن مبعوث الجامعة العربیة حسن صبري الخولي أن 57 شاحنة نقلت 13 ألفا من سكان المخیم إلى غربي بیروت.

إلا أن الوصول الآمن لم یكن متاحا، فقد أكدت شھادات الناجین أن 12 حاجزا كانت موجودة بین تل الزعتر ومعبر المتحف الذي كان یفصل بین بیروت الشرقیة والغربیة، وأن كثیرین قضوا على تلك الحواجز. وأفاد مراسل لوموند الفرنسیة مثلا بأن مسلحي الملیشیات في الدكوانة كانوا یعزلون اللبنانیین عن الفلسطینیین فیخلون سبیل الأوائل ویعدمون الفلسطینیین بین عمر 12 و 40 عاما. وأحصى نحو أربعمائة قتیل على تلك الحواجز. وقیل في وصف المجزرة بمنطقة الدكوانة "كنت ترى شھیدا كل متر على جانبي الطریق".

ونقل عن أحمد زعرور وشارل خوري -وھما مبعوثان أرسلھما رئیس مجلس النواب اللبناني كامل الأسعد لتفقد تل الزعتر ولقاء قیادي یدعى مارون خوري یوم التسلیم- قولھما إن الجثث كانت تنقل بالجرافات. ویقول حسین فارس في كتابھ إن الفلسطینیین -الذین خرجوا عن طریق معمل البلاط (دوار المكلس)- تلقفھم حراس الأرز وحزب الأحرار، و"حصدوا الجماھیر حصدا بحیث لم یبقوا على أحد من الأطفال والشیوخ والنساء".

ھذا ما حصل یوم 12 أغسطس/آب 1976 لسكان تل الزعتر حسب أغلبیة المراجع وشاھدة عیان سجلت الجزیرة نت شھادتھا. الناجون منھم كتبت لھم حیاة أخرى، أما الباقون فما زالوا بحكم المفقودین إلى أن یعثر على أثر لھم، أو على مقابرھم.

المجزرة بلسان طبيب نجا منها

رواية طبيب مخيم تل الزعتر الدكتور يوسف عراقي لمشاهداته في تل الزعتر والدكوانة يوم 12 أغسطس/آب 1976:

في الصباح كنت أنوي الذهاب إلى المستشفى لإحضار بعض كتبي من هناك، وفجأة دوى قصف ليس ببعيد عنا. وجاء محمود وأحمد الممرضان ليخبراني أنهما جاءا من المستشفى ولم يستطيعا الوصول لأن الفاشيين قد طوقوه وقتلوا كل من كانوا هناك: الجرحى، والأهالي الذين كانوا يستعملون قسما منه كملجأ.

وكنا ما زلنا في دوامة الاتفاق، وطلقات الرصاص والقذائف تنطلق، إنها خدعة وليس اتفاقا. وتنشب معركة كبيرة عند مركز الطوارئ بين المقاتلين، والمركز يكتظ بالجرحى والنساء والأطفال الذين حضروا للاحتماء عندنا، ولكن.

وبينما كنا و (الدكتور) عبد العزيز (اللبدي) والممرضون نحاول ترتيب أمر نقل الجرحى من المركز إلى بناية مجاورة إذا بأعداد من مقاتلي الفاشيين كانوا قد وصلوا لنا من جهة الشمال من محاور الدكوانة. وطلبوا منا التقدم. سرنا ومعنا جرحانا نحملهم على ما توفر من حمالات وأبواب خشبية وتوجهنا, بعد أن أخبرونا أن الصليب الأحمر ينتظرنا. وكان خروجا إلى الموت.

كانت أعداد من الناس والأطفال بدأت تخرج، وكان الممر إجباريا. سرت والطبيب السويدي وزوجته وكان الممرضون يتبعونني, وهم يحملون الجرحى. أوقفنا اثنان من الفاشيين إلى الحائط بعد أن أمروا جميع الممرضين والأطباء أن يقفوا إلى الحائط، وشعرت أنها لحظاتنا الأخيرة. يريدون أن يطلقوا النار علينا. وفيما هم منشغلون في الحديث, دعوت الممرضين إلى التحرك بسرعة والاختفاء بين جموع الأهالي الخارجين. وأخبرت من كان حولي منهم بأن يقلع المريول الأبيض وشارة الهلال والصليب لأنني عرفت أمرا يدبر للطاقم الطبي. ولكنا لم نستطع تفادي الحواجز الكثيرة. وبدأ الوضع يصبح أكثر خطورة كلما تقدمنا، والفاشيون يطلقون النار فوق رؤوسنا وبين أرجلنا. وكانوا يفتشون ويأخذون كل ما نحمل من ساعات ونقود حتى وصلنا طريقا إجباريا وكانت هناك أعداد من المسلحين الفاشيين. أوقفونا جميعا بعدما عرفوا أنني الطبيب وأن الممرضين معي. وحاولوا إطلاق النار علينا فورا جميعا. وفجأة أحد مقاتلي الفاشيين قد تقدم نحوي، ويناديني د. يوسف، يوسف. لقد تعرف علي وأخذ يعرفني بنفسه. وأنا من هول ما أشاهد لم أستطع النطق. وذكرني بأنني أجريت له عملية جراحية وأنقذته بينما كان في حالة خطرة ذات يوم عندما أحضر إلى المستشفى قبل الحصار الأخير. حاول إنقاذي, ولكن الفاشي الآخر كان يريد إطلاق النار وجرت مشاجرة بينهما, وفجأة يبرز من الباب وجه مألوف إنه الملازم راجح. وهو من جيش التحرير الفلسطيني الذي كان داخل المخيم. هرع إلي وعانقني. وحسم الموقف وقدم نفسه على أنه ضابط سوري. حاولت جاهدا السعي لإنقاذ الممرضين والجرحى ولكن من دون جدوى. قادوني إلى مدخل البنايات حيث أجلسوني ليمر أمامي الشريط، المجزرة. كنت أسمع أصوات الصيحات تنطلق من خلف البناية بعدها شاهدت الفاشيين وقد أوقفوا الممرضين طابورا، اثنين اثنين وأمروهم بالسير إلى الأمام حيث لم أستطع رؤيتهم. ولم أنس نظرات خالد ذلك الممرض المتطوع كانت عيناه تقول الكثير لي ولكنني لم أستطع عمل أي شيء. وأحضروا الأطباء السويديين إلى الداخل. بعد قليل خرج أحد الفاشيين يحمل بندقية كبيرة وسمعت صليات كثيفة وصراخا، وخيم بعدها الهدوء. وكان هناك ممدوح وخالد وصبحي وبقية الممرضين ويقينا أنهم أطلقوا عليهم النار جميعا.

مر شريط المجزرة أمامي رهيبا. كانوا يأخذون الأهالي جماعات ليطلقوا النار عليهم. وكان أحد الفاشيين ضخم الجثة. وقد تعتعه السكر. يحمل سكينة كبيرة ملطخة بالدماء. ويأتي كل بضع دقائق ليمسح السكينة الملطخة بدماء الأهالي بقميص من كان يجلس عند الباب منهم. لقد كان يذبح كما يذبحون الغنم. وبعدها يبدأ التفتيش في جيوب الضحايا عن أشياء. لقد كان منظرا رهيبا وقذرا في لحظة تتجمد فيها العاطفة. كانوا يأخذون من الناس كل شيء.

ونيس الجريح مصاب برجله. وكان خارجا على عكازتين ورجله في الجبس. انهالوا عليه ركلا بأقدامهم ثم رموه أرضا. ومن بنادقهم الخمس زرعوا جسمه بالرصاص. كنت في هذه اللحظة أفكر بالدكتور عبد العزيز وباقي الممرضين. فإني لا أعرف مصيره. بعد حوالي 45 دقيقة تقريبا. جاءنا مسؤول الأمن الفاشي مع أحد عناصره ليأخذنا أنا والطبيبين السويديين والضابط السوري. وكان خروجا رهيبا. ومشينا في الطريق المؤدية خارج المخيم. تبلغ حوالي 300 متر ولكن كانت أطول طريق في حياتي. كانت جثث الأهالي الأبرياء متناثرة في ذلك الطريق، كانت هناك جثث الشيوخ، وجثث الأطفال. ورأيت جثة امرأة حامل وقد أطلقت عليها النار في بطنها. والدم ينزف منها. وتتوالي الجثث أمامي والطريق تطول وتطول. وفي نهاية الطريق كانت هناك آلياتهم والفاشيون يتلذذون بمنظر القتلى. أخذوني في سيارة إلى مقر القيادة، وهناك أدخلت إلى مكتب الشيخ أمين الجميل**. نظر إلي هازئا وقال بعد أن قدمت إليه بأنني طبيب المخيم "أنظر تقولون إنني فاشي ويدي ملطخة بالدماء وها هي نظيفة". بعد أن سلموا علي غسلوا أيديهم بالكحول. كانوا ينظرون إلي كما لو أني قادم من كوكب آخر، لم يكونوا ليصدقوا أن هناك بشرا داخل المخيم. كانوا يظنون أنهم يقاتلون أشباحا، فالمخيم كان مدمرا كليا. أين الناس إذا؟ أين المقاتلون؟ كانوا يسألون أسئلة ساذجة. وهناك رأيت الصليب الأحمر الدولي. أخبرت مندوبهم أن الدكتور عبد العزيز -ومعه مجموعة ممرضين- كان يتبعني ولم أعد أعرف مصيره. وفورا اتصل بجهاز لاسلكي، وتحركت سيارة إلى منطقة الدكوانة لإنقاذ عبد العزيز والممرضين, كان هناك جمع من الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء ينتظرون، أجروا معنا لقاء بعد جهد جهيد لأن الفاشيين كانوا لا يريدون الإدلاء بأي تصريح، كانوا يريدون التكتم علينا حتى لا يعرف مصيرنا.

وبدؤوا معي التحقيق وحضر أحدهم:

  • - أنا الدكتور ريشا... مسؤول الإقليم الطبي.

  • - أهلا وسهلا.

  • - الدكتور يوسف أنت متهم بالتمييز في معاملتك بين الفلسطينيين واللبنانيين، والمسيحيين والمسلمين.. كنت لا تسعف اللبنانيين وتسحب منهم الدم حتى الموت لتعطيه للفلسطينيين. وضحكتُ لهذا الادعاء.. وكانت أعصابي في تلك اللحظة غير متوترة.. كنتُ أتكلم بهدوء.. كنت مسبقا قد حسمت قضية الحياة والموت، ولذلك قلت له:

  • - أنت تعرف ما هو سبب وجودي هنا.. لقد أنقذني أحدكم لأنني ذات يوم أجريت له عملية جراحية وأنقذته, وهذا دليل كاف على عدم تمييزي بين الناس.

  • - هناك شخص يعرفك وهو هنا في الغرفة المجاورة ويشهد بأنك كنت تميز ولم تسعف قريبه ذات يوم حتى مات. كنتُ واثقا من نفسي تماما، ولذلك شعرت أنهم يخوضون ضدي حربا نفسية خاسرة، وقلت له:

  • - أنا مستعد للمواجهة، ولكن عندي بعض الأمور سأواجهكم بها.

وسردتُ له مجموعة ممن يصفهم حسب الدين والجنسية.. فقاموسهم مليء بتلك المصطلحات. و(أبلغته) كيف أجريتُ لهم عمليات جراحية وكيف أنقذتُ حياتهم وأوصلتهم إلى ذويهم سالمين.. وواجهته بالأسماء.. سردتُ عليه قصة الجريح الذي أصيب في رأسه برصاصة اخترقت عينه وكادت أن تكون قاتلة، وكيف أجريت له العملية وكيف أن المقاتلين تبرعوا له بالدم.. كنتُ دائما أسألُ عن مصير الدكتور عبد العزيز، وأقاطع حديثهم لأسأل عنه, ويقولون: لا تخف, سيحضر.

وحوالي الساعة الثانية بعد الظهر, أحضروه.. ووجهوا له نفس الأسئلة التي كانت وجهت لي في غرفة أخرى. عرفتُ ذلك فيما بعد, وكانت تجول في خاطري في تلك اللحظة مصير الأخوات الممرضات.. لقد قتلوا مجموعة من الممرضين أمام ناظري، وقتلوا جميع من حملنا من جرحى.

كنتُ أفكر في مصير بهاء التي كانت بجانبي وكانوا يطاردونها.. وفريال وقد حملت لي الحقيبة.. وفاديا التي لم أرَها منذ خروجنا من مركز الطوارئ. وتمر أمامي الهواجس وأتخيلهم جميعا وقد قتلوا.. وكذلك الدكتور عبد العزيز.

كانت الساعة الثالثة بعد الظهر عندما شاهدت قوات الأمن العربية ***وكنا في انتظارهم منذ التاسعة صباحا.

ومن على شرفة الغرفة كنت أشاهد مظاهر الابتهاج ليس بالانتصار، بل بالنزعة السادية. يتلذذون بمنظر السحل والذبح والقتلى. ويحضر الدكتور حسن صبري الخولي ممثل الجامعة العربية ويتفاوض مدة طويلة مع أمين الجميل. لإخلاء سراحنا. وفي السادسة مساء استقللنا سيارة الدكتور حسن صبري الخولي. يقودها الشيخ أمين الجميل بنفسه. عبر المنطقة الشرقية حيث الحواجز الكثيرة التي بلغ عددها 12 حاجزا. من سلم من المجزرة على مداخل المخيم قتل وسحل على هذه الحواجز.

وصلنا منطقة المتحف وهي الخط الأخضر الفاصل بين طرفي بيروت. وهناك نزل أمين الجميل. كان منظرا رهيبا لتلك الحواجز وتلك الجثث. ولا أعرف ماذا حل بي لو لم يكن أمين الجميل معنا. علني كنت ضحية السكين التي طالت الكثيرين وجثثهم مترامية على جانبي الطرقات.

نتابع سيرنا إلى بيروت الغربية ونحن غير مصدقين أننا أفلتنا من قبضة الفاشيين. وكان مندوب الصليب الأحمر قد سبقنا ونزل من سيارته. ركض باتجاهنا, وكان بيني وبينه عناق طويل.

جنرال تل الزعتر

"وصفه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في حديثه لجنرالات الاتحاد السوفياتي بجنرال تل الزعتر. أما مسؤوله المباشر في ما كان يعرف بجهاز الأرض المحتلة أو القطاع الغربي الراحل خليل الوزير فلقبه بالرجل الصامت.
هذه هي الالقاب التي خلعت على الرجل الذي أدار معركة مع الميليشيات اليمنية اللبنانية لمدة 70 يوما في تل الزعتر"


جنرال تل الزعتر لم يكن من أبناء المخيم. لذا فالذين عرفوه شخصيا كانوا قله. وهم عمليا مقاتلو فتح والفصائل. التزم الصمت طوال السنين الثمانية والثلاثين لأنه مقتنع بأنه لم يقدم شيئا مقارنة بما قدمه كثير من الفلسطينيين. ولأنه ما زال متمسكا باعتقاده بأنه ليس" استثنائيا ولا مهما لدرجة دخول التاريخ"

انتمى لفتح وهو فتى قبيل معركة الكرامة عام 1968. أرسله أبو جهاد على رأس قوة من عشرين مقاتل لتدعيم صمود تل الزعتر لم يصل منها إلا اثنين. تولى إدارة المعركة بالتعاون مع القائد المحلي في فتح محمد شحادة. وتفاوض مع ممثلي قوات الأمن العربية حول اتفاق خروج المقاتلين والمدنيين الذي لم يجد طريقه للتنفيذ.

عند إعلان سقوط تل الزعتر في 12 أغسطس/ آب قاتل مع من تبقى من مقاتلين ليومين آخرين بين الأنقاض. ثم انسحب مع 45 مقاتلا عبر الجبال. وبعد أسبوعين من القتال والاختباء, لم يصل من المجموعة إلى بر الأمان إلا ثلاثة. فكان حسب وصف " فلسطين الثورة "مجلة منظمة التحرير الفلسطينية : أول من دخل إلى المخيم , وآخر من خرج منه.

رفض بعد الخروج من تل الزعتر في صيف عام 1976 الحديث عن تجربته للصحف رغم إلحاح قادته. وفي وقت لاحق بعدما استشعر أبو جهاد خطر عليه من فئات محلية قال له " روح ارتاح واكتبلك شي 400 صفحة عن تجربتك".

رجل تل الزعتر أتاح للجزيرة نت الاطلاع على تجربته في سياق ملف مارلين الفرنسية إبنة تل الزعتر. فيما يلي نصوص منتقاة من شهادة رجل مصر على عدم كشف هويته تواضعا واحتراما لتضحيات الآخرين. و قد كرر خلال مراسلاته مع الجزيرة نت أن "هذا يخجلني ويزعجني جداً فالبطولة والتجربة جماعية".


داخل المخيم

أنا لم أحتك في تل الزعتر سوى مع المقاتلين الذين اخترتهم بشكل شخصي وطلبت أن يحضروا من الخارج. ولهذا فور أخذ قسط من الراحة أرسلت برقية مشفرة إلى أبو جهاد وحددت فيها الطريق التي يمكن من خلالها أن تتحرك المجموعات المقاتلة. وبالفعل بعد يوم واحد فقط كانت مجموعة صغيرة قد وصلت. وتم ذلك أثناء أعنف الاشتباكات. كانت مجموعة استطلاع، وتأكيدا على سلامة الطريق كان يقودها محمد شحادة* وهو أحد سكان مخيم تل الزعتر ومعه خليل الجمل. وكانا خريجي دورة ضباط واحدة. فور وصول محمد شحادة تم التنسيق معه لدراسة أحوال المخيم على جميع الصعد. وكانت النتيجة أن المخيم في حالة انهيار تام, ولا يوجد كادر يقود.

اجتمعت بقائد المنطقة الشرقية سلمان لأتعرف حقيقة الأمور على الأرض، فأبلغني أن معظم الكادر استشهد, والفوضى عارمة, والانهيار قادم, ولا أحد يعرف ماذا يجري ومن يقود. وقال إن العائلات بدأت تتحرك ضد المقاتلين ومع الاستسلام، وطلب مني تنظيم الأمور, وأن نقسم المخيم إلى قسمين بيني وبين محمد شحادة.

بعد يومين أصيب أدهم المسؤول العسكري لفتح في المخيم بجراح متوسطة. وبقي في مقر التموين إلى أن أخرج مع الجرحى لاحقا عبر الصليب الأحمر. وكذلك أصيب خليل الجمل ونقل بدوره، مع العلم أن هناك من الجرحى من كانت جراحهم أكثر خطورة من جراح أدهم وخليل الجمل.

لم يمض ثلاثة أيام حتى وصلت المجموعة الثانية من المقاتلين، وكانت تتبع لجهاز الأرض المحتلة (القطاع الغربي) وكان يقودها محمد خميس فوده "أبو علي"

أنا تسلمت مسؤولية أخطر محور يسمى محور الكنيسة، وهو مطل على دير ماروكوز، ويفصله عن مخيم تل الزعتر واد عريض ومتوسط العمق. كانت القوات اليمينية المسيحية قد تخطت هذا الوادي واستقرت على بعد مائة متر من الكنيسة. وكان القناصة يطلقون نيرانهم على أي حركة يشاهدونها.

عمليا لم أكن أعرف أحدا سوى مجموعة من أمن القطاع الغربي تعمل مع تنظيم فتح في المخيم. فقمت وتواصلت مع بعض أفرادها. لأن (أبو جرير) وهو قائد المجموعة استشهد نتيجة سقوط قذيفة. عندما شاهدت الوضع على الواقع بدأت العمل على رفع المعنويات أولا، ورفع همة الشباب واعتماد حرب العصابات والعمل خلف خطوط العدو، لهذا قمت بتوزيع قناصين ورماة أر بي جي ومدفع هاون للإشغال. وكان من نتيجة هذا العمل القضاء على( وليم حاوي*** يوم 13/7/1976 قنصاً على يد "محمود الشبل". واعتقد أنه بعد الزعتر كان في الجزائر.

وقمت باستخدام قذائف مدفع 130 ملم من أجل عمل حفر كبيرة تعيق حركة الآليات وحتى الدبابات حتى يسهل قنصها وتدميرها. وكذلك قمت مع بعض الأفراد بتلغيم البنايات التي كانت على أطراف التل من الجهة الغربية. حتى نمنع حركة القنص أو التقليل منها. وكان لأبو عماد أحد قادة المحاور في المخيم فضل في المساعدة بذلك (تم تصفيته مع علي سالم) قائد محور المدارس من قبل راسم الغول ضابط قوات 17 **** بتهمة العمل مع جماعة أبو نضال (حركة فتح-المجلس الثوري) وعمله مع أبو داود وناجي علوش بعد الخروج من الزعتر.

ومع وصول المجموعة الثالثة من المقاتلين وكان يقودها الأخ عبد الرحمن من قوات 17 وكان بينهم خبراء متفجرات, وبعض هؤلاء من مجموعة كانت تعمل مع تنظيم الصاعقة الموالي لسوريا ثم التحقت بفتح. ونصبت فخاخ متفجرة صغيرة لشل حركة المشاة وإعاقة حركة الآليات خصوصا وراء خطوط العدو.

بعد هذا التغير الملحوظ في سياق التنظيم والنجاحات في المعركة أخذ إعلام القوات اللبنانية يقول إن هناك خبراء أجانب يعملون في المخيم مع الفلسطينيين. وانتهزت هذا وأخذت على عاتقي بالمهاجمة في عقر ديار المناطق المجاورة للمخيم، خصوصا دير ماروكوز وأبعدنا القوات اللبنانية إلى حد الدير وأصبح الوادي هو الحدود بيننا وبينهم، وهنا تنفسنا الصعداء.

بعد أن قسم المخيم بيني وبين الشهيد محمد شحادة, نسقنا في ما بيننا العمل على تطهير المخيم من العملاء أولا. حيث قمنا برصد تحركات أفراد الصاعقة السورية التي كان يقودها بلال (لا أعرف باقي الاسم). وكذلك رصد عناصر الجبهة الشعبية-القيادة العامة التي كان لها موقع أو تلة سميت باسمها وبجانبها بئر المياه. تلك المياه التي أسقطت الكثير من أخواتنا شهيدات أو جرحى وكذلك الكثير من شبابنا آنذاك من أجل قطرة مياه تزهق أرواح.

قبل أسبوع من سقوط تل الزعتر رصد ولد لا يتجاوز عمره الرابعة عشرة من العمر يتسلل إلى الدكوانة فأمرت بمراقبته. وقبل يومين من سقوط تل الزعتر ألقي القبض عليه وهو يحمل رسالة من ميشال أبو جودة، وهو مسؤول كتائبي إلى بلال الصاعقة. يقول له فيها إن عليه أن يسرع عملية خروج جماعته والعمل على إحداث فوضى في المخيم تكون نواتها النساء، انطلاقا من التركيز على عدم قدرة التحمل وعدم توفر المياه، إلى أن يصل الحد إلى عمل إشكالات بين العائلات بعضها مع بعض.

فتمت ملاحقة بلال وأعوانه وألقي القبض على بعضهم وتمت تصفيتهم بعد أن اعترفوا بالمهام التي كانت تكلفهم بها قياداتهم خصوصا بلال. وهرب بلال بعد أن فتح باب الخروج من الزعتر إلى الدكوانة لأهالي تل الزعتر مع عائلات أعضاء الصاعقة وبعض العائلات الأخرى التي انضمت إليهم وتم تجميعهم في المدرسة الفندقية (في الدكوانة).

المعركة الفاصلة

كانت يوم 12/8/ 1976 وسقوط تل الزعتر كان فعلياً في 14/8. أما مجريات الاتفاق فتمت بعد استلام برقية من قيادة العمليات العسكرية تنص على التعامل مع قوات الردع العربية (*****) من أجل إبرام اتفاق مع المليشيات اللبنانية ينص على خروج المقاتلين الفلسطينيين من المخيم دون أن تتعرض لهم المليشيات. وتؤمن عملية الخروج قوات الردع عبر منطقة الراعي الصالح وغاليري متى على أن يتوجهوا إلى المنطقة الغربية. أما المدنيون فيتم خروجهم إلى منطقة الدكوانة ويتجمعون في مدرسة الدكوانة الفندقية، وينقلون من هناك إلى المنطقة الغربية لبيروت.

ووافق الطرف الانعزالي آنذاك على دخول المدنيين للدكوانة بحراسة قوات الردع العربية. أما العسكريون فمرورهم مناط بتسليم أسلحتهم. كنت أنا من يتفاوض مع قوات الردع وسيطا، ومعي المقاتل المعروف باسم (الألماني) واسمه الحقيقي مازن المبسلط (ألقي القبض عليه بعد سقوط التل وصلب وعلق على عمود في وسط بعبدا)، علما بأنه كان ضابط ارتباط مع المليشيات ويعرفه أبو جودة وقياداتهم.

بعد المراوغة واللف والدوران وافقت على خروج المسلحين بعد تسليم أسلحتهم إلى قوات الردع العربية، مما أثار دهشة الألماني، فقلت له نعم نلتزم، (بالطبع هذا الاتفاق الثاني الذي حصل بين الفلسطينيين والمليشيات الانعزالية)، كنا قد أفشلنا الأول لأننا أدرى بوضعنا ولم نمتثل لأمر القيادة آنذاك. وطلبت نزول المدنيين أولا بوجود قوات الردع العربية، وبعد يومين سلمت أسلحة المقاتلين ونقلوا عبر شاحنات بحراسة قوات الردع العربية .

الهدف من كل ذلك مناورة مني لضمان ولو بالنزر اليسير خروج المدنيين وتحميل قوات الردع وجامعة الدول العربية مسؤولية ما يحصل. وضمان خروج المقاتلين عبر الجبل والمناطق المحيطة، حيث كانت الاستعدادات للخروج جارية من قبل المقاتلين وتم تقسيمهم لمجموعات قتالية وحددت وجهتهم، لكن دون معرفتهم لساعة الصفر خوفاً من الاختراق.

وما أن تم تدفق المدنيين نحو الدكوانة كان العسكريون وفي منتصف الليل يسيرون نحو المناطق التي حددت لهم عبر الجبل وفي وضع قتالي واستعداد للقتال.

بقيت مع عدة مجموعات انتقيتها للقتال في الزعتر أثناء الخروج لأنني كنت متيقنا أن المليشيات لن تلتزم بالاتفاق إلا في بدايته من أجل أن تقول إن الطرف الفلسطيني هو الذي أخل بالاتفاق. طبعاً كل ذلك حصل من خلال موافقة القيادة وإصراري على استلام برقية مؤرخة من القائد العام وبالأمر العسكري. لأن البرقية الأولى كانت قبل أسبوع من الاتفاق تقول إن علينا كقيادة الزعتر أن نقرر عملية خروج المقاتلين وترك المدنيين للخروج نحو المنطقة الغربية من بيروت بموجات جماهيرية.

رفضت إلا بنص واضح وأمر بالخروج، وقلت لن نستسلم ولكننا سنقاتل، وأنا أضمن القتال لأسبوعين إضافيين، وسنتوكل على الله، وسندخل التاريخ بأننا مقاتلون ولسنا مستسلمين. وحينها أرسل لي أبو عمار "إيه هو أنت بترفض أوامر قيادتك؟". قلت "أنا القائد الميداني، والقائد في الميدان هو من يقرر مصير المعركة, ونريد أمرا واضحا بالخروج".

وبعد ذلك جاءت برقية من أبي عمار تقول "نحن نتفاوض مع السعوديين، وعلينا أن نستفيد من العمل السياسي, وسيمارسون ضغوطهم، انتظروا". وقال لي "أنت بتعرف إيه بتعمل؟ عليك فتح معركة تتزامن مع اللقاءات مع السعوديين، فاهم؟". وبعد ذلك قمنا بعدة هجمات أفقدت الانعزاليين صوابهم، حتى إننا تخطينا دير ماروكز ومعظم المناطق المحيطة لتل الزعتر والمعنويات كانت مرتفعة جدا.

خطتي كانت تقتضي الهجوم بديلاً عن الدفاع وبمجموعات صغيرة ثلاثة أشخاص وبشراسة وعلى عدة محاور، وكل مجموعة تتنقل من مكان لآخر. وكدنا أنا ومحمد شحادة ننسف المقر الرئيسي لهيئة التنسيق العسكرية السورية الانعزالية ضد تل الزعتر وكانت قريبة من دير ماروكوز. أنا لا أعرف جيداً المناطق أو أسماءها لأنني لست من المنطقة, وكل ما أعرفه أن البيت الذي تواجد به الضباط السوريون والانعزاليون كان قريبا من منزل الرحابنة وفيروز.

وهناك تمكنا من أسر بعض أفراد الانعزاليين ولكننا أوقعنا أنفسنا في ورطة لأننا لم نعرف ماذا نفعل بهم. رأيت أن أطلقهم لعل في ذلك بعض الفائدة. فيما بعد, أطلقناهم بعد إطلاق النار على أرجلهم وأصيبوا بجراح بسيطة وهم مشدوهون للموقف. قلت لهم: اتفضلوا مع السلامة نحن مجبرون على إطلاق الرصاص عليكم كي تظهروا أبطالا أمام مشغليكم ونحن لسنا قتلة ولا مخربين. ولا نريد أن نزيد أعداد القتلى فأنتم تنفذون الأوامر ونحن كذلك وقد نكون ضحية. ولم يصدقوا وأخذوا ينظرون للخلف وهم مرعوبون.

قاتلنا في الزعتر لمدة يومين بعد ما سمي السقوط، حيث كنا قد حفرنا أنفاقا مكشوفة على طول جبهة محور دير ماروكوز. وكذلك هناك نفق كان يوصل بين المحور ومنتصف المخيم منطقة التموين. وكان سريا للغاية أشخاص قليلون جدا كانوا يعرفونه وكان معدا للطوارئ.

من أسباب الصمود الأخير لتل الزعتر الاعتماد على الهجمات بديلاً عن التصدي فقط للهجمات. حيث نسفت بناية في قلب منطقة جسر الباشا كانت تضم تجمع مبيت رجال القوات الانعزالية آنذاك، مما أربكهم وحط من معنوياتهم واستهجانهم، حتى إنهم كما علمنا من خلال التخابر اللاسلكي بينهم أنهم اعتقدوا أن البناية قد تفجرت من الداخل لخطأ ما حصل فيها. كذلك كنا نهاجم المواقع العسكرية المحيطة يوميا، وانتقلنا من عملية الدفاع للهجوم، وكان ظاهرا عليهم الارتباك والهلع. كذلك نسفنا بناية قرب مقبرة تل الزعتر أو ما يسمى المقبرة، وكانت تقع بالقرب منها محطة بنزين مدمرة ومهجورة. مما زاد في هلعهم، فدبت الفوضى بين صفوفهم، وأعتقد أن الهجمات التي كنا نشنها هي التي عجلت لاقتحام تل الزعتر، نظرا لانحطاط المعنويات للقوات الانعزالية، حتى إنهم باتوا يطلقون الرصاص على كل الاتجاهات وبشكل دوري وطيلة الليل.

الخروج من المخيم

كانت مجموعتنا تضم أكثر من أربعين مقاتلا ومقاتلة خرجت بعد قتال يومين بتاريخ 14/8/1976. بعد قتال عنيف وضار جرى في أزقة وشوارع وأنقاض تل الزعتر. وبعد 14 يوما من القتال في الجبل رأس المتن (المنصورية) (والأحراش - ومنطقة كسروان) تم لقائي الأول مع رفاقنا في منطقة المونتفردي. وكنا ثلاثة أفراد فقط قدر لنا الحياة من مجموعة تضم أكثر من أربعين مقاتلا فلسطينيا قاتلوا حتى الشهادة في أروع ملحمة سطرت معركة الصمود الثانية، تخللها خوض حرب عصابات, واقتحامات لبعض المواقع الانعزالية, حتى إننا سيطرنا لبعض الساعات على بعض القرى وعلى فترات مختلفة. هذه التجربة النضالية أظنها من أعظم التجارب القتالية.

هوامش

  • قيادي محلي في فتح محمد شحادة استشهد بعد ذلك بعامين في غارة لكوماندوز إسرائيلي على الدامور.

  • استشهد أثناء الخروج من تل الزعتر بعد قتال استمر عشرة أيام في محيط المخيم، فبعد أن أصيب بجراح قام بوضع قنبلة يدوية كانت معه وفجر نفسه رافضا تسليم نفسه للقوات الانعزالية التي كانت تعتقد في البداية أنه كان ميتا.

  • رئيس المجلس الحربي الكتائبي وقتئذ

  • القوة المسؤولة عن أمن ياسر عرفات

  • في تلك الفترة لم تكن قوات الردع, بل قوات الأمن العربية

"فقدت 19 فرداً من أقاربي"

أم عماد: لم نعثر عليهم في الدكوانة فتأكدنا من اختفائهم

حاورها/ محمد العلي

كانت فانوس عبده أبو ضاهر ربة منزل في السادسة والعشرين من عمرها، وأما لأربعة أطفال أثناء حصار مخيم تل الزعتر. في 12 أغسطس/آب 1976 دعيت كغيرها من نساء المخيم وأطفاله وشيوخه للخروج منه عبر منطقة الدكوانة المجاورة في وقت بدأت فيه المليشيات اليمينية بالتوغل داخله، تحركها شهوة الانتقام. في هذه الفترة بالذات, وأثناء خروج السكان في مجموعات عشوائية ووسط عمليات القتل اختفى 19 من أفراد أسرة أم عماد وجيرانها وأقاربها عن ناظريها في طرف المخيم. ومن وقتها -أي قبل 38 عاما- لم يظهر أي أثر لأي من أفراد عائلة أم عماد وأقاربها، وبينهم ابنها البكر ووالدها ووالدة زوجها وشقيقها وزوجته وأطفاله الأربعة.

عن ساعة الخروج من تل الزعتر وكيفية فقدان أفراد الأسرة والأقارب تحدثت أم عماد للجزيرة نت.

تاليا نص الحوار, وملحق بأسماء أقاربها الذين خرجوا في مجموعة واحدة، إضافة إلى قريبين مدنيين اثنين فضلا الخروج مع المقاتلين عبر الجبال، واختفت آثارهم.

* سيدة أم عماد، حدثينا بالضبط عن يوم الخروج، من كان معك فيه من إخوتك وأولادك, وماذا شاهدتم أول الخروج وأثناء سيركم في الدكوانة إلى أن وصلتم معبر المتحف غربي بيروت؟

- أتانا بعض الشبان, وقالوا لنا تجمعوا، وحاولوا الخروج من المخيم، نزلنا وتجمعنا قرب مدرسة بيسان, الناس كلهم تجمعوا هناك بهدف البحث عن أي طريقة للخروج من المخيم.

* أين تقع مدرسة بيسان؟

- في وسط المخيم.
هناك أناس نزلوا إلى الجامع, حصل إطلاق نار فعادوا إلى المدرسة, وهناك من استشهد في ذلك المكان، المهم أن زوجة أخي اقترحت أن نعود إلى المنزل كي نرى ماذا سنفعل لاحقا، لأنه لم يعد هنالك أمان، لا في المدرسة، ولا في أي مكان آخر، عدنا إلى البيت فقالت لي دعينا نذهب إلى شخص اسمه أبو نمر، وهو رجل لبناني كبير في السن وصاحب والدي, وسبق له أن رآنا على الطريق, واقترح علينا المجيء عنده. وقال "شو بيصير عليكو بيصير علي". كانت ابنتي الصغيرة تريد دخول الحمام، وكان معي "سلفة" (زوجة شقيق الزوج) أختي أم إبراهيم، ومعها خمسة أطفال، "سلفة" أختي الثانية (علية) معها بنت وولد.

* وأنت كم ولدا كان معك؟

- كان معي ثلاثة، وألفت -ابنتي الكبيرة- كانت مع جدتها (لأمها)، وبقوا في المدرسة، انقسمنا وكل واحد ذهب إلى جهة، كان معي بنتا أختي الاثنتان وابن أختي، وكانت معنا شقيقة زوجي ومعها خمسة أولاد وزوجها وحماتي. المهم أنهم ساروا أمامنا، على أساس أنا أريد إدخال البنت إلى الحمام، "سلفة" أختي دخلت أيضا لتغير لابنتها "الحفاظ"، ابنها راح مع "سلفتها"، هم ساروا أمامنا لمسافة كانت ليست بعيدة.

* هل حدث هذا في المسافة بينكم وبين الشاحنات المخصصة لنقل السكان في الدكوانة.

- كنا وقتها ما زلنا في المخيم وفي بيت أهلي، هم ساروا أمامنا, أنا رأيتهم وهم يسيرون وأنا أدخل ابنتي فاتن الحمام، وأنا أنظر إليهم، بعد سير لفترة وجيزة دخلوا في منعطف، حيث لم أعد أراهم، وهذا كان في طرف المخيم قرب بنايات تضم واحدة منها مركز تموين لـ"فتح".

* هل كانت هذه البناية من جهة الدكوانة؟

- لا، قبل مسافة بسيطة من منطقة رأس الدكوانة, حيث مؤسسات توبي وبوتاجي في محيط مدرسة بيسان، المدرسة كانت على مقربة. عندما دخلوا في المنعطف لم أعد أراهم، بعد ثلاث دقائق سرت وراءهم أنا و"سلفة أختي"، ابني ذهب مع جدته وبنت حماي وأخي، بنت أختي ذهبت معهم، المهم أنهم انقسموا، ابن "سلفة" أختي ذهب مع "سلفتها"، المجموعة الكبيرة ذهبت وبقينا نحن وعددنا أربعة-خمسة أشخاص، أنا وأطفال و"سلفة" أختي فقط. مشينا، بحثنا عنهم ولم نجدهم، ذهبنا إلى أبو نمر, وسألناه: هل أتت إليك عائلة شقيقي؟ فقال لا، أنا دعوتهم للمجيء، لكنهم لم يأتوا.

* أثناء هذا الوقت، هل كان هنالك مسلحون من الكتائب، أنتم عندما رأيتموهم يختفون عند المنعطف هل حدث شيء, هل سقطت قذيفة مثلا؟

- لا، لم تسقط قذيفة, ولم يحدث شيء، في هذا المكان كان هنالك مستودع تموين لـ"فتح"، داخله كان هنالك صوت، لم نستطيع أن نحدد ماهيته، بدأنا بالبحث وبالصراخ والمناداة ولم يجب أحد، والشخص هذا (أبو نمر) قال إنهم لم يأتوا إلي. فكرنا بالدخول إلى التموين، لكننا لم نجرؤ، ثمة شيء داخلي قال لي لا تدخلي، لا أعرف ما هو، إحساس ربما. قلت لـ"سلفة" أختي لا يعقل أن يكونوا أتوا إلى التموين، ربما عادوا إلى المدرسة للقاء المجموعة التي كانت تنتظرنا، عدنا وقتها للمدرسة ولم نعثر على أحد (من العائلة)، قلنا ربما واصلوا طريقهم إلى الدكوانة، ذهبنا إليها فلم نجد أحد، ساعتها اختفوا.

* من هم بالتحديد؟

- هم بيت شقيقي أحمد عبده أبو ضاهر, وزوجته زعيلا عبد الله، وكان معهم خمسة أطفال (ذكرت أسماء أربعة، هم سميرة وغادة وميرفت ونزار), وابني عماد (ست سنوات) ومعهم ابنة أختي، واسمها عائدة و"سلفة" أختي (أم إبراهيم) كان معها أظن خمسة أطفال ومعها ابن "سلفها"، وكانت حماتي أم ياسين.

* كل هذا وأنتم ما زلتم في المخيم.

- لم نكن خرجنا، قلنا ربما ذهبوا إلى الدكوانة، رأوا الناس ينزلون إلى هناك فنزلوا.

* أرجوك، أنا مهتم بالأرقام والأسماء، أرجو أن تسجلوهم لي بأسمائهم الثلاثية وأعمارهم كي نثبتهم، لأن طريقة ذكرك لنوعيات القرابة صعبة، أنا أريد أن أذكر ما قلته بلسانك، هذا حصل وأنتم ما زلتم في المخيم, كيف وصلتم إلى شاحنات النقل؟

- عدنا إلى المدرسة، وكان هنالك شباب من "فتح"، وقالوا لنا اخرجوا كما خرج الآخرون، أي أن الناس يذهبون إلى الدكوانة فاتبعوهم، مشينا مع مجموعة أخرى من الناس، طبعا كان هناك قتلى كثيرون على الطريق.

* كانت هناك جثث مرمية على جوانب الطرقات، هل رأيتم بأنفسكم مسلحين يقومون بقتل أحد.

- نعم قتل كثيرون.

* هل كانوا شبابا؟

- القتلى كانوا شبابا, أطفالا, كهولا, حتى الأطفال كانوا يقتلونهم، كان يسلبون من يملك ذهبا, مالا، ولا يبقون شيئا، مشينا مسافة ليست بعيدة, وكانت الجثث منتشرة على طرفي الطريق.

* يقال إن الطريق كان طوله نحو ثلاثمائة متر.

- نعم، الطريق كان طويلا ومليئا بالجثث, ما عدا الذين كان يأخذونهم ويقتلونهم، ما عدا البنات كانوا يأخذونهن والله أعلم ماذا كانوا يفعلون بهن. (يتدخل أبو عماد قائلا: حوالي 4500 شخص قتلوا في يوم واحد). (المحرر: الأرقام تحتاج إلى تدقيق، يجب أن تكون هناك أسماء).

* ماذا حدث بعد ذلك؟

وصلنا إلى الدكوانة، كان الناس مجموعين، الكتائب كانت تبحث في جيوب الموجودين وتسلبهم أموالا، "شلحوا كثيرين"، أنا رأيت منظرا لا أنساه، قالوا لسيدة: أخرجي ما لديك من نقود، من الخوف كان معها رضيع ملفوف، فتحت ملابسه الملفوف بها وأخرجت المال من ثيابه، أمسكوه هكذا (تشير بيدها إلى رفع طفل صغير من رجليه في الهواء)، وتضيف: "وطخوه" (أطلقوا النار عليه).

* طفل رضيع, قتلوه أمام عيون أمه؟

- أمام عيون أمه، وفي الوقت ذاته صفوا شبانا كثيرين كانوا يأتون بهم ويصفونهم على الحائط، بعدها أتوا بسيارات، نحن لم نخرج بالشاحنات التي أحضرت في النهاية، أتي بسيارات وأمرنا بالصعود إليها، صعدنا في باص صغير، كانت هنالك حواجز تنتشر بكثرة على الطريق، وكانوا ينزلون الناس من الشاحنات، سائق الباص توقف بنا في الأشرفية قرب بيت الكتائب بالضبط، رأينا السيارات التي علقوا فيها الشباب (الفدائيين القتلى) بالجنازير، وكيف يجرونهم في المناطق المسيحية.

* هل كانوا جثثا؟

- نعم جثث. (يتدخل أبو عماد قائلا: منهم محمود شقيق فايز فريجي). - هذا ما رأيناه، توقف السائق لفترة وجيزة، أتت سيدة هي زوجته على الأرجح. سألته لماذا أحضرتهم إلى هنا، أبعدهم. قال لها هأنذا أذهب، المهم وصلنا خط التماس (معبر المتحف)، هناك أنزلونا، كانت هنالك أيضا محطة بترول، وكانت الكتائب تأخذ إليها الشباب وتصفيهم.

* عمليا، لم يكن هنالك شباب، بل فتيان صغار.

- (يتدخل أبو عماد: حتى يقال إن النساء كن عندما يرين فتى يكسرن زجاجة ويبدأن بذبحه من الخلف). تقول أم عماد: كثير من هذا حصل.?

* نحن مهتمون بما رأيت أم عماد, هنالك روايات كثيرة تروى, لكن ما يهمنا هو ما رأيته بعينيك.

- وصلنا إلى هذا (خط التماس)، كانت قوات الردع موجودة، لم يتدخل أحد لوقف ما يجري، خرجنا وهذا ما حصل. (المحرر أشكرك، على العموم هذا ما يهمنا، ماذا حصل يوم الخروج لأنه أكثر يوم سجلت فيه عمليات اختفاء) - سألنا كثيرا عن بيت شقيقي, لكننا لم نصل إلى نتيجة.

* لم يظهر أحد من كل المجموعة التي ذكرتها على الإطلاق؟

- أمنيتي أن أعرف ماذا حصل لهم. (يتدخل أبو عماد: هذه البنت التي تحدثت عنها (يقصد مارلين) ألا يمكن أن تكون ابنة شقيقتي مثلا؟).

أفراد أسرة أم عماد وأقاربها الذين فقدوا داخل مخيم تل الزعتر يوم 12 أغسطس 1976:

الابن البكر: عماد ياسين عبد الله، مواليد 1969 (سبع سنوات).
الوالد: عبده قاسم أبو ضاهر، مواليد 1911 (65 عاما).
الحماة (والدة الزوج): حليمة يوسف شحادة، مواليد 1920 (56 عاما).
الشقيق: أحمد عبده أبو ضاهر، مواليد 1941 (35 عاما).
زوجته: زعيلا علي العبد الله، مواليد 1945 (31 عاما).
أولاده: التوأم غادة وميرفت أحمد أبو ضاهر، مواليد 1969 (سبع سنوات).
موسى أحمد أبو ضاهر، مواليد 1973 (ثلاث سنوات).
نزار أحمد أبو ضاهر، مواليد 1974 (سنة ونصف).
عايدة أحمد حوالي (ابنة آسيا أبو ضاهر شقيقة أم عماد) مواليد 1964 (12 عاما).

أقرباء آخرون اختفوا مع المجموعة ذاتها:

شفيقة زوجة محمد إبراهيم داود و"سلفة" آسيا شقيقة أم عماد، مواليد 1921 (55 عاما).
أولاد شفيقة المختفون: أحمد محمد داود, وفاء محمد داود, وبنتان لم تعد تتذكر اسميهما.
أحد الجيران ويدعى غازي علي داود، مواليد عام 1942 (34 سنة)، وابنه ماهر غازي داود، مواليد 1973 (عامان ونصف).

أقارب مدنيون خرجوا مع المقاتلين واختفوا في الجبال:

مصطفى عبده أبو ضاهر (شقيق أم عماد)، مواليد 1931 (45عاما).
صالح موسى أبو ضاهر (ابن عم أم عماد)، مواليد 1955 (21 عاما).

الصليب الأحمر: ملف المفقودين

في لبنان وبعد 24 عاما على انتهاء الحرب الأهلية، لا يزال الآلاف ممن غفل عنهم الزمن حينها مجهولي المصير، ومعظمهم لم يسجل حتى في السجلات، ويتم تناولهم كأرقام تتفاوت صعودا أو نزولا على وقع حسابات الربح والخسارة في عالم السياسة.

لكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر الموجودة في لبنان كان لها رأي آخر، فمجموعة من الشباب تترأسهم رباب الخطيب -وهي شابة أيضا- يسابقون الزمن لجمع البيانات عن كافة المفقودين وتسجيلها وأرشفتها لعل الدولة تقرر يوما الرفق بهؤلاء وتشكيل آلية رسمية لكشف مصيرهم.

وتوضح رباب التي تترأس فريقا طموحا من عشرين شابا، أن عملهم يأتي ضمن مشروع بدأ في أبريل/نيسان 2012 لجمع بيانات ما قبل الاختفاء لكل مفقودي الحرب الأهلية في لبنان كي يتسنى استخدامها في وقت لاحق من قبل آلية رسمية تعمل على كشف مصيرهم، مؤكدة أن عمل الصليب الأحمر ليس كشف المصير، بل المساعدة في جمع المعلومات.

لا لجنة وقالت رباب للجزيرة نت من مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في شارع الحمرا بالعاصمة بيروت، إن فريقها تمكن حتى اليوم من مقابلة عائلات نحو 1200 مفقود، بينهم عائلات قرابة ثمانين شخصا فُقدوا خلال حصار مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين والذي نفذته مليشيات مسيحية عام 1976. ومفقودو تل الزعتر يعيشون الوضع الأصعب لأنه لا لجنة تمثلهم ولا لوائح تبين عددهم، كما أن المخيم لم يعد موجودا.

وعملت اللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال حصار مخيم تل الزعتر الواقع في ضاحية بيروت الشرقية على إخلاء جرحى وقتلى ومدنيين وحتى مقاتلين أثناء وقف إطلاق النار الذي تدخلت لفرضه في أحيان عدة. وهي تلقت على مدى ثلاثين عاما بيانات للبحث عن أشخاص مفقودين في المخيم.

ودعت رباب جميع العائلات -وبينهم عائلات مفقودي تل الزعتر- إلى التسجيل في المشروع وتحديد موعد لتقديم معلوماتهم عبر الاتصال على الخط الساخن الذي وُضع من أجلهم (03186386)، لافتة إلى أن المشروع سيستمر طالما هناك عائلة واحدة يمكن أن نقابلها ونأخذ معلومات منها.

وأشارت إلى أن عملهم يرتكز على تحديد مواعيد مع العائلات أو الأشخاص المقربين من أحد المفقودين وتعبئة استمارة من نحو ستين صفحة تتضمن جميع تفاصيل المفقود من شكله وتفاصيل جسمه إلى أسئلة طبية قد تساعد في مراحل لاحقة في التعرف عليه، لافتة إلى أن المشروع يشمل كل شخص فُقد في النزاع الأهلي سواءأكان طفلا أو امرأة أو مقاتلا وإلى أي جهة انتمى.

وأضافت رباب أنه بعد أكثر من ثلاثين عاما على الحرب، فإن العديد من أهالي المفقودين يتوفون وتموت معهم المعلومات عنهم بينما لم تشكل الدولة أي لجنة لها علاقة بملف المفقودين، لذلك كان لا بد من العمل لكسب الوقت وجمع المعلومات حتى تكون جاهزة عندما تضع الدولة آلية رسمية وتبدأ مباشرة عملية البحث.

ويحتفظ فريق الصليب الأحمر بمعلومات ما قبل الاختفاء وفقا للمعايير الدولية الخاصة بحماية البيانات. وفور إنشاء هيئة لتوضيح مصير المفقودين تخضع لجميع المعايير والمتطلبات الإنسانية في لبنان، سيتم تسليم المعلومات إليها لتسهيل عملها.

وأوضحت رئيسة الفريق أن الصليب الأحمر سيعمل في مرحلة لاحقة على مشروع جمع عينات الحمض النووي لأهالي المفقودين، وهو مشروع ينفذ بالشراكة مع الدولة اللبنانية وخاصة قوى الأمن الداخلي، وسيكون الصليب الأحمر موجودا مع قوى الأمن حين جمع العينات، وهي ستشكل مع المعلومات التي نجمعها البيانات الهامة لآلية كشف مصير المفقودين.

المراجع

- يا وحدنا: أوراق من تل الزعتر, الدكتور عبد العزيز اللبدي. الناشر: منظمة التحرير الفلسطينية, الإعلام الموحد, بدون تاريخ.

- تل الزعتر.. مملكة التنك وجمهورية الثوار, شاهد على التاريخ, رحاب كعنان (خنساء فلسطين) الناشر: المركز القومي للتوثيق, غزة، 2001 .

- النهوض مرة أخرى, شهادات واقعية من تل الزعتر. إعداد علي حسين خلف. الناشر: الإعلام المركزي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين, 1977.

- مجلة شؤون فلسطينية, يوليو- أغسطس- سبتمبر 1976 . العدد 59. هاني مندس, الطريق إلى تل الزعتر.

- تل الزعتر, ذاكرة فلسطينية خالدة, حسين فارس. الناشر: دار الندى للطباعة والنشر والتوزيع، 2007 ، بيروت.

- وثيقة حرب لبنان, الجزء الأول, إعداد مركز الأبحاث والدراسات والمحفوظات في دار الصياد, بيروت، 1977.

- من تل الزعتر إلى صبرا وشاتيلا، توني كلنغتون وكاثرين ليروي, الدار العربية للتوزيع والنشر, عمان, بدون تاريخ.

- يوميات طبيب في تل الزعتر، الدكتور يوسف عراقي. الناشر: منظمة التحرير الفلسطينية, الإعلام الموحد، بيروت, 1977 .

- قصة الموارنة في الحرب, سيرة ذاتية. جوزيف أبو خليل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1990، الطبعة الثالثة.

- الصور: أرشيف دار الصياد، أرشيف مارلين الشخصي.