استقلال الجامعات واتحادات الطلاب ونوادي هيئة التدريس مطلب ملحّ للإصلاح
 

 
بات الإصلاح السياسي مطلبًا عامًا لمعظم المصريين، فلم يعد قضية نخبة تهتم بالشأن العام، بل أصبح قضية رأى عام عبرت عنه مؤسسات المجتمع المدني المصري، بدءًا من الأحزاب والقوى السياسية، إلى النقابات المهنية والعمالية، إلى الاتحادات الطلابية ونوادي هيئات التدريس، إلى المنظمات والجمعيات والمراكز الحقوقية والبحثية، وأخيرًا نادى القضاة الذي دخل معترك المطالبة بالإصلاح، وأعلن رفضه لأن يكون ستارًا لإصلاح مغشوش أو انتخابات مزيفة لا تعكس إرادة الأمة.
 
وباختصار؛ فإن المجتمع المدني في مصر قد أجمع اليوم على أهمية الإصلاح وضرورته لإنقاذ البلاد من واقعها، وإقلاعها نحو المستقبل. وأصبح مطلب الإصلاح لمؤسسات المجتمع المدني وإزالة العوائق الموضوعة في طريقه، على رأس أولويات الإصلاح السياسي المطلوب، باعتبارها لبنات المجتمع ومكوناته.
 
وفى هذا المقال نحاول باختصار إلقاء الضوء على أهم مؤسسات المجتمع المدني المصري: ماهيتها وواقعها ومطالبها من الإصلاح لاسترداد عافيتها وللإسهام بدورها في إنهاض المجتمع.
 
في رصدنا لمؤسسات المجتمع المدني المصري لا نستطيع الإلمام بكل مكوناتها، بل سنتعرض لأهم هذه المؤسسات ومن بينها الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والاتحادات الطلابية ونوادي هيئات التدريس بالجامعات، وأخيرًا نوادي القضاة، لكننا سنحاول التركيز والاختصار نظرًا لضيق المقام.
 
 
"
النقابات المهنية تضم في عضويتها 3 ملايين عضو يمثلون نخبة الطبقة الوسطى المصرية

"
عرفت مصر التنظيمات النقابية منذ أواخر القرن التاسع عشر عندما ظهرت أول منظمة للمحامين أمام المحاكم المختلطة عام 1876م، ثم نشأت نقابة المحامين عام 1912م ونقابة المحامين الشرعيين 1916م، ونقابة الأطباء 1940م، ونقابة الصحفيين 1941م، ونقابة المهن الهندسية 1946م، ونقابة أطباء الأسنان والصيادلة والأطباء البيطريين 1949م، ونقابة المعلمين عام 1951م.
 
وفي عام 1955م ألغيت نقابة المحامين الشرعيين عقب إلغاء المحاكم الشرعية، وظهرت في نفس العام خمس نقابات هي: نقابة المهن التمثيلية والمهن السينمائية، والمهن الموسيقية، ونقابة المحاسبين والمراجعين، وفي الستينيات ظهرت نقابة المهن العلمية عام 1964م.
 
وفى السبعينيات أنشئت خمس نقابات أخرى هي: نقابة المهن الاجتماعية 1973م، ونقابة المهن التطبيقية 1974م، ونقابة الفنانين التشكيليين 1976م، ونقابة الفنون التطبيقية 1976م، ونقابة التمريض 1976م.
 
وفى الثمانينيات تأسست نقابة المرشدين السياحيين عام 1983م، ونقابة الرياضيين 1987م. وفى التسعينيات ظهرت نقابة مستخلصي الجمارك 1993م، ونقابة العلاج الطبيعي 1994م.
 
وتضم النقابات المهنية التي وصل عددها إلى 23 نقابة أكثر من ثلاثة ملايين عضو يمثلون نخبة الطبقة الوسطى في مصر، وأصبحت أهم قوى المجتمع المدني، نظرًا لما تتمتع به من قوة ونفوذ وقدر كبير من الاستقلال المالي والإداري عن السلطة.
 
وكانت السلطة في مصر قد منحت هذه النقابات سلطات واسعة وصلاحيات كبيرة باعتبارها أحد أجنحتها الشعبية، حيث اشترط القانون رقم 8 لسنة 1958م، فيمن يرشح نفسه لعضوية مجالس النقابات المهنية أن يكون عضوًا عاملاً بالاتحاد القومي، ومن بعده الاتحاد الاشتراكي، واستمر هذا الأمر معمولاً به حتى 1977م، عندما انتهى نظام الحزب الواحد، وأخذت مصر بفكرة التعددية السياسية.
 
وبجانب النقابات المهنية، تأتى التنظيمات العمالية التي ظهرت منذ عام 1899م عندما نظم عمال لفافي السجائر بالقاهرة إضرابًا عن العمل لانتزاع بعض حقوقهم، ثم نشأت أول نقابة عمالية عام 1900م، تلاها ظهور جمعية عمال الخياطة عام 1901م، وجمعية عمال السكك الحديدية عام 1908م، تبعها انتشار كبير للنقابات العمالية للمهن المختلفة، كما أنشئت لجان نقابية في كل مؤسسة يزيد عدد العاملين فيها على 50 عضوًا.
 
وظهر الاتحاد العام لعمال مصر والذي يجمع 22 نقابة عمالية، ويزيد عدد أعضائه على أربعة ملايين عامل.
 
وبسبب الصلاحيات الدستورية والقانونية التي تتمتع بها النقابات المهنية، نجح الإخوان المسلمون بعد سيطرتهم على معظم النقابات المهنية المؤثرة في تحويلها إلى واحدة من أهم القوى الضاغطة على النظام في موضوع الإصلاح السياسي.
 
وعلى مدى العقدين الأخيرين استطاع الإخوان المسلمون إحياء الدور السياسي الوطني والقومي لهذه النقابات، وبعد أن كان هذا الدور تابعًا للسلطة في الماضي وموظفًا لها، أخذ طابع الاستقلالية بل والمعارضة في كثير من الأحوال للسياسات الحكومية.
 
وأنشأ الإخوان -الذين نجحوا في مضاعفة الموارد المالية لهذه النقابات- العديد من الخدمات الاجتماعية للمهنيين يأتي في مقدمتها مشروعات العلاج والرعاية الصحية للأعضاء وأسرهم، وصناديق التكافل، ومعارض السلع المعمرة، والقروض، والرحلات الترفيهية وغيرها.
 
وأسهمت هذه النقابات بشكل جزئي في حل بعض المشكلات مثل البطالة بين المهندسين، والإسكان وغيرها.
 
المواجهة بسن التشريعات:
لم تنجح السلطة بمصر في السيطرة على النقابات المهنية التي خطفت الأضواء من الأحزاب السياسية المكبلة بالقيود، ووقفت في طليعة القوى المطالبة بالديمقراطية والإصلاح، الأمر الذي دفعها إلى المواجهة بسن التشريعات للحيلولة دون سيطرة الإخوان المسلمين على مجالس النقابات، فأقدمت على إصدار قانون موحد للنقابات المهنية، والذي حمل رقم 100 لسنة 1993م، وأطلقت عليه اسم (قانون ضمانات ديمقراطية النقابات المهنية)، غير أن القانون لم يحمل من الديمقراطية إلا اسمه، حيث جاء لتكبيل العمل النقابي، بل وتخريبه.
 
حيث اشترط في مادته الأولى تصويت 50% على الأقل من أعضاء الجمعية العمومية المقيدة أسماؤهم في جداول النقابة ممن لهم حق الانتخاب، وذلك لصحة انتخاب النقيب وأعضاء المجلس، وإذا لم يكتمل هذا النصاب تعاد الانتخابات ويكون الحد الأدنى لصحة الانتخاب تصويت 30% من الأعضاء، وفى حال عدم اكتمال هذا النصاب تعين لجنة لإدارة النقابة بإشراف قضائي.
 
وأسهم هذا القانون في تجميد الانتخابات في عشر نقابات مهنية بسبب امتناع اللجنة القضائية التي أسند إليها القانون إجراء العملية الانتخابية، وهذه النقابات هي: الأطباء، المهندسون، أطباء الأسنان، الصيادلة، الزراعيون، التطبيقيون، المعلمون، الرياضيون، التجاريون، وأخيرًا المحامون التي لم تتمكن نقابتهم الفرعية بالقاهرة من إكمال النصاب اللازم لإتمام الانتخاب.
 
ويتضح مما سبق تناقض هذا القانون مع قواعد الديمقراطية، إذا ما قارناه بقانون مباشرة الحقوق السياسية المصري الذي يشترط أن يحصل المرشح لعضوية مجلس الشعب على الأغلبية المطلقة في الجولة الأولى للانتخابات، أي 50% + 1، وفى حالة عدم اكتمال النصاب تعاد الانتخابات بين الحاصلين على أعلى الأصوات، وفى هذه الجولة يعتبر فائزًا من يحصل على أغلبية أصوات من شاركوا في التصويت.


 
حيث يلاحظ فوز بعض النواب (الذين يمثلون كل الشعب) بألفي صوت مثلاً من إجمالي أصوات دائرته الانتخابية التي قد تزيد على المائة ألف صوت(!) في حين اشترط قانون النقابات لنجاح مجلس يمثل نقابة مهنية مثل نقابة المهندسين أن يشارك في الانتخابات أكثر من مائة ألف(!)
 
 
"
الأحزاب السياسية تقف في طليعة القوى المطالبة بالإصلاح لشعورها بأن القيود المفروضة عليها أضعفتها وجعلتها غير مؤثرة في المجتمع

"
بدأت تجربة الأحزاب السياسية بمصر مطلع القرن الماضي، عندما أُعلن عن قيام حزب الأمة صباح الجمعة 20 من سبتمبر 1907م، وتطورت التجربة الحزبية مع ثورة 1919م إلى أن ازدهرت في الأربعينيات، وتم القضاء عليها في بداية الخمسينيات عندما أصدر ضباط حركة يوليو قرارًا بقانون يوم 17 من يناير/كانون الثاني 1953م قضى بحل الأحزاب السياسية ومصادرة أموالها لصالح الشعب.
 
ثم عاد النظام المصري ليأخذ بالتعددية مرة أخرى -وإن كانت شكلية- عندما أعلن عن تشكيل المنابر على لسان الرئيس السابق أنور السادات يوم 11 من نوفمبر/تشرين الثاني 1976م، ثم الإعلان عن تحويل المنابر إلى أحزاب يوم 10 من فبراير/شباط 1977م، ثم صدور قانون الأحزاب السياسية المعروف بالقانون رقم 40 لسنة 1977م والصادر يوم 2 من يوليو/تموز 1977م.
 
ورغم أن الدستور المصري قد نص على حرية تشكيل الأحزاب استنادًا لما جاء في المادة 55 التي تتحدث عن حق المواطنين في تكوين الجمعيات، فإن قانون الأحزاب قد وضع قيودًا كثيرة أمام تأسيسها منها: الالتزام بمبادئ ثورتي يوليو/تموز 1952م و15 من مايو/أيار 1971م، واشترط تمايز برامج الأحزاب عن بعضها البعض، وعدم قيام الحزب على أساس ديني.
 
قيود على العمل الحزبي
واشترط القانون لإنشاء الحزب الحصول على ترخيص من لجنة أسماها "لجنة الأحزاب" وهى بالمناسبة لجنة سياسية يصدر بتشكيلها قرار من رئيس الجمهورية الذي هو في نفس الوقت رئيس الحزب الحاكم، الأمر الذي يجعل هذه اللجنة ملتصقة بالسلطة وحزبها، حيث جاء تشكيلها من رئيس مجلس الشورى (رئيسًا) وعضوية وزراء العدل والداخلية والدولة لشؤون مجلس الشعب، وثلاثة من غير المنتمين لأي حزب سياسي من بين رؤساء الهيئات القضائية السابقين، أو نوابهم أو وكلائهم. واشترط القانون لصحة اجتماع لجنة الأحزاب حضور رئيسها وأربعة من أعضائها من بينهم الوزراء الثلاثة، وهذا معناه خضوع أمر الترخيص للحزب من عدمه للسلطة؛ حيث ربط صحة الاجتماع بحضور كل الأعضاء الحكوميين، وهذا معناه أن غياب أحد الأعضاء الحكوميين يبطل الاجتماع.
 
وقد وضع القانون صلاحيات كثيرة للجنة شؤون الأحزاب؛ إذ أن من حقها تجميد نشاط أي حزب، أو تعطيل صحيفته، أو وقف أي قرار من قراراته. واستغلت اللجنة هذا الحق عندما قامت بتجميد نشاط عدد من الأحزاب منها: حزب مصر الفتاة، حزب العدالة الاجتماعية، حزب الشعب الديمقراطي، حزب العمل، حزب الوفاق الوطني، حزب مصر العربي الاشتراكي.
 
كما أعطى لجنة الأحزاب الحق في أن تطلب من محكمة الأحزاب الحكم بصفة مستعجلة بحل الحزب، وتصفية أمواله، وتحديد الجهة التي تؤول إليها هذه الأموال، وذلك بعد تحقيق يجريه المدعى العام الاشتراكي يقرر فيه مخالفة الحزب، أو زوال شرط من شروط تأسيسه، وفقًا لعبارات فضفاضة تقبل العديد من التفسيرات.


 
وتقف الأحزاب المصرية في طليعة القوى المطالبة بالإصلاح لشعورها بأن القيود المفروضة عليها أضعفتها، وجعلتها غير مؤثرة في المجتمع؛ حيث منعتها هذه القيود من عقد اللقاءات الجماهيرية، أو تنظيم التظاهرات والمسيرات، أو توزيع البيانات، وإلا اتهمت باستثارة الشعب وتكدير الأمن، والإخلال بالاستقرار الداخلي، الأمر الذي أدى لانصراف الجماهير عنها، وضعف العضوية فيها، وبالتالي ضعف تمثيلها داخل البرلمان؛ حيث لا يتعدى تمثيل أكبر حزب معارض عدد أصابع اليد الواحدة، أي حوالي 1% من عدد الأعضاء بالمجلس، في حين يسيطر الحزب الحاكم على الأغلبية الساحقة. وتمثل حركة الإخوان المسلمين منفردة ما يزيد على مجمل كل أحزاب المعارضة، رغم القيود المفروضة على نشاطها.
 
 
"
أساتذة الجامعة يطالبون باستقلالها عن سيطرة جهاز الأمن، وحفظ كرامتهم، وعدم التدخل في تعيين هيئات التدريس، وإعادة نظام الانتخاب لرؤساء الأقسام والعمداء
"
تعتبر الحركة الطلابية المصرية في طليعة الحركات الطلابية بالمنطقة العربية، وقد لعبت هذه الحركة أدوارًا وطنية عديدة منذ زمن طويل، فقد تصدى طلاب الأزهر للحملة الفرنسية التي دخلت مصر 1798م، وللاحتلال الإنجليزي الذي جثم على صدر مصر حتى بدايات الخمسينيات من القرن الماضي.
 
ولعبت المدارس والجامعات المصرية أدوارًا عديدة في قيادة الحركة الوطنية منذ تأسيس نادي المدارس العليا عام 1905م، ووقف الطلاب إلى جوار الحركات المطالبة بالتحرر والاستقلال ضد الاحتلال الإنجليزي بدءًا بمصطفى كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول، وحسن البنا، ومصطفى النحاس.
 
وبعد انقلاب الضباط الأحرار عام 1952م، والذي تحول فيما بعد إلى ثورة انحاز فيها طلاب مصر وأساتذة الجامعة عام 1954 إلى الرأي العام المطالب باسترداد الديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته.
 
وقام مجلس قيادة حركة يوليو باختيار أحد ضباطه، وهو الرائد كمال الدين حسين وزيرًا للتعليم، وهو الذي تعامل مع حركة الجامعة بأسلوب قمعي؛ حيث قام بفصل ستين عضوًا من هيئة تدريس جامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس، وعطل انتخابات الاتحادات الطلابية بموجب القانون 504 لسنة 1954م، والذي أصدره بهدف السيطرة على حركة الجامعة طلابًا وأساتذة.
 
ثم عادت الانتخابات الطلابية عام 1960م بعد أن تأكدت السلطة من استقطابها للحركة الطلابية بانضوائها فيما سمي آنذاك بمنظمة الشباب الاشتراكي، إلا أن هذه الحركة عادت للتفاعل مع قضايا الأمة، وقادت مظاهرات واسعة ضد نظام الرئيس عبد الناصر سنة 1968م، وذلك عقب هزيمة 5 يونيو/حزيران، ثم في عهد الرئيس السادات عام 1972م احتجاجًا على سياسة اللا سلم واللا حرب مع العدو الإسرائيلي، وعام 1977م احتجاجًا على القرارات الاقتصادية التي رفعت الأسعار وفى مقدمتها أسعار رغيف الخبز والسلع الأساسية.
 
تقييد العمل الطلابي بلائحة 1979
وأمام تلك الأحداث قامت السلطة بإصدار لائحة 1979م الطلابية، والتي قيدت العمل الطلابي، وأدخلت الأمن في كليات الجامعات بمسمى الحرس الجامعي، وأطلقت يده في منع كافة الأنشطة الطلابية، وحرمان الطلاب من الترشيح للانتخابات، للحيلولة دون وصول الطلاب المعارضين لقيادة الاتحادات الطلابية.
 
لكن ذلك لم يحل دون استمرار الحركة الطلابية في تعاطيها مع الأحداث والقضايا المحلية والإقليمية والدولية، وفى مقدمتها قضية فلسطين، ثم العراق وأفغانستان، وأخيرًا قضية الإصلاح السياسي في مصر، والذي يمثل الطلاب أحد أعمدة الحركة المطالبة.
 
وفي مؤتمر الإصلاح العربي الذي عقد بالإسكندرية، أخذت قضية العمل الطلابي اهتمامًا خاصًا بين المشاركين، وظهر هذا الاهتمام فيما سمي "وثيقة الإسكندرية" التي دعت إلى كفالة حق الطلاب في الممارسة السياسية، بما في ذلك التظاهر السلمي المنظم، وحرية التعبير عن الرأي والانتخاب الديمقراطي للاتحادات الطلابية.
 
استقلال الجامعات
حركة الجامعات المنادية بالإصلاح السياسي لم تقتصر على الطلاب، بل انتقلت إلى هيئات التدريس.
 
فالأساتذة يتهمون السلطة في مصر بأنها حولت الجامعات من هيئة علمية مستقلة إلى هيئة تابعة لجهاز أمن الدولة الذي يتدخل في تعيين هيئة التدريس ورؤساء الأقسام، واختيار عمداء الكليات بعد أن كان يتم انتخابهم من قبل الأساتذة، إضافة إلى التدخل الفج في الانتخابات الطلابية عبر تزويرها، ومنع الطلاب ذوى الاتجاهات السياسية -وخصوصًا الإسلامية- من الترشيح، والاعتقال المتكرر للنشطاء منهم، ومتابعة نشاط الأساتذة والطلاب حتى ولو كان نشاطًا ترفيهيًا.
 
كما يندد أساتذة الجامعات أيضًا بالأبحاث المشتركة بين المراكز البحثية الأميركية وجامعات مصر، حول الزراعة والمياه والصناعة، والتي لا يستفيد منها إلا الجانب الأميركي.
 
وعبر مؤتمراتهم المتكررة يطالب هؤلاء الأساتذة باستقلال الجامعات عن سيطرة الأمن، وحفظ كرامتهم باعتبارهم عقول الأمة وبناة أجيالها، وعدم التدخل في تعيين هيئات التدريس، وإعادة نظام الانتخاب لرؤساء الأقسام والعمداء كما كان معمولاً به في السابق.


 
وفى الشأن العام يطالب أساتذة الجامعات بإلغاء حالة الطوارئ وكافة القوانين الاستثنائية، وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب، وحرية إصدار الصحف، ومواجهة الفساد المالي والأخلاقي في مؤسسات الدولة.
 
 
"
القضاة يهددون بعدم المشاركة في الانتخابات القادمة مالم يصدر قانون السلطة القضائية الذي يحقق الاستقلال المالي والإداري، ويتيح لهم الإشراف الكامل على العملية الانتخابية

"
لم يقتصر مطلب الإصلاح الذي يحقق الاستقلال على أساتذة الجامعات، بل أصبح مطلبًا ملحًا لقضاة مصر.
ففي الجمعية العمومية غير العادية التي عقدها نادى القضاة بالإسكندرية بحضور 1300 قاض في شهر أبريل/نيسان الماضي، هدد القضاة بعدم الإشراف على الانتخابات القادمة ما لم يصدر قانون السلطة القضائية، والذي يطالبون فيه باستقلال حقيقي للقضاء -ماليًا وإداريًا- وإشراف كامل على العملية الانتخابية بدءًا بالقيد في الجداول الانتخابية إلى العملية الانتخابية إلى إعلان النتائج، حتى تأتي الانتخابات معبرة عن إرادة الأمة.
 
قضاة مصر الذين يبلغ عددهم الآن حوالي 8  آلاف قاض، كانوا قد وضعوا مشروع قانون للسلطة القضائية، وأقرته جمعيتهم العمومية يوم 18 يناير/كانون الثاني 1996م، إلا أنه لم ير النور بعد بسبب المعوقات التي تضعها السلطة في سبيله، الأمر الذي دعاهم للاحتجاج مؤخرًا ومطالبتهم بسرعة إصداره، حتى لا يضطروا لمواجهة هذا التلكؤ.


 
وهكذا تحول مطلب الإصلاح السياسي من حديث نخبوي داخل القاعات المغلقة إلى مطلب شعبي يقود المطالبة به مؤسسات المجتمع المدني، رغم كل العوائق التي وضعت في طريقها، والتي أصبح رفع القيود عن هذه المؤسسات نفسها أحد أهم مطالب الإصلاح الحالية في مصر. 
_____________