طلاب إسرائيليون يتدربون على ارتداء أقنعة واقية من الغاز في مخبأ مدرسة ثانوية بمدينة هرتزليا

إعداد: محمد عبد العاطي

لم يعد خافيا ما ألحقته الانتفاضة الفلسطينية من أضرار بالمجتمع الإسرائيلي، فوسائل الإعلام الإسرائيلية نفسها تتحدث كل يوم عن الأزمة التي يعيشها هذا المجتمع وبخاصة على المستوى الاقتصادي وما نجم عنها من تراجع في معدلات النمو وهروب الاستثمارات الأجنبية وزيادة معدلات البطالة، إلى غير ذلك.

وكلها تقارير تستند إلى مصادر إسرائيلية رسمية كالبنك المركزي الإسرائيلي والجهاز المركزي للإحصاء.

لكن من النادر أن تتحدث المصادر نفسها وبهذا الشكل الموسع عن تأثير الانتفاضة على المكونات النفسية والوجدانية للفرد الإسرائيلي وعلى المشروع الصهيوني نفسه الذي قامت على أساسه دولة إسرائيل.

وهو ما يحاول هذا التقرير الإشارة إليه بمناسبة دخول الانتفاضة الفلسطينية عامها الرابع.

اهتزاز مفهوم "إسرائيل الملاذ الآمن"
قام المشروع الصهيوني على أساس تجميع شتات الجماعات اليهودية في العالم داخل دولة تقوم فيها حكومة تحفظ أمن اليهود على أرض الميعاد، وتعيد إليهم الشعور بالأمن الذي افتقدوه واشتاقوا إليه على مدى قرون طويلة بسبب الاضطهاد الأوروبي لهم.

وكانت إسرائيل في كل الحروب التي خاضتها مع جيرانها العرب تحرص على أن تكون أرض المعركة خارج التكتلات السكنية اليهودية بل خارج حدود دولة إسرائيل نفسها.

ومن هنا ظلت إسرائيل ومنذ إنشائها قبل نصف قرن ملاذا آمنا ليهود العالم حتى أيام الحروب التي خاضتها لا سيما في أعوام 1956 و1967 و1973 و1982.

هذه النظرية التي كانت مستقرة وراسخة في العقل والوجدان اليهودي والتي تعتمد على مقولة امتلاك إسرائيل جيش لا يقهر بدأت تهتز بشدة على وقع ضربات الأعمال المسلحة للانتفاضة الفلسطينية وتراكماتها على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.


إنني في حال يأس، لأنني أخشى أن يكون الأمر قد فات، وقد قلت لكم مجرد نصف ما أخشاه
المؤرخ اليهودي كموس إيلوف

وبدأت تظهر بكثرة في وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية المقروءة والمسموعة ما يدل على تغير مفهوم "إسرائيل.. الملاذ الآمن".

فالكثير ممن غادر إسرائيل خوفا على أمنه الشخصي نتيجة اشتداد عمليات المقاومة المسلحة كان التعليق الأساسي له والإجابة شبه الموحدة عن السؤال المتعلق بأسباب خروجه هي "إننا بتنا لا نشعر بالأمن إلا بعد مغادرتنا إسرائيل". ومن هنا يمكن قراءة زيادة معدلات الهجرة المعاكسة، وبالأخص تلك الدلالات الناجمة عن زيادة معدلات بيع الممتلكات الخاصة بالمستوطنين مما يدل على أنها هجرة وليست سفرة مؤقتة لحين تحسن الأوضاع الأمنية.

تغير مفهوم "قدسية الخدمة في جيش الدفاع"
كذلك كان من أساسيات المشروع الصهيوني التأكيد على مفهوم قدسية الخدمة في جيش الدفاع الإسرائيلي، لدرجة أن التاريخ العسكري الإسرائيلي رصد حالات انتحار لبعض الشباب الذين رُفض قبولهم في الخدمة ربما لأسباب صحية.

الآن حدث تغير كبير في هذا المفهوم، فكان للانتفاضة ومحاولات الجيش الإسرائيلي المستمرة القضاء عليها بوسائل وصفتها منظمات حقوق الإنسان بالوحشية دور كبير فيه.

فقد تزايدت أعداد الجنود والضباط الرافضين للخدمة في المناطق الفلسطينية (كان آخرهم الـ 27 طيارا الذين رفضوا قصف المدنيين الفلسطينيين).

ظواهر اجتماعية لأمراض نفسية


إن المجتمع الإسرائيلي، كما هو الحال مع كل من يوجد في صراع للبقاء، يتحول إلى مجتمع لاعقلاني، وتثور المخاوف الكابوسية النائمة في أعماق النفس اليهودية جيلا بعد جيل"

مدير مركز العلاج من الصدمات النفسية بالقدس الغربية داني بروم

كان لتهديد الأمن الشخصي للفرد اليهودي داخل العمق الإسرائيلي بفعل ضربات المقاومة الفلسطينية أثره النفسي الكبير الذي تمثل في بعض الأمراض النفسية التي كادت تقترب من كونها ظواهر اجتماعية ظهرت بقوة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

لخص بعضا من هذه الأمراض وتأثيراتها على المجتمع الإسرائيلي مدير مركز العلاج من الصدمات النفسية بالقدس الغربية داني بروم بقوله "إن المجتمع الإسرائيلي، كما هو الحال مع كل من يوجد في صراع للبقاء، يتحول إلى مجتمع لاعقلاني، وتثور المخاوف الكابوسية النائمة في أعماق النفس اليهودية جيلا بعد جيل".

ويستطرد بروم في تأثير هذه الحالة على مكونات المجتمع الإسرائيلي فيقول "بالإضافة إلى الإحساس العام بالانتكاس، توجد لهذا الوضع تأثيرات قوية على مواقف الجمهور في البلاد، وعلى ما يحدث في الشوارع، وعلى العنف في المدارس".

وتوافق البروفيسور زهافا سولومون المتخصصة في دراسة الصدمات وعلم نفس المجتمعات التي تعيش تحت التهديدات الدائمة بجامعة تل أبيب -والتي رأست في السابق شعبة المصدومين من المعارك بالجيش الإسرائيلي- ما ذهب إليه بروم إلا أنها لا تصفها بالحد الذي يجعلها ظواهر اجتماعية.

وهذا يشير إلى أن التأثير النفسي لغياب الأمن الشخصي للفرد الإسرائيلي الناجم عن الانتفاضة الفلسطينية أمر ملاحظ، وأصبح استمرار هذه الانتفاضة سببا في زيادة الأمراض النفسية والاجتماعية وهو أمر مقلق للمهتمين بعلوم التربية والاجتماع والنفس في إسرائيل.
______________
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت.