غزو إثيوبيا لأراضي الصومال هو فصل جديد من فصول تدخل هذه الدولة في الشأن الصومالي، وهو تدخل يتمازج في أسبابه المحلي بالإقليمي والدولي، وهي الأسباب نفسها التي جعلت من العلاقة بين الجارتين برميل بارود سرعان ما ينفجر لأقل شرر يتطاير من هذا الطرف أو ذاك كما تبدى طوال الأعوام السبعين الماضية.
 
"
رسمت القوى الاستعمارية وفقا لمصالحها خطوطا على الورق في المناطق التي احتلتها من أفريقيا دون اعتبار للتجمعات السكانية، الأمر الذي خلق مشكلات حدودية لا تزال تعاني منها القارة إلى الآن
"
إرث استعماري
كانت القارة الأفريقية الغنية بالمواد الخام منطقة أطماع تتكالب عليها القوى الاستعمارية الكبرى وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ولم تكن منطقة القرن الأفريقي التي تتمتع بموقع إستراتيجي مميز استثناء من ذلك.
 
حينما كانت تسود بين تلك القوى لغة التفاهم ينعكس ذلك سريعا على شعوب المناطق المحتلة، أما إذا عادت ونقضت إحداها اتفاقا وأرادت أن تمد نطاق نفوذها فسرعان ما يكون السكان الأصليون وقودا لهذه الخلافات. والعلاقات الصومالية الإثيوبية مثال على صدق هذه القاعدة.
 
ففي عام 1839 أرادت الإمبراطورية البريطانية إقامة حامية عسكرية لها على أرض الصومال لكي تؤمّن الطريق إلى مستعمرتها في عدن وتوفر لجنودها الغذاء خاصة من لحوم الأغنام الصومالية المشهورة، فاقتطعت من أرض الصومال مساحة أطلقت عليها الصومال البريطاني. وعلى المنوال نفسه سارت فرنسا عام 1860 فاحتلت مساحة من الأرض الصومالية عرفت باسم الصومال الفرنسي (جيبوتي فيما بعد)، ولم تتأخر عنهما إيطاليا فأقامت كذلك صومالا أسمته الصومال الإيطالي عام 1889.
 
إلى هنا يبدو الأمر طبيعيا من المنظور الإمبريالي على الأقل: قوى استعمارية تقتطع أراضي ومساحات شاسعة لشعوب آمنة ومستقرة، وترسم على الورق خرائط وتقرر حدودا دون الأخذ بعين الاعتبار التوزيعات القبلية والتكوينات العرقية للسكان.
 
لكن في عام 1936 عنَّ لإيطاليا أن توسع نطاق نفوذها على حساب المناطق التي تحتلها بريطانيا فاجتاحت جيوشها منطقة أوغادين. كانت أوغادين في تلك الفترة ورغم أن سكانها صوماليون ويتحدثون اللغة الصومالية إلا أنها وفقا للمصالح الاستعمارية كانت خاضعة للسيطرة البريطانية وملحقة بإثيوبيا، فادعت إيطاليا أنها تريد إعادة الأمور إلى نصابها ومن ثم قامت بضمها إلى الأراضي الصومالية وأطلقت على هذه المنطقة بأكملها (الصومال الإيطالي وإقليم أوغادين) منطقة شرق أفريقيا الإيطالية.
 
ومنذ تلك الفترة وإقليم أوغادين يمثل بؤرة للتوتر وسببا للصراع بين الصومال وإثيوبيا أيا كان النظام السياسي الحاكم في الدولتين، وكان هو أيضا سببا -أو بمعنى أدق- ستارة تتسلل من خلفها القوى الكبرى لبسط نفوذها في النصف الثاني من القرن العشرين. والقوى الكبرى هذه المرة هي الولايات المتحدة زعيمة المعسكر الرأسمالي والاتحاد السوفياتي قائد المعسكر الاشتراكي.
 
"
كان إقليم أوغادين سببا في حربين كبيرتين بين إثيوبيا والصومال كانتا تكأة لتدخل القوى الكبرى في القرن الأفريقي على مدى العقود الطويلة الماضية
"
حرب الستينيات
اتخذت الحرب الباردة بين القوتين العظميين من الأراضي الصومالية والإثيوبية ميدانا لإحدى تجلياتها، فاندلعت حرب كبيرة بين إثيوبيا والصومال تحت شعار الأحقية في إقليم أوغادين واستمرت طوال الفترة الممتدة بين عامي 1964 حتى 1967، فدعمت الولايات المتحدة إثيوبيا بالمال والسلاح والتأييد السياسي في المحافل الدولية، بينما وقف الاتحاد السوفياتي وجمهورية الصين الشعبية وراء الصومال وقدمتا له المال والسلاح.
 
استمرت الحرب ثلاث سنوات وأنهك القتال الدولتين ولم يعد في مقدور أي منهما أن يستمر في هذا النزاع فقبلا بوقف إطلاق النار، وساعدهما على ذلك أن حدة الاستقطاب من قبل الدول العظمى على مسرح الأحداث الدولية خفت نوعا ما، الأمر الذي انعكس على الحدود الصومالية الإثيوبية، لكنه هدوء حذر وبرميل بارود ينتظر عود ثقاب ليعاود الاشتعال والانفجار من جديد.
 
حرب السبعينيات
أشعل عود الثقاب هذه المرة اللواء محمد سياد بري الذي استولى على الحكم عام 1969. أعلن بري أن نظام حكمه يقوم على المبادئ الشيوعية ليكسب ود الاتحاد السوفياتي، وألغى الأحزاب وأحكم قبضته الأمنية على البلاد، ومع كل ذلك نشط في تقديم الدعم المادي والعسكري للفصائل الصومالية وللمعارضة الإثيوبية المتواجدة في إقليم أوغادين، وطالب إثيوبيا صراحة باستعادة الإقليم وهو ما رفضته الأخيرة، فاندلعت الحرب الثانية بين الدولتين عامي 1977 و1978.
 
حققت القوات الصومالية في بداية المعركة نجاحا كبيرا واحتلت أجزاء واسعة من الأراضي الإثيوبية، لكن الولايات المتحدة سرعان ما تدخلت وأمدت القوات الإثيوبية بالسلاح، ما غير من نتائج المعركة وبدأت الكفة ترجح لصالح أديس أبابا فاتخذ سياد بري قرارا بوقف القتال.
 
توقف القتال إذن بين الدولتين لكن النزاع المسلح الذي تقوم به المليشيات المدعومة من الجانبين لم تتوقف، وقد تسبب قرار بري في ضياع المكتسبات التي أحرزها الجيش الصومالي الذي كان قاب قوسين من تحقيق حلمه القومي باستعادة إقليم أوغادين، ما أشعر المؤسسة العسكرية الصومالية بالإهانة وتسبب في الاضطرابات التي عمت البلاد وكانت مقدمة للانقلاب على بري وإنهاء نظام حكمه عام 1991.
 
حرب 2006
كانت إثيوبيا من أكثر المستفيدين من زوال الدولة الصومالية وتفتتها إلى عدة دول بعد سقوط حكومة بري، حيث لم يعد أمامها خصم يمتلك جيشا منظما يطالب بحقوق تاريخية ويدعم جماعات مسلحة تسعى لهذا الغرض.
 
راهنت إثيوبيا رهانا خاسرا على الحكومة الانتقالية الموالية لها التي منيت بخسائر كبيرة في مواجهتها مع قوات المحاكم الإسلامية أدت إلى فقدانها لنفوذها في معظم مناطق الصومال، وحينما أيقنت أديس أبابا أن الأمور سوف تفلت من يدها إلى فترة قد تطول قررت الدخول مباشرة في الحرب وتقديم دعما عسكريا واستخباراتيا للحكومة الانتقالية، ولم تكتف بذلك بل قررت أن تدخل بقواتها المسلحة بصورة مباشرة لتحسم الصراع - كما تقول - عسكريا لصالحها ولصالح حليفتها الحكومة الانتقالية التي طلبت منها المساعدة.
 
تطورت الأمور ميدانيا بسرعة غير متوقعة وقررت المحاكم الإسلامية أن تحول طبيعة المعركة إلى حرب عصابات ضد الحكومة الانتقالية وضد إثيوبيا، الأمر الذي ينذر بطول أمد القتال وبعودة أجواء الصراعات والحروب مرة أخرى بعد أشهر نعم فيها الشعب الصومالي بالأمن الذي افتقده لأكثر من 15 عاما.
____________