ليس اصطلاح الشرق الأوسط الكبير أو الجديد من نتائج أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، فهو كان موجودا قبل ذلك في أطروحات سياسيين وكتاب أميركيين وإسرائيليين، لكن واشنطن أعادت إنتاج المصطلح خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان فيما باتت تعتبره الوقت المناسب للانتقال باتجاه الخطوة التالية التنفيذية من مشروعها لإرساء معالم قرن أميركي بدءا من هذه المنطقة.
 
 
 
بدأ مصطلح (الشرق الأوسط) في التداول السياسي والفكري في خمسينيات القرن الماضي، وكان هدفه المباشر فرض هوية جديدة على أبناء الأمة تتلاشى فيها أو تضيع المرجعية العربية لصالح وعاء فضفاض تمت تسميته بالشرق أوسطية، ويتحول الوطن العربي الجامع بكل مكوناته الثقافية والسياسية والحضارية إلى واقع جغرافي مختلف غايته إدخال دول غير عربية مثل تركيا وإيران في ما يسمى بالإقليم الشرق أوسطي تمهيدا لإضفاء الشرعية في إطار الإقليم على كيان آخر هو إسرائيل.

سبق تداول المصطلح محاولة سياسية تمثلت بإقامة حلف بغداد (1955) لتحقيق الأغراض نفسها، وفيما سقط حلف بغداد بثورة 14 يوليو/ تموز 1958 في العراق، تمكن مصطلح الشرق الأوسط من التسلل إلى الخطاب السياسي والإعلامي وحتى الشعبي واستخدمه المفكرون الليبراليون واليساريون الذين ظنوا أنه بديل مناسب عن المفاهيم التي كان يستخدمها القوميون العرب، من غير أن يفطن كثيرون منهم إلى ما يحمله المفهوم (البديل) من معالم (تسميم سياسي).
 
"
جرى استخدام مصطلح الشرق الأوسط منذ خمسينيات القرن الماضي لفرض هوية جديدة على المنطقة بدلا عن الهوية العربية من أجل استيعاب إسرائيل فيها
"
لو شئنا الغوص أكثر في الخلفيات فإننا لا نستطيع تجاوز مرحلة ما بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، التي شهدت قبل كامب ديفد ظهور أفكار (غير رسمية)، لاسيما في مصر تقترح تعاونا أو تكاملا اقتصاديا من نوع ما مع إسرائيل، وكانت هذه الأفكار (الشاذة) آنذاك المقدمات الفكرية لعمليات التسوية، وكذلك لتكريس مفهوم الشرق أوسطية بوصفه البديل السياسي والجغرافي لعصر الصراع مع إسرائيل.

لكن الأمر احتاج إلى نحو 20 عاما أخرى قبل أن تطرح تل أبيب من خلال شمعون بيريز رؤيتها لما وصفه بالشرق الأوسط الكبير عام 1993، كان التوقيت الإسرائيلي ملائما بعد تصدع منظومة الأمن العربي إثر غزو الكويت (1990) والحرب ضد العراق (1991) وكذلك بعد مؤتمر مدريد (1991) الذي أنهي مقولة صراع الوجود بين العرب وإسرائيل، وفتح الأبواب أمام نظام شرق أوسطي يملأ الفراغ الذي أحدثه انهيار النظام العربي.

رغم كل شيء ومع كل هول الأذى الذي تلقاه العرب منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ظلت الرؤية الشرق الأوسطية تواجه ممانعة شديدة رفضت قبول إسرائيل كدولة شرق أوسطية حتى بوجود اتفاقيات السلام مع كثير من العواصم في المنطقة، ولتجاوز الرفض الشعبي دخل المفهوم من بوابة الاقتصاد، فعقد المؤتمر الاقتصادي حول الشرق الأوسط في الدار البيضاء عام 1994 وتكرر في القاهرة وعمان والدوحة، في محاولة لإدماج إسرائيل في النظام العربي من جانب ولتكريس واقع سياسي وفكري بديل عن فكرة القومية العربية التي سادت الوعي العربي والحركة السياسية العربية معظم زمن القرن العشرين.
 
فشلت هذه المحاولات أو توقفت بعد انتفاضة الأقصى عام 2000، لكن ذلك لم يكن يعني قط تخلي أصحاب المشروع عن أهدافهم، بقدر ما كان يمهد للتحول نحو نمط مختلف من أساليب الهيمنة الأميركية، الانتقال إلى قدر أكبر من النمط الهجومي الذي لا يخشى من الإعلان بوضوح عن نياته... كان المحافظون الجدد قد تسلموا الإدارة في واشنطن بزعامة جورج بوش، فيما تولى أرييل شارون الحكم في تل أبيب، لقد بدأ عصر جديد للمنطقة والعالم، وبات إدارة البيت الأبيض الجديدة ترى أن أساليب ببل كلينتون الدبلوماسية لم تتمكن من استثمار انهيار الاتحاد السوفياتي، وبات عليها أن تكرس السطوة الأميركية، وهكذا باشرت بمشروعها العالمي للهيمنة على القرن الواحد والعشرين بالقوة مفتتحة ذلك من المنطقة العربية التي سيكون عنوانها: الشرق الأوسط الجديد.
 
 
كان طموح رؤية بيريز في ما وصفه بالشرق الأوسط الكبير يتعلق خاصة باستيعاب إسرائيل في منطقة تتوسع أطرافها لتشمل دول وأقاليم تمتد إلى باكستان وأواسط آسيا، لكن هذه الرؤية باتت اقل طموحا مما يجب في الظرف الدولي والإقليمي الجديد، وبدأ العالم يرصد إدارة بوش وهي تباشر سياسة الاندفاع والسطوة المستندة إلى القوة والقهر، وبعد حين عرف العالم أن إدارة بوش ترسم سياساتها على قاعدة مشروع أعده عام 1997 ابرز قادة المحافظين الجدد بعنوان (القرن الأميركي الجديد)، كان هؤلاء يشغلون أهم المراكز في الإدارة الجديدة، وكان مشروعهم للهيمنة المطلقة على العالم قد جعل من الشرق الأوسط محور ذلك المشروع
"
إدارة بوش بدأت بتنفيذ مشروع لفرض الهيمنة على العالم انطلاقا من رؤيتها لـ(الشرق الأوسط الجديد)
"
ومركز انطلاقته.

نظر المشروع الأميركي إلى المنطقة المعروفة بالشرق الأوسط كجزء من منطقتي الشرق الأدنى وآسيا الوسطى وتعامل مع هذا التكوين الجغرافي الممتد من موريتانيا إلى طاجيكستان على أنه مخزن للنفط العالمي ووضع جملة مخططات عسكرية وسياسية واقتصادية لأجل السيطرة على دوله وترويض أو إسقاط النظم الحاكمة المهددة لمخطط الهيمنة الجديد.. بمعنى آخر، أقرت واشنطن مفهوم الشرق الأوسط الكبير ووضعت له اشتراطات الاستيعاب وبقي التحول إلى الشرق الأوسط الجديد.

وبقدر ما كان السعي الأميركي هذا جوهريا في أهميته حسب رؤية إدارة بوش ظل نظريا في جوانب أساسية منه بسبب معوقات تنفيذه السياسية والقانونية، حتى جاءت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 لتقدم الذريعة التي استثمرتها جوقة المحافظين الجدد بسرعة وقوة لتنفيذ ما ظل حبيس الأدراج سنين عدة.

وليس من المؤكد بطبيعة الحال أن هجمات سبتمبر/ أيلول كانت مسؤولة وحدها عن استفزاز وكر الدبابير في واشنطن، إذ ربما كانت إدارة بوش قد وجدت ذريعة ما للمباشرة بمشروعها الدولي الضخم، لكن في كل الأحوال كان العالم ما بعد سبتمبر/ أيلول مختلفا ومضطربا، وكانت في بؤرة اضطرابه منطقة الشرق الأوسط (الكبير).

لم يكن معروفا على وجه التحديد الغايات النهائية للولايات المتحدة في ثورتها المجنونة للثأر مما تعرضت له في سبتمبر/ أيلول، فضرب أفغانستان واحتلالها كان متوقعا وإن كان غير مبرر، لكن غزو العراق أعطى إشارات مختلفة كشفت الملامح الحقيقية للمخطط الأميركي، إن الأمر منذ البداية لم يكن مجرد رد على هجمات سبتمبر/ أيلول، لكنه التنفيذ المتسارع لمشروع الهيمنة ونشر ما وصفه عراب المحافظين الجدد ليو شتراوس بالفوضى الخلاقة لإعادة تشكيل العالم بما يخدم المصالح الأميركية، ويكرس القرن الواحد والعشرين كقرن أميركي بالكامل.

وما بين أفغانستان والعراق كانت واشنطن قد جعلت من (الحرب على الإرهاب) محورا لسياستها، فيما رسم بوش قانونا جديدا لعلاقات أميركا بالآخرين: من ليس معنا فهو ضدنا... هكذا من غير اعتبار لقانون أو رؤى بديلة أو مصالح وطنية، كان على الجميع أن يساند الولايات المتحدة ويسير خلفها أو يصبح عدوا لها، وخلال عام بعد هجمات سبتمبر/ أيلول حدد بوش أولوياته بعد أفغانستان، وكانت ثلاث دول وصفها بمحور الشر، اثنتان منها تقعان في الشرق الأوسط: العراق وإيران.
 
 
ترافق احتلال أفغانستان والعراق مع (قرار) أميركي لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط (الكبير) الذي كان قد استقر كسياق جغرافي سياسي في الإدارة الأميركية، فأصبحت كل لجان الشرق الأوسط في الكونغرس ووزارتي الخارجية والدفاع معنية بكامل الرقعة الجغرافية الجديدة الواسعة كإقليم واحد، وانسحب الأمر على القيادة العسكرية الأميركية للمنطقة الوسطى التي باتت تغطي باختصاصاتها الرقعة نفسها.

ولم تكن إدارة بوش في وارد سؤال حكومات هذه المنطقة الواسعة أو شعوبها عن خياراتها، وأصبحت دعاوى الإصلاح السياسي ذريعة جوهرية للتدخل الأميركي في شؤون المنطقة والضغط على نظمها بوسائل مختلفة، وهذه الذريعة لم تنته حتى بعد فشل (النموذج الديمقراطي) في العراق، وبعد الرفض الأميركي لنتائج الديمقراطية التي لا تنسجم مع سياسات واشنطن، مثلما حدث في الموقف الأميركي إزاء فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية، ناهيك طبعا عن استمرار دعم واشنطن للأنظمة الاستبدادية المؤيدة لها
"
تبدت ثنائية (الإرهاب والديمقراطية) في مجمل السلوك الأميركي في المنطقة، واستمرت حتى بعد فشل تجربة واشنطن في العراق
"
في المنطقة.

وقد تبدى ثنائي (الإرهاب والديمقراطية) كخلفية مستمرة لمجمل السلوك الأميركي في الشرق الأوسط، مثلما أصبح شعار (من ليس معنا فهو ضدنا) لازمة أميركية لإرهاب دول العالم ومنعها من إبداء أي معارضة للجموح الأميركي.
 
وفي كلمة الرئيس بوش الإذاعية، أواسط أغسطس/ آب 2006 قال إن الشرق الأوسط يشكل ساحة الصراع الأولى بين الحرية والإرهاب، واعتبر أن هذه المنطقة تجد نفسها أمام "لحظة مفصلية من تاريخها" معتبرا أن الحرب الإسرائيلية على لبنان مظهر لصراع الحرية ضد الإرهاب.

هذا التعاطي الذي يحتقر إلى حد كبير عقول الناس ولا يهتم كثيرا بالحقائق الواضحة على الأرض لم ينقطع عن خطاب الرئيس الأميركي منذ بدأ بوش حملته ضد ما يوصف بالإرهاب بعد أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، لكن الجديد في كلامه هو الحديث عن اللحظة التاريخية المفصلية التي لا تبتعد كثيرا عن فكرة "الولادة العسيرة لشرق أوسط جديد" التي استخدمتها وزيرته رايس حتى وإن كان لم يستخدم الاصطلاح ذاته.

مفهوم بوش للحظة التاريخية أو كلام رايس عن الولادة العسيرة لا يمكن فهمه إلا على أنه تمهيد لحوادث قادمة شديدة الوطأة تنقل "مشروع القرن الأميركي" إلى مستوى أكثر تسارعا وعنفا، ليس من المستبعد أن يتضمن افتعال حرب جديدة ضد إيران تقود المنطقة إلى منزلق خطر ربما يفجر الكثير من التداعيات الداخلية في بلدان المنطقة.

والمهم في الشرق الأوسط الجديد الذي تريده إدارة بوش أنه لا يقوم على ركائز تقليدية، ولن يعير اهتماما للقانون الدولي أو مصالح حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها سواء في الغرب أو في المنطقة نفسها، بل إن أفكارا عديدة تسربت في الآونة الأخيرة تشير بوضوح إلى أن واشنطن تريد إعادة تشكيل حتى الخريطة الجغرافية لدول الشرق الأوسط (الكبير) بشكل يقيم قواعد جديدة ويعيد تشكيل المنطقة بالشكل الذي ينسجم مع الأهداف الأميركية ويكون بديلا عن الخريطة التي وضعتها القوى الكبرى في مطلع القرن العشرين(بريطانيا وفرنسا).

ولم يعد مثل هذا الاحتمال مجرد ضرب من الخيال، فالعراق الذي يشكل عمودا أساسيا لاستقرار المنطقة يتجه بشكل متسارع نحو حرب أهلية حسب تقديرات مختلفة، وإمكانيات تقسيمه باتت أكثر حضورا، وحينها لن يعود هناك عائق جدي أمام تدحرج بقية أحجار الدومينو المتعاقبة، فالدولة الشيعية في جنوب العراق لن تأخذ وقتا طويلا لتستقطب شيعة الخليج ضمن كيانها، واستقلال أكراد العراق سيكون بؤرة لاستقلال بقية الأكراد على حساب تركيا وإيران وسوريا، وتكوين دولة كردية كبرى تكون صديقة للولايات المتحدة وتدين لها بوجودها، بمعنى آخر لا حدود لما يمكن أن يتغير أو يتفجر في الشرق الأوسط الجديد الكبير الذي تريده أميركا.
 
 
وفي يونيو (حزيران) الماضي نشرت مجلة القوات المسلحة الأميركية خريطة لمنطقة الشرق الأوسط بعد تقسيمها المفترض، أظهرت المدى غير المحدود للمتغيرات الجغرافية التي تمتد حتى باكستان، ويتضمن غياب دول بالكامل من أبرزها العراق والسعودية، لكن المهم هنا هو اعتماد واشنطن على منطق الأقليات والطوائف التي تتحول إلى كيانات ودول.

"
واشنطن تسعى إلى تأسيس شرق اوسط قائم على أساس أعراق وطوائف وهي في سبيل ذلك تريد نشر الفوضى والفتن لإعادة تشكيل الخريطة الجغرافية للمنطقة
"

وحسب الكثير من التكهنات تسعى واشنطن إلى تأسيس شرق أوسط مكون من دول أعراق وطوائف تتضاءل فرص التعايش فيما بينها ويتزايد تسابقها للاعتماد على القوة الأميركية لدعمها، والاهم هو بناء دول حاجزة لـ(الإرهاب) الذي بات بعض الكتاب الأميركيين يصفونه بـ(الإرهاب السني)، وهكذا لن تعود الولايات المتحدة مضطرة للقتال خارج أراضيها بل ستترك لحلفاء جدد تؤسس لهم دولا خاصة مهمة حماية أمنها وكذلك أمن إسرائيل التي لن يجري استيعابها فقط في الإقليم الجديد بل ستكون القوة المهيمنة فيه نظرا لتفوقها التكنولوجي والاقتصادي.

والحقيقة أن مؤشرات عديدة على هذا الأمر بدأت فعلا، فإثارة الطائفية في العراق واحتمالات تقسيمه طائفيا وعرقيا يهدد بإشعال صراع سني شيعي على صعيد العالم الإسلامي يشغل المسلمين بمواجهات داخلية، وهو ما ينسجم تماما مع رغبة واشنطن لتحييد عدوها الإسلامي، وكذلك فإن تشجيع واشنطن أكراد العراق على النزعة الانفصالية سيقود إلى تشكيل دولة كردية كبرى محاربة وقوية تكون عين أميركا ويدها ضد (الإرهاب) في المنطقة، فيما لن يكون للانشطارات الضخمة في الدول التي تضم أكرادا غير امتداد للفائدة أميركيا لا سيما بالنسبة لسوريا وإيران (إلى جانب العراق)، أما تركيا فهي لم تعد مهمة لأميركا على أي حال بعد انحسار دورها في مواجهة الاتحاد السوفياتي وبدء تحولها نحو أوروبا من جانب ونحو الإسلام من جانب آخر.
 
والملفت في هذا المشروع الأميركي أنه لا يقيم وزنا لشعوب المنطقة ناهيك عن حكامها، ليس باستشارتها طبعا ولكن في حساب ردود أفعالها الرافضة لمحاولات تقسيمها وتفتيت كياناتها، وتحويلها إلى أولى المقاطعات في الإمبراطورية الأميركية، ومن الواضح أن الأميركيين لم يتوقعوا الكثير من الممانعة الجدية لمشاريعهم بعدما أفادوا من خبراتهم الطويلة في خلق الفوضى الشاملة وإثارة الفتن والاضطرابات وتوزيع الحرائق وإشاعة القتل الذي سيفضي -حسب اعتقادهم- إلى قبول شعوب الشرق الأوسط بأي خيارات تنهي حزمة الآلام التي تنتظر الجميع.
 
ومع المصاعب الجدية التي يواجهها المخطط الأميركي في العراق ولبنان فإن المتوقع أميركيا ضخ المزيد من جرعات الفوضى والمحن إلى دول المنطقة لاسيما تلك التي تظهر ممانعة شديدة للاندفاع الأميركي، وربما يكون ذلك هو ما قصدته وزيرة الخارجية الأميركية في حديثها عن الولادة العسيرة للشرق الأوسط الجديد الذي تريده واشنطن نموذجا لعالم ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول.
_______________
الجزيرة نت