تتطور علاقات روسيا مع طاجيكستان بسلاسة بعيدا عن الهزات العنيفة، وتثابر روسيا على دعم الاستقرار داخل هذه الجمهورية وتخفيف حدة التوترات الإقليمية المحيطة بها لأسباب عدة.
 
عوامل تعزيز العلاقة
ومما يفسر هذا الموقف الوضع الإستراتيجي المتميز لهذا البلد وقربه من أفغانستان التي تموج بالاضطرابات السياسية والاجتماعية التي تخشى روسيا من اتساع رقعتها في دول آسيا الوسطى، كما تخشى من عودة الحرب الأهلية في هذه الجمهورية التي انتهت مؤخرا وأودت بحياة نحو 50 ألف نسمة على أقل تقدير.
 
كان لروسيا دور في تهدئة كل التقلبات الداخلية التي عاشها المجتمع الطاجيكي ويعود إليها فضل كبير في تنظيم الحوار بين التيار العلماني المتمثل في الجبهة الشعبية والقوى الإسلامية التي انضوت تحت لواء المعارضة الطاجيكية الموحدة. وبتضافر جهود موسكو وطهران تم في عام 1997 توقيع معاهدة صلح وضعت حدا للمجابهة المؤلمة.
 
كان حرس الحدود الروسي الذي عرف بـ"فصيلة موسكو لحرس الحدود" يسيطر على حدود الجمهورية الجنوبية مانعا تغلغل الجماعات التي توصف بالمتشددة من أراضي أفغانستان وكابحا، قدر الإمكان، حركة المخدرات.
 
"
العلاقات الروسية الطاجيكية قوية لأسباب سياسية واقتصادية حيث تؤيد روسيا الرئيس رحمانوف علانية وتمده بالسلاح اللازم للمحافظة على استقرار حكمه، كما تنشط في دعمه اقتصاديا من خلال مشاريع مشتركة

"
ويغلب في طاجيكستان رأي مفاده أنه بفضل دعم موسكو تحديدا تمكن الرئيس الحالي إمام علي رحمانوف "الجالس على البنادق الروسية" كما يقول مناوئوه، من تعزيز نظام حكمه.
 
وأنه بفضل علاقة الرئيس الروسي فلادمير بوتين بهذا الرئيس استطاعت روسيا إقامة قاعدة عسكرية ومحطة لمراقبة الأقمار الصناعية على الأراضي الطاجيكية.
ولم تخف موسكو تأييدها لرحمانوف وهي تعتبر أنه الوحيد اليوم القادر على أن يلعب دور الزعيم الوطني في طاجيكستان.
 
ومن اللافت أن يشاطرها هذا الرأي من ينطقون باللغة الروسية ويميلون إلى موسكو في طاجيكستان، مع العلم بأن هذه الفئة لاتزال تتمتع بنفوذ لا يستهان به في البلد.
 
ترتبط اهتمامات روسيا الاقتصادية هنا بالدرجة الأولى بمجمع صهر الألومينيوم الضخم الذي بني في مدينة ترسون زاده في عهد الاتحاد السوفياتي، وكذلك بمنظومة المحطات الكهرومائية (في المقام الأول على نهر وحش) المبنية أيضا في عهد الشيوعية.
 
ويدر مصنع الألومينيوم لطاجيكستان دخلا يناهز 400 مليون دولار في السنة وتخطط شركة "روسال" الروسية لتحديث هذا المصنع (ستكلف عملية التحديث 2ر2 مليار دولار) بالإضافة إلى بناء مصنع جديد أكثر تقدما من الناحية التكنولوجية.
 
وتقوم الشركات الروسية وفي مقدمتها شركة "شبكات الكهرباء الموحدة" ببناء محطة كهرومائية جديدة تسمى "سانغ توده – 1" على نهر وحش ومن المتوقع أن تدخل مرحلتها الأولى حيز العمل في ديسمبر/كانون الأول عام 2007.
 
وتعتزم روسيا استثمار نحو 2.5 مليار دولار إضافية لتعزيز الوضع المالي في طاجيكستان، يأتي هذا متزامنا مع إعلان موسكو إلغاء ديون لها على طاجيكستان تقدير بـ250 مليون دولار.
 
وفي الوقت نفسه تبرز وسط الطبقة الحاكمة في طاجيكستان بوضوح متزايد نزعة إلى تنويع اتجاهات السياسة الخارجية مما يؤدي موضوعيا إلى انكماش رقعة الاعتماد على روسيا.
 
وتحاول القوى السياسية في دوشنبه -شأنها شأن سائر عواصم آسيا الوسطى- أن تستغل المنافسة بين القوى الخارجية الرئيسية التي تسعى إلى ترسيخ أقدامها في المنطقة. والحديث يدور بالدرجة الأولى عن الصين والولايات المتحدة بالإضافة إلى إيران وفي السنوات الأخيرة دخلت أوروبا -التي تعير اهتماما متزايدا لآسيا الوسطى- على الخط.
 
يساهم الأميركون في تحديث أقدم محطة كهرومائية في طاجيكستان بنيت منذ عقد الثلاثينيات على نهر وحش فيما تخطط إيران لبناء محطة جديدة "سانغ توده - 2" ولكن الأكثر نشاطا من كل هؤلاء هم الصينيون الذين يمهدون الطرق ويمدون خطوط الكهرباء (مثل خط الجنوب – الشمال الأكبر) ويتزايد وجودهم بالتدريج في قطاع التجارة.
 
وقد توصلت الصين وطاجيكستان إلى اتفاق على بناء سلسلة من المحطات الكهرومائية الصغيرة على نهر زراوشان مما يساعد على إيصال الكهرباء إلى المناطق الريفية وهو أمر غاية في الأهمية في بلد يعيش معظم سكانه في الريف.
 
الفاعلية الروسية
"
يهدد علاقة روسيا بطاجيكستان دخول لاعبين أو منافسين آخرين على الخط مثل الصين والولايات المتحدة ودول أوروبا وكلها تتخذ من تنمية العلاقات الاقتصادية مدخلا لتعزيز وجودها هناك
"
لا تتسم خطوات روسيا دائما بقدر كاف من الفعالية في ظل تغلغل المنافسين إلى طاجيكستان. فمثلا لا تستطيع شركة "روسال" حتى الآن أن تتوصل إلى اتفاق مع الحكومة الطاجيكية على مساهمتها في استئناف مشروع بناء محطة روغون الكهرومائية الضخمة الذي بدأ في عام 1987. ومن غير المستبعد أن يفضي استمرار المناقشات حول روغون إلى السماح بدخول شركات أجنبية أخرى في هذا المشروع مما يضعف وجود روسيا الاقتصادي وبالتالي السياسي في هذا البلد.
 
فضلا عن ذلك تتحاشى روسيا تحديد موقفها من شروط تصدير الطاقة الكهربائية الطاجيكية في حالة نجاح بناء سلسلة المحطات على نهر وحش. ومعروف أن دوشنبه تطمح إلى جني ربح من تصديرها الكهرباء إلى باكستان وأفغانستان.
 
وأخيرا لا تحرص موسكو كثيرا حسب تقليدها على مساعدة الشخصيات السياسية الموالية لموسكو، معولة على "أزلية" حكم رحمانوف متناسية أنه قد بدأت تنشط قوى مستعدة لمقايضة التعاون مع روسيا بالشراكة مع دول أخرى بين رجال رحمانوف أنفسهم المقربين.