الرئيس الإيراني محمد خاتمي يتوسط الرئيسين الأفغاني حامد كرزاي
والطاجيكي إمام علي رحمانوف

بقلم/ طلال عتريسي

تبدو علاقات إيران الإقليمية الأكثر استقراراً منذ العقدين الماضيين رغم التطورات العنيفة التي هزت هذا الجوار بقوة في أفغانستان ثم في العراق.

فإيران من أكثر البلدان قلقاً على أمنها واستقرارها من جوارها، إذ بعد تفكك الاتحاد السوفياتي ظهرت "فجأة" على حدودها الشمالية عدة دول في آسيا الوسطى قامت بينها نزاعات وحروب وتحولت إلى ساحة أطماع وتنافس تركي وأميركي وإيراني وروسي.

وعلى حدودها الشرقية في أفغانستان لم تشعر إيران بالاستقرار في أثناء الاحتلال السوفياتي ولا في مرحلة حكم طالبان.

وفي الجوار الباكستاني ثمة علاقة وثيقة للنظام مع الولايات المتحدة، وحروب متنقلة بين تنظيمات شيعية وتنظيمات سنية.

وفي الجوار التركي من الغرب دولة علمانية وعلاقات جيدة مع إسرائيل، وفي الجنوب يتركز كل الاهتمام الدولي وكل الأطماع ومبررات التدخل، من دون أن ننسى أن إيران خاضت حرباً مع "جوارها العراقي" لثماني سنوات قدمت فيها مئات الآلاف من الضحايا.


واجهت إيران في أقل من عام على جوارها المباشر في أفغانستان والعراق، حربين كبيرتين شنتهما الولايات المتحدة للإطاحة بنظامين لم تكن طهران على علاقات جيدة معهما
وفي أقل من سنة واحدة واجهت إيران على جوارها المباشر في أفغانستان والعراق، حربين كبيرتين شنتهما الولايات المتحدة للإطاحة بنظامين لم تكن إيران على علاقات جيدة معهما.

وهكذا أصبح "الشيطان الأكبر" جاراً جديداً لإيران ينبغي إيجاد السبل والوسائل للتعامل معه وعدم الاكتفاء بالتنديد به أو بالدعوات إلى موته.

وفي هاتين الحربين لم تكن إستراتيجية إيران تختلف جوهرياً عن الإستراتيجيتين الإقليمية والدولية اللتين كانتا تريدان التخلص من نظام طالبان من جهة ومن نظام صدام حسين من جهة ثانية.

مراحل العلاقات الإيرانية ودول الجوار
انعكاسات 11سبتمبر/أيلول
الموقف من الحرب على العراق

مراحل العلاقات الإيرانية ودول الجوار

مرت علاقات إيران بدول الجوار وخاصة الجوار العربي بمراحل ثلاث:

المرحلة الأولى:
وهي مرحلة السخونة والتوتر بسبب الحرب العراقية-الإيرانية. وشهدت هذه المرحلة بين إيران وبين جوارها الخليجي تحديداً إستراتيجيتين متعارضتين:

  • قامت الأولى على محاولة تهميش إيران وتطويقها لإضعاف دورها وإبعادها عن كل ما يجري في المنطقة.
  • وقامت الثانية من جانب إيران على محاولة تأكيد دورها الإقليمي من خلال إزعاج الحكومات والأنظمة ودعم حركات المعارضة في بلدانها. وقد انتهت هذه المرحلة مع توقف الحرب العراقية-الإيرانية عام 1988.

المرحلة الثانية:
وهي مرحلة التبريد من دون أن يزول التوتر تماماً. و
بدأت هذه المرحلة مع احتلال العراق الكويت ثم طرده منها، وهي مرحلة تفكك الاتحاد السوفياتي وانعقاد مؤتمر مدريد 1991 وتوقيع اتفاق أوسلو 1993، ووفاة الإمام الخميني 1989 وبداية حقبة الإعمار والبناء في إيران مع الشيخ هاشمي رفسنجاني وما رافق هذه الحقبة من سياسات انفتاح نحو العالم ونحو دول الجوار توجت بزيارات عدة وعلى أعلى المستويات إلى أكثر من دولة من دول الخليج العربية. وتواصلت هذه السياسة مع صعود الإصلاحيين بعد وصول محمد خاتمي إلى الرئاسة عام 1997.

المرحلة الثالثة:
وفيها انتقلت علاقات إيران مع جوارها من التبريد إلى الدفء. وبدأت هذه المرحلة في منتصف التسعينات وعادت خلالها علاقات إيران مع كل الدول العربية باستثناء مصر.

وفي هذه المرحلة تراجع التوتر أيضاً حول "قضية الجزر الثلاث" بعدما كانت كل اجتماعات دول مجلس التعاون الخليجي تؤكد "الحق" في استعادة تلك الجزر وبعدما كانت مصر تستخدمها للتنديد بالسياسات الإيرانية.

ومع التحسن في العلاقات الإيرانية-الخليجية والإيرانية-العربية عموماً لم تعد قضية "الجزر الثلاث" قضية بارزة أو عقبة في طريق تقدم تلك العلاقات، وليختفي التذكير بها بعد ما جرى في العراق.

وقد ساهم في هذا الانتقال إلى الدفء والاستقرار عوامل عدة:

  • داخلي إيراني كصعود الإصلاحيين واستمرار الرغبة في تجنب التوتر والحروب والانصراف إلى التنمية السياسية.
  • إقليمي له علاقة بتراجع عملية التسوية (التي اختلف الإيرانيون والعرب على الموقف منها ومن تأييدها) وبتراجع الخطاب الإيراني المتشدد من الأنظمة والحكومات العربية، وبقبول إيران التعاون مع هذه الحكومات على قاعدة المصالح المشتركة وليس على قاعدة الأيدولوجية الثورية أو الإسلامية.

انعكاسات 11 سبتمبر/ أيلول

في ذروة هذا المسار الهادئ لتقدم لعلاقات إيران الإقليمية نحو الدفء والاستقرار حصلت عمليات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وبدأت الولايات المتحدة حربها على الإرهاب للإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان.

خاتمي مع وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل

ووجدت إيران نفسها في هذه الحرب إلى جانب المملكة السعودية التي قطعت علاقاتها بنظام طالبان وإلى جانب باكستان التي أقفلت الحدود بوجهها وإلى جانب باقي الدول العربية التي تضررت من الأفغان العرب ومن الحركات الأصولية المتشددة, بالإضافة إلى مصلحة إيران الخاصة في التخلص من نظام لم تكن على علاقة جيدة معه ووصلت الأمور بينهما في لحظة معينة إلى حد التصادم وإعلان الحرب.

وقد انسجم الموقف الإيراني بدعم "تحالف الشمال" الأفغاني مع المواقف العربية والدولية التي كانت تريد إسقاط نظام طالبان. ومع "ولادة" النظام الجديد في أفغانستان كانت إيران من أول الدول التي سارعت إلى الاعتراف به وإلى تقديم المساعدات.

وهكذا لم تبدد حرب أفغانستان ما تراكم في السنوات الماضية من تقدم في علاقات إيران بجوارها.

الموقف من الحرب على العراق

وعندما أعلنت الولايات المتحدة عزمها شن الحرب على العراق لم يحصل تباين شديد بين المواقف العربية الرسمية وبين الموقف الإيراني، وإن كان القاسم المشترك هو رفض مبدأ الحرب والمبررات التي تتيح اللجوء إليها. وعندما اختارت إيران "الحياد الإيجابي" أي عدم التدخل إلى جانب هذا الطرف أو ذاك عند اندلاع الحرب، لم يكن الموقف غريباً مقارنة مع سياسات الدول العربية التي قدمت التسهيلات المختلفة للقوات الأميركية.


عندما اختارت إيران "الحياد الإيجابي" عند اندلاع الحرب على العراق، لم يكن الموقف غريباً مقارنة مع سياسات الدول العربية التي قدمت التسهيلات المختلفة للقوات الأميركية
أما التباين الوحيد الذي برز في لحظة معينة من هذه الحرب فكان بين الموقفين السوري والإيراني، إذ كانت سوريا ترفض وبشدة مبدأ إسقاط النظام العراقي مهما كانت المبررات الأميركية في حين كانت طهران لا ترفض هذا المبدأ بالمطلق وتقبل التعامل معه "بواقعية" طالما أنه سيخلصها من "عدو" خاض ضدها حرباً لثماني سنوات ولم تتخلص من تهديده، إلى أن سقط النظام العراقي بالسرعة التي سقط بها وعادت العلاقات بين الحليفين الإستراتيجيين إلى سابق عهدها.

وقد تضافرت عوامل عدة جعلت المواقف الإيرانية-العربية من عراق ما بعد صدام قليلة التنافر وتميل إلى التقارب أكثر مما تميل إلى التباعد والافتراق. فلا مشروع عربي واضح أو موحد لعراق ما بعد صدام، ولا مشروع أميركي واضح سوى استمرار الاحتلال، ولا مشروع إيراني لمقاومة الاحتلال، في حين التقت المواقف العربية الإيرانية على الدعوة إلى جدول زمني لرحيل الاحتلال. بالإضافة إلى أن إيران تمتلك في الوقت نفسه نقاط قوة في الداخل العراقي لجهة صلتها الوثيقة بكل أعضاء مجلس الحكم الانتقالي وبالأطراف الشيعية كافة.

وتعتبر إيران أنها تتعرض لضغوط أميركية شديدة بذريعة امتلاك السلاح النووي منعاً لاستخدام نفوذها في العراق ضد القوات الأميركية التي تعاني أصلاً من المشاكل اليومية التي باتت لا تطاق.

وتدرك إيران أنها لا تستطيع أن تقف مباشرة في وجه الولايات المتحدة في ظل المعادلة الدولية الراهنة وبعد 11 سبتمبر/ أيلول، أي أنها لا تستطيع أن تتبنى الدعوة إلى المقاومة في العراق ضد القوات الأميركية، ولكن إيران في الوقت نفسه تعتقد أن أي "نظام جديد" مهما طالت فترة ولادته سيكون الأفضل وحتى الأقرب بالنسبة لها مقارنة مع النظام السابق. كما أن الأصوات الإصلاحية في الداخل الإيراني لا تنفك تطالب وبقوة بالاستفادة من الظروف الراهنة لتحقيق "المصالح الوطنية والقومية لإيران"، بدلاً من التمسك بالشعارات الأيدولوجية.

وتخوض طهران "حرباً صامتة" مع واشنطن حول حجم النفوذ الذي يمكن أن تحتفظ به في العراق، إذ تحاول واشنطن أن تضغط عليها بقوة في الموضوع النووي لمنعها من استخدام أوراق قوتها في الداخل العراقي.

ولا شك أن إيران عادت للتنسيق مع سوريا حليفتها الإستراتيجية في الموضوع العراقي وخصوصاً أن الخطاب السوري بات أكثر هدوءاً وانضباطاً بعد سقوط النظام في العراق بعدما ذهب هذا الخطاب "بعيداً" في الدعوة إلى المقاومة وإلى فتح الحدود وتقديم الدعم والمساعدات.

خاتمي مع الرئيس السوري بشار الأسد
ويقوم هذا التنسيق على عدم التصادم مع واشنطن بالدرجة الأولى وعلى تعزيز الصلات الاقتصادية والاجتماعية مع الشعب العراقي، وعلى تدعيم مجلس الحكم الانتقالي الذي ترددت سوريا في الاعتراف بشرعيته، وعلى الدعوة المستمرة إلى خروج الاحتلال الأميركي من العراق، بالإضافة إلى التنسيق الذي لم ينقطع على جبهتي لبنان وفلسطين من خلال حماية ودعم حزب الله وحركات المقاومة الفلسطينية.

لقد تخلصت إيران من جارين إقليميين شكلا لها طيلة العقدين الماضيين تهديداً خطيراً لأمنها واستقرارها. وقد انعكس التوتر مع هذين الجارين سلباً على علاقات إيران الإقليمية بالدول العربية التي وقفت إلى جانب العراق واعتبرت التهديد الإيراني تهديداً قومياً، وعلى علاقات إيران بباكستان التي كانت تحمي حركة طالبان وتمدها بالدعم وترى في عداء إيران لها عداء مذهبياً.

وبما أن إيران لم تكن هي التي أسقطت هذين النظامين وإنما الولايات المتحدة ذات النفوذ والتأثير على معظم دول المنطقة فإن "المكاسب" الإيرانية من سقوط هذين النظامين لم تنعكس سلباً على علاقات إيران بجوارها الإقليمي وإنما استمرارا للتعاون ودعوات إلى التنسيق لتجنب المزيد من الحروب ومن عدم الاستقرار لأن المخاوف مما قد تتسبب به السياسات الأميركية التي يقودها المحافظون الجدد باتت أكبر من أي خلافات بين إيران وجوارها.

وفي ظل استمرار الضغوط الأميركية على حكومات المنطقة، ومع استمرار سياسات العنف الإسرائيلية في فلسطين والتي تحظى بتأييد تام من واشنطن، فإن إيران ودول المنطقة وخصوصا الدول العربية ستنزع نحو المزيد من المواقف المشتركة التي تندد بالسياسات الأميركية وتؤكد على سيادة العراق وتدعو إلى رحيل الجنود الأميركيين عنه في أقرب وقت ممكن.
_______________
أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية