عبد الحسين شعبان

المقاومة هي عمل من أعمال الرفض أو الاحتجاج أو الاعتراض أو الممانعة، سواءً كانت بصورة سلمية أو عنفيّة، أي سواءً اتخذت أساليب مدنية شعبية أو اعتمدت على الأساليب المسلّحة أو العسكرية عبر مجموعات أو خلايا أو بؤر ثورية، دفاعية أو هجومية ضد احتلال خارجي أو أنظمة حكم داخلية دكتاتورية شمولية أو غير ذلك.

الجماعات الثورية والمقاومة
توجهات المقاومة العربية
المقاومة ونقاط الالتقاء والاختلاف

الجماعات الثورية والمقاومة

تسعى الجماعات "الثورية" المسلّحة الصغيرة العدد والمحدودة التأثير في البداية، إلى كسب قطاعات من الجمهور ومن ثم تعمل على زجّه للانخراط في المقاومة أو تقديم الدعم لها بحيث يشكل ظهيراً لحمايتها وتسهيل مهمتها!

"
لعل الموت الدراماتيكي لتشي جيفارا وقبل ذلك حلمه الرومانسي بالتحرير هو الذي جعله يمثل هذه المكانة المتميّزة والفريدة في قلوب الثوريين والمقاومين من شتى الأشكال والاتجاهات
"

وفي الغالب فإن الجماعات الثورية الطليعية تبدأ عملها بمبادرة من قيادات سياسية أو حزبية أو دينية، وبخاصة في أوساط المثقفين بحيث تتمكن من بلورة توّجه المقاومة، وتعمل على إقناعها بالالتحاق بالكفاح دفاعاً عن مصالحها ومن أجل مستقبلها!!

يطلق أحيانا على المقاومة مصطلح "الأنصار" وهو الذي استخدم في أوروبا والاتحاد السوفياتي السابق ضد القوات الألمانية في الحرب العالمية الثانية.

وقد استخدم مصطلح "حروب الأنصار" لوصف عمليات المقاومة الطويلة الأمد، أو حروب الغوار Gorella War، كما أطلق اسم "المقاوم" على "الفدائي" الذي اصطلح عليه بالبارتزان Partizan، واستخدمت الحركة الكردية منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي اسم "البيشمرغة" للتجمعات الكردية المسلحة ضد الحكومات المتعاقبة.

وشاع مصطلح المقاومة في المنطقة العربية في أواسط الستينيات خاصة بعد انطلاقة منظمة "فتح" الفلسطينية في الأول من يناير/كانون الثاني 1965، ثم سادت وتعززت بعد عدوان الخامس من يونيو/حزيران 1967 وأصبح لها وهج خاص وألق ساحر.

وتجذرت وتعمّقت ثقافة المقاومة في الستينيات حيث أخذت تنظيمات عربية تشكل أو تشترك أو ترسل متطوعين لجبهات المقاومة التي تأسست، وذلك كجزء من توجهات تلك المرحلة.

وإذا راجعنا المصطلحات والمفردات السياسية التي استخدمتها المقاومة الفلسطينية، فسنرى أنها انتشرت على نحو واسع لدى الأحزاب والقوى السياسية العربية وبشكل خاص في الإعلام، لدرجة يمكن القول إن "لغة" ما قبل المقاومة اختلفت عن لغة ما بعدها، حيث طبعت هذه اللغة والخطاب الذي ساد على أساسها الحياة العامة آنذاك ولم يتمكن أحد من إعفاء نفسه منها أو غلق الأبواب لعدم التأثر بها!

ففي الستينيات كانت قد برزت ظاهرة "الجيفارية" التي أثرّت لدرجة غير قليلة في أوساط حركة المقاومة العربية. وهذه الظاهرة نسبة إلى المناضل التشيلي "أرنستو تشي جيفارا" الطبيب والوزير الذي ترك وزارة الصناعة في حكومة كوبا الثورية، وتوّجه إلى الريف والأدغال في بوليفيا.

وجيفارا هو الذي استخدم فكرة "النواة الثورية" بدلاً من "الحزب الثوري" كما كان سائداً، واعتمد على "الطليعة" لكسب الجمهور وصولاً للحظة الثورية بالزحف على المدن وبخاصة العاصمة، كما استند إلى الريف بما فيه من أوضاع اجتماعية وتضاريس جغرافية للانطلاق إلى المدن.

ولعل الموت الدراماتيكي لتشي جيفارا وقبل ذلك حلمه الرومانسي بالتحرير هو الذي جعله يمثل هذه المكانة المتميّزة والفريدة في قلوب الثوريين والمقاومين من شتى الأشكال والاتجاهات، ولا سيما منها المقاومة الفلسطينية.

وكان في الصين قد لمع اسم ماوتسي تونغ وليو شاوشي، وفي فيتنام كان اسم العم هوشي منه والجنرال جياب من الأسماء التي اشتهرت على المستوى العالمي، خصوصاً تكتيكات وأساليب عمل الجنرال جياب، التي كانت المقاومة الفلسطينية تدرسها كجزء من فكر المقاومة العسكري على المستوى العالمي.

توجهات المقاومة العربية

"
الاحتلال في العراق ليس إجلائياً أو إحلاليا، فقد ارتبط بمشروع مكافحة الإرهاب الدولي وخصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية
"

استخدمت المقاومة الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات الكثير من المصطلحات والأفكار الجيفارية والصينية والفيتنامية، وأخذت بالعديد من توجهاتها وأساليب كفاحها، وشاع مصطلح "هانوي عربية" الذي يعني ضرورة وجود قاعدة خلفية "محررة" للمقاومة بإحدى العواصم العربية المتاخمة للحدود الفلسطينية، بل إن بعض الاتجاهات اليسارية رفع شعار "كل السلطة للمقاومة" تيّمناً بشعار "كل السلطة للسوفيات" الذي رفعه حزب لينين البلشفي عشية ثورة أكتوبر/تشرين الأل.

واندلع قتال داخلي مع بعض الأنظمة العربية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي متأثرًا بهذه الأفكار خصوصا ما حصل في  سبتمبر/أيلول 1970 من مأساة حقيقية، بل إن حركات عربية أخرى سارت على هذا الطريق، في اليمن الجنوبية وكذلك في ثورة ظفار في عُمان، وبعض إرهاصات " ثورية" في العراق وغيرها. 

أما المقاومة اللبنانية رغم انطلاقتها بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، فقد اتخذت توجهاً آخر خصوصاً بصعود نجم "حزب الله" وما قام به من دور قيادي بارز ساهم فيما بعد في قيادة المقاومة وطرد المحتل الإسرائيلي، فالتوجه الذي اعتمدته المقاومة اللبنانية والذي طبع حركتها هو التوجه الإسلامي.

وكان مثل هذا التوجه قد تعزز بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، وبرزت جماعات فلسطينية شكلّت تنظيمات خاصة أصبحت تدريجيا بموازاة حركة فتح منها: تنظيم حماس والجهاد وهما تنظيمان إسلاميان.

وشملت الصحوة الإسلامية العديد من البلدان العربية والإسلامية كجزء من موجة دينية عالمية، حيث تعززت مثل هذه الاتجاهات في أميركا اللاتينية التي شهدت دوراً كبيراً للكنيسة وما سمي بعد ذلك بلاهوت التحرير وذلك في أوروبا.

وتمكنت حركة حماس الإسلامية من الفوز بالانتخابات الفلسطينية، التي كانت باعتراف الجميع انتخابات ديمقراطية، ملحقة "هزيمة" سياسية بتنظيم فتح التاريخي الذي كان دوره يترّهل بعد اتفاقيات أوسلو وقيادته للسلطة الفلسطينية منذ عام 1993.

أما في العراق فقد انطلقت بعض القوى في مقاومة الاحتلال الأميركي البريطاني بعد سقوط بغداد في 9 نيسان/أبريل 2003، وقد أخذت تلك المقاومة تتسع رغم أنها اختلطت بالإرهاب أحيانا، كما جرت محاولات مغرضة بصورة مباشرة أو غير مباشرة لتشويه سمعة المقاومة وإلصاق بعض الأعمال الإرهابية بها، خصوصاً الارتكابات بحق السكان المدنيين الأبرياء العزل التي لا مصلحة لمقاومة الاحتلال فيها!

المقاومة ونقاط الالتقاء والاختلاف

"
قيادة حزب الله للمقاومة أكسبتها الكثير من الاحترام، لكن هذا الأمر ما زال غامضاً وأحيانا يتعرض إلى نقد وتساؤلات، بل
اتهامات من بعض الأطراف بشأن قيادتها وعدم تحديد برنامجها خاصة في الموقف من الديمقراطية بعد التحرير

"

المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية تلتقي وتختلف في الآن ذاته، وهي بين الاتصال والانفصال أحيانا أو الوصل والفصل، فهي من جهة لديها بعض المشتركات الأساسية ومن جهة أخرى لدى كل واحدة منها خصوصياتها، وكذلك أعداؤها، وحلفاؤها ومناصروها.

طبيعة الاحتلال في فلسطين
ففي فلسطين هناك استعمار استيطاني إجلائي عنصري، يريد طرد سكان البلاد "الأصليين" وإحلال "اليهود" محلهم من شتى أصقاع الدنيا، وهو لا يستهدف الأرض فحسب بل البشر "الإنسان" أيضاً، كما أنه استعمار واحتلال توسعي، لا يكتفي بما حصل عليه من مكاسب سياسية واستيلاء على أراضي العرب، بل يسعى إلى التوسع على حساب الدول العربية المجاورة.

الاستعمار الاستيطاني والاحتلال الإجلائي هو ذاته النهج الإسرائيلي إزاء مزارع شبعا اللبنانية والجولان السورية، ناهيكم عن محاولاته للسيطرة على الموارد المائية إضافة إلى المواقع الإستراتيجية.

ومثل هذا الاستعمال أو الاحتلال لا يمكنه التفكير في السلام الحقيقي أو التعايش، لأن ذلك سيؤدي إلى نكوص وانحدار لمشروعه ويعطل تطبيق إستراتيجيته المعلنة وليست المستترة، وهو يريد أن يبقى عنصر توتر وقلق وحروب دائمة في المنطقة تستنزف طاقاتها ومواردها وتعطّل تنميتها، ويستثمرها الحكام للإبقاء على أنظمة الاستبداد وتبرير عدم السير في طريق التنمية والديمقراطية بالخطر الخارجي والعدوان الإسرائيلي، وذلك ما يبرر عدوانه واستمرار احتلاله ورغبته في التوسع والإجلاء.

طبيعة الاحتلال في العراق
الاحتلال في العراق ليس إجلائياً أو إحلاليا، فقد ارتبط بمشروع مكافحة الإرهاب الدولي وخصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة 2001.

واتكأت الولايات المتحدة على هذا المبرر إضافة إلى امتلاك العراق أسلحة دمار شامل لكي تقوم بهذا العمل العدواني خارج نطاق الشرعية الدولية، التي لم ترّخص أو تفوّض الولايات المتحدة الشروع فيه.

وبررت الولايات المتحدة فيما بعد احتلالها للعراق والبقاء فيه حالياً ببسط الديمقراطية وتعميم نموذج الحرية العراقي والقضاء على الجماعات الإرهابية التي تريد إفساد التجربة العراقية، لكن الأمور رغم مرور ثلاثة أعوام ونيّف وصلت إلى طريق مسدود.

ويمكن القول إن انتصار المقاومة في لبنان أو إلحاق هزيمة بالمشروع الصهيوني في فلسطين سيترك تأثيراته على العراق، كما أن تعثر وتدهور المشروع الأميركي في العراق، سينعكس إيجابا على حركة المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

تنوع إستراتيجيات المقاومة

"
إهمال الخصوصيات والإصرار على العموميات وعدم الأخذ في الاعتبار بالتطور التاريخي والواقع الاجتماعي والاصطفافات والتحالفات السياسية داخل كل بلد، سيكون عنصر تفتت وتآكل، ناهيكم عن وجود قوى متباينة في الموقف من الاحتلال

"

وإذا كانت ثمة متغيرات قد حصلت في خطاب المقاومة، فإن هناك أسبابا موضوعية وذاتية كما أشرنا إليه.

فقد كان خطاب المقاومة في الستينيات والسبعينيات وطنياً وعروبياً عاماً وإن كان هناك تمايزات فكرية، لكنه ظل خطاباً قريبا أو جزءاً من حركة التحرر الوطني العربية وحليفها آنذاك الاتحاد السوفياتي.

أما في الوقت الحاضر فإن خطاب المقاومة الغالب أو جزءا مؤثرا منه في فلسطين هو خطاب إسلامي وأحيانا يربط تعاليم السماء بالواقع على الأرض. وقيادة المقاومة الفلسطينية بجميع فصائلها الإسلامية و"غير الإسلامية" معروفة، فقيادة عرفات سابقاً لعبت دوراً دبلوماسياً دولياً مؤثراً خاصة في السبعينيات، واستطاعت الحصول على مكاسب للشعب الفلسطيني على هذا الصعيد، سواء في الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية أو في دمغ الصهيونية بالعنصرية وغير ذلك من القرارات، كما أن قيادة حركة حماس أصبحت أشهر من نار على علم.

وخطاب المقاومة اللبنانية خطاب إسلامي بصفة غالبة، رغم أنه خطاب غير مغلق بل منفتح على خطابات إسلامية لدول المنطقة بما فيها إيران. وقيادة حزب الله والسيد حسن نصر الله للمقاومة اللبنانية أكسبتها الكثير من الاحترام، لكن هذا الأمر ما زال غامضا وأحيانا يتعرض إلى نقد شديد وتساؤلات كثيرة، بل اتهامات من بعض الأطراف بشأن قيادتها وعدم تحديد برنامجها خاصة في الموقف من الديمقراطية بعد التحرير.

وكذلك فإن خطاب المقاومة العراقية خطاب إسلامي بل هو أكثر تشددا وهو مطعم بخطاب قومي تقليدي أو عروبي، وبعضه خطاب عروبي ووطني مطعم بنكهة إسلامية واضحة وحادة أحيانا، رغم أن الكثير من العموميات وعدم التحديد ظلّت سمة بارزة لاتجاهات المقاومة العراقية خصوصاً الموقف من المستقبل وقضية الديمقراطية والتعددية والموقف من حقوق المرأة والأقليات وغيرها.

وفي تقديري فإنه من الضروري التفريق بين قيادة الزرقاوي الإرهابية أو خلفه بعد مقتله وبين قيادة حركة مقاومة متنوعة تستهدف طرد الاحتلال.
وهنا لا بدّ من إجلاء الصورة وتوضيح المواقف دفعاً لأي التباس أو إبهام أو شكوك. قد يحتاج الأمر إلى بعض الوقت كما تقول بعض التبريرات، لكنه يبقى مسألة حيوية وراهنة ولها علاقة بمستقبل حركة المقاومة ضد الاحتلال ناهيكم عن الموقف من الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهذه تحدد معايير لا يمكن بأي حال تجاهلها.

تقارب إستراتيجيات
يمكنني القول إن هناك تقاربا بين إستراتيجيات المقاومات الفلسطينية واللبنانية والعراقية تقضي بإنهاء الاحتلال، واستعادة شعوب هذه البلدان حقها في تقرير المصير.

وهذا هدف إستراتيجي عام وهناك بعض الأهداف والتكتيكات الجزئية التي قد تكون ذات طابع خصوصي أو مختلف. وهذه التكتيكات والأهداف الجزئية والتفصيلية قد تغني أو تثري الخطة الإستراتيجية العامة، وليس بالضرورة أن تتعارض معها.

كما أن هناك تنوعاً أحيانا على صعيد كل بلد في المجموعات المقاومة وقد تكون هناك اختلافات فيما بينها لكنها تلتقي عند الهدف الإستراتيجي العام وهو إنهاء الاحتلال. والاختلاف أو الائتلاف أمر طبيعي في ظل أوضاع صعبة ومتنوعة وبالغة الحساسية!

إن إرساء ثقافة المقاومة وبخاصة إزاء العدو الخارجي يتطلب رفض ثقافة الخنوع عبر تفكيكها، وكذلك تعميم النماذج الإيجابية وبالتالي توسيع دائرة المشاركة في حركة واسعة تستخدم إمكانات وتكتيكات مختلفة ومتنوعة وصولا لإلحاق الهزيمة بالعدو والعمل بكل الوسائل الممكنة والمتاحة لإجلاء قواته من البلدان المحتلة ووضع جدول زمني لذلك.

ورغم هذه الأهداف العامة والمشتركة، فهناك تعقيدات وخصوصيات متنوعة ومختلفة بين بلد وآخر، ناهيكم عن اللوحة السياسية والدينية والإثنية والمذهبية في كل بلد بما يوجب إضافة إلى الإستراتيجية العامة وضع إستراتيجيات وتكتيكات خاصة بالاستفادة من القوى المحركة وكل ذلك يؤدي إلى التكامل وليس التنافر.

أما إهمال الخصوصيات والإصرار على العموميات وعدم الأخذ في الاعتبار بالتطور التاريخي والواقع الاجتماعي والاصطفافات والتحالفات السياسية داخل كل بلد فإن ذلك سيكون عنصر تفتت وتآكل، ناهيكم عن وجود قوى متباينة ومختلفة في الموقف من الاحتلال من حيث طبيعتها ومواقفها وتكتيكاتها سلبا أو إيجابا، مما يستوجب التصدي لها حسب خصوصيات كل بلد ووفقا لمعرفة دقيقة بتوازن القوى واتجاهاتها.
_______________
باحث عراقي