بقلم د. صباح نعوش

خلال الفترة الواقعة بين 1947 و1994 نظمت ثماني جولات للاتفاقات التجارية متعددة الأطراف. وتعد الجولة الأخيرة (أوروغواي 1986-1994) أهم واعقد وأطول الجولات بسبب ازدهار العلاقات الاقتصادية العالمية بدرجة كبيرة جدا، فقد تزايدت الصادرات السلعية واتسعت حركات رؤوس الأموال وحدث تقدم تكنولوجي هائل وسريع في ميدان انتقال وتبادل المعلومات. أضف إلى ذلك أن التنظيم التجاري العالمي الجديد لم يعد يقتصر على السلع بل يشمل أيضا الخدمات التي باتت تشكل خمس المبادلات العالمية وكذلك حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة. كما تمخض عن هذه الجولة ظهور منظمة التجارة العالمية التي أصبحت الإطار الوحيد لتنفيذ النظام التجاري الجديد القائم على الاتفاقات متعددة الأطراف (29 اتفاقا).

يرتكز هذا النظام على تحرير التجارة العالمية من القيود الكمية والرسوم الجمركية وفق مبدأين أساسيين هما:

  • المبدأ الأول: الدول الأولى بالرعاية. ويعني أن الامتيازات الممنوحة من قبل دولة لبلد ما يجب أن تمنح أيضا للبلدان الأخرى. يهدف هذا المبدأ إذن إلى تحقيق المساواة بين جميع الدول.
  • المبدأ الثاني: المعاملة الوطنية، ويقضي بأن السلع المستوردة يجب أن تعامل معاملة السلع المنتجة محليا. وتكمن أهمية هذا المبدأ في المساواة بين السلع بغض النظر عن الدولة المنتجة. لكن النظام الجديد وضع عدة استثناءات على هذين المبدأين.

تختلف استفادة الدول من هذا النظام تبعا لدرجة تقدمها الاقتصادي وإمكانياتها المالية والتكنولوجية، كلما ارتفعت هذه الدرجة وهذه الإمكانيات زادت المكاسب، والعكس بالعكس، وعلى هذا الأساس لم يقم النظام الجديد على اعتبارات إنسانية تهتم بمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للبلدان الفقيرة، بل على المنافسة الحادة في جميع الميادين التي قد تفضي إلى تعقيد هذه المشاكل، ولم يقم على المساواة بل على استمرار هيمنة الدول الصناعية الكبرى على الاقتصاد العالمي. ولما كان العالم العربي يتكون من بلدان نامية، تصبح مكاسبه ضعيفة مقارنة بتلك التي يحققها العالم الصناعي، ولما كانت هذه البلدان العربية مختلفة اختلافا كبيرا في ما بينها من حيث تقدمها الاقتصادي وإمكانياتها المالية، تصبح استفادتها وكذلك معاناتها من النظام الجديد متباينة. ورغم ذلك فإن الانتماء إلى منظمة التجارة العالمية أقل خطورة من الانزواء. وهكذا انضمت إليها 11 دولة عربية، وسوف تحصل بلدان أخرى على العضوية في المستقبل القريب.


يعود تباطؤ الأهمية التجارية العربية إلى عدة عوامل ليست فقط اقتصادية بل كذلك إدارية وسياسية وعسكرية.
تضاعف حجم التجارة العالمية وانحصار التجارة العربية الخارجية
بين عام 1980 وعام 1999 تضاعف حجم التجارة العالمية مرتين، في حين تراجع حجم التجارة الخارجية العربية. في بداية هذه الفترة كانت تجارة الأقطار العربية تشكل 85% من ناتجها المحلي الإجمالي ثم وصلت في نهايتها إلى 43%. تراجعت إذن وبشكل كبير أهمية التجارة الخارجية في الاقتصاديات العربية، في حين حدث العكس تماما على الصعيد العالمي خاصة في الدول الصناعية الكبرى والآسيوية والأميركية اللاتينية. وخلال تلك الفترة ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للبلدان العربية بنسبة 52% وانخفضت التجارة الخارجية بنسبة 24%، أي لم تقد زيادة الإنتاج إلى تحسين المبدلات الخارجية، في حين حدث العكس على الصعيد العالمي. بل إن نسبة زيادة التجارة الخارجية العالمية تفوق نسبة زيادة الإنتاج العالمي. لاشك أن تراجع إيرادات النفط ساهم في هذه النتيجة، ولكن يتعين عدم المبالغة في ذلك، فحتى على افتراض حصول البلدان العربية حاليا على إيرادات نفطية تعادل تلك التي كانت تحققها في بداية الثمانينيات فإن الملاحظات المذكورة تبقى صحيحة من الناحية المبدئية.

يعود تباطؤ الأهمية التجارية العربية إلى عدة عوامل ليست فقط اقتصادية بل كذلك إدارية وسياسية وعسكرية، لكن هذا البحث سيناقش فقط الانعكاسات الإيجابية والسلبية للنظام التجاري العالمي المنبثق عن جولة أوروغواي على التجارة الخارجية للبلدان العربية. وسوف تعتمد المنهجية على التحليل الجزئي لهذا النظام أي تفكيكه إلى عناصره المختلفة وبيان تأثير كل عنصر على الاقتصاديات العربية.

أولاً: تأثير تحرير التجارة العالمية
ثانيا: المشاكل التجارية للبلدان العربية
استنتاجات






أولاً: تأثير تحرير التجارة العالمية

منحت الاتفاقات متعددة الأطراف فترة انتقالية للبلدان النامية ومن بينها الأقطار العربية لمساعدتها على تنفيذ الالتزامات الناجمة عن هذه الاتفاقات. المبدأ العام إذن هو أن الانتماء إلى منظمة التجارة العالمية يعني استعداد تلك البلدان بعد انقضاء الفترة الانتقالية لتحمل جميع الالتزامات التي تتحملها الدول الصناعية.

الأقطار العربية كغيرها من البلدان النامية تعتمد في تجارتها الخارجية اعتمادا أساسيا على السلع (مواد أولية ومصنعة ومنتجات غذائية)، ولكن على خلاف الاتفاق العام للغات لا يقتصر التنظيم الجديد على تجارة السلع بل امتد ليشمل أيضا تجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة.

1– تجارة السلع
تلتزم الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بتحويل القيود الكمية (كمنع دخول السلع وأنظمة الحصص والتعقيدات الإدارية المبالغ فيها) التي تراكمت منذ فترة طويلة إلى رسوم جمركية. وعلى هذه الدول أن تضع حدا أعلى للرسوم الجمركية المفروضة على جميع السلع. لا يجوز تجاوز هذا الحد لاحقا إلا في حالات مكافحة الإغراق أو الوقاية التي تخضع لشروط محددة.

تذكر تقارير منظمة التجارة العالمية أن جولة أوروغواي أدت إلى تقليص الرسوم الجمركية المفروضة على السلع المصنعة بنسبة 38% في الدول الصناعية و19% في البلدان النامية. لا بد من الوقوف عند طريقة حساب هاتين النسبتين التي توحي بأن المجموعة الأولى خفضت رسومها بنسبة عالية تعادل ضعف نسبة التخفيض في المجموعة الثانية. والواقع أن كلا من هاتين النسبتين كان نتيجة حسابية للعلاقة بين سعر (تعريفة) الرسوم الجمركية قبل وبعد جولة أوروغواي. قبل هذه الجولة كان المعدل العام لأسعار الرسوم الجمركية في الدول الصناعية 6.3% وانتقل بعدها إلى 3.9%. بلغ التخفيض إذن 2.4 نقطة مئوية. لتضخيم هذه النتيجة أجروا معادلة بين 2.4 نقطة و6.3% ليحصلوا على 38%. ولا علاقة لهذه النسبة الأخيرة بسعر الرسوم، فهي تمثل نسبة هبوط الإيرادات فقط. وينطبق هذا الوصف على البلدان النامية، حيث كان المعدل العام لأسعار رسومها الجمركية 15.3% قبل جولة أوروغواي فأصبح 12.3% بعدها. بلغ التخفيض إذن ثلاث نقاط مئوية أي أعلى من التخفيض في الدول الصناعية.

لكن الأمر المهم لا يتصل بكيفية حساب الهبوط بل بتأثيره على التجارة العالمية وبالتالي على الاقتصاديات العربية. المعدل العام لأسعار الرسوم الجمركية في الدول الصناعية ضعيف جدا حتى قبل جولة أوروغواي، في حين أن هنالك ضرائب أخرى مطبقة في هذه الدول أعلى بكثير من الرسوم الجمركية تفرض على الواردات من البلدان النامية بما فيها العربية وتؤثر بشدة على اقتصادياتها (انظر لاحقاً الفقرة الخاصة بالرسوم الجمركية والضرائب على الاستهلاك)، ولم تستطع هذه البلدان بسبب ضعفها وتشتتها التفاوض مع الدول الصناعية بشأن تقليصها، كما لا يفضي بالضرورة تخفيض المعدل العام لأسعار الرسوم الجمركية إلى زيادة الاستهلاك في الدول المستوردة. لأن هذه الزيادة تعتمد على مؤثرات عديدة لا مجال لتفصيلها تختلف حسب طبيعة المنتجات الصناعية. ينطبق هذا التحليل إلى حد كبير على الصادرات البتروكيمياوية العربية. وعلى هذا الأساس يصعب الجزم بزيادة المبادلات مع البلدان النامية على إثر هبوط الرسوم الجمركية في الدول الصناعية.

تقليص المعدل العام في الدول الصناعية نجم بالدرجة الأولى عن إلغاء الرسوم المفروضة على واردات سلع محددة كالمعدات الطبية والأدوية والآلات الإلكترونية والمشروبات الروحية ولعب الأطفال. ويتم الجزء الأكبر من تجارة هذه السلع بين الدول الصناعية. تقرر هذا الإلغاء بموجب اتفاقات تمت بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، من الناحية النظرية يمكن للبلدان النامية الاستفادة من هذه الاتفاقات، ولكن من الناحية العملية لا تنتج أغلب هذه البلدان تلك السلع إلا بكميات قليلة ناهيك عن عدم قدرتها على المنافسة بسبب ضعف جودتها.

صناعة النسيج والملابس
وفي المقابل يلعب قطاع المنسوجات والملابس الجاهزة دورا مهما في اقتصاديات البلدان العربية، فهو يشغل عددا كبيرا من العمال ويسهم إسهاما فاعلا في تحسين وضع الموازين التجارية. بلغ عدد العاملين في هذا القطاع 854 ألف شخص يشتغلون في 76 ألف منشأة. ثلاثة أرباع هؤلاء العمال في مصر وتونس والمغرب (راجع نشرة الإحصاءات الصادرة عن المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين لعام 1998). كما بلغ حجم الصادرات العربية من هذه السلع حوالي ستة مليارات دولار. يتجه قسطها الأكبر إلى أسواق الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة. لذلك يتوقف نمو الصادرات وكذلك مستوى العمالة في الأقطار العربية على التنظيم التجاري العالمي. كلما كثرت القيود الكمية والضريبية تقلصت الصادرات وتردت الحالة الاجتماعية والاقتصادية للعمال.

قبل جولة أوروغواي كانت الدول الصناعية تفرض قيوداً كمية على وارداتها من المنسوجات والملابس الجاهزة بموجب ما يسمى باتفاق الألياف لعام 1974. كانت الحكمة منه حماية منتجيها من منافسة سلع البلدان النامية. أضر الاتفاق بمصالح هذه البلدان بما فيها العربية. كما قاد إلى استياء المستهلكين أصحاب الدخول الضعيفة في الدول الصناعية بسبب ارتفاع أسعار الملابس والمنسوجات. لذلك قررت هذه الدول في جولة أوروغواي التنازل عن اتفاق الألياف فحل محله الاتفاق متعدد الأطراف حول المنسوجات والملابس. لكن الاتفاق الجديد لم يحرر كليا وفورا تجارة هذه السلع. بل يتعين المرور بأربع مراحل مدتها عشر سنوات يتم خلالها وعلى التوالي تحرير 16% و17% و18% و49% من قيمة الواردات الكلية لتلك السلع. وهنالك جهاز خاص تابع لمنظمة التجارة العالمية يشرف على هذه المراحل ويضع تقريرا عن كل مرحلة. في فبراير/ شباط 1998 قام الجهاز بدراسة نتائج المرحلة الأولى من الاتفاق الجديد. يستشف منها تذمر البلدان النامية التي تؤكد أن الالتزامات المتفق عليها في جولة أوروغواي لم تنفذ بصور مقبولة. كما أن تحرير جزء من واردات المنسوجات والملابس أدى تلقائيا إلى ارتفاع الرسوم الجمركية تحت غطاء مكافحة الإغراق أو ضرورة الإجراءات الوقائية.

المنتجات الزراعية
ينصرف الجانب الثاني من التجارة السلعية إلى المنتجات الزراعية. تحت ظل الغات كانت تجارة هذه المنتجات تتسم بكثرة القيود الكمية وارتفاع الرسوم الجمركية، وبات من الضروري وفق التنظيم الجديد المنبثق عن جولة أوروغواي إلغاء هذه القيود والاستعاضة عنها برسوم جمركية. حسب تقارير منظمة التجارة العالمية 30% من تلك القيود تحولت إلى رسوم بعد سنة واحدة من إنشاء المنظمة. ويلتزم الأعضاء بتقليص هذه الرسوم تدريجيا خلال ست سنوات بنسبة معدلها 36% في ما يخص الدول الصناعية وعشر سنوات بنسبة معدلها 25% في ما يخص الدول النامية. أما البلدان الأقل نموا فهي غير مجبرة على تقليص رسومها الجمركية المفروضة على الواردات الزراعية. ولكن يحق لأية دولة منع استيراد بعض المواد الزراعية لأسباب صحية شريطة أن يستند هذا المنع على معطيات علمية وألا يطبق على سلعة دولة دون أخرى. ولهذا التنظيم آثار حسنة على الدول العربية المنتجة للمواد الزراعية كسوريا والسودان، إذ إن انفتاح الأسواق يشجع على زيادة الصادرات.

ومن زاوية أخرى تعتمد الصادرات الزراعية لبعض البلدان العربية على الاتفاقات التفضيلية مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، ومن بينها اتفاقات كل من المغرب وتونس والأردن مع الاتحاد الأوروبي. وبالتالي لا تتأثر صادرات هذه البلدان بعمليات تحويل القيود إلى رسوم أو بتقليص الرسوم إلا عندما تنتهي مدة تلك الاتفاقات، لكنها تتأثر سلبيا من جانب آخر وهو اتساع رقعة المنافسة التي تتعرض لها بسبب انفتاح الأسواق أمام المنتجات الزراعية للدول غير المنتمية لتلك الاتفاقات. بالنتيجة النهائية تتضرر صادرات الدول التي لا تملك منتجاتها قدرة تنافسية عالية.


تعاني الموازين الزراعية العربية من عجز مزمن، فحصيلة الصادرات الزراعية لا تمول سوى جزء من مبلغ الواردات الزراعية.
نصت المادة الثامنة من الاتفاق متعدد الأطراف حول تجارة المنتجات الزراعية على ضرورة تقليص الدعم المقرر للصادرات الزراعية، لأنه يخل بشروط المنافسة التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي. وتقليص الإعانات يعني زيادة كلفة الإنتاج وما ينجم عنها من ارتفاع أسعار السلع الزراعية عند تصديرها، فيتضرر المستهلكون أصحاب الدخول الضعيفة في الدول المستوردة. وسيكون العالم العربي في مقدمة المناطق المتأثرة من تحرير تجارة المنتجات الزراعية لكونه مستوردا صافيا للمواد الغذائية، وتقدر الصادرات الزراعية العربية بأقل من سبعة مليارات دولار، أي 1% فقط من الصادرات الزراعية العالمية. أما وارداتها فتفوق 28 مليار دولار، أي 6% من الواردات الزراعية العالمية. بطبيعة الحال هنالك بلدان عربية تعتمد اعتمادا أساسيا على الصادرات الزراعية. ولكن لا ينتظر أن تحقق مكاسب مهمة، نظرا لضعف مقدرتها الإنتاجية وندرة استخدام التكنولوجيا الحديثة.

تعاني الموازين الزراعية العربية من عجز مزمن، فحصيلة الصادرات الزراعية لا تمول سوى جزء من مبلغ الواردات الزراعية، في تونس تغطي حصيلة الصادرات 77% من مبلغ الواردات. وتهبط النسبة إلى أقل من 16% في مصر والسعودية ولبنان وإلى اقل من 4% في الكويت وليبيا والجزائر والعراق (أجرينا حساب هذه النسب انطلاقا من الإحصاءات المنشورة في الكتاب السنوي للتجارة لعام 1998 الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة).

على صعيد منظمة التجارة العالمية لا توجد معالجة حقيقية لهذه المشكلة. ويتضح ذلك في الاتفاق متعدد الأطراف حول الإجراءات المتعلقة بالآثار السلبية لتحرير تجارة المنتجات الزراعية على البلدان النامية، يدعو هذا الاتفاق إلى ضرورة تقديم المساعدة اللازمة لمواجهة هذه المشكلة. لكن المنظمة ليست مؤسسة تمويل وهي غير قادرة على منح مساعدات مالية، لأن اعتمادات ميزانيتها لا تتعدى 82 مليون دولار مخصصة لمرتبات موظفيها ومصاريفها الإدارية. بالنتيجة النهائية لم يجد الاتفاق بدا من إحالة هذه المشكلة إلى صندوق النقد الدولي والبنك العالمي (الفقرة الخامسة من الاتفاق).

وهكذا خلقت منظمة التجارة العالمية أزمة للبلدان النامية ومنها الدول العربية بسبب تحرير تجارة المنتجات الزراعية ولم تقدم أي حل مقبول، وعلى هذا الأساس سوف يفضي هذا التحرير إلى تفاقم المديونية الخارجية بسبب تزايد القروض الممنوحة من قبل صندوق النقد الدولي وإلى تزايد التبعية للإعانات الغذائية الخارجية. يطرح هذا الوضع ضرورة التعاون العربي المشترك. فبدلا من رصد مليارات الدولارات سنويا لشراء الحبوب من الدول الصناعية وبدلا من الوقوع بتلك المشاكل، يمكن إيجاد صيغة مناسبة للعمل على إصلاح الأراضي القابلة للزراعة في عدة بلدان.

نستنتج مما تقدم أن تحرير التجارة السلعية لا يزال يمر بمرحلة انتقالية قوامها إلغاء القيود الكمية المتراكمة والاستعاضة عنها برسوم جمركية غالبا ما تكون مرتفعة. وحتى إن هذا الإلغاء غير فوري في ميدان المنسوجات والملابس الجاهزة.

2– تجارة الخدمات
أصبحت الخدمات تحتل مركزا مهما في التجارة العالمية، ففي عام 2000 بلغ حجمها 1415 مليار دولار أي خمس التجارة العالمية الكلية، والواقع أن حجمها الحقيقي يفوق هذا المبلغ لأن إحصاءات التجارة الخارجية تعتمد على انتقال الخدمات من دولة إلى أخرى ولا تسجل العمليات التي تجري داخل الدولة بين الشركات الأجنبية والشركات المحلية. وكتجارة السلع تستحوذ الدول الصناعية على الجزء الأكبر من تجارة الخدمات، فقد بلغت صادرات الخدمات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وكندا 939 مليار دولار أي ثلثي صادرات العالم، كما لهذه الدول أهمية مماثلة في الاستيراد، في حين لا تتجاوز صادرات البلدان الأفريقية 30 مليار دولار أي 2.1% فقط من صادرات الخدمات في العالم. وتبلغ وارداتها 38 مليار دولار أي 2.7% من الواردات العالمية. لا تتعدى صادرات وواردات هذه البلدان ثلث تجارة الخدمات اليابانية. أما تجارة الخدمات لبلدان الشرق الأوسط فلا تزيد على تجارة الخدمات في أفريقيا. وتسجل السعودية المرتبة العربية الأولى من حيث وارداتها البالغة 14 مليار دولار.

في السابق كان الاتفاق العام للغات مقتصرا على تجارة السلع، ومع بداية جولة أوروغواي عام 1986 اقترحت الولايات المتحدة بمساندة المجموعة الأوروبية إدخال الخدمات في التنظيم التجاري العالمي، واجه هذا الاقتراح معارضة شديدة من قبل البلدان النامية بما فيها الناشئة. كما ظهرت خلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن تحرير بعض الخدمات، فعلى سبيل المثال ترى الولايات المتحدة ضرورة فتح الأسواق أمام البرامج المرئية في حين تعارض أوروبا خاصة فرنسا هذا التحرير متمسكة بالاعتبارات الثقافية. وهكذا لم تتوصل جولة أوروغواي إلى معالجة نهائية لتجارة الخدمات مكتفية باتفاق عام حولها، إنه إطار لمباحثات لاحقة ستقود إلى تحرير أوسع لتجارة الخدمات.

بكيفية عامة تشمل تجارة الخدمات مجالات عديدة كالاتصالات والسياحة والخدمات المصرفية وتحويلات العمال الأجانب والمقيمين بالخارج، ولكن هنالك خدمات لا تدخل في التنظيم التجاري العالمي كتلك التي تقدمها الحكومات للقيام بوظائفها بما فيها عمليات البنوك المركزية، كما لا تخضع لهذا التنظيم الأنظمة الداخلية المرتبطة بتأشيرة دخول الأجانب أو الإقامة رغم أنها تؤثر مباشرة على تجارة الخدمات كالسياحة.

يمكن تقسيم الاتفاق متعدد الأطراف إلى ثلاثة محاور:

  • المحور الأول: ويتعلق بالمبادئ العامة التي تسري على جميع أعضاء منظمة التجارة العالمية وهي الدولة الأولى بالرعاية والمعاملة الوطنية وشفافية السياسة التجارية، فعلى كل عضو في المنظمة أن يمنح حالا ودون شرط معاملة متساوية لجميع الأعضاء، وعلى كل عضو أن يعامل خدمات دولة أخرى معاملة الخدمات المحلية، وعليه نشر القوانين والأنظمة والقرارات والإجراءات التفصيلية المرتبطة بالخدمات. ويتعين إعلام مجلس تجارة الخدمات التابع للمنظمة على الأقل مرة واحدة سنويا بالتعديلات التي تطرأ عليها. ويحق لأي عضو طلب معلومات حول الخدمات في دولة أخرى شريطة ألا يؤدي ذلك إلى المساس بالمصلحة العامة أو مصالح الشركات. ويناشد الاتفاق متعدد الأطراف الدول الصناعية بذل جهودها لتقديم المعلومات للدول النامية بغية تطوير قطاعاتها الاقتصادية.
  • المحور الثاني: ويتناول القوائم التي تتضمن خدمات معينة تلتزم الدولة بتحريرها وفق شروط معينة. كأن تلتزم بفتح أسواقها أمام المنافسة الأجنبية في ميدان النقل الجوي، يتم وضع هذه القوائم من قبل الدولة بمحض إرادتها. ولها تعديلها في أي لحظة بمجرد مرور ثلاث سنوات على بداية تنفيذ الالتزام، وعليها إعلام مجلس تجارة الخدمات برغبتها في إجراء التعديل قبل ثلاثة أشهر من تاريخ تنفيذه، في حالة عدم اعتراض أي عضو في منظمة التجارة العالمية يدخل التعديل حيز التنفيذ وتتحرر الدولة من التزامها. أما إذا أدى التعديل إلى تضرر عضو ما يتعين إجراء مفاوضات ثنائية لإزالة الضرر عن طريق التعويض كأن يحصل العضو المتضرر على امتيازات تجارية أو مالية جديدة من الدولة. وإن لم تقد المفاوضات إلى حل يجب اللجوء إلى التحكيم.
  • المحور الثالث: ويحتوى على ثمانية أشكال للخدمات ملحقة بالاتفاق كالخدمات المالية والنقل الجوي. وتقرر أن تجرى مفاوضات متعددة الأطراف لاحقاً للتوصل إلى تنظيم نهائي لها. تعكس هذه المشاكل تباين المصالح الاقتصادية والمالية للدول، كما ترتبط ارتباطا وثيقا بالجوانب الثقافية والأمنية والأخلاقية.


تشكو غالبية البلدان العربية عجز تجارة الخدمات، وتحتل المملكة العربية السعودية مركز الصدارة في استقبال اليد العاملة الأجنبية. كما أنها على غرار غالبية بلدان مجلس التعاون الخليجي غير مصدرة لليد العاملة، لذلك يعاني حساب التحويلات بدون مقابل من عجز قدره 13977 مليون دولار عام 1999
وفي ما يخص تأثير التنظيم التجاري العالمي على الدول العربية نلاحظ أن تجارة الخدمات تعتمد على ثلاثة أصناف أساسية:

  • التحويلات بدون مقابل (دخول العمال الأجانب والعمال المقيمين بالخارج).
  • السياحة
  • دخل الاستثمار. وتختلف هذه الدول اختلافا كبيرا من حيث أهمية كل صنف ونتائجه التجارية.

في مصر ترتكز تجارة الخدمات على تحويلات العمال المصريين المقيمين بالخارج وعلى السياحة، في عام 1999 بلغ فائض هذه التجارة 8446 مليون دولار. لهذه النتيجة الإيجابية دور كبير في امتصاص الجزء الأكبر من عجز الميزان التجاري السلعي. إلى جانب مصر حققت تجارة الخدمات فائضا في دول أخرى كتونس ولبنان والمغرب قدره على التوالي 1708 و1621 و2286 مليون دولار عام 1999. هذه البلدان سياحية ومصدرة لليد العاملة. يمكنها الاستفادة من المبدأ العام المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 11 من الاتفاق متعدد الأطراف التي تمنع على الدول الأعضاء تطبيق إجراءات تقييدية. تستطيع إذن هذه البلدان العربية الاعتراض على ما يفضي إلى تقليص تحويل دخول عمالها المقيمين بالخارج.

تشكو غالبية البلدان العربية عجز تجارة الخدمات، وتحتل المملكة العربية السعودية مركز الصدارة في استقبال اليد العاملة الأجنبية. كما أنها على غرار غالبية بلدان مجلس التعاون الخليجي غير مصدرة لليد العاملة، لذلك يعاني حساب التحويلات بدون مقابل من عجز قدره 13977 مليون دولار عام 1999، إنه الرقم القياسي المسجل في العالمين العربي والإسلامي. على عكس المجموعة الأولى يمكن لدول العجز استغلال الاستثناءات الواردة على المبدأ العام المنصوص عليها في فقرات المادة 12 من الاتفاق متعدد الأطراف، ففي حالة تعرض ميزان المدفوعات للخطر تستطيع تقييد تحويلات دخول العمال الأجانب إلى الخارج. ويحدث الخطر عندما تقود هذه التحويلات إلى هبوط الاحتياطيات الرسمية إلى مستوى لا يسمح بتنفيذ المشاريع التنموية. بطبيعة الحال ينبغي تطبيق هذا التقييد إزاء جميع العمال الأجانب دون تمييز بينهم بسبب الجنسية، كما يجب إلغاء التقييد عندما يزول سببه.

يتضح إذن أن جولة أوروغواي لم تتوصل إلى اتفاق حول التحرير الكامل لتجارة الخدمات. وبعد فشل مؤتمر سياتل يتوقع أن يتخذ المؤتمر الرابع الذي سوف ينعقد بالدوحة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل قرارات مهمة بهذا الصدد قد تقود إلى انطلاق جولة تاسعة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف.

3- حقوق الملكية الفكرية
لا تعود جذور حماية هذه الحقوق إلى منظمة التجارة العالمية التي تأسست عام 1995 بل إلى اتفاقية باريس عام 1967 الخاصة بحقوق الملكية الصناعية واتفاقية بيرن لعام 1971 التي تتناول حقوق التأليف، كما توجد مؤسسة عالمية متخصصة وهي المنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية التي أنشئت عام 1967 مهمتها تطبيق هاتين الاتفاقيتين وتضم 157 دولة. لكن إطارها القانوني لا يسمح باحترام تلك الحقوق بفاعلية. ويقتصر على الجوانب الفنية البحتة ولا يشمل علاقة هذه الحقوق بالتجارة العالمية. وتحت ضغط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ورغم معارضة غالبية البلدان النامية انتقلت أحكام الاتفاقيتين مع بعض التعديلات إلى جولة أوروغواي فظهر الاتفاق متعدد الأطراف حول حقوق الملكية الفكرية ذات العلاقة بالتجارة.

يتضمن هذا الاتفاق (المادتان الثالثة والرابعة) المبادئ العامة المطبقة على تجارة السلع والخدمات، مبدأ الدولة الأولى بالرعاية ومبدأ المعاملة الوطنية. ويضع الحدود الدنيا للحماية التي يتعين على الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية إدراجها في قوانينهم الداخلية. ومن بين هذه الحدود مدة الحماية. ينبغي على سبيل المثال ألا تقل مدة حماية براءات الاختراع عن 20 سنة وحقوق الطبع عن 50 سنة. وعلى القوانين الداخلية وضع الأحكام الكفيلة باحترام تلك الحقوق. ويجب أن تتضمن عقوبات مالية أو بدنية فاعلة ضد من يخالفها، شريطة أن توقع من قبل سلطات قضائية. وحسب الاتفاق يتعين اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية الملكية الفكرية خلال سنة واحدة في الدول الصناعية وخمس سنوات في البلدان النامية و11 سنة في الدول الأقل نموا اعتبارا من بداية عام 1995.

يجب احترام هذه الحقوق لأنها تعبر عن جهود بذلها المخترعون والمؤلفون والفنانون، رغم أنها تهم بالدرجة الأولى الشركات الكبرى. إصرار الدول الصناعية أثناء جولة أوروغواي على إدراج هذه الحقوق ضمن الاتفاقات متعددة الأطراف كان نتيجة لضغوط مارستها شركات الأدوية والملابس الجاهزة التابعة لهذه الدول. لكن ذلك الاحترام يعرض صناعة وتجارة الدول النامية للتردي. نذكر على سبيل المثال صناعة الأدوية في العالم العربي التي هي في حقيقتها من أصل أجنبي. تحت التنظيم الجديد للمبادلات العالمية ستكون الدول العربية الأعضاء في منظمة التجارة العالمية أمام الخيار التالي، إما أن تدفع تعويضات مستمرة للشركات صاحبة براءة الاختراع أو تتوقف عن الإنتاج. يقود الحل الأول إلى ارتفاع أسعار الأدوية عند الاستهلاك ويفضي الحل الثاني إلى تبعية العالم العربي شبه الكلية للسوق الخارجية. وتجدر الإشارة إلى أن العرب استهلكوا أدوية قيمتها 3480 مليون دولار عام 1997. في اجتماع وزراء الصحة العرب المنعقد بدمشق في مارس 1998 ومن قبله بفترة وجيزة اجتماع اتحاد الصيادلة والأطباء العرب أكد الجميع على خطورة التحديات التي تواجه صناعة الدواء في الدول العربية بسبب النظام التجاري العالمي الجديد.

يمكن وضع الاتفاق متعدد الأطراف حول حقوق الملكية الفكرية في مقدمة الاتفاقات التي ستكون سلبياتها على الاقتصاديات العربية أكبر بكثير من إيجابياتها.

ثانيا: المشاكل التجارية للبلدان العربية

تعاني الأقطار العربية من ثلاث مشاكل رئيسية في تعاملها التجاري الخارجي.

  • المشكلة الأولى: وتتعلق بالصعوبات التي تواجه الصادرات بسبب سياسات مكافحة الإغراق.
  • المشكلة الثانية: وتكمن بالضغوط التي تمارسها الدول الصناعية على البلدان النامية بهدف زيادة أجور العمال وتحريم تشغيل الأطفال.
  • المشكلة الثالثة: وترتبط بإهمال التنظيم التجاري العالمي للضرائب على الاستهلاك التي تؤثر تأثيرا بالغا على الصادرات النفطية.

1- مكافحة الإغراق


تطبق سياسات مكافحة الإغراق في جميع أنحاء العالم، خاصة في الدول الصناعية الكبرى، وفق التقرير السنوي الصادر في عام 2001 عن منظمة التجارة العالمية تم إحصاء 1121 إجراء لمكافحة الإغراق في الدول الأعضاء.
أحرزت الجولات التجارية متعددة الأطراف تقدما كبيرا في تحرير المبادلات العالمية من الرسوم الجمركية والقيود الكمية. لكن هذا التحرير غير كامل لأنه يعاني من ممارسات تؤثر تأثيرا سلبيا على اقتصاديات البلدان النامية. وتعد سياسات مكافحة الإغراق في مقدمة هذه الممارسات.

الإغراق يسمح بإدخال سلعة معينة منتجة في دولة ما إلى سوق دولة أخرى بسعر أقل من قيمتها العادية. هذا هو نص المادة السادسة من الاتفاق العام للغات الذي اقتبسته اتفاقات أوروغواي.

حتى تكون سياسة مكافحة الإغراق منسجمة من الناحية القانونية مع التنظيم التجاري العالمي يجب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط:

  • الشرط الأول: على الدولة المستوردة تحديد حجم الإغراق الذي يصيبها. ويتم ذلك بمقارنة السعر المحلي للسلعة مع سعرها المخصص للتصدير. يجب أن يكون الأول أقل من الثاني. وهنالك أسلوب آخر يتمثل بالمقارنة بين كلفة إنتاج السلعة في البلد المصدر مع سعر بيعها للخارج. يوجد إغراق إذا كانت قيمة كلفة الإنتاج أعلى من سعر البيع. يسبب هذا النوع من الإغراق خسارة مؤقتة للمصدر بهدف احتكار سوق البلد المستورد لاحقا، الأمر الذي يربك العلاقات التجارية القائمة أساساً على المنافسة.
  • الشرط الثاني: على الدولة المستوردة إثبات الضرر الذي تتحمله، الضرر هو إذن الشرط الأساسي لتحريم الإغراق، ويبرر الإجراءات التجارية ضده. وعلى هذا الأساس ليست هنالك أي حكمة أو فائدة من مكافحته عند عدم وجود الضرر كألا تنتج الدولة المستوردة سلعة مماثلة حاليا أو في المستقبل المنظور.
  • الشرط الثالث: يجب ألا يكون مبلغ الرسوم الجمركية المفروضة على السلعة محل الإغراق أكبر من الفرق بين سعر استهلاك السلعة في الدولة المصدرة وسعرها في البلد المستورد، كما يتعين ألا تكون الرسوم منحازة، إذ لا يجوز فرضها على سلعة دولة دون سلعة مماثلة لدولة أخرى.

في حالة عدم موافقة الدولة المصدرة على الإجراء المتخذ ضدها تستطيع اللجوء إلى جهاز فض المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية.

تطبق سياسات مكافحة الإغراق في جميع أنحاء العالم، خاصة في الدول الصناعية الكبرى، وفق التقرير السنوي الصادر في عام 2001 عن منظمة التجارة العالمية تم إحصاء 1121 إجراء لمكافحة الإغراق في الدول الأعضاء. منها 336 في الولايات المتحدة و193 في بلدان الاتحاد الأوروبي و88 في كندا. في هذه البلدان الصناعية بلغ المعدل العام للرسوم الجمركية أقل من 4%. أما أسعار الرسوم الخاصة بمكافحة الإغراق فقد وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 100%، وأثبتت هذه السياسات فاعليتها في الحد من استيراد بعض السلع، ولا يزال المنتجون في هذه الدول يمارسون ضغوطا على حكوماتهم بغية الإبقاء عليها، وذلك على حساب المستهلكين الذين أصابهم ضرر كبير لارتفاع أسعار السلع المستوردة. بسبب هذه الضغوط المستمرة، يزداد عدد الإجراءات سنويا.

من الناحية المبدئية يجب محاربة الإغراق عندما يقضي على القاعدة الرئيسية للتجارة السليمة وهي المنافسة، لكن المشكلة تتعلق بكيفية حساب هوامش الإغراق والجهة التي تحدد درجة الضرر وحدة التدابير المتبعة لمعالجته. هذه التقديرات متروكة لكل دولة بصورة انفرادية الأمر الذي يؤدي إلى اتخاذ إجراءات تعسفية، فعلى سبيل المثال يستوجب التنظيم التجاري العالمي أن تزول إجراءات مكافحة الإغراق فورا عندما تكون قيمة استيراد السلعة محل الإغراق ضعيفة، وتم الاتفاق على أن تكون هذه القيمة أقل من 3% من مبلغ واردات السلع المماثلة. الدولة المستوردة هي التي تتولى حساب هذه النسبة وتستطيع بالتالي محاربة أي سلعة حال إثبات أن قيمتها تفوق تلك النسبة.

ترمي إجراءات مكافحة الإغراق في حقيقتها إلى منع أسواق الدول الصناعية على المنتجين من البلدان النامية الذين أثبتوا جدارتهم، خاصة في ميدان المنسوجات والملابس. أصبحت مكافحة الإغراق أخطر سلاح ضد تحرير التجارة العالمية، وسوف يستمر هذا الوضع فترة طويلة، ولا شك أن التنظيم الجديد للتجارة العالمية يستوجب إلغاء إجراءات مكافحة الإغراق بعد مرور خمس سنوات اعتبارا من تاريخ تطبيقها، لكنه يسمح أيضا للدول المستوردة بالاستمرار بها لمجرد شعورها باحتمال عودة الضرر بعد انقضاء هذه المدة.

تصدر البلدان العربية سلعا مصنعة كالملابس قابلة للخضوع في الدول الصناعية لسياسات مكافحة الإغراق، عندئذ تصبح هذه السياسات مضرة بالاقتصاديات العربية، وبالمقابل تستورد هذه البلدان سلعا مصنعة من جميع أنحاء العالم خاصة الدول الصناعية. يمكن تقسيم هذه السلع المستوردة إلى قسمين، يشمل القسم الأول الآلات والأدوات الإنتاجية التي غالبا ما تكون غير مصنعة في البلد العربي المستورد، ويستحوذ هذا القسم على
29% من الواردات الكلية للأقطار العربية، في هذه الحالة ينجم الإغراق (إن وجد) عن تنافس المصدرين لكسب أسواق البلدان العربية، عندئذ لا يوجد أي مبرر لمحاربته بل بالعكس تماما، إذ كلما هبطت أسعار الواردات تحسن مركز الميزان التجاري. ويتضمن القسم الثاني الواردات الصناعية والزراعية المنتجة محليا، في هذه الحالة تصبح سياسات الإغراق ضرورية إذا كان الضرر كبيرا.

لكن الدول العربية لا تعتمد على سياسات مكافحة الإغراق إلا نادرا، في حين أنها تعاني من هذه السياسات المتبعة في الدول الصناعية الكبرى، لذلك تصبح سلبياتها أكبر بكثير من إيجابياتها. يتعين إذن على الدول العربية وبقية البلدان النامية التنسيق في ما بينها في إطار منظمة التجارة العالمية بهدف الحد من تلك السياسات ومنح صلاحيات حقيقية لجهاز فض المنازعات في تقدير درجة الضرر. كما يجب إجراء دراسة دقيقة لمقارنة الضرر الاقتصادي والاجتماعي الذي يلحق بالدول المصدرة بسبب مكافحة الإغراق مع الضرر المماثل الذي يلحق بالدول المستوردة بسبب الإغراق، فليس من الإنصاف أن تقتصر قواعد منظمة التجارة العالمية على الضرر الذي تتحمله البلدان الصناعية دون النظر إلى الضرر الذي يصيب الدول النامية.

في المؤتمر الوزاري الرابع للمنظمة الذي سينعقد بالدوحة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001، وفي الجولة التاسعة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف التي قد تنطلق منه يتعين على البلدان النامية بذل الجهود اللازمة لإدانة سياسات مكافحة الإغراق بسبب تناقضها مع تحرير التجارة العالمية.

2– التجارة العالمية والحقوق الاجتماعية للعمل
يحدث الإغراق بالمفهوم الوارد في المادة التاسعة من الاتفاق العام للغات نتيجة للسياسات التجارية التي تنتهجها شركات القطاع الخاص بتقليص أسعار سلعها المصدرة، وبالتالي تصل هذه السلع إلى السوق العالمية بأسعار منخفضة. وربما تتحمل هذه الشركات خسارة مؤقتة غايتها كسب الأسواق الخارجية، وقد تصل السلع إلى هذه الأسواق بأسعار متدنية دون تأثير من قبل تلك السياسات عندما تكون كلفة الإنتاج في البلد المصدر أقل من مثيلتها في البلد المستورد نظرا لتباين مستوى المعيشة أو لاختلاف قوانين العمل فيهما، في هذه الحالة تنتفي احتمالات التصدير بخسارة، ولكن في الحالتين تباع السلع للبلدان المستوردة بأسعار منخفضة مقارنة بأسعار السلع المماثلة المنتجة فيها، عندئذ تتراجع صناعاتها ويتدهور مستوى عمالتها، وهكذا ظهر تعبير الإغراق الاجتماعي الذي استخدم لأول مرة من قبل البرلمان الأوربي في بداية عام 1994. والواقع أن هذا المصطلح غير علمي، لأن العملية التجارية لا تقع تحت طائلة الإغراق إلا في حالة واحدة وهي التصدير بسعر يقل عن السعر المحلي السائد في البلد المنتج وفق تعريف المادة السادسة من الغات، أما إذا كان السعر المحلي لسلعة معينة يعادل سعرها عند التصدير فلا يوجد إغراق رغم كون هذه السلعة رخيصة الثمن في البلد المستورد قياسا بالسلعة المماثلة المنتجة فيه.


في حقيقة الأمر يراد بالإغراق الاجتماعي الحقوق الاجتماعية للعمل، فمن المعلوم أن الكلفة الكلية لساعة العمل في البلدان الصناعية أعلى من كلفتها في البلدان النامية.
في حقيقة الأمر يراد بالإغراق الاجتماعي الحقوق الاجتماعية للعمل، فمن المعلوم أن الكلفة الكلية لساعة العمل في البلدان الصناعية أعلى من كلفتها في البلدان النامية، في عام 1995 بلغ معدل كلفة ساعة العمل في قطاع الصناعات التحويلية الأميركية 17.2 دولارا. ثم ترتفع أو تنخفض في البلدان الصناعية الكبرى الأخرى بنسبة 20% تقريبا مقارنة بالولايات المتحدة، في حين بلغت كلفة ساعة العمل أقل من دولار واحد في الدول النامية بما فيها غالبية البلدان العربية (تقرير الاقتصاد العالمي لعام 1998 الصادر عن مركز الدراسات والمعلومات الدولية بباريس). وبما أن كلفة العمل تعتبر من عناصر السعر يصبح مستوى أسعار السلع المماثلة مرتفعا في الدول الصناعية ومنخفضا في البلدان النامية، عندئذ تظهر مشاكل القدرة التنافسية في التجارة العالمية، خاصة في القطاعات التي لا تتطلب مهارة فنية عالية كصناعة الملابس، لا تستطيع حكومات الدول الصناعية تقليص أجور عمالها لارتباط مثل هذه القرارات بسوق العمل وبالعلاقات بين النقابات، كما لا تستطيع المطالبة برفع أجور العمال في البلدان النامية، لأن ذلك يعتمد على خصوصيات كل بلد، لم يبق أمامها سوى التشبث بالحقوق الاجتماعية للعمل، خاصة الحرية النقابية وتحريم تشغيل الأطفال. إنها طريقة غير مباشرة تسمح بزيادة أجور العمال فتتقلص الهوة مع كلفة الأجور في الدول الصناعية وبالتالي تهبط القدرة التنافسية لسلع البلدان النامية.

في مؤتمر قمة الدول السبع الكبرى المنعقد في نهاية يونيو/ حزيران 1996 بمدينة ليون الفرنسية، سيطرت فكرة مؤداها أن التقدم التجاري لبعض بلدان جنوب شرق آسيا كان على حساب تزايد البطالة وتدهور الوضع الاقتصادي في الدول الصناعية.

وطلبت المجموعة الأوربية من منظمة التجارة العالمية تبني الإجراءات الكفيلة باحترام الحقوق الاجتماعية للعمل، لأنها جزء من حقوق الإنسان التي تسري على جميع الدول بغض النظر عن درجة تنميتها الاقتصادية (توصية المجلس الأوروبي رقم 1308 بتاريخ 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1996). وتعتقد المجموعة الأوربية أن تجاهل هذه الحقوق يقود إلى إفساد مبدأ التبادل الحر وإبطال مشروعيته. وترى تناقضا بين موافقة منظمة التجارة العالمية على حقوق الملكية الفكرية ومعارضتها لحقوق العمال.

وطرحت مشكلة الحقوق الاجتماعية في المؤتمر الوزاري الأول للمنظمة المنعقد بسنغافورة في ديسمبر/ كانون الأول 1996 حيث أدرج في جدول أعماله ما يسمى بالمعايير الأساسية للعمل، ورفض بشدة ممثلو غالبية الدول النامية مناقشتها، فاتفق الجميع على إحالتها إلى منظمة العمل الدولية، باعتبارها الجهاز المختص بالنظر في مثل هذه المشاكل. كما أوضحوا أن تحسين وضع العمال يجب أن يمر عبر تحرير التجارة العالمية وزيادة التبادل، بمعنى آخر لا يمكن اعتبار تدني الأجور في الدول النامية صورة من صور معوقات التجارة بل نتيجة لها، إن طبقت البلدان الآسيوية والأفريقية الأنظمة الاجتماعية المعروفة في الدول الأوروبية تتعطل التنمية الاقتصادية، وتحسين الظروف الاجتماعية للعمال يمر إذن عبر النمو الاقتصادي وليس العكس، وتستوجب الإدارة السليمة للمشاريع الربط بين مستوى الأجور والإنتاجية، فلا يصح أن يحصل العامل في جنوب شرق آسيا على أجر يعادل ما يحصل عليه العامل في أوروبا، لأن إنتاجية الثاني تعادل عشرة أضعاف إنتاجية الأول حسب تقديرات البنك العالمي. وتبين الدراسات أن فجوة الإنتاجية في كل من ماليزيا والفلبين والهند، مقارنة بالولايات المتحدة أكبر من فجوة الأجور في الصناعات التحويلية (مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي في ديسمبر/ كانون الأول 1997). كما اصطدم مرة أخرى موقف الدول الصناعية الكبرى مع موقف البلدان النامية في المؤتمر الوزاري الثالث لمنظمة التجارة العالمية المنعقد بسياتل في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 1999. ولم يتوصل المؤتمر إلى اتخاذ قرار يختلف عن ذلك الذي اتخذه المؤتمر الوزاري الأول، كما احتدت الخلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي بشأن الإعانات الممنوحة للصادرات الزراعية. وهكذا فشل المؤتمر الثالث باتفاق جميع الجهات بما فيها منظمة التجارة العالمية.

في حالة استجابة البلدان النامية لمطالب الدول الصناعية المتعلقة بالحقوق الاجتماعية وعلى افتراض أن هذه الحقوق سوف تؤدي إلى ارتفاع الأجور سوف تفقد الدول العربية المكسب الأساسي لتجارتها الخارجية. عندئذ تتدهور صادراتها وتهرب رؤوس الأموال الأجنبية المستثمرة في الصناعات التحويلية. أما إن لم تقد هذه الحقوق إلى زيادة الأجور فسوف تجد الدول الصناعية مختلف الذرائع لمقاضاة البلدان النامية أمام جهاز فض المنازعات التجارية.
يتعين موازنة إيجابيات وسلبيات احترام الحقوق الاجتماعية للعمل، تشغيل الأطفال يعيق تكوين جيل متعلم يمكنه لاحقا قيادة التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي، أصبح هذا التشغيل ظاهرة واضحة في جميع الدول العربية منخفضة الدخل، فمن خلال الإحصاءات الصادرة عن جامعة الدول العربية عام 1999 يتبين أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و14 سنة يشكلون 10% من القوة العاملة في مصر و20% في اليمن و23% في موريتانيا، ولكن لا تتأتى هذه الظاهرة من رغبة السلطات العامة بل من الظروف الاقتصادية الصعبة، قد تنجم هذه الظروف عن مشاكل بنيوية داخلية كما هو الحال في الدول العربية الأقل نموا، وقد تكون ناجمة عن عوامل خارجية كالحصار المفروض على العراق، لا يتصل تشغيل الأطفال العراقيين بالتجارة الخارجية بل بأولويات الحقوق والضرورات الإنسانية وهي مواجهة الجوع والمرض، لذلك لا يمكن احترام الحقوق الاجتماعية للعمل دون معالجة تلك المشاكل الداخلية والعوامل والخارجية.

3- الرسوم الجمركية والضرائب على الاستهلاك
الهدف الأساسي لجولة أوروغواي وكذلك الجولات السابقة إلغاء القيود الكمية تدريجيا بتحويلها إلى رسوم جمركية في المرحلة الأولى، ويتعين في المرحلة الثانية تقليص أسعار هذه الرسوم بنسب تختلف حسب السلع ودرجة التقدم الاقتصادي للدولة، بهذه الطريقة يتم تحرير التجارة العالمية، بيد أن هذه الطريقة التي تنسجم مع المعطيات المالية والتجارية للدول الصناعية مضرة باقتصاديات البلدان النامية بما فيها العربية، كما أنها غير كافية لتحرير تجارة هذه البلدان نظرا لوجود ضرائب أخرى تعرقل صادراتها, تختلف الآثار المالية والاقتصادية الناجمة عن هبوط الرسوم الجمركية وفق درجة اعتماد الميزانية العامة عليها. في الدول الصناعية الكبرى لا تتجاوز حصيلة الرسوم الجمركية 1% من إيراداتها العامة، في حين أنها تساهم بأكثر من 15% من الإيرادات العامة لغالبية البلدان النامية. في عام 1999 بلغت حصيلة الرسوم الجمركية في الدول العربية 7.6% من الإيرادات الكلية للميزانية و15.5% من الإيرادات العامة غير الضريبية. وعلى هذا الأساس لا يقود تحرير التجارة الخارجية إلى إحداث ضرر كبير بالمالية العامة للمجموعة الأولى، وذلك على عكس المجموعة الثانية. يصبح من اللازم مواجهة هبوط الإيرادات العامة بالضغط على النفقات ذات الطابع الاجتماعي، عندئذ يرتفع معدل البطالة ويهبط مستوى معيشة الفئات ذات الدخل المنخفض، وهذا ما حدث للدول العربية التي طبقت برامج الإصلاح الاقتصادي المدعومة من قبل صندوق النقد الدولي التي تحث عليها منظمة التجارة العالمية. أمام هذا الوضع لا بد من تعويض الخسارة المالية بمكاسب تجارية، بيد أن تحقيق هذه المكاسب غير مؤكد، نظرا لضعف مرونة الإنتاج في الكثير من الدول العربية ولوجود قيود تجارية خارجية كسياسات مكافحة الإغراق، من هذا الجانب تصبح سلبيات النظام التجاري العالمي أكبر من إيجابياته. ولا بد من التذكير بالبيان الختامي للمؤتمر الوزاري الأول لمنظمة التجارة العالمية المنعقد بسنغافورة عام 1996، فقد عبر ممثلو البلدان الأقل نموا عن تذمرهم وخيبة أملهم من النتائج التي حصلت عليها بلدانهم التي قلصت الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات استجابة لمتطلبات النظام التجاري العالمي، فهبطت بشدة إيرادات الميزانية العامة، في حين لم يتحسن مركز الميزان التجاري بسبب عدم ارتفاع الصادرات، أي قدمت هذه البلدان تنازلات دون أن تحصل على مكاسب أو على الأقل كانت تنازلاتها أكبر بكثير من مكاسبها.

أما الضرائب على الاستهلاك كالضريبة على القيمة المضافة فإن أهميتها المالية في ميزانيات الدول الصناعية كبيرة جدا، ويؤدي تقليصها إلى اختلال مالي لا يعالج إلا بزيادة الضرائب المباشرة كالضريبة على دخول الأفراد والضريبة على الشركات، ويصعب تبني هذا الأسلوب لأسباب سياسية.

وعلى عكس القيود الكمية لا تمنع الرسوم الجمركية من دخول السلع إلى الدولة المستوردة بل تقود إلى ارتفاع أسعار هذه السلع بسبب نقل عبء الرسوم من المستوردين إلى المستهلكين، والضرائب على الاستهلاك تؤدى بالضبط إلى هذه النتيجة نفسها وتؤثر تأثيرا بالغا على التجارة العالمية، في فرنسا على سبيل المثال يخضع الوقود لضغط ضريبي قدره 83% من سعر الاستهلاك، يتأتى هذه الضغط من الضريبة الداخلية على المنتجات النفطية ومن الضريبة على القيمة المضافة. نتيجة لهذا العبء المرتفع أصبحت المنتجات النفطية مهمة جدا لميزانية الدولة ولا توجد سلعة أخرى تضاهيها من حيث مكانتها الضريبية والمالية. في عام 1998 بلغت إيرادات الضرائب المفروضة على هذه المنتجات 195 مليار فرنك وباتت تعادل نفقات خمس وزارات، الداخلية والخارجية والزراعة والصناعة والثقافة. يعادل هذا المبلغ تقريبا مجموع الإيرادات العامة في الإمارات وقطر والأردن وسوريا والمغرب وتونس. ولا توجد نية لتخفيف العبء الذي يتحمله المستهلكون سواء ارتفعت أسعار النفط الخام أم انخفضت. ولا يقتصر ارتفاع الضغط الضريبي على فرنسا بل يشمل جميع بلدان الاتحاد الأوروبي.

تؤثر هذه السياسة سلبيا على الصادرات النفطية، لأن ارتفاع أسعار الاستهلاك نتيجة للعبء الضريبي (خاصة في ظروف اقتصادية صعبة سمتها هبوط المقدرة الشرائية ووجود عدد كبير من العاطلين عن العمل) يقود إلى تباطؤ الطلب على المنتجات النفطية فتنخفض مبيعات الدول المصدرة. تتعارض هذه النتيجة مع الاتجاه الحديث للتجارة العالمية الذي يسعى إلى تحرير السلع من جميع القيود. بيد أن النظام التجاري العالمي الجديد يهتم بالدرجة الأولى بالرسوم الجمركية حتى اعتقد البعض أن التحرير التجاري يعني إزالة هذه الرسوم. في أوروبا لا تخضع مواد كثيرة من بينها النفط للرسوم الجمركية إلا بمعدلات ضئيلة لا تستحق الذكر. من هذا الباب تظهر هذه المواد للوهلة الأولى وكأنها متحررة من القيود، لكنها في الواقع على العكس تماما. الضرائب النوعية والضريبة على القيمة المضافة المفروضة على المنتجات النفطية أشد خطورة من الرسوم الجمركية، يساهم هذا الوضع مساهمة فاعلة في تدني الاستهلاك فتتأثر صادرات الدول النفطية لأسباب لا علاقة لها بالسوق، ومع ذلك لا يهتم النظام التجاري الجديد بهذا النوع من تدخل الدولة. إنه تمييز واضح ضد الصادرات النفطية. ينبغي إذن على هذه الأقطار أن تبذل قصارى جهدها لحث منظمة التجارة العالمية على عدم التفرقة بين الضرائب سواء كانت جمركية أم غير جمركية ما دام الأمر يفضي في الحالتين إلى تردي صادراتها، وتجدر الإشارة إلى ان أربع دول عربية (السعودية والعراق وليبيا والجزائر) التي تستحوذ على ثلثي إنتاج أوبك وعلى نصف الاحتياطي النفطي العالمي لا تتمتع بعضوية منظمة التجارة العالمية.

استنتاجات
لا توجد دولة عربية تستفيد دون أن تتضرر من الاتفاقات التجارية لجولة أوروغواي. ولا توجد دولة عربية تتضرر دون أن تستفيد منها. تتوقف درجات الاستفادة والضرر على الحجم التجاري والمالي والتكنولوجي لكل بلد على حدة، كلما زاد هذا الحجم ارتفعت الاستفادة وانخفض الضرر والعكس بالعكس. كما تعتمد تلك الدرجات على طبيعة الاتفاق التجاري الذي يتضمن حقوق والتزامات الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية.

في ميدان التجارة السلعية يمكن للبلدان العربية المصدرة للمواد الغذائية والملابس الجاهزة تحقيق مكاسب اقتصادية (تحسن مركز الميزان التجاري وتراجع معدلات البطالة)، شريطة ألا تواجه منتجاتها سياسات مكافحة الإغراق أو التدابير الوقائية، وبالمقابل تتضرر الدول العربية المستوردة لهذه السلع خاصة الزراعية بسبب ارتفاع أسعارها. وفي ميدان تجارة الخدمات تستطيع البلدان العربية المعتمدة على إيرادات السياحة ودخول عمالها بالخارج تحقيق بعض المكاسب. ولكن يتعين عدم المبالغة فيها ناهيك عن أن أغلب الاقتصاديات العربية ستتضرر في مجالات أخرى من تجارة الخدمات. أما في ميدان حقوق الملكية الفكرية فإن ضرر الاتفاق التجاري سيعم البلدان العربية بدون استثناء.

وتحت تأثير الدول الصناعية الكبرى ورغم أن غالبية البلدان النامية بما فيها العربية لم تنسجم بعد مع اتفاقات جولة أوروغواي ظهرت دعوة لتنظيم جولة تاسعة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف هدفها التحرير الواسع للمبادلات العالمية، خاصة في ميدان الخدمات والمنتجات الزراعية بما يتناسب مع مصالح تلك الدول، عندئذ ستزداد سلبيات النظام التجاري العالمي على الاقتصاديات العربية والتي لا يمكن الحد من خطورتها إلا عن طريق تبني إستراتيجية موحدة وواضحة تستند على نقاط محددة منها:

  • إعادة النظر بالاتفاق الخاص بالزراعة الذي يمنع الإعانات للصادرات الزراعية، يجب أن تتخذ الحلول في إطار منظمة التجارة العالمية دون الاعتماد على صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. ويتعين بالدرجة الأولى مراعاة الوضع التجاري للبلدان الأقل نموا.
  • طرح مشكلة ارتفاع أسعار الضرائب على استهلاك المنتجات النفطية التي تؤثر على البلدان المصدرة للخام، وسوف تواجه إثارة هذه المشكلة ردود فعل عنيفة من قبل جميع البلدان الصناعية وبعض الدول النامية لأسباب تتعلق بميزانيتها وبالاعتبارات البيئية، لكن هذه المقاومة تتناقض مع الأساس الذي يقوم عليه النظام الجديد وهو تحرير التجارة العالمية من شتى القيود.
  • تقليص سياسات مكافحة الإغراق إلى أقصى الحدود نظرا لتناقضها مع تحرير التجارة العالمية.
  • عدم الرضوخ للضغوط التي تمارسها الدول الصناعية بشأن احترام الحقوق الاجتماعية للعمل، لأن هذه الضغوط تتعدى الطبيعة الإنسانية لهذه الحقوق وترمي في نهاية المطاف إلى الحد من القدرة التنافسية لسلع البلدان النامية في أسواق البلدان الصناعية، عندئذ ستعاني الأقطار العربية من تردي صادراتها وارتفاع معدلات البطالة، وليس هنالك ما يعوض هذه الخسارة.

وتتطلب الإستراتيجية الموحدة وجود إطار مشترك للتعاون، فعلى الرغم من ان التكتلات التجارية أصبحت سمة أساسية من سمات النظام الاقتصادي الدولي الجديد، وعلى الرغم من أن الدول العربية أعلنت في مناسبات عديدة عن ضرورة تمتين علاقاتها التجارية، لا يزال العالم العربي مفككا، الأمر الذي يضعف موقفه في العلاقات الاقتصادية الدولية، يتعين إذن العمل بجميع الوسائل على زيادة درجة الاندماج التجاري لتحقيق الاتحاد الجمركي، عندئذ تنصرف الأقطار العربية لمعالجة مشاكلها الاقتصادية ونبذ صراعاتها السياسية والعسكرية. وهكذا تزداد معدلات النمو ويتحسن حجم الإنتاج ونوعيته في جميع القطاعات وتعالج معوقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بالنتيجة النهائية ترتفع المقدرة المالية والتجارية فتتغلب إيجابيات الاتفاقات متعددة الأطراف على سلبياتها ويصبح للعالم العربي ثقلا حقيقيا في منظمة التجارة العالمية.
__________
باحث اقتصادي - فرنسا