* إعداد/ شفيق شقير

الاتجاهات السياسية الأساسية في البحرين تنتمي في جذورها إلى عدد من التيارات الراسخة في العالم العربي مثل الأحزاب الناصرية والبعثية من حيث الاتجاه القومي وحركة الإخوان وحزب الدعوة في الاتجاه الإسلامي، فضلاً عن العناوين الأخرى المستغرقة بالشأن المحلي اهتماما وامتداداً.

غير أن التركيبة السياسية البحرينية نالها الكثير من التغييرات شأنها شأن العالم العربي، فقد تولدت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وبعد حرب الخليج الثانية تيارات يسارية جديدة تتبنى النهج الديمقراطي وبعضها العلمانية، إلى جانب يمين ليبرالي تقليدي وحديث، وهناك الاتجاهات السنية التقليدية مثل حركة الإخوان. وظهرت أيضاً فصائل شيعية جديدة بعد الثورة في إيران، وتأتي الاتجاهات الشيعية الإسلامية في قمة الحركات الناشطة حتى إنها طبعت المعارضة بطابعها.

المعارضة الشيعية


بفعل التوافق الذي خيم على العلاقات الخليجية الإيرانية وانطلاق ورشة الإصلاحات، أظهرت المعارضة الشيعية مرونة في التعاطي مع السلطة
والمعروف أن نسبة كبيرة من سكان البحرين شيعة، والحكم والسيطرة في معظم شؤون البلاد للسنة، مما تسبب في اعتراضات كثيرة من الشيعة على هذا الوضع، كان بعضها يؤدي إلى إثارة القلاقل والاضطرابات من حين إلى آخر. وقد زادت بشكل ملحوظ في عام 1994 فيما عرف في ذلك الوقت بالانتفاضة الدستورية، والتي طالبت فيها المعارضة الشيعية بإصلاحات دستورية تعيد التوازن السياسي بما يتلاءم مع الوضع الديمغرافي القائم.

وكانت المعارضة الشيعية قد بدأت في تنظيم صفوفها في وقت مبكر، خاصة عقب قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ونشرها لفكرة تصدير الثورة، حيث تشكلت أولى حركات المعارضة الشيعية في البحرين "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين" في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، ثم تشكلت بعدها كل من "حركة أحرار البحرين الإسلامية" التي تتخذ من لندن مقرًّا لها، و"حزب الله - البحرين" الذي كانت السلطات البحرينية تنظر إليه بوصفه تنظيماً سياسياً شيعياً تابعاً لسلسلة تنظيمات أنصار الثورة الإيرانية في الخارج "منظمات حزب الله".

ومؤخراً أضفى التوافق الذي خيم على العلاقات الإيرانية الخليجية -ولا سيما السعودية منها- وما استتبعه من تحسن في العلاقات البحرينية الإيرانية التي توجت بزيارة ملك البحرين إلى طهران في أغسطس/ آب الماضي.. أضفى نوعاً من الاستقرار على الداخل البحريني. ومن المؤكد أن ورشة الإصلاحات التي افتتحها الملك حمد بن عيسى آل خليفة فتحت كوة شرعية للحوار السني الشيعي تحت مظلة الدولة. وأدى الاستفتاء الأخير على الإصلاحات والذي أجري يومي 14 و15 فبراير/ شباط 2001، إلى ظهور عهد جديد يعترف بشرعية الحكم الملكي السني وبضرورة إجراء إصلاحات جذرية في الحياة السياسية تتجاوز الحالة الطائفية التي تختزنها الحياة السياسية البحرينية.

وبعد تجاوبها مع سياسة الإصلاحات التي خطها الملك حمد آل خليفة بجمعياتها ورموزها، أظهرت المعارضة الشيعية في البحرين مرونة في التعاطي مع السلطة وانحسرت لديها لغة الاتهام والتشكيك في النظام، وأبدت حرصاً على تكوين خطاب وطني وإسلامي عام يرتكز على القضايا التي تهم المسلمين والعرب عامة، مثل قضية فلسطين ومواجهة أميركا ومقاطعة بضائعها، وهي بهذا الصدد شديدة التأثر بتجربة حزب الله في لبنان التي حازت على إجماع وطني داخلي وعربي في شقها المقاوم.

الجمعيات السياسية


نال الإسلاميون السنة في الانتخابات البلدية الأخيرة 27 مقعداً في حين حاز الشيعة على 23 مقعدا، مما يدل على أن الخطاب الإسلامي يستحوذ على الشارع البحريني مع ما يستبطنه من حالة مذهبية، وأن التيارات القومية والليبرالية لا تحتل موقعاً مهماً
بعد التعديلات الدستورية الأخيرة في البحرين وبعد إلغاء محاكم أمن الدولة وإعلان العفو العام وإطلاق السجناء السياسيين، بدأ عهد سياسي جديد في البحرين. وأخذ المشهد السياسي والاجتماعي الجديد يتشكل تدريجياً، وأخذت بعض الوجوه بالعودة إلى الوطن مثل عبد الرحمن النعيمي (الجبهة الشعبية لتحرير البحرين) ومنصور الجمري (الناطق باسم حركة أحرار البحرين) وهو ابن الشيخ عبد الأمير الجمري أهم الرموز الدينية للمعارضة الشيعية في البحرين، وسعيد الشهابي (حركة أحرار البحرين) ومحمد علي المحفوظ (الجبهة الإسلامية للبحرين)...إلخ.

وبدأت بعض أسماء أحزاب المعارضة في الخارج في الضمور والاختفاء لتحتل مكانها أسماء جديدة وآليات جديدة للعمل السياسي في داخل البحرين. ونشأت حوالي 280 جمعية مختلفة المشارب ومتعددة الأهداف، من بينها حوالي 15 جمعية ذات طابع سياسي، أبرزها أربع جمعيات أعلنت مقاطعتها للانتخابات النيابية ببيان مشترك أكدت فيه التزامها بخط الإصلاحات واشترطت عددا من المطالب أهمها رجوع السلطة عن التعديل الدستوري الذي يساوي بين السلطة التشريعية الممنوحة لمجلس النواب المنتخب وتلك الممنوحة لمجلس الشورى المعين. وهذه الجمعيات هي:

  • جمعية الوفاق الوطني الإسلامية يترأسها الشيخ علي سلمان وتمثل تيار وسط الشيعة، وتساهم بفعالية في الشأن السياسي البحريني، وتصنف كجمعية شيعية معتدلة سواء في مطالبها أو أساليب عملها.
  • جمعية التجمع القومي الديمقراطي، بعثية الاتجاه، يرأسها رسول عبد العلي الجشي.
  • جمعية العمل الوطني الديمقراطي، ويرأسها عبد الرحمن النعيمي وهو معارض يساري قضى ما يزيد عن 30 عاماً في منفاه بدمشق. (ائتلاف يساريين وقوميين ومستقلين).
  • جمعية العمل الإسلامي ويرأسها الشيخ محمد علي المحفوظ (شيعية قيد التأسيس).

وفي المقابل أعلنت حوالي 11 جمعية سياسية تمثل في غالبيتها تيارات إسلامية سنية أبرزها جمعية الإصلاح (يرأسها الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة وهو من نسب العائلة الحاكمة) إضافة إلى تيارات قريبة من الحكومة، وكذلك جمعية المنبر التقدمي الديمقراطي (يسار).. أعلنت عزمها المشاركة في الانتخابات، وإن كانت جمعية المنبر قد تحفظت على التعديل الدستوري المشار إليه.

ومن المبكر الحكم على طبيعة التوزيع السياسي للقوى البحرينية، ماعدا ما أثبتته تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة التي سيطر فيها الإسلاميون بشكل مطبق على المقاعد البلدية، إذ نال السنة منهم 27 مقعداً في حين حاز الشيعة على 23 مقعدا، مما يدل على أن الخطاب الإسلامي يستحوذ على الشارع البحريني مع ما يستبطنه من حالة مذهبية، وأن التيارات القومية والليبرالية لا تحتل موقعاً مهماً.

ولكن ما تشهده الساحة البحرينية من نشاط ينبئ أيضاً بأن الخارطة السياسية البحرينية مازالت قيد التشكل وأن حصول تبدلات في أحجام القوى مازال أمراً ممكناً، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التخوفات التي يبديها بعض أركان المعارضة من أن سياسة التجنيس قد تؤثر على البنية الديمغرافية للبحرين ولا سيما المذهبية منها، وبهذا قد يكون هناك أفق سياسي جديد قيد التشكل. وفي هذا الشأن تخوف البعض من أن سياسة التجنيس ستؤدي إلى "شعب جديد أعيدت تركيبته السكانية بالشكل الذي يضمن للحكم ما يريد"، وأن القليل الذي أعطاه الحكم بالإصلاحات سيأخذ أضعافه بالتجنيس.
ــــــــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت
أهم المصادر: 

سعيد الشهابي، مقالة بعنوان: خطوات معدودة على طريق الألف ميل.