د. محمد الدوري

الحديث عن عراق 2003 وعراق 2004 أمر في غاية الأهمية إذا ما قورن بالعام السابق والأعوام السالفة عندما كان هناك دولة مستقلة ذات سيادة اسمها العراق.

والفرق واضح بين عراق مستقل ذي سيادة، وعراق يخضع لاحتلال عسكري مباشر من قبل دول أجنبية.. بين عراق موحد مركزي تعمل مؤسساته ووزاراته بصورة طبيعية، وعراق من دون مؤسسات أو حكومة أو جيش أو حتى قوات أمن، إضافة إلى غياب تام للأمن والخدمات الأساسية الصحية كالماء والكهرباء. هذا دون الحديث عن توقف تام في حركة المجتمع عموماً من بطالة شبه كاملة خاصة بعد أن تم حل الجيش بتعداد ما يزيد على 400 ألف عسكري وحل قوات الشرطة وقوى الأمن الداخلي، مع إبعاد عدد كبير من موظفي الدولة بسبب انتمائهم إلى حزب البعث الذي يضم مئات الآلاف من المواطنين مع توقف شبه كامل للحياة الاقتصادية.

العراق ما قبل الاحتلال
سقوط بغداد
احتلال العراق
العراق بعد الاحتلال
العلاقات العراقية - العربية
العلاقات مع دول الجوار
مستقبل العراق

التغيرات السياسية التي تحدث على أثر انتخابات أو حتى انقلابات أو ثورات عادة ما يتوقع منها أن تكون إيجابية ولا يتأثر بها مباشرة في بداياتها إلا قطاعات معينة وبما لا يمس حركة المجتمع إلا في بعض حلقاته السياسية العليا. لقد ألغى الاحتلال العسكري الأميركي البريطاني للعراق الدولة كلها وجوداً ومؤسسات. وعملية إلغاء الدولة ليست بالأمر الهين لأن آثارها السلبية قطعا ستنعكس على حقوق وممتلكات المواطنين ويمكن أن تتجاوز ذلك لتطال الدائرة الأوسع من محيط إقليمي وواقع دولي. كما أن مثل هذا الإجراء الخطير بحاجة إلى تبريرات سياسية وأخلاقية.

ولكن الغريب في الأمر أن لا أحد حتى اليوم استطاع أن يحدد أسبابا مقنعة لمثل هذه الإجراءات، فأسباب الإلغاء التام للدولة بمؤسساتها مازالت مجهولة والمعروف منها بدأ يتغير مع تقدم الأيام والشهور مثلما تغيرت أسباب الحرب على العراق من امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل واحتمال استخدام هذا السلاح ووصوله إلى الجماعات الإرهابية، إلى موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان وتغيير النظام الذي يهدد جيرانه والمصالح الحيوية الأميركية وأمنها القومي، إلى جعل العراق "بؤرة إشعاع للديمقراطية تكون منارة للمنطقة كلها"، إلى اعتبار العراق ساحة مواجهة رئيسية مع الإرهاب. في حين أن عدداً كبيراً من المحللين السياسيين والإستراتيجيين يربطون هذه الأسباب بالأهداف الإستراتيجية الكونية "للإمبراطورية" الأميركية الجديدة التي تريد العراق بأي ثمن، ليس فقط باعتباره يمتلك ثاني احتياطي عالمي من النفط، بل لموقعه الإستراتيجي المهم والذي يمكن أن يلعب دوراً محورياً في عملية التغيير المطلوبة في خريطة منطقة الشرق الأوسط لمصلحة الكيان الصهيوني.

وعليه فالفرق شاسع بين عراق 2003 وعراق ما قبل عام 2003، فلم يكن هذا التغيير الدراماتيكي متوقعاً له أن يحصل بهذه السرعة، الأمر الذي رتب نتائج خطيرة لم يكن محسوباً حسابها لا من قبل النظام العراقي السابق الذي كان يصر على أن الحرب لن تقع، ولا من قبل الولايات المتحدة التي لم تتوقع نصرا بهذه السهولة.

العراق قبل الاحتلال

لم يكن موضوع احتلال العراق عن طريق شن حرب عليه من قبل القوات الأميركية بمساعدة القوات البريطانية أمراً غير متوقعاً أو غير محتمل إلا من قبل الرئيس صدام حسين آنذاك، فالكل في داخل العراق كما في خارجه كان يعرف تقريباً الفترة التي سيتم خلالها شن الحرب على العراق حيث لم يعد الأمر سراًً. فالمسؤولون الأميركيون والبريطانيون قد صرحوا مراراً بأن شن الحرب بات مسألة وقت فقط.


لم تختلف الإدارة الأميركية على مبدأ احتلال العراق منذ عام 1990، لكنها اختلفت على وسيلة تحقيق ذلك، فبدأت في إضعاف العراق أولا من خلال فرض نظام عقوبات شامل وحصار صارم، تطور مع الأيام بسبب سياسة عراقية مفتقرة للبعد الإستراتيجي ومعتمدة على ردود أفعال شخص واحد هو الرئيس

مجموعة اليمين المتطرف الأميركي التي تقود الولايات المتحدة منذ وصول بوش الابن إلى السلطة والتي يقف وراءها نائب رئيس الجمهورية ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد ورئيس مجلس سياسات الدفاع ريتشارد بيرل ومساعد وزير الدفاع بول ولفويتز، لم تخفِ رؤيتها حول احتلال العراق منذ عام 1992 عندما أشارت في أحد تقاريرها إلى احتلال العراق. وقد تكرر الأمر عام 1997 ثم بصدور التقرير الشهير "مشروع للقرن الأميركي"، وعلى أثر أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وفي اليوم نفسه كان أول تصريح لولفويتز "علينا احتلال العراق".

اختلفت الإدارة الأمريكية فيما بينها ليس على الهدف (احتلال العراق) وإنما على الوسيلة للوصول إلى الهدف. ويبدو أن اتجاه وزير الخارجية كولن باول هو الذي رجح ولكن إلى حين، فهو الذي كان يرى استخدام منظمة الأمم المتحدة للمساعدة على الوصول إلى الهدف بدلاً من اللجوء المباشر والمنفرد لاستخدام القوة المسلحة، خاصة أن هناك من "الحجج القوية" كما يرى هو ومؤيدوه ما يكفي لإقناع مجلس الأمن وخاصة الدول الأعضاء الدائمة فيه (فرنسا وروسيا والصين) لاستصدار قرار يسمح باستخدام القوة. وهذه الحجج هي:

  1. انتهاك العراق قرارات مجلس الأمن.
  2. عدم تسليم أسلحة الدمار الشامل الموجودة لديه والتي تهدد السلم والأمن الدوليين.
  3. استمرار تهديد العراق لشعبه وجيرانه وللأمن القومي الأميركي.
  4. ضرورة تغيير النظام لأسباب تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان.

هذه التوجهات لم تكن وليدة الساعة، بل إنها كانت معروفة تماما منذ احتلال العراق للكويت في أغسطس/ آب 1990. ولذلك كانت أفضل وسيلة يمكن بها إضعاف العراق الذي خرج أصلاً ضعيفاً من حربين مدمرتين هما حرب الخليج الأولى مع إيران، وحرب الخليج الثانية مع الولايات المتحدة وحلفائها، هي وضعه في قفص لا يستطيع الإفلات منه مطلقاً إلى حين حلول الموعد المقرر للإجهاز عليه. وقد وجدوا ضالتهم في فرض نظام عقوبات شامل صارم "الحصار" تطور مع الأيام بسبب سياسة ودبلوماسية عراقية تفتقر إلى أي بعد إستراتيجي، وقد كانت تعتمد ردود الفعل الآنية لشخص واحد هو شخص الرئيس الذي يقرر ما يراه مناسبا.

وبفرض الحصار تم تحقيق ثلاثة أهداف فرعية تصب في الهدف الرئيسي وهو احتلال العراق:

  1. إحكام الطوق على العراق من خلال إصدار قرارات من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، وهذا أدى إلى تعطيل حركته الاقتصادية والتنموية مع جميع الآثار الاجتماعية المترتبة على ذلك وانعكاساتها على السياسة الداخلية والخارجية للبلد.
  2. تقييد أو حتى تحييد كل من روسيا والصين وفرنسا في عملية استثمار فوز ذكية جداً لحرب الخليج الثانية وكذلك لأحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 من خلال استصدار عدد كبير من القرارات مستندة إلى القرار 687 الشهير الذي وضع شروط تدمير العراق.
  3. تسخير الأمم المتحدة تماماً لتحقيق الأهداف الأميركية-البريطانية ليس فقط في العراق بل على المستوى العالمي تحقيقاً لما أطلق عليه النظام الدولي الجديد الذي وضع خطوطه وملامحه الرئيس بوش الأب، خاصة بعدما تحول العالم من ظاهرة ثنائية القطبية إلى أحادية القطبية، وبذلك تحولت كل من الصين وروسيا من دول مشاركة في صنع القرارات الدولية المهمة إلى دول مهمشة إلى حد كبير، خائفة وفي حالة دفاع عن النفس، وتحاول دائماً كسب الوقت الذي لم يكن يعمل لمصلحتها خلال أكثر من عقد من الزمان.

لقد ترك الحصار الاقتصادي آثاراً شديدة الوطأة على الشعب العراقي في الإطباق التام على كل ما تبقى من حياة اقتصادية واجتماعية وثقافية على امتداد العراق، عدا المنطقة الكردية التي كانت تحظى بامتيازات من قبل دول عديدة من العالم في أوروبا وأميركا وغيرهما، فقد انهار النظام الصحي وعطلت الخدمات وساءت الحياة الاجتماعية، وبلغت أعداد الضحايا وأكثرهم من الأطفال والشيوخ الملايين، كما تم تدمير طيف واسع من القيم والأخلاق في ظل غياب أي نشاط اقتصادي يعود بمردود مالي كاف، الأمر الذي انعكس في عملية فساد اجتماعي كبير شملت جميع شرائح المجتمع العراقي، فلم يسلم التعليم ولا القضاء ولا القوات المسلحة من ذلك ولم تعد الحكومة قادرة على وقف التدهور الأخلاقي في المجتمع.

لم يعد الوضع الدولي يحتمل وضعاً سيئاً كهذا وبهذا الكم الهائل من الضحايا الإنسانية بسبب حصار يفرض باسم الأمم المتحدة، خاصة في بلد يملك ثروة نفطية هائلة يمكن الاستفادة منها لتغطية النقص الكبير في الحاجات الإنسانية والمدنية الذي حصل نتيجة هذه الإجراءات اللاإنسانية. وأمام ضغط عدد كبير من أجهزة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية تعالت أصوات بعض الدول العربية وغيرها لإيجاد حل إنساني للمسألة، واضطر مجلس الأمن بموافقة الولايات المتحدة وبريطانيا إلى إصدار قراره الشهير 986 لعام 1995 الذي انتهى به الأمر ليتحول إلى مذكرة أطلق عليها اسم "النفط مقابل الغذاء والدواء" التي بدأ التنفيذ الفعلي لها عام 1997.

استثمر النظام العراقي هذه المذكرة في تدعيم موقفه على المستوى الوطني كما على المستوى الدولي، فبالإضافة إلى توفير جزء كبير من الحاجات الأساسية للمواطنين من غذاء ودواء وحاجات مدنية أخرى وتجاوز الأزمة الكبيرة التي عصفت بالشعب العراقي في أمسّ حاجاته الأساسية، فقد كانت مذكرة التفاهم وسيلة مهمة لمد الجسور وإعادة التعامل مع عدد كبير من دول العالم منها إيران وتركيا إضافة إلى جميع الدول العربية عدا الكويت.

لكن الولايات المتحدة استغلت مذكرة التفاهم كأداة ضغط إضافية على جميع الدول التي تتعامل مع العراق خارج إطار هذه المذكرة، وذلك طبقاً لقرار مجلس الأمن الخاص بالموضوع، وهذه الدول أساساً هي دول الجوار ( سوريا والأردن وتركيا) وعدد آخر من الدول العربية والأجنبية المستفيدة من العلاقات الاقتصادية الجديدة التي بدأت تتطور بسرعة بينها وبين العراق.


من المفيد ذكره أن العدوان العسكري على العراق لم يحرك أحدا من أعضاء مجلس الأمن، ولم يطلب أحد عقد اجتماع له باعتباره يهدد السلم والأمن، كما لم يقم المجلس بإصدار بيان بوقوع العدوان

لم ينجح المسعى الأميركي تماماً رغم صدور قرار من مجلس الأمن، واستمر العراق في اتباع بعض الوسائل والطرق الجديدة في التعامل مع الدول العربية وغيرها، لذلك بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا تفكران في هجوم مقابل بحجم نشاط العراق الاقتصادي والسياسي المتزايد، خاصة بعدما قبل العراق بقوائم السلع وعدم الاعتراض عليها، ولذلك قامتا من خلال عضويتهما في لجنة (661) بالتأخر في إعطاء موافقاتهما على الأسعار التي يتفق عليها بين العراق والشركات التي تشتري النفط العراقي، وقد بلغ هذا التأخير أسابيع مما اضطر لجنة العقوبات إلى العمل بصيغة التسعير بأثر رجعي، الأمر الذي ترتب عليه امتناع عدد كبير من شركات النفط من شراء النفط العراقي لأن أسعار النفط تخضع للتغيير بين ساعة وأخرى، وبالتالي لا توجد شركة تسمح لنفسها بأن تشتري النفط بسعر سيتحدد مستقبلاً، فالمخاطر عادة ما تكون كبيرة بسبب عدم ثبات السوق النفطي.

ورغم اعتراض عدد كبير من دول العالم على طريقة التسعير الجديدة وغير الطبيعية، وبالرغم من أن الأسعار التي يتفق عليها بين العراق والشركات النفطية المشترية للنفط كانت تحظى بموافقة "المشرفين النفطيين" التابعين للجنة 661 والذين كثيراً ما وافقوا على اعتبار أسعار النفط العراقي المتعاقد عليه مقبولة وضمن أسعار السوق النفطي العالمي، فإن قرارات لجنة 661 التي يجب أن تحظى بموافقة جميع أعضاء المجلس كانت دائما ما تتأخر بسبب تأخر كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في الرد إلا بعد أسابيع عدة.

أما سبب هذا الموقف البريطاني-الأميركي فيعود إلى وجود قناعة لديهما بأن شركة تسويق النفط العراقي تعطي سماحات تصل إلى 30 سنتاً من سعر البرميل في حين أن السماحات المعمول بها في السوق النفطي هي من 5-10 سنتات، وأن الفرق هذا يُدفع مباشرة إلى حكومة العراق من قبل الشركات، وهذا يعني دخول ملايين الدولارات إلى العراق التي يمكن أن تكون مصدر دخل مستقلاً لا يدخل في مذكرة التفاهم، وفي ذلك طبعاً انتهاك لقراري مجلس الأمن 661 و986. وإزاء هذا الموقف الذي استمر شهورا عدة لم يتمكن العراق من بيع كامل حصته من النفط خلال هذه الفترة بسبب تلكؤ الشركات في الإقدام على شرائه، وهذا أثر مباشرة في حسن سير مذكرة التفاهم بسبب عدم وجود أموال لتغطية العقود التي تم التعاقد بشأنها إضافة إلى خلق حالة إرباك في السوق النفطي.

ومع كل هذه الضغوط بقيت مذكرة التفاهم تعمل بحدها الأدنى رغم إدخال هذين العنصرين الجديدين: الأول المتعلق بقوائم السلع المزدوجة الاستخدام، والثاني بتسعير النفط بأثر رجعي. فلقد بقيت منافذ الاستيراد مفتوحة لجميع السلع المدنية التي يحتاج إليها العراق، إضافة إلى تصدير النفط بكميات أقل من المراحل الأولى للمذكرة. كما استمر موضوع النقل الجوي بالتطور إيجابياً فلم تستطع الولايات المتحدة الاستمرار في منع الطائرات من العمل من العراق وإليه، فبالإضافة إلى الطائرات الخاصة التي بدأت تحط في بغداد تم إنشاء خطين جويين ثابتين بين بغداد وعمان، وبغداد ودمشق.

وأمام استمرار هذه التطورات الإيجابية التي باتت فعلا تهدد المشروع الأميركي البريطاني، عادت الولايات المتحدة وبريطانيا وبقوة إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة بعدما وصلت الولايات المتحدة إلى مرحلة اتخاذ القرار الحاسم حيث شعرت بأن عليها الرد على أحداث 11 سبتمبر/ أيلول. وبعدما قامت باحتلال أفغانستان بيسر شديد وبعدما تمكنت من إضعاف العراق إلى أقصى درجة تمكنها من احتلاله عسكرياً.. لم يبقَ أمام الولايات المتحدة لإكمال مشروعها في احتلال العراق غير إثارة موضوع "أسلحة الدمار الشامل" أمام مجلس الأمن.

أحداث سبتمبر/ أيلول والموضوع الأزلي "أسلحة الدمار الشامل" كانا المبرر الأمثل والطريق لتحقيق الأهداف الإستراتيجية في العراق والشرق الأوسط.


يمكن إرجاع سقوط بغداد دون مقاومة لعدة أسباب على رأسها تدمير القوات العراقية بالقصف الصاروخي والجوي المكثف، واحتمال وجود خيانة بعض القيادات السياسية والعسكرية العراقية، ثم شعور القيادات أخيرا بعدم جدوى الاستمرار في ظل حالة عدم التكافؤ الواضحة

في 17 ديسمبر/ كانون الأول 1999 صدر القرار 1284، وهو القرار الأكثر خطورة بعد القرار 686 لعام 1991 خاصة بعدما تم سحب اللجنة الخاصة "أنيسكوم" من قبل رئيسها السفير الأسترالي بتلر الذي لا يشك أحد في اعتباره أحد عملاء الولايات المتحدة، والذي تلاه توجيه ضربة صاروخية شديدة بمئات الصواريخ قتلت المئات ودمرت المنشآت الاقتصادية والعسكرية العراقية. بموجب القرار 1284 تم إنشاء لجنة جديدة بدلاً من اللجنة السابقة التي عملت في العراق منذ عام 1991 حتى منتصف 1998 تحت رئاسة السفير السويدي إيكيوس وبعده السفير الأسترالي بتلر، أطلق عليها لجنة الرصد والتحقيق والتفتيش (UNMOVIC)، وكان الهدف من إنشائها "تشغيل نظام معزز للرصد والتحقيق المستمرين ومعالجة مسائل نزع السلاح المعلقة (الجديد منها) والسماح لفرق اللجنة بالوصول فوراً ودون شروط إلى أي من -أو كل- المناطق والمرافق والمعدات والسجلات ووسائل النقل التي تود الفرق تفتيشها وفقاً لولاية اللجنة، وكذلك إلى جميع المسؤولين وغيرهم من الأشخاص العاملين تحت سلطة حكومة العراق".

بدأت اللجنة الجديدة عملها برئاسة السيد بليكس السويدي الجنسية، في مقر الأمم المتحدة على أمل أن العراق سيستجيب لقرار مجلس الأمن 1284. لكن الرئيس العراقي أعلن أنه قد أوفى بالتزاماته طبقاً للقرار 687، كما أنه لم يطلب من اللجنة الخاصة مغادرة العراق عام 1998 بل كان أمر سحب المفتشين الدوليين قد صدر من الولايات المتحدة، لذلك فقد طلب إلى وزارة الخارجية أن تصدر تعليماتها بأن العراق لن "يتعامل مع القرار المذكور" ولكن دون أن يرفضه.

خلال الفترة بين صدور القرار 1284 وأحداث 11 سبتمبر/ أيلول، كانت الأمور هادئة نسبيا عدا التقارير الإعلامية والصحفية والمخابراتية، فالولايات المتحدة كانت تخوض عملية انتخاب رئيس الجمهورية التي تبدأ التهيئة لها قبل سنة ونصف على الأقل من تاريخ الانتخابات الفعلي.

وبعدما استتب الأمر للرئيس بوش مع فريقه الذي ينتمي إلى اليمين المتطرف جاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول التي استغلت لإنجاز ما كانت الولايات المتحدة قد خططت له منذ فترة طويلة.. وخاصة ما يتعلق بالعراق والمنطقة العربية. ولقد كانت الخطوة الأولى لإنجاز هذا الهدف هي أن تتم عبر منظمة الأمم المتحدة ومن خلال استصدار قرار قوي يمكن الحصول عليه، خاصة أن الظروف الدولية مواتية، فبيئة الحرب ضد الإرهاب مازالت قائمة ويمكن استغلالها جيداً، كما أن العراق مازال يرفض السماح للأنموفيك والوكالة الدولية للطاقة الذرية بالقيام بالواجبات المنوطة بهما طبقاً للقرار 1282 الصادر بموجب الفصل السابع.

في هذه الأثناء كانت التهيئة لاستصدار قرار من المجلس يعطي الولايات المتحدة الموافقة على استخدام القوة المسلحة "لتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية"، وأمام الضغط الأميركي-البريطاني الشديد على أعضاء مجلس الأمن مع وعود بعدم استخدام القرار الجديد لشن الحرب على العراق إلا بعد العودة إلى المجلس، تم التصويت على مشروع قرار حمل الرقم 1441، وهكذا كان موقف أعضاء مجلس الأمن، ويبدو أن الجميع قد وعى معنى مقولة الرئيسي الأميركي "من ليس معنا فهو ضدنا". ولم يكن أمام العراق هو الآخر والذي بدأ يستشعر الخطر إلا القبول به بعد أن قبل في تاريخ سابق عودة المفتشين إلى العراق والبدء في أعمالهم قبل العراق بالقرار 1441 وبدأ يعمل من أجل إعداد التقرير وتقديمه في الوقت المناسب، وقد استطاع تقديم التقرير ضمن الفترة المحددة والذي بلغت عدد صفحاته 11 ألف صفحة وملاحق تجاوزت الـ12 ألف صفحة أخرى. واستجاب العراق كذلك لجميع فقرات القرار 1441. ولكن أمام صدور تقويم للتقرير من الولايات المتحدة وبريطانيا بأن العراق لا يستجيب لمتطلبات القرار 1441، تقدمت هاتان الدولتان بمشروع قرار جديد يتضمن إعلان عدم التزام العراق وانتهاكه لقرارات مجلس الأمن في عدم تقديم أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته إلى المفتشين. إن مجرد إقرار المجلس بذلك يعني السماح لأي من أعضائه باتخاذ الإجراءات التي يراها مناسبة ومنها بالطبع استخدام القوة المسلحة.


علينا ألا ننخدع بما تم إنشاؤه من مؤسسات "سيادية" واجهية "كمجلس حكم" أو "وزراء"، فهؤلاء جميعا ليسوا أكثر من موظفين لدى سلطة الاحتلال، والجميع يأتمرون بأمر مستشاريهم الأميركيين

مشروع القرار هذا الذي تم توزيعه بالحبر الأزرق على أعضاء المجلس تم سحبه بعدما شعرت الدول مقدمة المشروع -وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا- بأنها لن تحصل على موافقة تسعة أعضاء من المجلس وهو الحد الأدنى المطلوب لصدور قرار منه، إضافة إلى صدور تهديدات صريحة من قبل كل من روسيا وفرنسا باستخدام الفيتو في حال طرحه للتصويت.

ولم يتمكن الرئيس الأميركي من إقناع جميع رؤساء الدول الأعضاء غير الدائمة في مجلس الأمن بتغيير موقفها الذي وقفته منذ البداية.. بسبب موقف العراق الإيجابي من عمليات التفتيش وتأكيد ذلك في تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والأنموفيك والتي كانت تعرض على المجلس أولاً بأول والتي كانت تعكس بإيجابية تعاون الجانب العراقي.

أمام تصميم الولايات المتحدة على موقفها وفشلها في الحصول على مباركة من مجلس الأمن، اجتمع الرئيس الأميركي ورؤساء الوزراء البريطاني والإسباني والبرتغالي في جزر الآزور بالمحيط الأطلسي، ووجهوا إنذاراً للعراق لتسليم ما لديه من أسلحة دمار شامل خلال 48 ساعة، وبخلافه سوف تقوم قوات التحالف بنزع هذه الأسلحة بالقوة المسلحة. وبانقضاء هذه الفترة كانت الحرب قد بدأت.

من المفيد ذكره أن العدوان العسكري على العراق الذي بدأ على مرأى ومسمع الأمم المتحدة وبهذه الضخامة في استخدام القوة لم يحرك أحداً من أعضاء مجلس الأمن، ولم يطلب أحد عقد اجتماع له باعتباره عملاً يهدد السلم والأمن.. كما لم يقم مجلس الأمن بإصدار بيان بوقوع العدوان، لكن حركة عدم الانحياز طلبت عقد جلسة لمناقشة الموضوع وكان المفروض أن يقوم المجلس بمشاورات على أثر الانتهاء من عقد الجلسة العلنية التي تحدثت فيها دول عديدة، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، خاصة أن عقد جلسة لمجلس الأمن تحتاج عادة إلى توافق في الرأي بين جميع أعضاء المجلس حول عقدها، لكن الجميع يعرف أنه لا توجد لدى أي دولة الجرأة الكافية للتقدم بمثل هذا الطلب.

سقوط بغداد

لا يمكن الحديث عن الغزو العسكري وسقوط بغداد إلا في خطوط عريضة جداً تعتمد المعلومات العامة التي لا تغني عن الإحصاءات الدقيقة والأسرار ذات الطبيعة العسكرية التي يمكن أن يتم الكشف عنها مستقبلاً.

وضمن هذا الإطار لا يمكن الحديث عن حرب متكافئة، حيث كانت أقوى قوة عسكرية في العالم تواجه قوة عسكرية صغيرة لدولة نامية بقدرات اقتصادية وعسكرية محدودة تخضع لحصار اقتصادي وسياسي وعسكري وثقافي وعلمي لأكثر من عشر سنوات بعد سنوات طويلة من حروب مدمرة وغياب تام لأي قدرة جوية، فالقوة الجوية العراقية كانت محيدة تماما وذلك لعدم وجودها أصلا بعد حرب الخليج الثانية، والنتيجة المنطقية تكون معروفة مسبقاً.

لقد أصابت الجيش العراقي خلال الفترة الأخيرة مصيبة كبيرة قادته إلى الهاوية بسبب الحصار الذي حرمه ليس فقط مواكبة التسلح الحديث، بل أفقده التدريب وسبب له فساداً طال معظم المراتب، مع قيادات عليا غير مؤهلة يتم اختيارها ليس على أساس مهني احترافي وإنما على أساس سياسي يعتمد معيار الولاء للرئيس والمؤسسة الرئاسية، لذلك كانت قيادات الجيش العليا بيد أقرباء الرئيس رغم عدم تأهيلهم المهني والحرفي العسكري. إن معرفة القيادة السياسية آنذاك بهذا الواقع المرير وحقيقة التفاوت الكمي والنوعي بين القوات العسكرية العراقية والقوات الأميركية يمكن أن تكونا الدافع وراء القيادة العسكرية في إبقاء الجيش والمليشيات في المدن لمواجهة القوات الغازية بدلا من مواجهتها عند حدود العراق، خاصة في ظل غياب تام لأي غطاء جوي أو مقاومات أرضية ضد الجو، وأن تكون المقاومة العسكرية والشعبية هي الأمل الوحيد في حال تمكن قوات الاحتلال من الوصول إلى بغداد ومحاصرتها، وهو أمر كان متوقعا جدا وأعلنه وزير الدفاع العراقي عند وصول قوات الاحتلال إلى مشارف مدينة كربلاء على بعد نحو مائة كلم جنوب بغداد، وفعلاً حصل ذلك على أمل أن تقوم مقاومة جادة في بغداد تستطيع أن تلحق بالعدو خسائر فادحة.


الموقف العربي من العراق لا تحدده مؤتمرات القمة ولا الجامعة العربية، بل تشكله العلاقة بين الولايات المتحدة وكل دولة عربية على حدة، هذه العلاقة تتسم بالتغير السريع بحسب قوة الضغط الأميركي الذي يصل حد التهديد، وهو أمر لا تقوى عليه حكومات عربية عديدة

انطلقت القوات البرية الأميركية والبريطانية في اتجاهين، القوات البريطانية اتجهت نحو البصرة عن طريق أم قصر، والقوات الأميركية اتجهت نحو مدينة بغداد وكان عليها أن تمر بالناصرية صعوداً إلى النجف والحلة وكربلاء والمسيب ثم بغداد. وفي مسار آخر اتجهت القوات الأميركية نحو بغداد عبر طرق الكوت الصويرة من الشرق وبمحاذاة نهر دجلة. والمعارك التي خاضتها القوات العراقية التي أبلت بلاء حسناً في أم قصر والزبير والبصرة انتهت بسيطرة القوات البريطانية على منطقة البصرة والفاو وأم قصر، في حين واجهت القوات العسكرية الأميركية مقاومة نسبية في ظل التفوق الجوي المطلق من قبل قوات الجيش العراقي المكلفة مناطق: الناصرية، السماوة، الديوانية، النجف، الحلة، كربلاء، الكوت صعوداً إلى بغداد، لكنها انتهت باكتساح المنطقة كلها ووصلت إلى بغداد حيث كان من المفروض أن تقاوم بفضل وجود قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص وجيش القدس ومليشيات حزب البعث العربي الاشتراكي.

انتهت الحرب بدخول القوات الأميركية صباح يوم 9 أبريل/ نيسان 2003 مدينة بغداد من دون مقاومة تذكر، عدا ما تردد عن معركة المطار التي انتهت بسقوطه. وبعدها استسلم الجيش العراقي في مدن الأنبار وكركوك والموصل من دون قتال. كانت القيادة العراقية كما يبدو تراهن على مدينة بغداد التي دكت بالطائرات المتطورة وكذلك بالصواريخ التي كانت تحملها طائرات بي52 أو تلك التي كانت تطلق من الغواصات وحاملات الطائرات عبر البحار والتي انتهى واجبها بدخول القوات الأميركية بغداد.

كان المفروض أن تكون هناك مقاومة كبيرة جداً على الأقل في بغداد حيث تم تركيز أفضل فرق الجيش العراقي التابعة للحرس الجمهوري والحرس الخاص ومليشيات الحزب، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث وسقطت بغداد.

وفي إطار التحليل العام يمكن إرجاع أسباب سقوط بغداد من دون مقاومة إلى ثلاثة أمور:

  1. تدمير القوات المسلحة العراقية عند خطوط الدفاعات عن طريق القصف الجوي والصاروخي الكثيف لمدة 20 يوماً مع استخدام أسلحة متطورة جداً لا يمكن الاحتماء منها. فقد سمعنا بـ 2500 غارة جوية يومياً على بغداد فقط، وبهذا يكون احتمال تدمير القوات العسكرية العراقية بفعل هذه الهجمات الجوية أو الأسلحة غير الاعتيادية أمرا متوقعا.
  2. احتمال وجود تواطؤ وخيانة بين بعض القيادات السياسية والعسكرية أو من الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس والمتكونة أساساً من بعض أقربائه الذين هم محل ثقته وبين القوات الأميركية. ولا يعرف حتى اليوم -عدا بعض المعلومات الصحفية- متى تمت هذه الصفقة إن وجدت وكما يشاع، قبل بدء الحرب أم في أثنائها؟ في الوقت نفسه توجد إشارات وتقارير وإشاعات غير موثقة تتحدث عن خيانة بعض المقربين الذين أصدروا أوامر باسم الرئيس أو باسم القيادة السياسية أو حتى القيادة العسكرية يطلبون فيها من جميع قوات الجيش إلقاء السلاح والانسحاب كل إلى داره ومنطقته.
  3. والاحتمال الثالث والأخير هو أن القيادة العسكرية والسياسية المجتمعة في شخص الرئيس ومجموعة قليلة من المقربين قد شعرت بأنه لم يعد مجدياً إعطاء تضحيات أكثر من دون هدف يرتجى في ظل التفوق العددي والنوعي لقوات التحالف، وأعطت أمراً بالانسحاب وقامت هي بدورها بالاختفاء.

احتلال العراق

1- تكريس الاحتلال:
دخل العراق في نفق جديد هو نفق الاحتلال المباشر بعدما كان في نفق الحصار لفترة زادت على عقد من الزمان، لكن نفق الاحتلال سيطول وسيستمر الاحتلال المباشر أو غير المباشر لفترة أطول بكثير، حيث يرتبط ذلك بتحقيق الأهداف الإستراتيجية الأميركية في العراق والمنطقة. هذا طبعاَ في حال ثبات العوامل السياسية وهو أمر لا يمكن ضمانه، فالمتغيرات الوطنية والقومية والإقليمية وحتى الدولية كثيرة ولا يمكن الاطمئنان إلى ثبات الحال فهو من المحال. وهذا يعطي قوة لرأي المتفائلين الذين يعتقدون سرعة رحيل الاحتلال وتحرير العراق خلال فترة قد لا تطول كثيرا. فمن يدري كيف ستكون نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية، وكيف ستكون حال المقاومة العراقية والشعب العراقي ومنطقة الشرق الأوسط ومواقف روسيا وأوروبا والصين؟ ومن يدري إن كان هناك دول أخرى، إذ يوجد هناك فسحة للاستقراء والاستنباط والاحتمالات المستقبلية رغم وجود ثوابت غير مستقرة، وهذه هي حال السياسة غير المستقرة الثوابت فكل شيء فيها تقريبا نسبي.


التأكيد على الفدرالية للأكراد يعني بالضرورة تكريس تقسيم العراق أو جعله مشروعا دائما للتقسيم حيث يبقى التهديد بالانفصال وسيلة ابتزاز قائمة سواء لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية على حساب المصلحة الوطنية العليا

فإذا كان الاحتلال الأميركي البريطاني حقيقة قائمة، وإذا كانت أهداف الاحتلال لم تتبلور بعد ولم تتضح أبعاده القطرية والإقليمية، وإذا كانت حسابات الاحتلال غير صحيحة وخاصة لمرحلة ما بعد الصفحة العسكرية، ومنها احتمالات بروز المقاومة غير المحسوبة بدقة وكذلك موقف الشعب العراقي عموما والموقف الشعبي العربي أو المواقف غير المتجذرة للدول العربية ودول الإقليم، فإن الواقع القائم يفرض نفسه لأغراض التحليل الموضوعي.

فبالإضافة إلى سيطرة القوات العسكرية الأجنبية على كل التراب العراقي، هناك السلطة المدنية الأميركية يدعمها مدنيون بريطانيون بواقع أكثر من 2000 خبير مدني، هذا دون الإشارة إلى ما يقارب 140 ألفا من القوات العسكرية، تسيطر هي الأخرى على مجمل النشاط الإداري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وحتى القضائي، بمعنى سيطرة أجنبية مباشرة على جميع مقار وأنشطة وحلقات المجتمع حتى الصغيرة منها.

لذلك علينا ألا ننخدع بما تم إنشاؤه من مؤسسات "سيادية" واجهية "كمجلس حكم" أو "وزراء" ولكن من دون مجلس وزراء، فهؤلاء جميعا ليسوا أكثر من موظفين. خاصة أن "مجلس الحكم" مثلا الذي سُمي من قبل سلطة الاحتلال لا يستطيع أن يتخذ قرارات، بل أن يرفع توصيات إلى الإدارة المدنية توافق عليها أو لا توافق. كما أن "الوزراء" رغم كل ما قيل عنهم فهم يأتمرون بأمر مستشاريهم الأميركيين، حيث عين لكل "وزير" مستشار أميركي على الأقل يملك الكلمة الأخيرة في كل ما يتعلق بسياسة الوزارة.

علما بأن هناك وزارات مهمة جداً يعتبر ميدان عملها من أهداف الاحتلال الرئيسية كوزارة النفط، فالنفط العراقي كان وسيظل هدفاً رئيسياً من أهداف الاحتلال ولا يعقل أن يترك بيد العراقيين، وكذلك إعمار العراق، فالشركات الأميركية ذات العلاقة باليمين الأميركي الحاكم تنتظر بوجل -إن لم تكن قد بدأت فعلاً- الاستحواذ على عقود النفط وكذلك عقود إعادة الإعمار. ويعد السوق العراقي أحد الأسواق المهمة للصناعة الأميركية ومنتجاتها الزراعية والصناعية.

والحديث عن استقلالية ولو نسبية أمر محل نقاش قدر تعلق الأمر بمجلس الحكم الانتقالي وبمجلس الوزراء، وسيكون الدستور الذي سيصدر في ظل الاحتلال محل رقابة شديدة من جانب الإدارة الأميركية التي تريد أن تجعل من العراق "منارة للديمقراطية يهتدي بها في ظلام المنطقة". كما أن الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية اليوم في العراق جاء معظمهم مع القوات الأميركية وتربطهم بالاحتلال روابط خاصة جدا وعلاقات سياسية تفرض عليهم سلوكاً معيناً يأخذ بنظر الاعتبار الأهداف الأميركية في العراق والمنطقة، وهذا الأمر ينطبق على معظمهم أشخاصاً وأحزاباً سياسية.


الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية اليوم في العراق جاء معظمهم مع القوات الأميركية وتربطهم بالاحتلال روابط خاصة جدا وعلاقات سياسية تفرض عليهم سلوكاً معيناً يأخذ بنظر الاعتبار الأهداف الأميركية في العراق والمنطقة، وهذا الأمر ينطبق على معظمهم أشخاصاً وأحزاباً سياسية

لذلك سنشهد في المرحلة المقبلة احتمالات تغيير أشخاص ومناصب، لكن من غير المحتمل حدوث تغيير جوهري في العلاقة مع المحتل في ظل بقاء الأمور على حالها. وبانتظار انتخابات حقيقية فإن الإدارة الأميركية ستكون بحاجة إلى بعض الوقت كي تضمن لأصدقائها من العراقيين الذين جاؤوا مع قواتها وقدموا لها خدمات جلية لتسهيل احتلالها -من الذين كانوا يعيشون في الولايات المتحدة وأوروبا وإيران وغيرها من دول العالم- انتخابهم في المرحلة المقبلة، خاصة أن معظمهم قد قضى فترات طويلة تجاوزت عقودا خارج العراق ويحملون جنسيات البلدان التي جاؤوا منها ويعملون فيها، فهم بحاجة إلى تسويق لدى الشعب العراقي الذي لا يعرف معظمهم.

ولكن هذا لا يعني أن جميع هؤلاء، سواء الذين دخلوا مع القوات العسكرية الأميركية البريطانية من الكويت أو الذين حضروا لاحقاً، سوف يستمرون في مساندتهم للاحتلال خاصة بعد أن يكتشفوا أن المحتل جاء ليبقى، وأنه يقوم باتخاذ إجراءات تتنافى مع الأهداف المعلنة وهي تحرير العراق وإشاعة الديمقراطية وحقوق الإنسان وتخليص العراق من النظام السابق، كإهانة العراقيين وإشاعة روح الفوضى واللاأمن وعدم تحقيق الوعود بالرفاهة والعمل وسيادة القانون. فإذا ما استمر الحال على ما هو عليه فستتغير مواقف على مستوى الأشخاص والجمعيات والمجموعات والأحزاب وهو أمر طبيعي جداً في العمل السياسي خاصة في وضع مضطرب كوضع العراق تحت الاحتلال.

2-انتهاء حكم صدام وحزب البعث:
إن من أهداف الاحتلال المعلنة هو تغيير النظام السياسي في العراق ممثلاً بالرئيس السابق وعائلته، وكذلك القضاء على الحزب الذي استخدمه واجهة طوال فترة حكمه. وفي حقيقة الأمر لم يبقَ للنظام السابق كرئيس وحزب ما يسمح للعراقيين بالتمسك به أو الدفاع عنه بعد كل الأخطاء الكبيرة التي وقعت وآخرها تسليم الوطن المحتل من دون مقاومة إلى الأجنبي والاستسلام له حتى لو كان هذا الأمر غير مقصود.

3- وحدة العراق:
يعتبر العراق منذ بداياته الأولى في العصور السومرية والبابلية والآشورية والأكادية وحدة جغرافية وسكانية رغم اختلاف قومياته وأديانه، وقد استمر هذا الواقع في العهد العباسي والعثماني وكذلك الدولة العراقية الحديثة. وبسبب كون العراق منطقة حدودية مع إيران وتركيا إذ إنه يشكل الطرف الشرقي للوطن العربي، فإن امتداداته العرقية قد تتسع لتشمل خليطاً من الشعوب الحدودية، وهكذا فإن العراق متعدد الأعراق والقوميات ففيه العرب والأكراد والتركمان وغيرهم من الأقليات القومية كأعراق ثابتة، وهناك أعراق مختلطة.. هذه الازدواجية أو التعددية لم تؤثر في وحدة الوطن على مر التاريخ رغم وجود أزمات وحروب تركت بصماتها وآثارها على وحدة الشعب والإقليم، وخاصة منذ بداية الحكم الوطني عام 1921.

كما لم تؤثر التعددية الدينية والطائفية في وحدة العراقيين، لكن الطائفية السياسية كانت تلعب دائماً دوراً سلبياً خاصة بسبب التدخلات الأجنبية، فإيران مثلاً كانت تعتبر نفسها مسؤولة عن شيعة العراق رغم رفض شيعة العراق لمثل هذه الوصاية، فقد دافع العراقيون كلهم شيعتهم وسنتهم عن وطنهم في الحرب العراقية الإيرانية بغض النظر عن أسباب الحرب.

وحدة العراق رغم عوامل التوحد التي تستند إليها وتعتبر من الثوابت، فإنها اليوم غدت مهددة بسبب الاحتلال، ويبدو أن نظام الحكم الانتقالي الحالي يقوم على هذا الأساس من خلال نظام الحصص الذي تم اعتماده في تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي وتعيين الوزراء. ورغم الرفض الواضح لذلك من بعض أركان "مجلس الحكم" فإن هذا الرفض لم يحجب التقسيمات التي باتت معروفة، فلكل قومية حصة ولكل طائفة حصة، ومن غير المعروف ما إن كان الدستور سيكرسها أم لا.

صحيح أن لبعض دول الجوار الإقليمي والعربي مصلحة آنية ممكنة أو محتملة في تكريس نظام "الحصص" على أساس طائفي أو عرقي، فذلك هو الطريق الوحيد من أجل ألا تقوم للعراق قائمة وفي ذلك مصلحة للجميع عدا العراق، لكن على الأمد البعيد سوف يكون مثل هذا التوجه خطراً على وحدة عدد كبير من بلدان المنطقة العربية وغير العربية عدا البلدان الصغيرة الموحدة التي ترغب في إبعاد المخاطر عنها، فقد ترغب في أن يكون العراق مجزأ إلى دويلات وبما يضعفه إلى الحد الذي لا يعود يشكل فيه خطراً عليها.


لم يبقَ للنظام السابق كرئيس وحزب ما يسمح للعراقيين بالتمسك به أو الدفاع عنه بعد كل الأخطاء الكبيرة التي وقعت وآخرها تسليم الوطن المحتل من دون مقاومة إلى الأجنبي والاستسلام له حتى لو كان هذا الأمر غير مقصود

إن التأكيد على الفدرالية يعني بالضرورة تكريس تقسيم العراق أو جعله مشروعا دائما للتقسيم حيث يبقى التهديد بالانفصال وسيلة ابتزاز قائمة سواء لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية على حساب المصلحة الوطنية العليا. إن الحفاظ على الهوية الطائفية والهوية القومية يمكن أن يتم من خلال دستور ديمقراطي وإدارة حديثة تحفظ للجميع خصوصياتهم دون حاجة إلى فدرالية.

فالفدرالية للدولة الموحدة تاريخيا توجه أساسا نحو التقسيم والتجزئة ورهان على المستقبل من أجل ضمان الاستقلال للدويلات التي سيتكون منها الاتحاد الجديد على أنقاض الدولة المركزية السابقة، أما الفدرالية التي تتكون من دول مستقلة فهي مشروع لتوحد جديد في المصالح وتوجه نحو ضمانة للمستقبل لجميع الدويلات في إطار الدولة الجديدة. ولذلك فإن الخيار الفدرالي العراقي هو خيار انفصالي تجزيئي.

العراق بعد الاحتلال

1- المقاومة:
لا يمكن الحديث عن متغيرات المرحلة المقبلة دون الحديث عن مستقبل الاحتلال الذي سيرتبط أساساً بالمقاومة أو بالانسحاب الطوعي، فالاحتلال طال أم قصر مصيره الزوال والانتهاء لا محال سواء بسبب رفض الشعب لوجوده غازياً محتلاً وما يترتب على ذلك من مقاومة سلمية أو مسلحة، أو بتحقيق الأهداف والانسحاب الطوعي. والتحليل الموضوعي يشير إلى أن الاحتلال بات يتخبط وبدأت تصدر عنه تصريحات متناقضة بشأن إنهائه أو خروج القوات الأميركية.

وعلى أية حال فإن الاحتلال لو ترك الأمر له لن يغادر العراق ما لم يحقق الأهداف الرئيسية التي جاء من أجلها، وهو أمر يستغرق سنوات طويلة، ولكن إذا ما استطاعت المقاومة الوطنية أن تثبت وجودها على كل الأرض العراقية أو جزء أساسي منها فعند ذاك يمكن القول إن الاحتلال لن يبقى طويلاً لأن في بقائه خسائر بشرية وسياسية لن يقدر على تحملها. ويبدو أن المقاومة الوطنية العراقية قد بدأت ترمي بثقلها المتزايد على الاحتلال الذي بدأ يراجع حساباته.

ذلك أن احتمال انتصار الاحتلال على المقاومة أمر بعيد المنال، وعلى أية حال فإن الاحتلال يولد المقاومة، ووجود أحدهما يلغي الآخر لذلك لابد أن تنتصر المقاومة فهو القانون الطبيعي، إذ لم يبق استعمار عدا الاستعمار الصهيوني، وظاهرة الاحتلال الأميركي للعراق ولأفغانستان لابد زائلة.

إن مقارعة المقاومة العراقية للاحتلال وقدرتها على المطاولة والاستمرار لفترة طويلة سوف تمكنانها من لمّ الشمل العراقي والعربي وحتى الإسلامي حولها. إن في طرد المحتل من المنطقة مصلحة أكيدة للمنطقة بأكملها وقوة للشعب الفلسطيني.

ولا يمكن للمقاومة أن تحصل على شرعية وطنية كاملة ما لم تتضح معالمها وتحظَ بثقة جميع تكوينات وألوان الشعب العراقي، ولا يتم ذلك ما لم ينضم إليها العراقيون بعربهم وأكرادهم، بشيعتهم وسنتهم، بمسلميهم ومسيحييهم. صحيح أن للأكراد خصوصية وأن هناك الأحزاب الرئيسية الكردية التي تعتبر حليفة للأميركيين منذ سنوات طويلة كما هو حال المجموعات والأحزاب المتعاونة مع سلطة الاحتلال، لكن مسألتي الوطن والدين تعتبران من الثوابت لدى عدد من أبناء الطوائف القومية والدينية، ولذلك فإن من المعتقد في حال وضوح أهداف المقاومة وتمكنها من إثبات وجودها -ويبدو أن ذلك بات أمرا متحققا- أنها سوف تكون نواة لانطلاقة وطنية باتجاه مقاومة واسعة يقر المجتمع بشرعيتها على أساس مستقبل واعد للعراقيين يؤمن الرفاهية والديمقراطية والحرية للجميع، وهذا لابد أن يتضح من خلال برنامج سياسي يجب على المقاومة إعداده وإعلانه دون تأخير إن لم يكن قد ظهر بعد، والذي يجب أن يركز على طرد المحتل وإقامة دستور فيه ضمانات كافية لتداول السلطة ومنع احتكارها، واحترام لحقوق الإنسان وضمان العدل وسيادة القانون في ظل مساواة تامة للجميع أمام القانون.

2- نظام الحكم:
يخطئ من يقول إن الولايات المتحدة جاءت إلى العراق محررة، وخطؤه يأتي إما عن جهل وإما عن تعمد. لقد خسرت الولايات المتحدة الكثير سواء في الأموال أو في الأرواح وليس من المعقول أن تقدم ذلك فقط من أجل تغيير النظام في العراق حبا للعراقيين، وهي تعرف جيدا وعي الشعب العراقي السياسي ومواقفه المعروفة من سياساتها الخاصة بالقضية الفلسطينية. إن ما تدعيه إذن هو مجرد وهم ودعاية، وعلى أي حال لا توجد أي مؤشرات من جانب الاحتلال توحي بشيء من ذلك وتعطي الأمل في السير بهذا الاتجاه. العلاقات الدولية السلمية منها والحربية هي في محصلتها مصالح تتراوح بين ما هو جوهري وأساسي وما هو ثانوي أو أقل أهمية، ولذلك فالتركيز عادة ما يتم على المصالح الجوهرية مع إمكان التضحية بالثانوي منها لأغراض تكتيكية أو حتى إستراتيجية.


نحن أمام حالة عجز سياسي عربي تام ستنعكس في الأيام المقبلة على واقع عربي جديد تختفي فيه جميع المفردات التي كانت تستخدم في المحيط السياسي العربي لتحل محلها مفردات جديدة مسيطر عليها تماماً من قبل الولايات المتحدة

إن تحقيق حلم العراقيين بحكم أنفسهم طبقاً لدستور ديمقراطي وبأن تكون صناديق الاقتراع هي الحكم في تسيير أمور الدولة أمر ممكن جدا وعملي إذا ما خلصت النيات، ولكن مثل هذا الحلم الجميل لا يمكن أن يتحقق في ظل الاحتلال لأنه يتعارض تماما مع مصالح الولايات المتحدة الأساسية في الأمدين القريب والبعيد. ولكن بعد أن تطمئن الولايات المتحدة إلى حسن سير مشروعها وبشروطها، أي بعد تدجين الشعب العراقي أو على الأقل الاطمئنان إلى قيادات مخطط لها أن تقود العراق في مرحلة ما بعد "الاستقلال" والتي يمكن أن تكون القيادات الحالية أو بعضها التي ستستمر بالتعاون التام مع الولايات المتحدة، إن لم نقل تأتمر بأمرها. لكن العوامل الحاكمة على الأرض متغيرة جداً واحتمالات تغليب عامل على آخر أمر ممكن وبسرعة. أما إذا أخذنا بنظر الاعتبار العوامل الخارجية التي ترتبط بدول الجوار بصورة خاصة فإن مشاكل جوهرية خطيرة ينبغي توقعها وسيكون لها دورها الواضح في صيرورة عراق المستقبل إن لم يتم التحسب لها -بحساسية عالية- وطنيا وعربيا ودوليا.

إن اعتماد الطائفية السياسية في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وتوزيع الحقائب الوزارية على الأساس ذاته سوف تكون لهما انعكاساتهما المستقبلية القريبة والبعيدة ليس فقط على دستور عراق المستقبل وإنما على مجمل الحياة العامة.

ستحاول الأحزاب والمجموعات التي تنهض بالمسؤولية بالاشتراك مع المستعمر المحتل أن تكرس هذه المكاسب الآنية وتجعل منها قاعدة عمل مستقبلية في إدارة شؤون العراق، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الاحتلال سيبقى بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى فترة غير قصيرة، ولذلك فإن وجوده سيكون مرهوناً بمدى انسجام هذه الأحزاب فيما بينها وقبولها بالمكاسب المتحققة لها ومدى إحكام سيطرتها على الأوضاع ومدى استمرار سيطرة الولايات المتحدة على قيادات هذه الأحزاب التي يجب ألا تنسى أن استلامها الحكم قد تم بإرادة أميركية أو بريطانية وليس بإرادة شعبية، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في قبول الشعب العراقي أو رفضه لها أو لبعضها إن سمح له بذلك، وكذلك مدى ولاء بعضها لقوى أجنبية أخرى إقليمية وعربية ودولية لها فضل كبير في تنميتها وإدامتها وتمويلها ودعمها سياسياً وأيدولوجياً.

لذلك فإن وحدة العراق التي يعلن الجميع تمسكه بها مرهون بمدى استقرار الأوضاع بالصورة التي رسمتها الولايات المتحدة، فإذا حدث هناك اختلال ما فإنه سيؤثر كثيراً ليس فقط في الوجود الأميركي بل في وحدة العراق ومستقبله، خاصة أن التكريس الطائفي والعرقي قد فعل فعله وسيكون من الصعب العودة إلى مستوى آخر أو نظام آخر، ولن يكون الدستور الجديد أكثر من هيكل من دون حياة. فكم من "ديمقراطيات" ليس لها من الديمقراطية غير الاسم ولكنها تحظى برضى الولايات المتحدة.

3- الموقف العربي/ المواقف العربية:
لا يوجد موقف عربي موحد من قضية العراق في الماضي ولا في الحاضر ولن يكون كذلك في المستقبل. لا بل حتى المواقف الموحدة الرسمية "في إطار الجامعة العربية ومؤتمرات القمة العربية" التي عرفناها في السنة الأخيرة تبين أنها غير حقيقية بل كانت استجابة ظرفية لمطالب شعبية لم تلبث أن تلاشت واختفت مع وقوع الحرب واحتلال العراق.


لا يمكن للمقاومة أن تحصل على شرعية وطنية كاملة ما لم تتضح معالمها وتحظَى بثقة جميع تكوينات وألوان الشعب العراقي، ولا يتم ذلك ما لم ينضم إليها العراقيون بعربهم وأكرادهم، بشيعتهم وسنتهم، بمسلميهم ومسيحييهم

لقد تأكد أن الموقف العربي من العراق لا تحدده مؤتمرات القمة ولا الجامعة العربية، بل تشكله العلاقة بين الولايات المتحدة وكل دولة عربية على حدة، ولذلك نرى شكل ومضمون هذه العلاقة يتغيران بسرعة كبيرة بحسب قوة الضغط الأميركي الذي يصل حد التهديد، وهو أمر لا تقوى عليه حكومات عربية عديدة.

لقد فرضت الحرب منطقها كما فرض مآل الحرب منطقه، والدول العربية مهما كان حسن نيتها ومهما كان رد فعلها من الحرب قبل أن تنشب أو بعد ذلك، فهي الآن أمام واقع جديد فرضه الاحتلال الذي نصب "حكومة" جديدة تقوم على مفاهيم جديدة، وهي مناسبة جيدة لمن يريد من الدول العربية -تحت شعار الأمر الواقع- التخلص من التزاماته القومية التي أعلنتها قرارات القمة. وقد حدث ذلك فعلا بالنسبة إلى جميع الدول العربية دون استثناء، وإلا.. فأين مؤتمر القمة الطارئ الذي كان يجب أن يكون في حالة انعقاد دائم خلال الحرب؟ وأين هو بعد أن تم الاستيلاء على العراق واحتلاله عسكريا.. ميثاق جامعة الدول العربية؟ وأين معاهدة الدفاع العربي المشترك؟ إذاً نحن أمام حالة عجز سياسي عربي تام ستنعكس في الأيام المقبلة على واقع عربي جديد تختفي فيه جميع المفردات التي كانت تستخدم في المحيط السياسي العربي لتحل محلها مفردات جديدة مسيطر عليها تماماً من قبل الولايات المتحدة وبما يتلاءم والصورة الجديدة التي تريدها لمنطقة الشرق الأوسط.

أما في شأن التعامل مع العراق فستنتهي الأمور بسهولة في قبول التعامل مع "مجلس الحكم ومع الوزراء" الذين عينتهم سلطات الاحتلال، وسيكون الأمر الواقع هو المبرر لذلك. وفعلا جاءت تصريحات ومواقف كثيرة من مسؤولين في الجامعة العربية أو في دول عربية لتشير إلى عدم ترك العراق والشعب العراقي وحدهما، ولتحقيق ذلك لابد من التعامل مع سلطات الاحتلال بما فيها ما يسمى مجلس الحكم ووزراءه المعينين من قبل حكومة الولايات المتحدة.

لكن الموقف العربي الذي كان يمكن أن يأخذ منحى آخر لو استطاع الجيش العراقي والنظام العراقي السابق مواجهة القوات الأميركية لفترة أطول، يمكنه أن يتغير إذا ما استطاعت المقاومة العراقية إثبات قدرتها على المطاولة والاستمرار.

الاختلافات في المواقف بين الدول العربية في الشأن العراقي هي اختلافات في مدى الضعف ومدى نسبة الانسجام والتطابق مع الموقف الأميركي، وهي اختلافات غير مؤثرة عموماً في سير الأحداث، وإن المستقبل القريب سيجعلها تقترب أكثر فأكثر بعضها من بعض تحت ذرائع وحجج كثيرة، منطقية أحيانا ولكنها غير مقبولة مطلقا إذا أخذنا في الاعتبار المصالح العربية العليا، الآنية منها والمستقبلية.

اختلاف المواقف هذا يتفاوت بين تطابق بالرأي بين بعض الدول العربية والولايات المتحدة باعتبارها دولاً شاركت مع التحالف في شن الحرب على العراق، وأخرى لم تشارك ولم تساند بل وأخذ بعضها موقفا متميزا قبل العدوان وخلاله، ولكنه بدأ يتراجع بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتم احتلال العراق.

العلاقات العراقية - العربية

لا يبدو أن هذه العلاقات ستتطبع تماما في المستقبل القريب خاصة في ضوء الموقف العربي عموما من الحرب على العراق، عدا بعض الاستثناءات، أو من الاحتلال ومن ممثليه من العراقيين في ما يسمى مجلس الحكم الانتقالي. ورغم التطور الإيجابي في الموقف العربي الذي حصل أخيراً إزاء الاحتلال سلطة وممثلين عراقيين له بسبب الضغوط الأميركية سواء على الجامعة العربية أو على الدول العربية كلاً على انفراد، فالحكام الجدد في العراق لا يكنون حباً ووداً للعرب عموماً. وما سيعزز هذا الاتجاه هو التوجه الأميركي الذي يخضع له تماما "حكام العراق الجدد"، لذلك فإن علاقات من الشد والجذب والفتور ستستمر وستكون هي السائدة إلى حين، وخاصة في الجامعة العربية التي ستكون الباب لعلاقات عراقية عربية مستقبلية. ولا أظن أن العراق سيعود عودة طبيعية إلا بعد فترة قد تطول، كما أن فرض هذه العلاقات من قبل الولايات المتحدة لن يؤدي أبدا إلى علاقات طبيعية بانتظار حسم موضوع الشرعية في العراق الذي يعني انتهاء الاحتلال وإقرار دستور وانتخابات.

وإذا كان موضوع الدستور والانتخابات مسألة وقت فإن انتهاء الاحتلال لن يكون قريباً بل سيحتاج إلى سنين طويلة، وبذلك ستكون عودة العراق الطبيعية إلى الجامعة العربية ومؤسسات العمل العربي المشترك بعيدة نسبياً.

أما موضوع العلاقة مع مجلس التعاون الخليجي، فرغم ما أعلن أخيراً حول استعداد بعض دول الخليج العربي للنظر في انضمام العراق إلى عضوية المجلس، فالمرجح ألا يحدث شيء من ذلك في المستقبل المنظور إلا في إطار حدود الإستراتيجية الأميركية للمنطقة. حتى لو افترضنا تدخل الولايات المتحدة في هذا الاتجاه وهو أمر بعيد الاحتمال، فستكون هناك معارضة من قبل دول من داخل مجلس التعاون لأسباب ذاتية، ناهيك عن المشاكل العراقية الداخلية المعقدة التي ستنتقل إلى المجلس.

العلاقات مع دول الجوار

لكل من إيران وتركيا علاقات تاريخية مع العراق لكنها غير مستقرة، ومن الطبيعي أنها تتأثر سلباً أو إيجاباً بعوامل كثيرة منها الطائفية الدينية والمصالح السياسية والاقتصادية إضافة إلى قضايا الحدود. كما تخضع لتأثيرات خارجية عديدة ترتبط بدول الجوار الجغرافي الأبعد التي تقع في الإقليم ذاته أو حتى خارجه، ناهيك عن تأثيرات القوى العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة أو بعض دول الاتحاد الأوروبي المتنفذة. ولا يمكن هنا تجاهل دور روسيا، لكن سيكون هناك شأن متميز للاحتلال في صياغة العلاقات الجديدة بين العراق وهذه الدول وخاصة إيران وتركيا، فكيف ستتعامل إيران وتركيا مع العراق المحتل وكذلك العكس وخصوصاً في ظل المتغيرات الحادة الجديدة التي طرأت على المشهد السياسي العراقي والإقليمي والتي لم تكن معروفة في السابق كطبيعة تشكيلة حكام العراق الجدد وتبعيتهم الكاملة لسلطة دولة الاحتلال؟ وكيف ستتعامل الأخيرة مع هاتين الدولتين؟ وما هي انعكاسات ذلك على علاقاتهما بالعراق؟

1- العلاقات الإيرانية العراقية:


لن يرحل الاحتلال إلا بعد تحقيق أهدافه، لكن إذا استطاعت المقاومة الوطنية أن تثبت وجودها على كل الأرض العراقية أو جزء أساسي منها يمكن القول إن الاحتلال لن يبقى طويلاً لأن في بقائه خسائر بشرية وسياسية لن يقدر على تحملها

المتغيران الأساسيان والمهمان جدا في العلاقة بين إيران والعراق يتركزان أولا في سقوط النظام السياسي العراقي المعادي لإيران وبروز قوى محله مسيطرة، معظمها إن لم تكن كلها موالية أو حليفة لإيران. وثانيا احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة التي لا تربطها بإيران علاقات ودية على أقل تقدير، ولكن في الوقت نفسه ترتبط الدولتان بعلاقات قوية جداً مع الأحزاب السياسية الشيعية في العراق. فمن المعروف أن هذه الأحزاب حظيت بالحماية الإيرانية الكاملة والتأييد والدعم السياسي والمالي منذ فترات بعيدة، وكانت تنطلق في نشاطها السياسي والعسكري المعادي للنظام العراقي السابق من إيران. ومن المعروف أن بعض هذه الأحزاب قد وقفت إلى جانب إيران في حربها مع العراق. وفي الوقت نفسه يرتبط معظم هذه الأحزاب وخاصة المهمة منها بعلاقات أقل ما يقال عنها إنها علاقات تحالف مع الولايات المتحدة تعاونت معها للتهيئة للاحتلال وخلال العدوان العسكري عليه وتتعاون معه بصورة مباشرة وتحت سلطته في مرحلة الاحتلال.

في ضوء هذا الواقع يتوقع أن تكون لإيران علاقات مستقبلية متميزة ليس فقط مع هذه الأحزاب ذات النفوذ الواضح في ما يسمى مجلس الحكم الانتقالي وإنما مع حكومة العراق المستقبلية. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك إيجابيا على العلاقات المتشنجة حاليا بين إيران والولايات المتحدة خاصة أن السلطة المحتلة التي يعود لها الأمر والنهي وهي الولايات المتحدة، لها -كما أشرنا- دالة مهمة على الأحزاب الشيعية المؤثرة اليوم في العراق وترتبط معها بعلاقات مميزة. وعليه فإن التوقعات تشير إلى أن انفراجاً في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران سيحل محل الأزمة الراهنة رغم كل المؤشرات السلبية التي ترافق موضوع العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن النشاط النووي الإيراني. فمن المعروف أن كلاً من أوروبا والأحزاب الشيعية المتنفذة في العراق ستلعب دور الوسيط في التقريب بين وجهات النظر في الدولتين سواء تعلق الأمر بالخلافات النووية أو في الشأن السياسي الإيراني أو بالنسبة إلي العراقي.

إن احتمال زيادة النفوذ الإيراني في العراق أمر متوقع جداً لكنه لا يمكن أن يبرز إلا بعد فترة، خاصة أنها تملك نفوذاً مؤثرا ليس فقط في الأحزاب الشيعية أو الأحزاب والشخصيات العراقية الأخرى المتحالفة مع الولايات المتحدة بل يمتد هذا النفوذ ليشمل الأحزاب العراقية الكردية المتنفذة على الساحة الكردية. فعلاقات التعاون بينها تعود إلى عهد الشاه وقد شهدت تطورا واضحا خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية وفترة ما بعد حرب الخليج وبمعرفة أميركية إن لم يكن بمباركة منها.

أما الثوابت في العلاقات العراقية الإيرانية فهي تاريخية ودينية، ويمكن أن تتطور إيجابياً إذا ما سلمت النيات وتم التخلص من إرث الحرب العراقية الإيرانية وهو ثقيل جداً ولا يمكن تصفيته إلا في إطار علاقات حسن جوار حقيقية مع عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما، والاستفادة ما أمكن من أخطاء الماضي مع التركيز على استثمار ما هو إيجابي بدلا من التركيز على سلبيات الماضي، والتطلع دائما إلى تعزيز تعاون اقتصادي وسياسي وثقافي يضمن للجميع الاستقرار والأمن والمصالح المتبادلة.

2- العلاقات العراقية التركية:
لم تكن العلاقات العراقية التركية السياسية حسنة مع النظام السابق وذلك لوجود مشاكل ترتبط أساساً بالعلاقات التركية المميزة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى العلاقات المائية، فالمعروف أن دجلة والفرات ينبعان من تركيا، والموقف التركي من هذين النهرين يتناقض مع الموقف القانوني الدولي.
المشكلة الكردية كذلك كانت في صميم العلاقات العراقية التركية بحكم الوجود القومي الكردي في كلا البلدين، ولذلك يحاول كل من الطرفين الاستفادة منها طبقا لمصالحه وأولوياته.

المشكلة الكردية ستظل قائمة في كل من تركيا والعراق وسيكون لها دورها المؤثر في العلاقات العراقية التركية وكما كانت دائماً، خاصة أن الأكراد في العراق -بدعم أميركي- يلعبون الآن دورا خطيرا ومؤثرا في السياسة العراقية ويمكن أن يكون لهم أوراق جديدة ستؤثر في طبيعة العلاقة المستقبلية على المشكلة الكردية في كل من إيران وتركيا. ولكن مثل هذا التأثير لن تظهر مؤشراته الأولية وانعكاساته إلا بعد فترة طبقا لحسابات ترتبط أساسا بأهداف وخطط الولايات المتحدة وإسرائيل الخاصة بالمنطقة أكثر منها بالقضية الكردية نفسها واهتمامات الأكراد بمستقبلهم.

المتغير الجديد في تركيا هو وصول "حزب إسلامي" إلى سدة الحكم يحمل توجهات قد تختلف عن توجهات سابقه في الحكم وخاصة في موضوع عدم السماح للقوات الأميركية بالانتقال عبر الأراضي التركية إلى شمال العراق قبل العدوان العسكري الأميركي على العراق وخلاله.

هذا التطور الذي اعتبر في حينه تحولا كبيرا في الموقف التركي، ترك أثرا سلبيا مؤقتا في العلاقات بين حكومتي تركيا والولايات المتحدة. ولكن سرعان ما تغير هذا الموقف بسبب ضغوط أميركية وحتى إسرائيلية كبيرة على الحكومة التركية، فقد صوت البرلمان التركي على قانون يسمح بإرسال قوات عسكرية تركية إلى العراق لمساندة قوات الاحتلال في مواجهة المقاومة العراقية المتصاعدة. وإذا كانت هذه الأزمة قد تم تجاوزها بعدما استجابت الحكومة التركية لمطالب الحكومة الأميركية خاصة أن الأخيرة تملك أوراق ضغط عديدة يمكن استخدامها ضد تركيا تأتي في مقدمتها القضية الكردية وتطوراتها على الساحة العراقية والتي يمكن أن تنعكس سلبا وبصورة مباشرة على الأمن القومي التركي، هذا عدا الحديث عن حزب العمال الكردستاني التركي ودوره المستقبلي.

يضاف إلى ذلك حاجة تركيا إلى النفط العراقي وأهمية مشاركتها في إعمار العراق لأسباب اقتصادية وسياسية، وحاجتها الماسة إلى القروض الأجنبية سواء من الولايات المتحدة أو من مؤسسات "بريتن وودز". كما أن الضغوط الأميركية على تركيا التي لم تحصل بعد على عضويتها في الاتحاد الأوروبي ستشهد تطورا من طبيعة أخرى تجعل الأخيرة مضطرة إلى تقديم التنازلات، لذلك فالعلاقات العراقية التركية ستكون مرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ومصالحهما الأساسية، فكلما تحسنت العلاقة بينهما فسينعكس ذلك إيجابياً على العلاقات بين تركيا وعراق المستقبل في ظل السيطرة الأميركية.

أما في شأن الأقلية القومية التركمانية فقد لعبت وما زالت تلعب دورا أقل أهمية من القضية الكردية في العلاقات العراقية التركية، ولا أعتقد أن هناك مشاكل مستعصية الحل بشأنها، فالأمر لا يتعدى حقوق أقلية قومية يجب احترامها طبقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان. لكن هذا لا يعني أن الحكومات التركية المتعاقبة لم تحاول استغلالها للضغط على حكومات العراق خاصة بعد عام 1958 بهدف تحقيق بعض الأهداف السياسية والاقتصادية كما هو الحال بالنسبة إلى ما يسمى قضية الموصل التي يثار بشأنها جدل غير رسمي تركي لتحقيق أهداف تتجاوز تركيا نفسها.

3- الأمم المتحدة والعراق:
فشلت منظمة الأمم المتحدة في منع وقوع العدوان العسكري واحتلال العراق، فلقد أصابها شلل كامل بسبب النفوذ الأميركي الواسع في جميع أنشطتها. الأمين العام للأمم المتحدة سُقط في يده، ولم يبق أمامه إلا هامش بسيط للحركة وهو بروتوكولي، أي من دون دور سياسي مؤثر، وحتى بياناته التي أصدرها منذ بدء العدوان حتى اليوم التي تنقصها الجرأة والقوة لم تعدُ أن تكون ردود أفعال متناقضة في عديد من الأحيان لا أهمية لها، عدا الجانب المعنوي الذي يبدو في بعض اللحظات مهماً فقط لمن لا حول لهم ولا قوة. كما لم يكن لحضوره اجتماعات مجلس الأمن إلا أهمية رمزية أمام من يملكون سلطة اتخاذ القرار وهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن وخاصة الأكثر تأثيرا وسلطة الولايات المتحدة.

لم تحل كل من روسيا وفرنسا وإلى حد ما الصين والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن دون منع استخدام القوة ضد العراق، لكنها تمكنت من الحيلولة دون صدور قرار من مجلس الأمن يسمح للولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا وأستراليا باستخدام القوة المسلحة ضد العراق، كما لم تتمكن هذه الدول من معالجة الوضع بعد الاحتلال في فرض دور محوري للأمم المتحدة يمكنها من معالجة المسائل الإنسانية القائمة، بل أعطي لها دور استشاري وهامشي بعد حين خاصة في القرارين 1483 و1500. لكن هذه الدول بالمقابل تمكنت إلى حد ما من عدم السماح بإنهاء دور الأمم المتحدة العالمي وهو ما عبر عنه عدد من أعضاء اليمين المحافظ الأميركي الحاكم.

قبلت الأمم المتحدة بدور التابع في العراق، ويبدو أن قبولها هذا كان على أمل أن تتمكن من تطويره مستقبلا. وفعلاً استطاعت أن تتحرك وتأخذ دورها بالتزايد بسبب مطالبة عدد كبير من الدول وخاصة فرنسا وألمانيا بأن يكون للمنظمة دور أساسي في العراق، ولكن تفجير المبنى الذي كانت تشغله الأمم المتحدة وقتل عدد من العاملين في المنظمة ومنهم الممثل الخاص للأمين العام في العراق دي ميلو دفعاها إلى سحب موظفيها الأجانب العاملين في العراق. ونقل مقر الأمم المتحدة إلى نيقوسيا في قبرص بمعنى إلغاء دور الأمم المتحدة لكي لا تكون شاهداً على استمرار الجريمة خاصة بعد ارتفاع أصوات من داخل مجلس الأمن بإعادة السيادة العراقية إلى الشعب العراقي.

لكن زيادة نشاط المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال وتزايد أعداد القتلى والجرحى بين صفوف القوات الأميركية المحتلة وظهور أصوات داخل الولايات المتحدة تطالب بانسحاب القوات من العراق، أو زيادتها التي تعني زيادة في التخصيصات المالية التي باتت ثقيلة كما يبدو، والتي تبلغ الآن نحو 4 مليارات دولار شهريا، اضطرت الإدارة الأميركية إلى مراجعة موقفها من الأمم المتحدة، وفكرت في مشروع قرار تحصل منه على موافقة بمشاركة قوات باسم الأمم المتحدة، ولكن بقيادة أميركية. وفعلا تمكنت من استصدار القرار 1511 الذي أرادت منه أن يكون وسيلة "يائسة" لإضفاء شرعية مفقودة على احتلال غير قانوني وفرض اعتراف بمجلس "عراقي" قامت قوات الاحتلال بتعيينه من دون صلاحيات تمكنه من تمشية الأمور التي أوكلت إليه ولكن من دون سلطة فعلية إذ إن قراراته مجرد توصيات تخضع لمصادقة الحاكم الأميركي.

مستقبل العراق

استقراء الواقع العراقي بثوابته ومتغيراته بشقيه الداخلي والخارجي لا يدعو إلى الاطمئنان أبداً، فالطائفية السياسية التي بدأت تطل برأسها على عراق مدمر أصلاً، لا تعطي أي أمل قريب في وحدة وطنية يهددها الاحتلال الأجنبي. هذه الوحدة التي تعتبر أمل الشعب العراقي الوحيد لطرد الاحتلال الأميركي واستعادة كرامته وسيادته ووحدته. الوحدة الوطنية باتت اليوم مهددة بموجة الاغتيالات للقيادات الدينية والشخصيات العلمية والوطنية في ظل غياب تام للأمن.


الفتنة الطائفية -وهي إحدى الأدوات التي استخدمها الاحتلال الإنجليزي في العراق- يمكن بسهولة أن تعود، فبداياتها ورائحتها باتت تشم من بعيد، ولكنها تقترب ويجب التحذير منها لأسباب وطنية قومية وأخلاقية. فبذورها قد وضعت منذ دخول القوات الأميركية وتشكيل "المجلس الانتقالي" وتعيين الوزراء

الفتنة الطائفية -وهي إحدى الأدوات التي استخدمها الاحتلال الإنجليزي في العراق- يمكن بسهولة أن تعود، فبداياتها ورائحتها باتت تشم من بعيد، ولكنها تقترب ويجب التحذير منها لأسباب وطنية قومية وأخلاقية. فبذورها قد وضعت منذ دخول القوات الأميركية وتشكيل "المجلس الانتقالي" وتعيين الوزراء. هذه الفتنة إن وقعت فستقضي على العراق ككيان موحد وكشعب ينتمي في معظمه إلى أمة.

تجربة مجلس الحكم الانتقالي سواء في شكله أو تعيين أعضائه تركت آثاراً كثيرة على مستقبل العراق السياسي، وستكون كارثة إذا ما تركت بصماتها على الدستور العراقي المزمع إعداده، كما أن الفدرالية التي يطالب بها بعض الفئات السياسية الطائفية تعني تهديداً مباشراً لوحدة العراق الإقليمية وبداية لتجزئته على أساسين عرقي وطائفي.

إن احتلال العراق لن ينتهي بسرعة وفق القراءة السياسية للتوجهات الأميركية وخاصة منها تلك التي أشارت إلى استمرار الاحتلال في الوقت الراهن وفي عدم تحديد موعد زمني للانسحاب أو في لجوء المسؤولين الأميركيين إلى إطلاق مقاربات ومقارنات سيئة النية بين احتلال العراق واحتلال كل من ألمانيا واليابان التي لم تنسحب منهما عسكرياً حتى يومنا هذا.

إن بقاء القوات الأميركية-البريطانية فترة طويلة تمتد عقوداً من الزمن بات أمرا أكيدا وكما كان متوقعا له، ولكن هذا الواقع والاحتمالات لا يمكن إلا أن يأخذ بالاعتبار المقاومة العراقية التي بدأت تفرض نفسها بقوة على الواقع العراقي والعربي والدولي وبصورة أخص على الاحتلال. وإلى أن تتمكن المقاومة الوطنية من تأكيد ذاتها على كامل التراب الوطني أو معظمه بمعنى تكبيد القوات العسكرية المحتلة خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات وكما حصل في فيتنام وهو ما بدأت ملامحه تتبلور أكثر فأكثر، فإن احتمال ظهور عوامل دولية جديدة هو الآخر أمر متوقع، منها عدم استتباب الوضع الدولي خلافا للرؤية الأميركية الكونية، وظهور أزمات جديدة هنا أو هناك، أو فشل الرئيس بوش في الانتخابات الأميركية في نهاية العام.

وعلى أي حال فإن واقعاً جديداً في طور الصيرورة لابد أن يجبر قوات الاحتلال على إعادة النظر في موقفها من العراق، وهو ما بدأت ملامحه تظهر في الأفق بسبب المقاومة العراقية التي فرضت نفسها، وكذلك بسبب الوعي النسبي العربي والدولي المتزايد لأبعاد اللعبة الأميركية في العراق والمنطقة.

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى الأمم المتحدة التي باتت تبحث لها عن دور مفقود في الأزمة العراقية، وإن كنا نعتقد أن الوقت لم يحن بعد لأن تستعيد هذه المنظمة الدولية بعضاً من دورها في العراق أو في فلسطين، خاصة بعد الخلل الكبير في التوازن الدولي الذي حدث بعد غياب روسيا منذ عام 1990.

إن تصاعد الرفض الشعبي العراقي المتجسد سواء في المقاومة المسلحة أو المقاومة السلمية بحاجة إلى أن يبلور أهدافاً ومبادئ محددة تؤمن لعراق الحاضر وعراق المستقبل الحرية والاستقلال والأمن والديمقراطية، كما أن تضامناً عربياً رسمياً وشعبياً فعلياً وبعد نظر من دول الجوار في تجاوز المصالح الآنية الضيقة وفي إطار تصور سليم لبناء علاقات مستقبلية سياسية واقتصادية تقوم على الانتماء الجغرافي والثقافي والديني، كفيل بتجنيب المنطقة الوقوع في الشرك المنصوب لها من قبل قوى الاستعمار الجديد التي تريد ليس فقط السيطرة والهيمنة على ثرواتها وقدراتها بل وتغيير ملامح المنطقة وثقافتها وخصوصياتها بأكملها.

وبناء على ذلك وفي ضوء المعطيات السياسية الدولية الراهنة والواقع العربي الراهن، فإن العامل الفاعل المعول عليه حقا لمواجهة الاحتلال الأجنبي للعراق يرتبط بمدى نجاح المقاومة الوطنية العراقية في إثبات نفسها على الساحة وقدرتها على هزيمة قوات الاحتلال وإجبارها على الرحيل، وقيام عراق مستقل موحد وسيد نفسه.
______________
مندوب العراق السابق لدى الأمم المتحدة. والمقال منشور باتفاق خاص مع التقرير الإستراتيجي الخليجي 2003-2004 الصادر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية - دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر.