د. سلمان أبو ستة
الحديث عن مشاريع التوطين بدأ ولا يزال مستمرا منذ ستين عاما فما الجديد هذه المرة؟ وهل يمكن أن تفضي اللقاءات والاجتماعات الجارية الآن بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى تغيير في أوضاع اللاجئين من خلال بوابة التوطين؟

مؤسس هيئة فلسطين وصاحب "أطلس فلسطين 1948" الذي قضى في إعداده عشرين عاما، المؤرخ والخبير في شؤون اللاجئين الدكتور سلمان أبو ستة يجيب عن هذه الأسئلة للجزيرة نت في حواره التالي:

حوار/ محمد عبد العاطي
 
بداية كيف يمكن وضع مسألة توطين الفلسطينيين ضمن سياقها التاريخي؟ وكيف يمكن النظر إليها  وإلى ما ستؤول إليه؟
 
أنت تعرف أن موضوع التوطين هو جزء من نكبة 1948 والنكبة مكونة من ثلاث مراحل: الأولى طرد السكان والاستيلاء على أرضهم وممتلكاتهم، والثانية إبقاؤهم خارج فلسطين وعدم السماح لهم بالعودة تحت أي ظرف، والثلاثة إزالة تاريخهم وآثارهم العمرانية والحضارية.
 
وقد بدأت مشاريع التوطين منذ العام الأول للنكبة وما صاحبها من لاجئين شردوا عن ديارهم، ففي عام 1949 على سبيل المثال وبينما كان اللاجئون يبحثون عن خيمة تحميهم في البلدان المجاورة فوجئنا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن يكتب ويتحدث عن مشروع لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا والعراق، ومنذ ذلك الوقت والمشاريع لا تتوقف حتى لقد وصل عددها بين أربعين وخمسين مشروعا.
 
اشتهر عنك ربطك محاولات التوطين بجرائم الحرب فما الأساس القانوني الذي استندت إليه للخروج بهذه النتيجة؟
 
خلاصة الرأي القانوني في هذه الجزئية -والذي يشاركني فيه معظم خبراء القانون الدولي في العالم- أنه إذا طردت دولة مواطنيها مباشرة أو غير ذلك، فإن لهم حق العودة والتعويض كليهما، واحتجاج إسرائيل بأن الفلسطينيين ليسوا مواطنين فيها احتجاج غير مقبول، لأنهم كانوا مواطنين على الأرض التي بسطت عليها إسرائيل سيطرتها، وأن الدولة التي تعلن السيادة على الأرض ملزمة بواجباتها تجاه من يعيشون على هذه الأرض، ومن هذه الواجبات منحهم حق المواطنة.
 
وما الذي يترتب على حصول الإنسان الفلسطيني على حق المواطنة من قبل الدولة الإسرائيلية المحتلة وما علاقته بموضوع التوطين؟
 
يترتب على ذلك أشياء كثيرة، منها استحقاق التعويض من الدولة عن سلب المواطن جنسيته، إلى جانب الحق في استرجاعها وهذا بالضبط هو عكس ما تطالب به إسرائيل.
 
وماذا لو وقعت السلطة الفلسطينية على أي اتفاق سواء من بوابة التوطين أو من بوابة التعويض أو من أي بوابة آخرى؟ هل يُسقط هذا حق الفلسطيني في العودة إلى دياره؟
 
"
مشاريع التوطين لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا وسوف تستمر لأنها جزء من إستراتيجية إسرائيلية بدأت منذ النكبة وهدفها بعد احتلال الأرض طرد السكان ومنع عودتهم وطمس معالم حضارتهم

"
هذا سؤال جيد لأنه يصب مباشرة في مآلات قضية التوطين وحق العودة ومشكلة اللاجئين، فالثابت قانونا أن 
حق اللاجئ في مقاضاة إسرائيل ومطالبتها بالتعويض لا يسقط بتوقيع أي اتفاق، فهو حق فردي مطلق ليس له حد زمني، وقد سبب هذا الحق القانوني المشهور في القانوني الدولي إزعاجا كبيرا لإسرائيل وجعلها تحاول التملص منه بإلقاء المسؤولية على السلطة الفلسطينية أو الدولة العربية التي توقع معها معاهدات سلام لتحميها من مطالبات مواطنيها القانونية.
 
لأن الحق في القانون الدولي أيضا يمتد إلى الدول المجاورة التي استقبلت اللاجئين فمن حق هذه الدول المستقبلة أن تطالب الدولة الطاردة بتعويضات وهذا أمر يهم الأردن وسوريا ولبنان خصوصا، إذ ينص القانون الدولي على حق الدول المجاورة في طلب التعويض من إسرائيل، إذ إنها سلبت اللاجئين مواطنتهم وأضافت عبئا جديدا على الدول المجاورة، تحملته لأسباب إنسانية، وإسرائيل بذلك خرقت سيادة تلك الدول بإرغامها على قبول لاجئين غير مواطنين فيها.
 

وهل التعويضات التي تتحدث عنها لهذه الدول هي تعويضات مستحقة كجزء مما يتردد صداه بين الحين والآخر من تعويض اللاجئين؟


لا، ليس الأمر كذلك فالدول المجاورة 
تستحق تعويضا منفصلا من إسرائيل وليس جزءا من تعويضات اللاجئين، كما تعتقد بعض الدول العربية، كما أن الدولة التي منحت اللاجئين جنسيتها مسؤولة عنهم إعاشة وتعليما وصحة بموجب عقد المواطنة المعقود بين الدولة والمواطن فيها، من دون أن يؤثر ذلك على حقوقهم الفردية تجاه إسرائيل.
 
إلى هنا والأمر مفهوم لكنك لم تتحدث حتى الآن عن العلاقة بين التوطين وجرائم الحرب؟
 
نعم هذا أمر معروف، فإسرائيل أجلت الفلسطينيين عن بلادهم، ثم تحاول توطينهم في البلدان التي هم فيها أو في بلدان أخرى لكي تمنع عودتهم حتى تحافظ على دولتها دولة يهودية ليس فيها عرب، فهي إذن ارتكبت جريمة تنظيف عرقي وهي إحدى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يعاقب عليها القانون الدولي.
 
بعد تتبعك لمسار مشاريع التوطين التي قلت إنها تجاوزت الأربعين مشروعا كيف تقرأ دلالات تلك المشاريع في ضوء الفترة الزمنية التي راجت فيها؟

في الستينيات وبخاصة بعد هزيمة عام 1967 أصبحت مشاريع التوطين واضحة المعالم بعد أن كانت في السابق مختبئة تحت عباءة المشاريع والأطروحات الغربية فمنذئذ باتت مشاريع إسرائيلية دون مواربة.
 
وبعد عام 1993 أي بعد أوسلو اختارات إسرائيل فئة من الشعب الفلسطيني لكي يقدموا معها مشاريع توطين مشتركة، فاختارت ياسر عبد ربه وساري نسيبة لكي يتحدثا عن التوطين ويدعوا لأفكاره القريبة من الأفكار الإسرائيلية.
 
بالنسبة لعبد ربه كلنا نذكر لقاءاته ويوسي بيلين التي تمت ووضعت خطة للتوطين على شاطئ البحر الميت لكنهما ذهبا إلى أحد فنادق جنيف لكي يعطيانها الصفة الدولية المحايدة ويخلعان عليها مسحة من البراءة.
 
أما ساري نسيبة فأخذ يردد ما تريده إسرائيل وتحدث عن الرغبة في إقامة دولتين عنصريتين واحدة لليهود تقام على 94% من أرض فلسطين التاريخية والأخرى فلسطينية تعيش على 6% فقط ويطلقون عليها اسم "دولة" وهي لا تمت للدولة بصلة حيث لا تمتلك من أمر نفسها شيئا، وكل حدودها البرية والبحرية والجوية بيد إسرائيل.
 
هذا عن مشاريع التوطين في سياقها التاريخي فماذا عن هذه المشاريع الآن، ما الجديد المطروح حاليا؟

"
لا نعول الكثير على قياداتنا الحالية لأنها فاقدة للإجماع الوطني ولم ينتخبها أغلب الشعب الفلسطيني وذلك لأن المجلس الوطني الذي يمثل أعلى هيئة شعبية فلسطينية لم ينعقد منذ عشرين عاما ونصف أعضائه قد ماتوا والذي يتحكم في مسار القضية الفلسطينية حاليا قلة من حركة فتح

"
الحقيقة أن كل ما قيل في مؤتمر أنابوليس الأخير يؤكد أن محاولات ومشاريع التوطين لا تزال تجري على قدم وساق، فرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت يقول عن اللاجئين إننا آسفون "لكل هذه الكوارث الإنسانية" فهو يعتبر التهجير والطرد والإبعاد القسري للسكان الفلسطينيين عبر ستين عاما كوارث إنسانية مثل الكوارث الطبيعية كالفيضانات والأعاصير.
 
ثم يقول بعد حديثه عن تلك الكوارث "إننا نساهم مع الآخرين في حلها" والمقصود هنا هو تجميع أموال من الدول العربية والأجنبية لكي يشتروا بها فلسطين جديدة يعيش فيها هؤلاء اللاجئون ويقصد هنا التوطين.
 
فضلا عن ذلك فهناك جماعة إسرائيلية تعمل الآن على أحد مشاريع التوطين واللاجئين تسمى أيكس غروب، وهي عبارة عن مجموعة من الباحثين اليهود هدفهم في المقام الأول تمرير مشاريعهم وأفكارهم وتصوراتهم التي تخدم دولة إسرائيل.
 
أدخلت هذه المجموعة معها مجموعة من الباحثين الأميركيين حتى تبدو صورتهم طبيعية وبحثوا عن اثنين أو ثلاثة من الباحثيين الفلسطينيين وقد وجدوا بغيتهم وكل ذلك من أجل الترويج لمسألة توطين الفلسطينيين في الأماكن التي يرغبون فيها وهي أفكار ومشاريع وتحركات من شأنها القضاء على القضية الفلسطينية.
 
على مستوى الأفكار المطروحة حاليا للتوطين ما أبرز ما لفت نظرك؟

ملخص ما يدور التباحث بشأنه الآن هو أن إسرائيل تود أن تقول للاجئ الفلسطيني أمامك خمسة خيارات: الأول الرجوع إلى الوطن لكن بشروط، ثم يضعون شروطا تعجيزيه منها عامل السن وإثبات أنه لم يشتم قط دولة إسرائيل وله أقارب داخل فلسطين وغير ذلك من شعرات الشروط التي لا تنطبق إلا على أقل من ربع أعداد اللاجئين.
 
أما الخيارات الأربعة الأخرى فملخصها: أين عنوان المنفى الذي تريده؟ أي أين تريد أن نوطنك؟ ما هي الدولة التي تختارها؟ أم أنك أيها اللاجئ تريد العودة إلى بقعة من الأرض الفلسطينية المكتظة بالسكان في ما تبقى من الضفة الغربية؟
 
هل تعتقد بأن الصف الفلسطيني الآن الممزق بين فتح وحماس قادر على الوقوف والتصدي لمثل هذه المشاريع؟
 
بل هو تمزق مؤلم، وهو جزء من معركة ضد الشعب الفلسطيني، وهي أطول معركة ضد شعب في العالم حيث استمرت لما يقارب التسعين عاما منذ وعد بلفور حتى الآن.
 
وللأسف قياداتنا الفلسطينية خصوصا والعربية عموما تعيسة، ولا ينعقد عليها أمل، بل الأمل بعد الله عز وجل في الشعوب، فهذه الشعوب هي التي حاربت في 1948 وهي التي قامت بالانتفاضات وحتى ما يفعله حزب الله هو حركة من حركات الشعوب وليست الحكومات.
 
إن الرئيس محمود عباس لا يمثل الإجماع أو الأغلبية الفلسطينية، وقد تعجبت من قول الفاشي العنصري الروسي الإسرائيلي إفيغدور ليبرمان حينما تساءل ساخرا: هل يمثل عباس الفلسطينيين؟ إن عباس لا يمثل الفلسطينيين إلا بمقدار ما أمثل أنا النرويجيين.
 
إذا كانت الصورة بهذا القدر من القتامة فما تصورك عن السيناريوهات المستقبلية لقضية التوطين؟
 
ليس أمامنا إلا الصمود، والصمود له أوجه كثيرة جدا وكلي أمل في الحملات الشعبية ضد إسرائيل حيث من الواجب علينا أن نعلن للعالم ونسمعه صوتنا بأن إسرائيل نظام فصل عنصري يجب إزالته، وأنها ترتكب جرائم حرب، ونحن نشطاءً وشعوبا نبذل الجهد في ذلك لكن تعوزنا الإمكانات المالية، فأنا أحيانا أتصور لو أنه تحت يدي مؤسسة ميزانيتها حوالي عشرين مليون دولار وفيها خمسون محاميا فقط نستطيع أن نقلب على إسرائيل الدنيا كلها.
 
أيضا لا بد من تنوير الفلسطينيين بالحقائق وليس بالعواطف خاصة إذا علمنا أن الشباب الفلسطيني الآن هو من الجيل الثالث بعد النكبة ولا بد من تنويره بالمعرفة والمعلومات والحقائق.
 
وكذلك يجب أن يكون لنا مجلس وطني جديد منتخب وهذا هو الحل، ولا بد أن نعمل ذلك بالرغم من معارضة محمود عباس وجماعته من حركة فتح وبعض الدول العربية التي تتعلل أو تتخوف من انتخابات الفلسطينيين داخل أراضيها.
 
لابد من وجود هذا المجلس لأن نصف أعضاء المجلس الوطني الذين اجتمعوا عام 1988 قد ماتوا، فلا بد من وجود مجلس وطني يمثل الفلسطينيين جميعا في الداخل والخارج لكي نقف في وجه مشاريع التوطين وغيرها من المشاريع الهادفة إلى تذويب الهوية الفلسطينية والقضاء على قضية هذا الشعب الأبي.

شارك برأيك