محمد يحيى عزان

المذهب الزيدي قريب خاصة من المذهب السني ومن المذهب الاثنى عشري الشيعي حتى إن أتباعه قد يوصفون بأنهم "شيعة السنة وسنة الشيعة".

فهم يتفقون مع أهل السنة في أهم مكونات الفكر الإسلامي كأساسيات العقيدة وكثير من فروعها، إلى جانب الاتفاق في تعيين مصادر التشريع، التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والتوافق في كثير من قواعد وآليات العمل بها.

كما يتفقون مع الشيعة في الولاء العام لأهل البيت، ويعتبرونهم الطريق الأفضل -لا الوحيد- للوصول إلى مصادر التشريع، بلا إفراط ولا تفريط.

فضلا عن أن المذهب الزيدي يوجب النظر في المسائل العقائدية وينهى عن التقليد فيها لأي جهة كانت.

وفي المسائل العملية كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وسائر أبواب الأحوال الشخصية والمعاملات والفقه السياسي، يتيح لأتباعه حرية التعبد وفق الأدلة الراجحة، أيا كان مصدرها.

لهذا في مجال الإسهام في التقريب بين المذاهب المختلفة نجد لدى الزيدية مناهج مميزة خطت في ضوئها خطوات عملية، قد تجعل التقارب بين المسلمين حقيقة ممكنة.

الاكتفاء في العقيدة بالجُمل
الحمل على السلامة في الاعتقاد والتصويب في الفقه
إرساء قواعد للتقريب واحترام العلماء
الاعتماد على الأصول المتفق عليها
 

الاكتفاء في العقيدة بالجُمل

عندما نبحث عن أسباب توسيع الشقة بين أتباع الدين الواحد، وكيف نشأت العلامات الفاصلة بين الإخوة، وعمدت لإطلاق ألقاب مستحدثة للتمييز بينهم، وتعمقت حتى صار العمل من أجل التقارب أمرا يبعث على المتاعب ويثير كثيرا من الشكوك، نجد أن البلاء في ذلك جاء نتيجة المبالغة في تصدير تفاصيل المسائل التي أنتجها الجدل المذهبي، والتعصب لنشرها وسبر أغوارها.

"
إذا اقتصر المسلمون على جُمل الدين واجتنبوا تفاصيل الخلاف فإنهم سيشعرون بواحدية أصولهم فيحن بعضهم إلى بعض ويرأف به
"
وذلك ما أدرك علماء الزيدية خطورته، فدعوا إلى قصر الخوض في مسائل العقيدة على جملها التي ورد بها القرآن واتفق عليها المسلمون، كالإيمان بوجود الله ووحدانيته واتصافه بصفات الكمال، والإيمان بأن اليوم الآخر آت لاستيفاء حساب الحياة الدنيا، والإيمان بالنبوة وأنها وسيلة لتبليغ التعاليم الإلهية، ووضع الخطوط العامة لمنهج حياة كريمة، واعتبروا العلم بجملة تلك المسائل كافيا لصحة الإيمان، بل يرون أن الذي وسع دائرة الجدل وأنتج المذاهب وأفرز الألقاب هو الخوض في التفاصيل، والاشتغال بالبحث عن الدقائق التي لا طريق إلى معرفتها، ولا يوصل البحث عنها إلى اليقين.

ومن أمثلة التوافق على الجمل والاختلاف في التفاصيل أنه يكفي المسلم في باب الصفات الإيمان بأن الله تعالى متصف بصفات الكمال. فإذا خاض في تفاصيلها كمحاولة تصور ماهية تلك الصفات، ومعرفة مكوناتها، وكيف نشأت، وعددها ومقدار التشابه بينها ونحو ذلك، فإن ذلك يؤدي إلى الاختلاف والتفرق والنزاع وتبادل اتهامات بل والتراشق بفتاوى التضليل والتكفير.

وفي باب الخلافة يكفي اعتقاد أنه لا بد للناس من نظام يدير شؤونهم ويرعى مصالحهم، على أن يكون القائمون عليه قادرين أكفاء بما يتناسب مع الظروف والمتغيرات المعاشة، وما عدا ذلك من التفاصيل مرجعه إلى المجتمع يختار ما يناسبه ويغير فيه متى شاء، دون إضفاء طابع الدين والعقيدة عليه.

ومن أمثلة تطبيق علماء الزيدية منهج الأخذ بالجمل ما روى عن أحد أئمة الزيدية أحمد بن عيسى بن زيد (المتوفى سنة 247هـ) أنه كان يأخذ بالجمل ويترك ما فيه الفرقة، وأنه سئل عن القرآن هل هو مخلوق أم قديم؟ فقال: أنتم متفقون على أنه من عند الله.  قالوا: نعم. قال فقولوا: هو من عند الله، واتركوا ما عدا ذلك.

فإذا اقتصر المسلمون على جُمل الدين واجتنبوا تفاصيل الخلاف، فإنهم سيشعرون بواحدية أصولهم، فيحن بعضهم إلى بعض ويرأف به.

 الحمل على السلامة في الاعتقاد والتصويب في الفقه

يذكر علماء الزيدية أن مصدري العقيدة والشريعة (القرآن الكريم والسنة النبوية) قابلان -بضرورة اللغة- للحمل على أكثر من معنى، نتيجة لتعدد المعاني التي يدل عليها اللفظ العربي، فضلا عن ارتباط فهمه بالسياقات المختلفة، وتأثير الموروث الفكري والاجتماعي في نمط تفكير الإنسان المكلف، فما سبق إلى فهمه فهو "الظاهر" الذي يتعين العمل في ضوئه والتعبد بموجبه، بصرف النظر عما فهم غيره.

"
الاختلاف في تفاصيل مسائل العقيدة جائز، والدليل إذا احتمل أكثر من تفسير جاز الأخذ بأيها، وبالتالي يكون المخالف، مجتهدا كان أم مقلدا، معذورا يجب حمله على السلامة
"

وهذا يعني أن الفرقاء لم يختاروا ما اختاروه من أفكار وتوجهات عنادا ولا تمردا، ولكن ظهر لكل منهم ما لامس قناعته فآمن به، ولو علم ما يصرفه عنه لانصرف وأخذ بسواه.

ومن هذا الأصل تفرع لدى علماء الزيدية مسلكان مهمان في باب التسامح والتقريب بين المذاهب:

الأول: الحمل على السلامة
حمل المخالف في تفاصيل مسائل العقيدة على السلامة، فإنهم وإن اتفقوا على أن مجمل مسائل العقيدة تندرج ضمن الدائرة المغلقة التي لا يدخلها الاجتهاد ولا تقبل تعدد الآراء، فإنهم يرون أن الاختلاف في تفاصيل مسائل العقيدة جائز، وأن الدليل إذا احتمل أكثر من تفسير جاز الأخذ بأيها، وبالتالي يكون المخالف -مجتهدا كان أم مقلدا- معذورا يجب حمله على السلامة، ولا يجوز رميه بالضلالة وإن خالف ما يراه الآخرون صريحا مادام لكلامه وجه شرعي يحمل عليه، وإن لم يكن مقنعا لمخالفة.

ففي مسألة رؤية الله تعالى -مثلا- ينفي الزيدية والمعتزلة والإباضية ومن وافقهم النظر إلى الله تعالى، استنادا إلى آيات وأحاديث وأدلة عقلية. والأشاعرة ومن وافقهم يثبتون الرؤية، نزولا عند أدلة أخرى من الكتاب والسنة، ولكل من المختلفين -على ما ذهب إليه- تفاصيل واستدلالات مطولة، تجعلنا نجزم بأن كل طرف اختار ما اختار تدينا وليس لمجرد الهوى والتعصب.

ولو بحثنا في خلفيات ومقاصد كل طرف لوجدناهم متفقين على أصول الأفكار التي تمس العقيدة، وأن الخلاف بينهم إنما ظهر بسبب استعمال الألفاظ وتفسيرها.

وهذا ما جعل علماء الزيدية يحترمون مخالفيهم ويصفونهم بأوصاف حسنة كأئمة العلم والمحققين والنظار، ويترحمون عليهم ويقبلون رواياتهم ويصلون معهم ويناكحونهم ويحضرون جنائزهم ولا يجيزون نقض أحكامهم لمجرد المخالفة في المذهب.

الثاني: التصويب في المسائل الاجتهادية
بمعنى أن المسائل التفصيلية -التي لم يرد بحكمها نص صحيح صريح- متروكة لما توصل إليه بحث المجتهد، وليس فيها حق معين، بل يتعدد الحق فيها نتيجة لتعدد الطرق الموصلة إليه، فمن خلص بعد النظر وتتبع الأدلة والشواهد إلى الحكم بتنصيف دية المرأة فهو مصيب للحق، ومن خلص إلى تمام الدية فهو مصيب للحق أيضا.

ولسد باب النزاع فيما تقع فيه الخصومة من هذه المسائل يعتبر حكم الحاكم ملزما لمختلف الأطراف وإن اختلفت مذاهبهم.

إرساء قواعد للتقريب واحترام العلماء

"
يتطلب التقريب الجاد بين المذاهب التفريق بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، إلى جانب تجاوز الخصوصية للإشراف على المدارس المذهبية الأخرى ودراسة ما لديها والإفادة منها باعتبارها جزءا من تراث المسلمين
"
يتداول علماء الزيدية في كتبهم قواعد تتعلق بكيفية التعامل مع المسائل الخلافية، تمت دراستها وتقرير حججها في أبحاث مطولة عبر القرون، حتى صارت تمثل أساسا لبناء منظومة التقارب بين المسلمين. ومنها على سبيل المثال:

  1. لا يعتبر لازم المذهب مذهبا ولا ينبني عليه حكم.
  2. يجب قبول رواية المخالف من أي فرق الإسلام كان إذا لم يكن كذابا.
  3. يجب اعتقاد صحة فعل المخالف في العبادات ليصح التعامل معه.
  4. كل مجتهد في المسائل الظنية مصيب. (من الصواب على رأي ومن الإصابة على آخر).
  5. إذا اختلف مذهب إمام الصلاة ومذهب المؤتم به، فالإمام حاكم.
  6. لا يجب الإنكار في أمر اختلف المسلمون في حكمه.
  7. لا يجوز التكفير والتفسيق إلا بثبوت ما يوجب كفرا أو فسقا بدليل قاطع.
  8. حكم الحاكم يقطع النزاع مهما كان مذهب الحاكم، وكيفما كان مذهب الخصمين.
  9.  الجاهل الصرف الذي لا يعرف عن المذاهب شيئا مذهبه مذهب من وافق من أئمة المسلمين.
  10. كل مسألة خلافية خرج وقتها فلا يجب على المكلف قضاؤها.
  11. الخلاف في أي مسألة يصيرها ظنية، فيعذر المخالف فيها مجتهدا كان أم مقلدا لمجتهد.
  12. من أمكنه الترجيح بين الأقوال لم يجز له التقليد فيها، ولو لم يبلغ درجة الاجتهاد.

احترام العلماء وتداول تراثهم
كما
يتطلب التقريب الجاد بين المذاهب التفريق بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، إلى جانب تجاوز الخصوصية للإشراف على المدارس المذهبية الأخرى ودراسة ما لديها والإفادة منها، باعتبارها جزءا من تراث المسلمين وخلاصة جهود علمائهم، وهذه خطوة عملية تكسر حاجز الوحشة المفتعلة نتيجة التباعد والتنافر.

وتاريخ المدرسة الزيدية يشير إلى أن لهم تجربة في هذا المضمار، فنصوص مختلف علماء المسلمين مدونة في كتبهم لمناقشتها وتحليلها بل الاستشهاد بها والانتصار لها في كثير من المسائل.

الاعتماد على الأصول المتفق عليها

اتفاق المسلمين على مرجعية القرآن والسنة لا يفسده اختلافهم في فهمهما إذا استحضر ما ذكر آنفا، ولكن الذي فاقم الأمر وأفسد الود اتخاذ مرجعيات أخرى تجاوزت وظيفتها "مرشدة" إلى مصادر التشريع، فصارت هي نفسها "مصادر للتشريع"، وأصبح النزول على رأيها -عند الأتباع- أمرا لازما، والتردد في ذلك تهمة بالانحراف ومخالفة للدين.

هذه الظاهرة أدت إلى اتساع الهوة بين المذاهب، وأفرزت مصطلحات وقواعد وأفكارا قدسها الجدل المذهبي، وأضحت دون سواها علامة التدين ورمز الاستقامة.

وللقضاء على ذلك أو التخفيف من غلوائه يوجب علماء الزيدية النظر المباشر في المصدر الرئيسي للدين والأخذ بمقتضى ما جاء فيه سواء وافق رأي الأئمة أم خالفه، شريطة أن يكون الناظر مؤهلا لذلك، على تفاوت بين المسائل النظرية والعملية.

فإذا شعر المسلمون أنهم يغترفون من منهل واحد ضاقت الفجوة بينهم، وإن اختلفت أنظارهم في فهم بعض النصوص.
_______________
كاتب يمني زيدي

شارك برأيك