لم تعلق "الحركة" أهمية على التغيير عن طريق العمل البرلماني وساهمت بدورها في الظاهرة الانقلابية التي قضت على أي بوادر لتطوير التجربة الديمقراطية البرلمانية لما قبل وما بعد الاستقلال

نهاية "الحركة" بعد تشققها ليست مأساة بل أمر طبيعي، فالحزب كالكائن البشري يولد ويموت، لكن الفائدة بأخذ العبر من مسيرته لصالح تجارب تالية. نشأت "الحركة" مع النهوض الجماهيري في المشرق أوائل الخمسينيات وماتت مع الركود أواخر الستينيات إثر تراجع تدريجي للتيار القومي، انتهى لأحزاب ليس لها تقريباًً إلا اللافتة، وأحزاب أخرى وصلت للحكم وأصبحت أداة وواجهة للمتحكمين بالسلطة من عسكريين وديكتاتوريين. وتميزت "الحركة" بعدم إنتاج زعامات فردية تحيطها طقوس عبادة مفتعلة، بل قيادات جماعية يتم اختيارها بشكل دقيق تلتزم سلوكاً أخلاقياً مثالياً متشدداً في عملها السياسي وحياتها الخاصة. كما تميزت عن أحزاب أخرى عربية بنوعية العضو فيها الذي يتم اختياره بشكل دقيق ويدرب على الإخلاص للتنظيم والاستعداد للتضحية دون مقابل.


في المرحلة الأولى –الخمسينيات- لم تكن "الحركة" تلتزم بأيديولوجيا معينة، فالقومية كهوية وحركة سياسية لا تمتلك مفاهيم نظرية شاملة لكل ما يتعلق بالإنسان والمجتمعات والكون، مما مكن من تطوير بعض أفكارها دون عوائق نسبياً، إلا أنه في أوائل الستينيات مع بدء اعتناق بعض قياداتها للأيديولوجيا الماركسية، عانت "الحركة" من سلبيات في آليات عملها الداخلية جعلت أي تطوير لفكرها يؤدي إلى هزات تنظيمية، وأصبح التطور الوحيد المقبول هو دفع جميع الأعضاء للالتزام بالماركسية وإلا تعرضوا لإرهاب فكري وإقصاء، فالالتزام بالأيديولوجيا الواحدة الشاملة يفترض الوحدة الفكرية والتنظيمية، مما يستدعي إخراجا دوريا للمخالفين.


تعاني تنظيمات الأيديولوجيا الواحدة من الجمود الفكري ومعاكسة الوقائع ومعارضة أي محاولة داخلية للتطوير -فهي لا تضمن وحدة التنظيم وعدم انشقاقه عند أي فعل تغييري- الذي يتهم بالانحراف عن "العقيدة" التي تحولت إلى نوع من الدين الذي يفترض الإيمان بالنصوص بلا نقاش، مما يولد عادة حركة خروج جماعية في التنظيمات الشمولية، فالانشقاق الطريقة الوحيدة لطرح الآراء المخالفة لما هو سائد، لتتبادل الأطراف المختلفة تهم "التحريفية" المشابهة في الأديان لتهمة "الكفر". بينما الحزب الديمقراطي لا يحتاج للالتزام بأيديولوجيا واحدة بل لتعايش أيديولوجيات مختلفة، مما يجعله أقل تعرضاً للانشقاقات، فالرابط الأساسي بين أعضائه قناعتهم ببرنامج مشترك بنوده غير مقدسة وقابلة للتطوير، وهذا لا يمنع من وجود خطوط نظرية أساسية مرنة كانعكاس للبرامج والوقائع، تختلف عن الأيديولوجيا التي يجري الالتزام بها مسبقاً لتخضع الوقائع في الحزب والمجتمع لاشتراطاتها.


الهزة الفكرية الأهم في "الحركة" في منتصف الستينيات فرضت إعادة نظر شاملة بالإستراتيجيات ومناهج التحليل والأحكام والمواقف. ولأن القيادات اليسارية التي طرحت الفكر الجديد تطورت بشكل منفصل عن التنظيم بشكل عام، ولعدم وجود آلية حوار ديمقراطي تضع أي مفاهيم نظرية جديدة أمام مجمل الأعضاء قبل عرضها على المؤتمرات لتأخذ نصيبها من الحوار والنقاش المستفيض، فقد واجهت "الحركة" حالة غير طبيعية كادت تهدد بتفجيرها في مؤتمر 1964، إذ فوجئت حتى قيادات الأقاليم بالأفكار الاشتراكية المبنية على مطالعات فكرية أكثر منها دراسات للواقع القائم حينها. فجوبهت بالرفض من أغلبية متمسكة بالمفاهيم السابقة على أنها الحقيقة المطلقة، فعند أي منعطف تغييري يقف البعض مع القديم لأنهم تربوا على حفظه كمبادئ بديهية و"ثوابت"، رغم أنها قابلة للتطوير أمام وقائع متجددة، في حالة توفر إمكانية دفاع كل تيار عن آرائه بالوسائل العلنية المتاحة وبشفافية كاملة.


ونتيجة غياب الأسلوب السليم لمعالجة الخلافات الفكرية والسياسية والذي يحافظ على تماسك التنظيم، فقد شاب الخلافات الحادة انفعالات أدت للتخلي عن الموضوعية والتحول للاتهامات والتصنيفات "اليمينية و"اليسارية" مما سبب جراحات في العلاقات الأخوية التي كانت تحل ضمنها الخلافات السابقة كبديل عن العلاقات الديمقراطية. ولعدم كفاية العلاقات الأخوية فقد جرى تجاوز الخلافات بإيقاف المؤتمر وعدم إصدار تقارير عنه وتأجيل الموضوع لمؤتمر تال والتكتم عليه بإصدار تعميم لقيادات الأقاليم فقط وليس لعموم الأعضاء، والرد على كل من علم بالخلاف بأنه أصبح في حكم المنتهي وأن المشكلة لم تتعد الجدل حول القضايا الفكرية والتنظيمية (84). فالآراء المختلفة والمناقشات كانت تحجب عادة عن الأعضاء.



في أوائل الستينيات مع بدء اعتناق بعض قياداتها للأيديولوجيا الماركسية، عانت "الحركة" من سلبيات في آليات عملها الداخلية جعلت أي تطوير لفكرها يؤدي إلى هزات تنظيمية، وأصبح التطور الوحيد المقبول هو دفع جميع الأعضاء للالتزام بالماركسية وإلا تعرضوا لإرهاب فكري

وبدل أن تكون هذه الأزمة فرصة للتوقف لمراجعة طبيعة العلاقات القائمة في "الحركة" وإرساء ديمقراطية حقيقية داخلها كحل لأزمات قادمة، فقد جرى تكريس المنهج القديم في مواجهة الخلافات. ولكي لا يحدث انشقاق قبلت القيادات المعارضة الأفكار الجديدة التي تحولت لدى القسم الأكبر إلى ترديد عناوين وتعابير، دون أن تتحول إلى قناعة راسخة وثقافة تترك أثرها على سلوكها وممارساتها. وكان أحد الحلول التي طرحت توجيه الكوادر لمزيد من التثقيف بنصوص النظريات العالمية بدل دراسة الوقائع المحلية والعالمية واستخراج المبادئ النظرية المناسبة.


ما جرى فعلاً في العام 1964 هو تأجيل الانشقاق، إذ تحولت "الحركة" إلى عدة حركات متجاورة مؤقتاً، بعد أن فقدت وحدتها الفكرية "الحديدية". أصبح هذا أمراً واقعاً جرى تجاهله. كان يجب الاعتراف بهذا التعدد رسمياً ووضع الأسس الديمقراطية الداخلية لحركة جدل بين أطرافه للوصول إلى قواسم مشتركة مع احترام الرأي الآخر، والاحتكام في النهاية للتصويت في مؤتمرات عامة وقبول نتائجها مع حق الأقليات في استمرار طرحها العلني لآرائها، وترك الزمن والتجربة لتقرير أي الأفكار هي الأسلم في ملاءمتها للواقع. التكتم على التعدد وعدم إجراء انتخابات في الأقاليم حسب الإصلاح التنظيمي الذي أقر أوائل الستينيات، أدى لتسرب العديد من الأعضاء بشكل فردي، وتصنيف آخرين كيمينيين أو برجوازيين ثم فصلهم، وبدء صراعات مكتومة للهيمنة على التنظيمات خرجت للعلن بعد فترة قصيرة.


ترافق مع الأزمة الفكرية أسباب أخرى للانشقاقات أهمهاً تضارب السياسات بين ظروف كل إقليم ومركز قومي يضع خططاً عامة لا تراعي الخصوصيات القُطرية التي لم يعد من الممكن تجاهلها لصالح قضية عربية واحدة، وكمثال على ذلك انشقاق الفرع اليمني عن "الحركة" وتنصل المركز منه. كان يجب الوعي مبكراً أن الأقطار العربية بات لكل منها طريق يختلف في كثير من جوانبه عن الآخر بعد فشل الأفكار القومية التوحيدية في زحزحة الكيانية القُطرية التي أصبحت حقيقة واقعة لم يعد تجاوزها ممكناً بالوسائل القديمة. الحد من المركزية الشديدة، والتحول إلى فيدرالية بين فروع "الحركة" مع تنسيق دوري، طرح بشكل متأخر بعد أن بدأت "الحركة" بالتشقق.


بعد هزيمة حزيران لم يعد أمام التيار الذي اعتبر نفسه "يساراً" من قدرة على انتظار تحول "الحركة" إلى حزب ماركسي يكون الرد الوحيد على النكسة، ورأى أن من المستحيل أن تتحول "الحركة" بغالبيتها للحزب المطلوب، فافتتح في العام 1968 صراعاً أيديولوجياً في صفوفها لفرز عناصر تختار الطريق الماركسي، واختار "يميناً" من قيادات أخرى متجمعة حول الفرع الفلسطيني الأردني، والذي كان قابلاً بالأفكار الجديدة. لكن التيار "اليساري" رأى أن القيادة التي سماها "يمينية تقليدية" قبلت نظرياً التحليلات حول سقوط قيادة البرجوازية الصغيرة وضرورة قيادة البروليتاريا لحركة التحرر الوطني، لتفشلها في التطبيق العملي، بينما في الحقيقة لم يتح لهذه الأفكار أي مجال للتطبيق العملي لأنها كانت تتناقض مع الوقائع الموضوعية القائمة في حينها.


لم تنتبه "الحركة" طوال عملها السياسي إلى أن توفر القوة للمجتمع لمواجهة الاستحقاقات الخارجية والداخلية لا يمكن أن يتأتى إلا من مجتمع مدني لحمته المواطنون الأحرار الذين يملكون المبادرة غير المقيدة للعمل في شتى المجالات، فقد ركزت في الخمسينيات على أن القوة تأتي من نظام "ثوري" وحدوي بصرف النظر عن دور المواطنين، وفي الستينيات رأت أن القوة تأتي من حزب "ثوري" عقائدي واحد، يجند المواطنين في صفوفه ويخضعهم للنظام المركزي داخله ويدفعهم للمعركة حسب إستراتيجيات وتوجيهات وضعتها القيادات العليا للحزب، فالعضو بدلاً من أن يجد في حزبه مجالاً حراً لينتج ويبدع يصبح تكبيله مزدوجاً في الحزب والمجتمع.
رضيت "الحركة" مثل أحزاب عربية عديدة بوضع السعي من أجل "الديمقراطية" في المجتمع وداخل الحزب في آخر جدول أعمالها، أجلت الديمقراطية لصالح الوحدة ثم لصالح الاشتراكية وتحرير فلسطين، وجعلت الأولوية "للوطن" على "المواطن"، بينما المواطن الحر المتمتع بكافة حقوقه هو الأساس في تحقيق هذه الأهداف، فأدى التأجيل بحجة العدو الخارجي والوحدة الوطنية ومعركة البناء.. الذي دام حتى يومنا هذا لدى العديد من الأنظمة العربية، لتراكم الهزائم والكوارث.



لم تنتبه "الحركة" طوال عملها السياسي إلى أن توفر القوة للمجتمع لمواجهة الاستحقاقات الخارجية والداخلية لا يمكن أن يتأتى إلا من مجتمع مدني لحمته المواطنون الأحرار الذين يملكون المبادرة غير المقيدة للعمل في شتى المجالات

مفهوم الديمقراطية في الستينيات لدى "الحركة" أصبح اشتقاقاً من الأيديولوجيا التي لا تقبل بحريات إلا لطبقة واحدة وعملياً لحزب واحد. مع هذا المفهوم للديمقراطية لم يعد مهما إن كان نظام الحكم الذي تعمل في ظله غير ديمقراطي، فالأولوية لتغيير النظام لأسباب تتعلق بالوحدة أو الاشتراكية وليس للديمقراطية، فإذا جاء نظام جديد فسيكون نسخة عن النظام القديم، فالحرية هي للقادم الجديد للحكم مع حجبها عن كافة الأحزاب الأخرى المخالفة. لم تكن المسألة داخل الحزب "الثوري" إشكالية ممارسة الديمقراطية داخله في ظل نظام غير ديمقراطي، فالإجراءات القمعية للسلطات تحد من ممارسة الأحزاب لديمقراطية داخلية واسعة لكنها لا تلغيها، بينما نرى أن "المركزية" كمبدأ تنظيمي أساسي في الحزب "الثوري" تتناقض مع أي إجراءات ديمقراطية داخلية، حتى لو سمحت ببعض مظاهرها الشكلية بعد تسميتها "ديمقراطية مركزية".


تمسك الأحزاب العربية بنصوص شبه مقدسة توفرها النظريات القومية والإسلامية والماركسية، يفترض التمسك بتنظيمات "مركزية" جوهرها واحد رغم تنوع النظريات التي تنتجها، مهمتها حراسة النصوص وعدم تعريضها لجدل حر قد يؤدي لتفكيكها. وبصرف النظر عن كون أنظمة الحكم -حيث تعمل هذه الأحزاب- ديمقراطية أو غير ديمقراطية، فالمركزية تتحول مع الزمن إلى مصلحة للقيادات أو القائد الفرد، تتمسك بها رغم تآكلها وإعاقتها للتطور.


تميزت "الحركة" على الأقل بأنها كانت منسجمة في طرحها، فلم تدع مثل أحزاب أخرى لحرية واسعة لتنسفها عندما تصل للسلطة، فتمسكت بالحزب الواحد خارج السلطة وداخلها. ففيما عدا اليمن الجنوبي لم تصل إلى أي سلطة، فقد دربت قياداتها وأعضاءها على البعد عن العمل السياسي "الانتهازي" -حسب تعبيراتها- الذي يسعى للسلطة على حساب الهدف، لذلك يمكن فهم لماذا قبلت الالتحام بالناصرية عندما وجدت فيها قيادة للثورة العربية نحو الأهداف المشتركة، فالمهم تحقيق الهدف وليس من يحققه. فالنقاء الثوري ميزة تسجل "للحركة" في رأي البعض، بينما يرى آخرون أن "الواقعية" و"البراغماتية" و "المصالح" مرافقة للأحزاب، لا يمكن ممارسة السياسة بالبعد عنها، على ألا تبرر الغايات الوسائل، وتكون الأولوية للمصالح العامة على الخاصة.


أساس المشكلة لدى "الحركة" وطيف واسع من الأحزاب "الثورية" العربية أولوية الأهداف الثورية التي لا تنفع معها الأساليب البرلمانية والديمقراطية الليبرالية التدرجية والتراكمية، مما افترض بناء حزب ثوري واللجوء للأساليب الانقلابية، و"الثورية" هنا تعني التناقض مع الأساليب الديمقراطية التي هي خطر على السلطة "الثورية".


لم تعلق "الحركة" أهمية على التغيير عن طريق العمل البرلماني وساهمت بدورها في الظاهرة الانقلابية التي قضت على أي بوادر لتطوير التجربة الديمقراطية البرلمانية لما قبل وما بعد الاستقلال، وأبعدت المواطنين عن السياسة وعن التأثير في القرارات المصيرية التي تمس حياتهم ومصالحهم. وغرقت في صراعات طاحنة مع غيرها من الأحزاب العربية، رغم إمكانية الوصول إلى قواسم مشتركة تفرضها المصلحة العامة للشعب التي تعلو على مصالح الأحزاب، وهي صراعات نشبت غالباً بسبب تخوين الرأي الآخر ووضع أصحابه في مصاف الأعداء، ووصلت أحياناً إلى سفك الدماء. وهذا ما يحدث عادة عندما لا تتم العودة للشعب في انتخابات حرة تحدد أي الأحزاب تنال ثقته وأيها يتحول إلى المعارضة، ليسعى لاحقاً للعودة إلى السلطة في تداول سلمي لها.


لاحقاً في تقييم تجربة "الحركة" رأى أحد مؤسسيها –جورج حبش- أنه لو فكر بإعادة تأسيسها من جديد فسيضيف شعارا أساسيا وهو الديمقراطية.. فلا يجوز أن يكون هناك أي شيء على حساب الديمقراطية.. ولا يمكن للشعب أن يحقق أهدافه الكبرى إلا من خلالها، فهي الشرط للسير نحو الوحدة والتطور والتنمية ومواجهة الأعداء وليس العكس، كما أن جزءاً كبيراً من مسؤولية فشلنا يعود إلى أننا لم نكن ديمقراطيين، فالديمقراطية هي نظام حياة تشمل الاقتصاد والسياسة (85).

للتعليق والتعقيب اضغط هنا