لقاء مكي

أوسلو.. مرجعية الحل السياسي
السراب في كامب ديفد
خريطة الطريق.. هل تنتج دولة؟

رهنت القيادة الفلسطينية مستقبل الحلم في دولة مستقلة بخيار العمل السياسي منذ اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، آنذاك استشعرت تلك القيادة نذر العواصف القادمة على المنطقة والعالم، وكان همها على ما يبدو البقاء في دائرة الأحداث والأولويات، قبل ان تطيح الاحداث بما تحقق من انجازات.

كانت تلك الخطوة المثيرة للجدل ومعها النضال  الفلسطيني الطويل وانتفاضة الحجارة قد حجزت لمنظمة التحريرمقعدا على طاولة ترتيب مستقبل الصراع في مدريد، حيث كانت بداية رحلة مفاوضات صعبة ومغامرة مع خصم إسرائيلي قوي وخصم آخر أميركي حولته الظروف القاهرة إلى وسيط.

أوسلو.. مرجعية الحل السياسي  

لم يكن مؤتمر مدريد سوى البداية الاحتفالية لسلسلة طويلة من الجهود السياسية التي أفضت على المستوى الفلسطيني إلى أنصاف حلول، ومازالت تحكمها عقد جوهرية تجعل الهدف الأهم المتمثل بدولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة أمرا صعبا في  أحسن الأحوال.

كانت أولى الخطوات السياسية قد بدأت بمفاوضات سرية في الغالب تنقلت بين واشنطن وأوسلو استمرت نحو عامين قبل أن تنتهي بإعلان اتفاق فاجأ العالم وسمي في حينه اتفاق (إعلان المبادئ لترتيبات الحكم الذاتي) أو اتفاق أوسلو الذي جرى توقيعه في واشنطن أواسط سبتمبر/ أيلول 1993 من قبل كل من  محمود عباس عن منظمة التحرير وشمعون بيريز عن إسرائيل.

"
اختلف الفلسطينيون في النظر إلى اتفاقية أوسلو، إذ اعتقد بعضهم أنها لن تسفر إلا عن كيان مشوه يقدم كدولة، فيما نظرت إليها القيادة الفلسطينية على أنها توفر موطئ قدم واقعي للدولة الموعودة
"

رؤية جديدة
تكمن أهمية اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقيات تنفيذية (اتفاقيات القاهرة وباريس وأوسلو 2) في أنها مثلت أساس الحل السياسي للقضية الفلسطينية برؤية جديدة قادها الزعيم الراحل ياسر عرفات تخلت عن الثوابت الصارمة القديمة، وهو ما أثار اعتراضات كبيرة بين طيف واسع من الفلسطينيين وتأييدا من آخرين.

وفيما يتعلق تحديدا بالدولة، احتج المعترضون على أن اتفاقيات أوسلو لا يمكن أن تنتج في نهاية المطاف وفي أحسن الأحوال سوى كيان مشوه وغير كامل سيقدم للفلسطينيين على أنه دولة، وحجة هؤلاء أن اتفاقية أوسلو التي رضي الجانب الفلسطيني أن تكون مرجعية سياسية وقانونية للمفاوضات لا تقدم للفلسطينيين أكثر من سلطة محلية لها سيطرة محدودة على الناس دون سيادة على الأرض، ومن غير ضمانات تقود إلى الحد الأدنى الذي قبل به الفلسطينيون في الجزائر، أو تضمن تنفيذ القرارات الدولية التي تحفظ الحقوق الفلسطينية.

في المقابل يقول المؤيدون لاتفاقيات أوسلو إنها مثلت أفضل صفقة ممكنة في الظروف السيئة التي سادت وقت المفاوضات، وهي الظروف التي ازدادت سوءا بالنسبة للعرب بعد ذلك، ويشير هؤلاء إلى أن الاتفاقيات حتى وإن كانت (سيئة) فهي توفر للفلسطينيين موطئ قدم حقيقي على أرضهم يهيئ لهم أن يؤسسوا لدولتهم بشكل واقعي خطوة خطوة.

والمهم -حسب المؤيدين- أن الاتفاقية تضمنت توقيتات تجعل الأحلام الفلسطينية (أو جزءا منها) ذات أفق منظور لأول مرة، حيث تم الاتفاق في أوسلو على البدء بمفاوضات الوضع النهائي في غضون ثلاث سنوات على ألا تستمر أكثر من سنتين، أي أن الدولة –الحلم- يمكن أن تعلن خلال العام 1998، وعند هؤلاء تستحق مثل هذه النتيجة التضحية ببعض الثوابت القديمة والتعاطي الديناميكي مع المستجدات الإقليمية والدولية.

المكاسب الهشة



في النهاية تغلبت الرؤية الثانية، رؤية عرفات، وعاد الزعيم الفلسطيني إلى غزة تنفيذا للاتفاق في مطلع يوليو/ تموز 1994 ليستقبله 200 ألف فلسطيني، وكانت هذه الحفاوة والحماسة مهمة فيما بعد لإطلاق يد القيادة الفلسطينية في المشوار التفاوضي الطويل، لكنها لم تكن كذلك في إيجاد آليات واقعية وسريعة لقيام الدولة.

لم يتمكن المتفاوضان أو الوسيط الأميركي من تحقيق تقدم جدي في طريق بناء الثقة أو تحويل الاتفاقات العديدة بعد أوسلو إلى خطوات ملموسة باتجاه السلام العادل، وبدلا من ذلك أصبحت الإدارة الفلسطينية أسيرة للقرار الإسرائيلي، وباتت الأرض وما عليها رهنا للمزاج السياسي والأمني في تل أبيب.

ولم يحصل الفلسطينيون من أوسلو على ما هو أكبر بكثير من غزة وأريحا، وقد عبر بيريزعن ذلك عقب توقيع اتفاق طابا أو أوسلو 2 عام 1995 بقوله "إن الصفقة أبقت ما يلي بيد إسرائيل: 73% من أراضي المناطق، و97% من الأمن، و80% من المياه".

وبعد عقد كامل من هذا الكلام لم تتغير الأمور كثيرا على الأرض، وما حدث هو أن الفلسطينيين حصلوا على مزيد من المساحات لكنهم ظلوا دون دولة، والأهم أن ما حصلوا عليه ظل هشا وعرضة لإعادة احتلال إسرائيلية وإضعاف السلطة وتدمير منهجي لاقتصاد ناشئ وتمزيق مبرمج للأراضي الفلسطينية على أساس جيوب وكانتونات سكانية، وترسيم عملي لحدود الدولة الفلسطينية كما تريدها إسرائيل من



خلال الجدار العازل، حتى إن السلطة الفلسطينية باتت تقول اليوم "إن الفلسطينيين يشعرون بأنهم خدعوا من قبل إسرائيل في أوسلو".

السراب في كامب ديفد


نشطت إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون في التدخل المباشر لإنقاذ المفاوضات بعد انقضاء الفترة الانتقالية التي كان يتوجب أن تشهد ولادة الدولة الفلسطينية.

كانت آثار اغتيال رابين في نهاية العام 1995 ما تزال حاضرة بقوة في الأجواء السياسية، ونجح الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون أخيرا في ترتيب محادثات واي ريفر (أكتوبر/ تشرين الأول 1998) وكامب ديفد (يوليو/ تموز 2000)، لكن اختراقا جوهريا لم يحصل رغم الجدية الأميركية التي كانت بادية آنذاك لإنجاز الحل، وكل ما تحقق لم يتعد الاتفاق في واي ريفر على تسليم السلطة الفلسطينية 13% من أراضي الضفة، وهو قرار لم ينفذ إلا على مراحل في ولاية خليفته باراك الذي تسلم الحكومة في إسرائيل في مايو/ أيار 1999.

"
في كامب ديفد طرح باراك ما تقول إسرائيل إنه أفضل عروضها ويتضمن دولة ممزقة بلا سيادة ولا قدس مع تجاهل تام لقضية اللاجئين
"

دولة تحت السيطرة
عند البعض كانت محادثات كامب ديفد أنسب فرصة للفلسطينيين للحصول على دولتهم، وحينها قال باراك إن (عرضه) سيكون عرض إسرائيل الأفضل والنهائي، وهو ما ردده الإسرائيليون مرارا بعد ذلك، مؤكدين أن هذا العرض لن يتكرر،  فما الذي حصل حقيقة في كامب ديفد وهل فرط عرفات فعلا بإمكانية إقامة الدولة آنذاك؟.. هناك وبعد أيام طويلة من المباحثات وبمشاركة مباشرة من الرئيس الأميركي لم تحدث منذ عهد الرئيس كارتر، عرض باراك على عرفات تسليم السلطة كلا من غزة ونحو 91% من أراضي الضفة على أن تضم إسرائيل الـ9% المتبقية وتقدم مكانها 1% من أرض إسرائيل، كذلك تستأجر إسرائيل 10% من الأراضي لأمد طويل.

لكن هذه النسب لم تكن غير الشكل غير الواقعي للعرض الإسرائيلي، فخطة باراك التي لم تقدم كتابة تضمنت تقسيم أراضي الضفة إلى ثلاثة كانتونات، وجميعها تحيط بها إسرائيل، وهكذا لن يمكن السفر بين هذه المناطق إلا بالعبور في أراض إسرائيلية وكذلك الأمر بالنسبة للانتقال إلى غزة وهو ما يشمل سيطرة إسرائيلية على حركة البضائع وكذلك على الحدود الخارجية للدولة الفلسطينية إلى جانب المجال الجوي وموارد المياه.

كما أن الخطة تتضمن ضم القدس الشرقية إلى إسرائيل مع السماح بسيادة فلسطينية على أحياء معزولة في قلب المدينة محاطة بمستعمرات إسرائيلية تفصلها بعضها عن بعض وعن بقية الأراضي الفلسطينية.

باختصار عرضت خطة باراك الانسحاب من أكبر قدر من الأرض المحتلة لإقامة الدولة الفلسطينية (ظلت دون قرارات مجلس الأمن) لكنها احتفظت لإسرائيل بحق السيطرة على الدولة الوليدة أمنيا وعسكريا واقتصاديا وسكانيا واستلبت معظم الحق الفلسطيني في القدس وتجاهلت تماما قضية اللاجئين.

السقف الأعلى
كانت هذه الرؤية الإسرائيلية هي أفضل ما حصل عليه الفلسطينيون خلال رحلة المفاوضات، دولة على جزء من الأرض، بلا سيادة، ولا قدس، ومن غير مقومات للتواصل الجغرافي والسكاني، بلا أفق للنمو الاقتصادي، ودون سيطرة على الحدود، ومقابل ذلك تحصل إسرائيل على الأمن والجزء الأكبر من القدس وشرعية المستوطنات وإنهاء قضية اللاجئين، إلى جانب أنها ستزيل آخر عوائق اندماجها في المنطقة سياسيا واقتصاديا.

والحاصل أن تجربة كامب ديفد التي انتهت دون نتائج بعد أن رفض عرفات الخطة الإسرائيلية، تقود إلى استنتاجات عديدة، منها أن السقف الأعلى لدولة فلسطينية حسب رؤية تل أبيب لا يمكن أن يتعدى ما عرضه باراك، أي دولة منقوصة السيادة، بلا قدرة على العيش من غير الرضا الإسرائيلي.

والتجربة كذلك تؤشر إلى حقيقة أن التدخل الأميركي لم يكن كما اعتقده الفلسطينيون مؤثرا على القرار في تل أبيب، فقد تدخل كلينتون بشكل مباشر وتحول أحيانا إلى (مرسال) ينقل العروض والمقترحات بين عرفات ونتنياهو (في واي ريفر) ثم باراك (في كامب ديفد)، لكن مساعيه بإيجاد حل على أساس أوسلو الذي جرى برعاية إدارته فشل، باختصار



لن تقدم إسرائيل إلى الفلسطينيين إلا ما تريد هي تقديمه، حتى لو كان الوسيط أميركيا.

 

خريطة الطريق.. هل تنتج دولة؟

مضى كل شيء بعد فشل كامب ديفد بسرعة، اندلاع انتفاضة الأقصى، خسارة باراك في الانتخابات المبكرة وفوز شارون، رحيل كلينتون وبداية عهد بوش الابن، إعادة احتلال معظم أراضي السلطة الفلسطينية، تسريع وتيرة الاستيطان، الشروع ببناء الجدار العازل، وأخيرا وقف الاتصالات بين تل ابيب والقيادة الفلسطينية.

العصف الشاروني
كان مشروع الدولة يبدو وكأنه يتلاشى تماما مع كل هذه الانتكاسات للعملية السياسية، ولم يعد بيد الفلسطينيين سوى الانتفاضة وتهديد الأمن الاسرائيلي لتواجه به عصفا شارونيا أراد إيصال الفلسطينيين إلى الحد الأدنى من الإرادة والمطالب، لكن الأوراق الفلسطينية لم تكن هينة وجاءت خطة خريطة الطريق في سبتمبر/ أيلول 2002 محاولة أميركية لإنقاذ المنطقة من انفجار محتمل يهدد المصالح الأميركية التي كانت دخلت في امتحان عسير عقب إحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

تضمنت الخطة التي رعتها رسميا روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى جانب الولايات المتحدة جدولا زمنيا لإجراءات متبادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تقود في النهاية إلى إعلان دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة في العام 2005.

لكن الخطة فشلت في حلحلة الأوضاع بعد أن وصلت الأزمة بين عرفات وشارون نقطة اللاعودة، فحوصر الزعيم الفلسطيني بمقره في أريحا وتعرض للقصف والتنكيل وهدد بالإبعاد ورفضت تل أبيب التفاوض معه، وأيدتها واشنطن من غير أن يجدا شريكا فلسطينيا آخر غيره، وبالطبع كانت النتيجة تجميد خريطة الطريق التي تسعى إدارة بوش اليوم بصعوبة إلى إعادة إحيائها بعد ترحيلها مشروع الدولة إلى العام 2009.

خيارات ضيقة

"
لا تبقي الإجراءات الإسرائيلية الكثير من الفرص لنجاح خريطة الطريق، لكنها الخطة الوحيدة المطروحة لإقامة دولة فلسطينية
"

رغم أن أصواتا فلسطينية تحدثت عن موت خريطة الطريق فالواقع يؤشر بأنها المبادرة الوحيدة التي تتضمن إقامة دولة فلسطينية ومازالت مطروحة ومدعومة أميركيا ودوليا، غير أن المشكلة الحقيقية أن أي ترتيبات سياسية لإيجاد حل نهائي للقضية الفلسطينية بما في ذلك إقامة الدولة باتت تواجه تحديات جديدة أشد صعوبة تتمثل بتعاظم أعداد المستوطنين خلال السنوات الأخيرة وبناء الجدار العازل الذي قضم فعليا مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية التي كان ينبغي أن تكون ضمن مشروع الدولة فضلا عن مشاريع تهويد القدس وتعقيد قضية اللاجئين والأهم مشروع شارون بالانسحاب الأحادي من غزة الذي ينتظر التنفيذ منتصف أغسطس/ آب 2005.

لقد فرض شارون واقعا على الأرض لا يبقي للفلسطينيين ولا حتى للأميركيين خيارات تفاوضية عديدة، والكثيرون يتوقعون أن يعتبر شارون أن غزة وجزءا من الضفة بدائل مقبولة (بنظر إسرائيل) لإقامة دولة للفلسطينيين، فإن أرادوا المزيد من الأرض فربما طالبهم بتنازلات في موضوعي القدس واللاجئين ومقدار السيادة، وحينها فإن الدولة أيا كان شكلها لا يمكن أن تكون كما حلم بها الفلسطينيون أيام كفاحهم المسلح



ولا حتى بعد أن دخلوا في هذا المشوار التفاوضي الطويل والمخيب للآمال.
_______________
الجزيرة نت

المصادر:
1- أرشيف الجزيرة نت 
2- سميح فرسون- فلسطين والفلسطينيون- مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت- 2003
3- الموقع الإلكتروني للسلطة الوطنية الفلسطينية- www.pna.gov.ps