القس/إكرام لمعي

اليهود في العهد البيزنطي والروماني
اليهود في العهد العربي الإسلامي
اليهود والتكيف مع السلطة 
 

اليهود في العهد البيزنطي والروماني

من المعروف أن اليهود تفرّقوا في كل أنحاء العالم بدءاً من عام 135م حيث دمّر الرومان أورشليم تماماً.

وفي هذه الحِقبة الطويلة كونوا ما يسمى بالتجمعات اليهودية (حارات اليهود). وكان الرفض حليفهم في معظم دول العالم التي عاشوا فيها.

"
في العهد البيزنطي مُنِعَ اليهود من بناء أي مَجمَع جديد وأُرغِموا على تغيير موعد عيد الفصح والذي كان يأتي معاصراً لعيد القيامة المسيحي

"

في ظل الإمبراطورية البيزنطية
في عام 330م أسس الإمبراطور قسطنطين -الذي جعل المسيحية هي الدين الرسمي للإمبراطورية- عاصمة جديدة للنصف الشرقي في بيزنطة عرفت بالقسطنطينية. وفي عام 395م انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين أحدهما القسم الشرقي الذي عرف بالإمبراطورية البيزنطية.

ووضِعت فلسطين تحت حكمها لثلاثة قرون ونصف. ولقد اختلف تعامل هذه الإمبراطورية مع اليهود من وقت لآخر، ففي بداية القرن الرابع شهدت فلسطين نشاطاً مسيحياً فأنشئت كنائس وأديُرة وعاش اليهود هناك كمجتمع صغير جداً فقير وبلا حيثية أو نفوذ، فقد كانوا يعيشون على معونة الكنيسة.

وفي نهاية القرن الرابع حدثت بعض الاضطرابات بين اليهود والمسيحيين، فأحرق المسيحيون مجامع اليهود، وأحرق اليهود مجامع المسيحيين، وإستمر الشد والجذب تحت الحكم البيزنطي.

وانقسم اليهود في القسطنطينية إلى طائفتين رئيسيتين:

  1. الأغلبية وقد قبلت التقليد الشفهي وتعاليم الربانيين.
  2. والأقلية التي رفضت كل هذا ولم تقبل سِوى التوراة.

واشتغل اليهود في تلك الأثناء كرجال أعمال وتُجّار وكان معظمهم من الأغنياء، ورغم هذا فقد كان محرماً عليهم ركوب الخيل قانونياً ما عدا الرباي سليمان طبيب الملك وكان من أصل مصري.

وبواسطة الرباي سليمان أخذ اليهود بعض الحقوق، إذ كانوا يعيشون تحت ظروف قاسية من الاضطهاد ورغماً عن هذا فقد كانوا يُعامَلون بصورة أفضل بكثير من معاملة الهراطقة.

وطبقاً لقانون الدولة كان مُعتَرفاً بالمجمع كمكان للعبادة تحت حماية الإمبراطورية، واعترفت الحكومة بالمحكمة اليهودية التي كانت تحكم بين اليهود.

ولكن مُنِعَ اليهود من بناء أي مَجمَع جديد وأُرغِموا على تغيير موعد عيد الفصح والذي كان يأتي معاصراً لعيد القيامة المسيحي.

وشجع القانون تحول اليهود إلى المسيحية مع رفض الرِدّة إلى اليهودية، وفي حالة عودة أي يهودي إلى ديانته بعد المعمودية كان يُحرَق حياً، وهكذا كانت كراهية اليهود جزءاً من العقيدة الدينية في ذلك الوقت.

في ظل الإمبراطورية الرومانية
أما في الإمبراطورية الرومانية فقد كان عدد اليهود في القرن الأول 8 ملايين، يمثلون10% من سكان الإمبراطورية، وانخفض عددهم في القرن العاشر إلى مليون ونصف المليون.

وفي حكم طيباريوس انخفض التعداد إلى 60.000 نسمة في روما، وهم الذين بقوا من مليون يهودي كانوا قبلاً، ثم انخفض



الرقم عام 1638 إلى 25.000 ويمثلون 2% من مجموع السكان.

اليهود في العهد العربي والإسلامي

"
في عام 1490 حدثت مذابح جماعية لليهود في إسبانيا والبرتغال، فهرب اليهود إلى القسطنطينية، حيث وجدوا ترحيباً من الإمبراطورية العثمانية

"

الوجود اليهودي والفتح العربي
في عام 632م دخل الجيش العربي إلى فلسطين وأخضع أورشليم، وأصبحت فلسطين جزءاً من الإمبراطورية الإسلامية لمدة 450 عاماً.

والعرب واليهود ليسا غريبين عن بعضهما البعض، فاليهود يوجَدون في الجزيرة العربية من قديم الزمن في الجنوب في اليمن، ويعتقد البعض أن وجود اليهود في الحجاز يعود إلى عصر مملكة داود عام 1000ق.م والبعض الآخر يعود به إلى عهد موسى.

لكن ثبت من خلال مخطوطة بابلية أُكتُشِفت عام 1956م أنه كان هنالك مجتمع يهودي عام 600ق.م . وربما كان التواجد سابقاً لهذا التاريخ، ومن المؤكد أنه كان هنالك يهود في القرن الأول الميلادي في الحجاز.

ولقد انتشر الإسلام وأصبح إمبراطورية متسعة الأرجاء وقد حكمت هذه الإمبراطورية من عام 661م بواسطة الأمويين وكانت عاصمتها دمشق، وحكمت بواسطة العباسيين من عام 750م  وكانت العاصمة بغداد.

اليهود والإمبراطورية الإسلامية
ولقد دخل المسلمون إلى فلسطين لكنهم لم يُرغِموا أحداً من اليهود أو المسيحين على تغيير دينه، لكن بالتدريج بدأ التحول إلى الإسلام، وبسرعة أصبحت اللغة العربية أوسع اللغات إنتشاراً، وفى القرن الثالث عشر أصبح الإسلام ديانة الأغلبية.

وفي العالم الإسلامي والذي كان يشمل إسبانيا وشمال أفريقيا والشرق الأدنى، كان اليهود يعرفون جيدا ًوبوضوح حقوقهم وواجباتهم، من حيث ما يجب عليهم أن يدفعوه للدولة الإسلامية من جزية أو خراج.

وفي العراق كان اليهود يمثلون الجزء البالغ الثراء في العاصمة الجديدة بغداد عاصمة العباسيين، والتي أسست عام 762م. وكان اليهود يعملون بالطب والوظائف العامة بالدولة، وتعلموا اللغة العربية نطقاً وكتابةً كلُغة العلم في ذلك الوقت.

وفي العالم العربي اشتغل اليهود بالتجارة، ففي الفترة ما بين القرن الثامن والقرن الحادى عشر كانت للعرب أساطيلهم التجارية الضخمة وكان اليهود يتدخلون في التجارة معهم ويُصدِّرون من الشرق الحرير والتوابل والبضائع المختلفة.

ومن القرن العاشر عمل اليهود كصيارفة ورجال بنوك. وفي عام 1170م كان في بغداد 40.000 يهودى يعيشون في أمان، ويعبدون في 28 مجمعاً، ولهم عشرة أماكن للتعليم والدراسة ومركز يهودي آخر في القَيروان.

أما أكثر الأماكن اليهودية شهرةً ونجاحاً في ذلك الوقت من القرن 8م إلى القرن 11م فقد كان في إسبانيا، حيث منعت الكنيسة تعميد اليهود بالعُنف، وتركت لهم أعيادهم وسبوتهم كما هي.

وعندما دخل العرب إلى إسبانيا عام 711م استمر نفوذ اليهود كما هو، ولم يكونوا فقط مجرد تُجّار، بل عملوا بالعلم وخاصة الطب كما كان في القيروان وبغداد، فقد كان يعالج الخليفة الأموي عبد الرحمن الثالث ( 912-961م ) طبيب يهودي، وكانت المدينة مملؤة بالعلماء والفلاسفة اليهود.

 وفي نهاية القرن الحادي عشر وأثناء عهد الفاطميين كانت توجد 29 مدرسة يهودية في الفُسطاط و14مدرسة في القاهرة تحت إدارة واحدة. ولقد اختلفت معاملة المسلمين لليهود من وقت لآخر ومن مكان لآخر.

لكن تحت الحكم البيزنطي كانت المعاملة سيئة دائماً رغم أن البابا جيروجُري الأعظم ( 590-604م )  قام بحماية يهود روما إلا أنه أسس ما يسمى عقيدة "ضد اليهود " والتي تقود مباشرة إلى مهاجمة اليهود بدنياً.

وفي عام 1490 حدثت مذابح جماعية لليهود في إسبانيا، والبرتغال، فهرب اليهود إلى القسطنطينية، حيث وجدوا ترحيباً من الإمبراطورية العثمانية، وعملوا بالصناعات الحربية.

وكان هناك أكبر مركز تجمع يهودي في ذلك الوقت حيث كان تعدادهم 20.000 في المدينة قبل عام 1553م وكان بينهم تجار وعلماء وصُنَّاع أسلحة.

"
لا نرضىَ إلا بافتِكاك جَميع الأسرى من اليهود والنصارى فهُم أهل ذمَّتنا، ولا نَدع أسيرا من أهل الذمّة ولا من أهل المِلَّه

قول ابن تيمية للتتار 

"

من التسامح العربي
لقد كان لرعاية الإسلام لغير المسلمين من أهل الكتاب أن دَفعتْ الخليفة عُمَر بن الخطاب لأن لا يُفرِّق في كفالة الدولة لبنيها بين مُسلم ويهودي.

فقد حدث أنهُ مرَّ بِباب قَوم وعليه سائل يسأل وهو شيخ كبير ضرير البصر، فسأله عُمَر: "مِنْ أيُّ أهل الكتاب أنت ... ؟ فقال: يهودي، فسأله: "ما ألجِأك إلى ما أرى، قال: "أسأل الجِزية والحَال والسِّن".

فأخذ عُمَر بيده إلى منزله وأعطاه، ثم أرسل إلى خازِن بيت المال فقال له " ... أنظر هذا وضُرَبَاءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذِله عند الهرم .. ".

وفي الأثَر أن يهودياً خاصم علىُّ بن أبي طالب -إبن عم الرسول وصهره– إلى أمير المؤمنين عَُمَر بن الخطاب، فنادى أمير المؤمنين عليّاً بقوله "قِفْ يا أبا الحَسَن".

فبدا الغضب عَلىَ عليّ فقال له عُمَر "أكرِهتَ أن  نسوي بينك وبين خصمك في مجلس القضاء؟!

فقال عليّ "لا ولكن كرِهت مِنك أن عظَّمتني في الخطاب فناديتني بكنيتي، ولم تصنع مع خصمي اليهودي ما صنعته معي".

وكان يتم عقد المعاهدات الخارجية مُمَثلاً فيها المسلمون والذمِّيون كأُمَّة واحدة. فقد رَوَى أبو يوسف في كتاب الخَراج:

"لمَّا صالح عبد الله بن أبي السَرْح ملك النوبة تقَرَّر في الصُلح أنه أمان وهدنة جارية بينهم وبين المسلمين بمَن جاورهم من أهل صَعيد مصر وغيرهم من أهل المسلمين وأهل الذِمّة، وأخذ النوبيون على أنفسهم العَهد بحماية من نزل ببلدهم أو طرقه من مسلم أو مُعاهِد".

وعندما وقع أسرَى كثيرون من العرب مسيحيين ويهوداً ومسلمين في يد التتار، وجاء الوقت لتحريرهم أصرَّ شيخ الإسلام بن تَيمِية على إطلاق مَنْ في أسْر التَّتار من أهل الذمَّة مع إطلاق المسلمين حيث قال لقائد التَّتار:

"لا نَرضىَ إلا بافتِكاك جَميع الأسرى من اليهود والنصارى فهُم أهل ذمَّتنا، ولا نَدع أسيرا من أهل الذمّة ولا من أهل المِلَّه".

ولقد حرص الإسلام على رعاية العُلماء والحُكماء من أهل المِلَل غير المسلمة، وبالرجوع إلى كُتب المؤرخين والفلاسفة من غير المسلمين.

"
إن العرب قد زحفوا بجيش من أطبائهم اليهود ومؤدِّبي أولادهم من النصارى ففتحوا من مملكة العِلم والفلسفة ما أتوا به على حدود مملكة الرومانيين

المأمون

"

حيث نجِد مثلاً أن الخلفاء الراشدين فَوَّضوا كثيراً من الأعمال الضخمة إليهم وأعطوهم الفرصة ليتَبَوَؤوا مناصب عُليا حتى أن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت إدارة حنا مِسنيه.

وكانت إدارة المدارس مُفَوَّضة إلى المسيحين تارة وإلى اليهود تارة أخرى، ولم يكن الإسلام  ينظر إلى جنسية العالِمْ، ولا إلى المِلَّة التي يتبعها، أو الدين الذي يَدِين به.

ويقول مستر درابر -أحد المؤرخين الأميركيين- إن الخليفة العباسي الأكبر المأمون قال: إن العرب قد زحفوا بجيش من أطبائهم اليهود ومؤدِّبي أولادهم من النصارى ففتحوا من مملكة العِلم والفلسفة ما أتوا به على حدود مملكة الرومانيين.

وأذكر هنا بعض العلماء والحكماء غير المسلمين الذين كانت لهم الحُظوة في الدولة الإسلامية: 

جيوَرجيس بن بختيشوع:
طبيب المنصور، كان يهودياً فيلسوفاً كبيراً عَلَت منزِلته عند المنصور، فأعلى مكانته حتى على وزرائه، ولما مرِض أمر المنصور بحمله إلى دار العامة وخرج ماشياً يسأل عن حالُه، وحينما طَلب من الخليفة أن يعود إلى بلده ليُدفَن فيه مع آبائه وأجداده، أمر بتجهيزُه ومَنحه عشرة آلاف دينار، وأوصى من معه بحمله إذا مات في الطريق إلى مدافن آبائه كما طلب.

نوبِحت المُنجِّم وولده أبو سهل:
وهما من أصل فارسي ويتبعان مذهب الفرس. حظِيا بمكانة عالية عند المنصور ثم كانت لأبي سهل ذُرية مُسلمه، وكانوا جميعاً منجّمين ولهم شهرة عظيمة في علوم الكواكب.

تيوفيل بن توما:
وقد كان مارونياً لبنانياً وحظِىَ بمكانة عالية عند الخليفة المهدي، وكتب عدة كُتب في التاريخ كما ترجم إلياذةْ هومِيروس إلى السيريانية.

  • حنين بن إسحق:
    وقد اشتهر في أيام المتوكِل وكان من أشهر المترجمين لكُتب أرسطو وغيره، وكان قد عُرِف بفصاحة العبارة وحُسن الترجمة في زمن المأمون.

اليهود والتكيف مع السلطة 

"
الوضع كان مختلفاً في ظِل الحضارة الإسلامية عن غيرها، حيثُ عاش اليهود في أمان في مُعظم السنوات التي قضوها في كَنَفها

"

ورغم ما تعرض له اليهود أحيانا فإنهم لم يعاملوا كأعداء يجب إبادتهم، سواء تحت الحكم المسيحي أو الإسلامي، واستطاعوا أن يكونوا أصدقاء الحاكم والطبقات العليا في المجتمعات التي عاشوا فيها، وذلك بالقبول الظاهري للمسيحية والإسلام، وكانوا يصلون علانية في مجامعهم لأجل الحكام المسلمين، وكان يصيبهم الأذى كلما جاءت موجة مُحافِظة أو مُتطرِّفة، سواء كانت هذه الموجة مسيحية أم إسلامية.

ولأن اليهود لم يكونوا يعرفون متى ستأتي هذه الموجات المتطرفة، فلقد كانت دائماً لهم نظريتهم الخاصة في الدفاع عن أنفسهم والتي استمرت معهم من القرن الثاني إلى القرن العشرين . وتنقسم هذه النظرية إلى شقين:

  • الشق الأول: هو أن يعملوا على أن يكونوا موظفين في الحكومة، وخاصة في الوظائف العليا. ثم يعملون بالطب والعلوم ليكونوا ذوي فائدة للشعوب التي يعيشون معها .
  • والشق الثاني: يعيشون معاً كعائلات في مجتمع منفصل ومغلق عليهم فقط. وتواصل العائلة أهم لديهم من نقاء النسل، لذلك فالميراث والسلطان ينتقل من الأب إلى الابن. وإن لم يكن للرجل أبناء ينتقل إلى الإخوة وليس إلى الزوجة، أو البنات. فأهمية التراث العائلي والميراث يفوق أهمية الزوجين أو العلاقة بين الزوج والزوجة.   

وفي الختام إن اليهود الذين عاشوا في الشتات قد عوملوا بمنتهى القسوة من جميع الحضارات التي عاشوا في ظلها، وهذا يرجع إلى طبيعتهم كيهود ورفضهم للمجتمعات التي عاشوا فيها، إلا أن الوضع كان مختلفاً في ظِل الحضارة الإسلامية ، حيثُ عاشوا في أمان في مُعظم السنوات التي قضوها في كَنَفها كما أسلفت.
_________________
باحث متخصص في مقارنة الأديان