* بقلم/ د. ذياب مخادمة

يعتبر مجلس التعاون العربي كيانا اقتصاديا يدفع باتجاه دعم الجهود الوحدوية الاقتصادية العربية نحو تحقيق الحلم العربي (السوق العربية المشتركة)، كما يهدف إلى تحقيق التكامل الاقتصادي التدريجي بين الدول الأعضاء وخاصة في الميادين الاقتصادية والمالية والصناعية والزراعية والنقل والمواصلات والاتصالات والثقافة والتعليم والإعلام والبحث العلمي والشؤون الاجتماعية والصحية والسياحية، سعيا نحو إقامة سوق مشتركة بين الدول الأعضاء وصولا إلى السوق العربية المشتركة والوحدة الاقتصادية العربية.

ويؤكد النائب الأول لرئيس الوزراء العراقي طه ياسين أن لهذا المجلس أهدافا شاملة لكل القطاعات، وأن إعطاء الأولوية للجانب الاقتصادي يرجع إلى أنه ركيزة لأي عمل وحدوي وأن القطاعات الأخرى لا يمكن إغفالها لإسهامها الكبير في إغناء ودفع مسيرة المجلس. أما صحيفة الجمهورية العراقية الصادرة بتاريخ 5/11/1989 فقد أشارت إلى أن التعاون الاقتصادي يهدف إلى تغيير الهياكل الاقتصادية والاجتماعية لاقتصاديات الدول الأربع، ويعمل على تخفيض الاعتماد الكامل على الاقتصاديات الغربية.

وهكذا فإن المسؤولين في مجلس التعاون يؤكدون أن هذا المجلس لا يشكل حلفا أو محوراً ضد أحد، وإنما هو اتحاد أو تجمع اقتصادي عربي مفتوح أمام الدول العربية باتجاه تطوير ودفع الاقتصاديات العربية نحو التقدم. ولكن.. هل حقا كان هذا هو الهدف من إنشاء المجلس؟ هذا ما سنحاول البحث فيه.

الأهداف والمعطيات
للتعرف على الأهداف الحقيقية لهذا المجلس والمعطيات التي دفعت بدوله للالتقاء وعقد هذه المعاهدة، نرى أنه من الأفضل التعرف على الخارطة السياسية للدول الأعضاء والمنطقة في المرحلة التحضيرية لهذا المجلس والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:


كان لكل دولة من الدول الأعضاء بالمجلس ظروف سياسية واقتصادية دافعة لتبني فكرة إنشاء هذا التجمع العربي الإقليمي
1- كان العراق على وشك الانتهاء من حرب ضروس مع جارته إيران استمرت زهاء ثمانية أعوام أخذت الأخضر واليابس من كلا الطرفين، علاوة على ملايين القتلى والجرحى والدمار الشامل. حاول العراق طيلة هذه الفترة إعطاء هذه الحرب بعداً قوميا باعتبارها حربا بين العرب والفرس، وأن العراق بتصديه لإيران يقوم بالدور القومي لحماية "البوابة الشرقية" للوطن العربي من الغزو "الفارسي المجوسي". والعراق في هذه الحرب بحاجة إلى جهود عربية تؤازره ولو سياسيا، خاصة أن الموقف العربي من هذه الحرب بقي يتراوح بين متفرج أو منحاز لإيران، باستثناء الأردن واليمن الشمالي اللذين بقيا يساندان العراق، ولكن نظراً لمحدودية إمكانياتهما فإن مثل هذه المساندة لم تؤد دورا فاعلا.

2- كانت العلاقات الأردنية السورية يشوبها التوتر وافتقار الثقة، خاصة بعد أن خاض الأردن مع سوريا خطوات وحدوية تكللت بالفشل الذريع والاتهامات المتبادلة، فسوريا تتهم الأردن بإيوائه المعارضة السورية وتحديدا التيار الإسلامي (الإخوان المسلمون) المعاديين للنظام السوري والذين شنوا العديد من العمليات العسكرية ضد النظام، في حين تتهم الأردن سوريا بدعمها لمنظمات فلسطينية نفذت بعض التفجيرات في العاصمة الأردنية.

وكانت العلاقات العراقية السورية في حينها في أعلى درجات العداء والتوتر لدرجة أن سوريا القومية وقفت إلى جانب إيران الفارسية ضد العراق، وهذا الموقف العلني والمدعوم عسكرياً زاد من حدة العداء السوري العراقي مما دفع الأردن للانحياز إلى العراق. علاوة على ذلك فإن الاقتصاد الأردني انتعش كثيراً إبان الحرب العراقية الإيرانية إذ أصبح الأردن البوابة الرئيسية للعراق في طريقه إلى الخارج، لدرجة أن ميناء العقبة الأردني أصبح أشبه ما يكون بميناء عراقي. وهكذا ينسحب الأمر على ميادين اقتصادية متعددة، الأمر الذي قوى التوجه والترابط الأردني مع العراق.

3- أما بالنسبة لمصر والعراق فقد أفرزت الحرب مصالح متبادلة، فالعراق الذي بقي جيشه يعتمد على السلاح السوفياتي رغم توتر علاقاته مع السوفيات بعض الوقت خاصة إبان الحرب مع إيران، مما دفع السوفيات لإيقاف شحن الأسلحة والذخائر إلى العراق.. أصبح الجيش العراقي بحاجة ماسة إلى هذه الذخائر، وهو لا يستطيع أن يبدل أسلحة السوفيات بأسلحة غربية مباشرة إذ لابد لمثل هذا التغيير من الإعداد والتدريب، وهذا يتطلب وقتاً طويلاً يحتاجه العراق إبان الحرب. والمصدر الوحيد للسلاح السوفياتي هو ما تبقى لدى مصر من هذا السلاح، إذ تمت صفقات سرية في البداية بين العراق ومصر في عهد السادات حول تزويد العراق بالسلاح والذخائر السوفياتية التي لم تعد مصر بحاجة إليها، بل إن مصانع أسلحة وذخائر سوفياتية مغلقة في مصر أعيد تشغيلها لحساب العراق في تلك الفترة، الأمر الذي عوض العراق عن الضغوط السوفياتية والتحكم السوفياتي بالسلاح العراقي.

في المقابل كانت مصر قد جمدت علاقاتها مع العرب ومع جامعة الدول العربية منذ توقيعها اتفاقيات كامب ديفد مع إسرائيل. ومن المفارقة أن العراق هو الذي قاد حملة مقاطعة مصر ونقل الجامعة العربية خارج القاهرة إلى تونس في قمة بغداد عام 1978، إلا أن العراق نفسه هو الذي قاد حملة مضادة لإعادة مصر إلى الحظيرة العربية وعودة جامعة الدول العربية إلى مقرها التقليدي بالقاهرة، فقد اتخذ رؤساء مجلس التعاون العربي الثلاثة صدام حسين وعلي عبد الله صالح والملك حسين قراراً بعدم مشاركتهم في أي قمة عربية لا تحضرها مصر، في إشارة إلى القمة العربية الطارئة حول لبنان وفلسطين التي كان مقرراً أن تعقد بالدار البيضاء في المغرب يوم 23 مايو/ أيار 1989.

وهكذا فقد كانت المصالح السياسية لكل من العراق ومصر واضحة في إقامة مثل هذا المجلس، علاوة على الأردن كما ذكرنا آنفاً.

أما بالنسبة لليمن فهو الآخر كان في طريقه نحو القيام بعملية توحيدية بين شطريه الشمالي والجنوبي، وبحاجة إلى دعم عربي. ثم إنه كالعراق كان قد استثني من الدعوة لإنشاء مجلس التعاون الخليجي، وبقي على علاقات متوترة مع السعودية لاختلافات حدودية مما جعله يجد في هذا المجلس ملاذاً له.

4- أخذت العلاقات العراقية الخليجية في السنوات الأخيرة للحرب يشوبها الشك والحذر وأحياناً التوتر، خاصة أن العراق نتيجة لحربه مع إيران كان يعاني من ضائقة مالية، وشعوره أن دول الخليج والكويت تحديداً أخذت تلعب دوراً مشبوها في سوق النفط العالمي من ناحية الأسعار وكمية التصدير، وكذلك استغلال آبار النفط الحدودية مع العراق، إلى جانب تشكيل مجلس التعاون الخليجي واستثناء العراق منه الذي كان منشغلاً في حربه، الأمر الذي بيت نوايا غير حميدة للعراق إزاء الخليج بشكل عام والكويت بشكل خاص، وهذا ما أكدته الأحداث وحرب الخليج الثانية فيما بعد، ليأتي هذا المجلس في أحد صوره وكأنه محاولة للرد والثأر من الدول الخليجية على خطوتهم هذه.

5- بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية في أغسطس/ آب 1988 برزت إلى السطح تهديدات إسرائيلية للعراق، خاصة أن إسرائيل كانت قد قصفت بطائراتها الحربية في يونيو/ حزيران 1981 المفاعل الذري العراقي قرب بغداد بحجة أن العراق بعمل على تطوير المفاعل كي يصبح دولة نووية. وبعد انتهاء الحرب مع إيران تبين أن العراق قد ازداد قوة عسكرية خاصة في مجال التسليح والتصنيع العسكري، وكثر الحديث حينها عما يسمى "المدفع العملاق" و"القنبلة الذرية العراقية"..إلخ.

وفي المقابل تصاعدت التهديدات الإسرائيلية للعراق وأخذت الصحف الإسرائيلية تنشر سيناريوهات لضربات عسكرية إسرائيلية محتملة ضد العراق، الأمر الذي دفع بالرئيس العراقي حينما سئل عن أن إسرائيل تنوي ضرب العراق أجاب "إن إسرائيل إذا ما أقدمت على مثل هكذا ضرب فسوف نحرق نصف إسرائيل"، وتناقلت وسائل الإعلام العالمية النصف الثاني من التصريح تحت عناوين "صدام يهدد بحرق نصف إسرائيل"، مما أظهر وكأن حرباً عراقية إسرائيلية على وشك الوقوع، وهذا بدوره دفع بالعراق لأن ينسج حوله سوراً عربياً يحظى بعلاقات هادئة مع إسرائيل من جهة (مصر والأردن) وبعيدة مثل (اليمن).

6- في تلك الفترة وتحديدا في فبراير/ شباط 1989، كان قد أنشئ بالمقابل مجلس التعاون المغاربي الذي ضم كلا من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وأخذ الحديث يتصاعد حول المجالس الإقليمية هذه باعتبارها تشكل مرحلة وسطية بين الدول والوحدة العربية المؤطرة في جامعة الدول العربية التي لم تفعّل مؤسساتها بشكل ملائم. وهكذا ازداد الحماس لهذا النمط من اللقاءات الإقليمية أو الجهوية، باعتبارها خطوات عملية ومقبولة باتجاه الوحدة أضيق مما هو عليه الحال في الجامعة العربية التي هي صورة فضفاضة للعمل العربي المشترك.

هذه المعطيات وغيرها دفع بالدول المذكورة للتقارب والتنسيق وبناء صيغ تعاونية غير حدودية أو محورية أو تحالفية، وإنما على شكل مجلس تعاوني اقتصادي بدأ بخطوات اقتصادية فعالة في مختلف المجالات الاقتصادية وبشكل متسارع، حيث اتخذت العديد من القرارات والأفكار المشتركة في الميادين الاقتصادية المشتركة التي لو قدر لها أن تأخذ مسارها الطبيعي كما أعلن عنه لشكلت قاعدة اقتصادية عربية مشتركة هامة يمكن البناء عليها لمستقبل اقتصادي واعد، ولكن كل هذا بقي حبراً على ورق، إذ سرعان ما أفل نجم هذا المجلس وتهاوى وسقط ولم تقم له قائمة بعد أشهر قليلة على قيامه. ما الذي حدث؟ ولماذا انهارت سريعاً هذه التجربة؟

الإنجازات
إن إعلان قيام مجلس التعاون العربي جاء تجسيداً وتتويجاً لتطور في العلاقات والمصالح المشتركة التي كانت قائمة بين الدول الأربع المؤسسة للمجلس في الفترات السابقة، حيث كانت معالم تلك العلاقات تتمثل في تزايد حجم التبادل التجاري الذي كان مستهدفاً أن يصل عام 1989 أي عام التأسيس إلى حوالي 500 مليون دولار بين الأردن ومصر، ومليار دولار بين الأردن والعراق، و500 مليون دولار بين مصر والعراق. وبالطبع فإن هذا الهدف تطور وازداد مع قيام المجلس، ويشار في هذا الصدد إلى حجم العمالة المصرية الكبير في كل من الأردن (حوالي 160 ألف عامل)، والعراق (حوالي 1.5 مليون عامل)، واليمن حوالي (60 ألف عامل) وهو ما يمثل أرضية من العمالة القائمة بين الدول المؤسسة وبشكل كبير قبيل قيام الاتحاد، يدعم ذلك تعاون عسكري ملموس في الحجم والمدى خاصة بين مصر والعراق، وكذلك بين العراق والأردن واليمن. وعلى صعيد الشركات المشتركة فإنه يلاحظ وجود مجموعة من الشركات المشتركة بين مصر والأردن، وبين مصر والعراق، وبين مصر واليمن. كما ظهر التعاون في مجال البنية الأساسية خاصة في مشروعات ربط شبكات الكهرباء ومشروعات النقل والمواصلات، حيث جرى تأسيس الجسر البري بين العراق ومصر والأردن، وفي نفس الاتجاه جرى التنسيق الصناعي في قطاعات مختلفة، وجرى تبادل ثقافي واسع النطاق بين مصر والعراق واليمن، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية لتنظيم العمالة بين مصر والأردن، وأخرى بين مصر والعراق، وثالثة بين مصر واليمن.


إعلان قيام مجلس التعاون العربي جاء تدليلاً للتطور في العلاقات والمصالح المشتركة التي كانت قائمة بين الدول الأربع المؤسسة للمجلس في الفترات السابقة
علاوة على ذلك فقد شكلت لجان ثنائية عليا بين مصر وكل من الأردن والعراق واليمن، من خلال ذلك تبين لنا أن إعلان مجلس التعاون جاء تتويجاً للتطور السريع في العلاقات الثنائية بين الدول الأربع، وكان يبدو واضحاً أهمية انبثاق مجلس التعاون العربي خاصة من الناحية الاقتصادية، بعد أن تأكد للجميع إخفاق جهود التنمية القطرية ولم تتمكن من تحقيق أهدافها، شأنها في ذلك شأن الدول النامية التي أخذت هي الأخرى في الاتجاه نحو إنشاء التكتلات الاقتصادية والإقليمية، وبالتالي فإن مجلس التعاون أصبحت أمامه مهام أساسية من أجل إنجاح التطور الاقتصادي العربي المنشود نذكر منها:

  • ضرورة تحقيق أعلى مستوى للتنسيق والتعاون والتضامن بين الأقطار الأعضاء، والارتقاء بها تدريجياً وفق الظروف والإمكانات والخبرات.
  • تحقيق التكامل الاقتصادي تدريجياً وذلك بتنسيق السياسات على مستوى مختلف قطاعات الإنتاج، وتنسيق خطط التنمية للدول الأعضاء.
  • تشجيع الاستثمارات والمشروعات المشتركة والتعاون الاقتصادي في مختلف القطاعات العامة والخاصة وكذلك التعاونية المختلفة.
  • السعي الجاد لإقامة سوق مشتركة بين الأقطار الأعضاء وصولاً إلى السوق العربية المشتركة والوحدة الاقتصادية العربية كذلك.
  • تشديد عرى الروابط والأواصر بين مواطني الأقطار الأعضاء في مختلف الميادين.
  • تعزيز وتوثيق أواصر العمل العربي المشترك وتطويره بما يوقف العلاقات العربية العربية.
  • المهام الجسام التي علقت على كاهل هذه التجربة لم تمنح الفرصة الكافية لتحقيقها ونقلها من حيز ميدان القرارات والتخطيط والتطلعات إلى أرض الواقع.

ولكن بعد تأسيس هذا المجلس بأشهر معدودة أتت حرب الخليج على هذه التجربة كما أتت على الكثير من التطلعات القومية، ورغم ذلك فقد حقق المجلس إنجازات لا يمكن تجاهلها.

فعلى صعيد الهيكلية التنظيمية لمؤسسات الاتحاد عقدت عدة اجتماعات للهيئة العليا وعلى مستوى القادة الأربعة في كل من عمان والقاهرة وبغداد وصنعاء، حيث ناقشت وبتت في جملة من الاتفاقات والمواضيع المختلفة في المجالات الاقتصادية والمالية والتربوية والتعليمية والثقافية والصحية والإعلام وكذلك في الشؤون الاجتماعية والعمل، كما أن الهيئة الوزارية هي الأخرى بقيت تعقد اجتماعاتها على مستوى رؤساء الوزراء تمهيداً لاجتماعات الهيئة العليا حيث كانت تناقش مختلف التوصيات والاتفاقات التي ترفعها إليها الأمانة العامة وتلك التي كانت تأتي من اجتماعات اللجان الوزارية المختلفة.

أما الأمانة العامة التي اتخذت من عمان مقراً لها فقد أسست قاعدة وثائقية لا بأس بها في العاصمة الأردنية، وهيأت الأرضية التنظيمية والإدارية لمختلف نشاطات المجلس ولجانه المتعددة.

وهكذا فقد قطعت الهيئة الوزارية واللجان الوزارية المتخصصة شوطاً كبيراً في تنظيم وتحديد مجالات التنسيق القطاعية والإجراءات الملزمة لتحقيق التعاون المطلوب والتكامل المنشود. ويمتد الحديث من الهياكل الأساسية إلى المؤسسات التنظيمية القائمة على رسم السياسات الاقتصادية واختيار وتقييم المشروعات الاستثمارية والمؤسسات الأساسية للنشاط الاقتصادي والتنمية الشاملة، وبناءً عليه فقد تم توقيع أكثر من اتفاقية لتوسيع إنتاج الطاقة الكهربائية ومد شبكات توزيعها في مختلف بلدان المجلس، كما شملت اتفاقيات التعاون مجالات التعدين وتصنيع المشتقات النفطية

وهكذا يمكن الملاحظة من خلال هذا العرض السريع لأبرز وأهم نشاطات وإنجازات مجلس التعاون أنها كانت شاملة ومتعددة ترمي إلى النهوض بواقع الدول الأعضاء في شتى الميادين في الوقت نفسه، إذ كانت اللجان الوزارية المتخصصة تجتمع وتتفق كل على حدة وكل حسب اختصاصه ودون أن يعيق أو يؤثر عمل لجنة ما على الأخرى، بل على العكس من ذلك فالملاحظ أن عمل اللجان كان يرمي إلى نهضة شاملة مشتركة في نفس الوقت دون أن يترك ميدان بعيداً عن التخطيط المشترك.

غير أن كل هذه الاتفاقات والبرامج المختلفة التي تم التوقيع عليها سواء من قبل اللجان الوزارية المشتركة أو تلك التي أقرتها الهيئة الوزارية وبالتالي الهيئة العليا، لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ والممارسة رغم كونها شاملة واعدة ترمي إلى تحقيق خطوات وحدوية عملية ثابتة باتجاه قيام الوحدة الاقتصادية العربية المنشودة، إلا أن الخلافات السياسية تخطت كل ذلك لتأتي حرب الخليج وتوقف العمل في مختلف الميادين ولتبقى كل تلك القرارات والاتفاقات حبراً على ورق.

تقييم التجربة
واضح من خلال المعطيات التي دفعت بإقامة مجلس التعاون العربي كانت في جلها معطيات سياسية، منها ما هو خاص بكل دولة من أعضاء المجلس ومنها ما هو مشترك، وإن كان الإخراج الأساس لهذا المجلس هو الطابع الاقتصادي باعتباره يشكل المعطيات المادية والأربطة الصلبة التي يمكن أن تنطلق منها الأهداف والنشاطات السياسية.

غير أن هذه التجربة وعند أول هزة سياسية فعلية انهارت دون أن تتمكن حتى اقتصاديا من نقل ولو جزء مما تم إعداده من قرارات واتفاقات تم التوقيع المشترك عليها إلى أرض الواقع، فقد وضع الاجتياح العراقي للكويت في أغسطس/ آب 1990 أي بعد حوالي 17 شهرا على قيامه حداً لهذا المجلس. وكان العتب في ذلك أن العراق لم يستشر زملاءه في المجلس في هذه الخطوة الكبيرة التي قام بها والتي تمتد آثارها إلى جميع الدول الأعضاء في المجلس بل وفي المنطقة.

وعمليا فقد وضعت حرب الخليج الثانية حداً لهذا المجلس، وإن كان رسمياً قد تم ذلك في فبراير/ شباط 1994 حينما أعلنت لجنة الشؤون العربية والخارجية بمجلس الشورى المصري تأييدها لإلغاء اتفاقية تأسيس مجلس التعاون العربي بناءً على القرار الجمهوري بمشروع القانون والذي أحيل إلى مجلس الشعب، وإن كانت الحكومة الأردنية قامت بتصفية مجلس التعاون العربي بصفة رسمية في أول يوم من أغسطس/ آب 1992 بعد تجميد نشاطه قرابة عامين. ولم تعارض أي من الدول الأعضاء تصفية المجلس نهائياً.

وبرغم أن مجلس التعاون لم يأت من فراغ ولا بقرار طارئ ومفاجئ، وإنما أتى نتيجة علاقات ثنائية متقدمة بين دوله الأربع حيث هناك الارتباطات الاقتصادية الثنائية واللجان العليا للتنسيق المشترك برئاسة رؤساء الوزراء، كما يقوم بينها الكثير من المبادلات التجارية والمشروعات المشتركة.. رغم كل هذا فإننا نعتقد أن المعطيات السياسية لعبت الدور الأساسي في قيام مثل هذا المجلس، وإن كانت كل دولة من دوله الأعضاء تحاول أن تخفي هذا السبب وتبرز بالمقابل الأسباب الاقتصادية، لكنها لم تكن تنكر الأسباب السياسية.

فالانهيار السريع لهذا المجلس إثر الاجتياح العراقي للكويت، والمواقف المتباينة لبقية أعضائه من هذه الحرب، بل إن الرئيس المصري حسني مبارك الذي كان متجاهلا بدوره لهذا المجلس، أفصح بعد هذا الاجتياح عن الهدف الأساسي لهذا المجلس قائلاً "إن مجلس التعاون العربي كان له هدفان محددان"، مشيراً إلى أن القادة العراقيين استمروا في محاولة تحقيق الهدفين لمدة سبعة أشهر، وأوضح أن أحد الهدفين كان توقيع اتفاقية دفاع مشترك.

أما الهدف الثاني الذي أشار إليه الرئيس المصري فتمثل في توقيع اتفاقية أمن مشترك، وعلق الرئيس مبارك على هذه الاتفاقية بأنها كانت تهدف إلى دمج أجهزة المخابرات بعضها ببعض.


أتت حرب الخليج الثانية لتكشف حقيقة النوايا وراء إقامة مجلس التعاون العربي وأنه قائم على قاعدة هشة سرعان ما انهارت أمام أول هزة عنيفة أصابته

كشف الرئيس المصري عما يعتقد بأنها الأسباب الحقيقية التي تقف وراء إنشاء مثل هذا المجلس، وهذا الكشف المتأخر أو ما تلاه من تبعات حرب الخليج الثانية والأداء العربي المتواضع، يدلل على أن النوايا لم تكن بعيدة عن الشك وعدم الثقة.

فمصر تعيش وسط جهود إعادتها إلى الجامعة العربية في جو من جهود عربية لتحقيق مصالحات عربية. والعراق الذي ظهر بعد حرب الخليج الأولى كمنتصر في تلك الحرب وبعد أن ثبّت دورا مميزا له داخل الجامعة العربية خارج القاهرة، يريد أن يسد المعروف لمصر من جهة ويكرس نفسه كقائد له حضور في الساحة العربية. ومصر في المقابل تريد أن تحافظ على اتفاقية السلام مع إسرائيل وفي الوقت نفسه تريد أن تعود إلى الحظيرة العربية أيضاً بدورها التقليدي المميز، في حين يبتغي اليمن من وراء ذلك تحسين أوضاعه الاقتصادية باعتبار أن العراق يشكل قاعدة اقتصادية جيدة، وأن يدفع لنفسه بدور سياسي. أما الأردن فيريد أن يلعب دوراً سياسيا بعد أن كادت سوريا تحرمه منه، إضافة إلى الدافع الاقتصادي والمكاسب المتأتية من العلاقة المميزة مع العراق.

وهكذا أتت حرب الخليج الثانية لتكشف حقيقة النوايا وراء إقامة مثل هذا المجلس وبأنه قائم على قاعدة هشة سرعان ما انهارت أمام أول هزة عنيفة أصابته.

دروس من التجربة

  • إعادة النظر في التجارب التعاونية الإقليمية خاصة من الناحية الهيكلية، إذ نعتقد أن الأفضل إبقاء مجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي إلى جانب إنشاء مجلس تعاون لدول الهلال الخصيب (سوريا والعراق والأردن وفلسطين) ومجلس تعاون لبلاد النيل (مصر والسودان) للتقارب الموجود بين دول كل مجلس بحكم عوامل جغرافية واقتصادية وثقافية.
  • تحييد البعد السياسي خاصة الخلافي منه، وتسخير التوافق والتقارب السياسي لصالح الميادين الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، وعدم انعكاس العلاقات السياسية على الميادين الاقتصادية والاجتماعية إلا بقدر ما يخدم هذه الميادين ويدفع بها إلى الأمام.
  • تعميق الحياة الديمقراطية في الدول العربية لكونها الضمان الأساسي لاستمرار الحياة السياسية، وحل الخلافات السياسية بالوسائل السلمية، وتغليب مصالح الدولة على مصالح النظام أو الحاكم.
  • الإقرار العملي بأن النظام السياسي لكل دولة مسؤولية على عاتق أبنائه أولاً وأخيراً، وأن الخلافات السياسية في المواقف يجب أن لا تنقلب على الحياة السياسية الداخلية للدول الأخرى، فالحياة الداخلية لأي دولة هي مسؤولية أبنائها الذين يختارون الطريقة التي تحلو لهم للعيش ولتنمو الحياة في ميادينها المختلفة.
  • أن هناك حقائق في الحياة غير مرضية وغير مريحة، لكن يجب الإقرار بوجودها ليس من أجل الاستسلام لها وإنما من أجل إمكانية التغيير والتطوير ومواجهة تحدياتها، فإذا كانت الوحدة العربية أملا يتطلع إليه كل مواطن عربي فإن الدولة القطرية هي حقيقة قائمة على الأرض لا يمكن الهروب منها تحت أي مبرر أو أي عنوان، وعليه فإن الدولة القطرية التي لعب الزمن دوراً مهماً في تكريسها يجب أن نقر بحقيقتها ولكن أن تكون أنظارنا باتجاه الوحدة والتعاون والتقدم.
  • الاستفادة من التجارب التعاونية والوحدوية الأخرى في العالم، ولنا في تجربة الاتحاد الأوروبي قدوة إذ رغم الاختلافات العرقية والدينية الحروب التاريخية بين أبناء دول هذه التجربة، فإنهم استطاعوا تجاوز كل تلك المعوقات والوصول إلى حالة وحدوية رائدة، وهذا يجب أن يكون حافزاً لتجربة عربية مشابهة بل سباقة في هذا الميدان، خاصة أن بين الدول العربية عوامل تقربها وتدفعها نحو خطوات وحدوية سريعة أكثر بكثير مما بين الدول الأوروبية.
  • التحديات الدولية التي تعصف بالعالم خاصة في عصر العولمة والهياج السياسي والاقتصادي والعسكري الذي يشهده العالم اليوم، تدفع بالعرب -حماية لمستقبل أجيالهم وبلدانهم- إلى أن يقفوا بمسؤولية أمام هذه التحديات، في محاولة جادة لمواجهتها والتخطيط والاتفاق على كيفية التعامل معها.

ـــــــــــــــ
* أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية

المصادر:
1- الوثائق الأردنية، "مجلس التعاون العربي حلقة مضيئة في سلسلة الجهود العربية نحو التكامل"، وزارة الإعلام الأردنية، عمان، الأردن (1989).
2- مجلس التعاون العربي، د. سلمان زيدان النداوي، د. عصام محمد حسون، وزارة التعليم العالي، بغداد، العراق (1989).
2-
مجلس التعاون العربي.. الحاضر والمستقبل، د. عبد الكريم أحمد عامر، وزارة الإعلام والثقافة، صنعاء، اليمن (1989).
4- تطورات مشروع الاندماجات الجهوية في الوطن العربي، د. مطيع المختار، مجلة شؤون عربية، الجامعة العربية، العدد (58) يونيو/ حزيران 1989، تونس.