اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان

بقلم أحمد الرشيدي
*

شهدت جامعة الدول العربية التي أعلن عن قيامها في 22 مارس/آذار 1945، العديد من الأحداث والتطورات، والتي كان لها فيها أدوار لا تنكر إيجاباً أو سلباً.
والواقع أنه إذا كانت هذه الأدوار تبدو جلية على صعيد دعم الجامعة لقضايا النضال الوطني للشعوب العربية من أجل الحرية والاستقلال، فإنها تبرز أيضاً على مستوى القضية الفلسطينية التي ظلت بحق إحدى القضايا المركزية الكبرى في سياسات الجامعة، كل هذا بالطبع بالإضافة إلى قضايا التنمية وما يتصل بها من ضرورات تطوير العمل العربي المشترك وتعزيزه في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

والحق أنه إذا كانت جامعة الدول العربية لم تفلح في بعض الأحيان -وبفعل ظروف عدة- في التصدي بفاعلية لمعالجة أوجه الخلل وبعض جوانب القصـور في النظام الإقليمي العربي، إلا أنها اجتهدت ولا شك -ولو كحد أدنى- في توفير الإطار التنظيمي العام الذي أمكن بواسطته معالجة بعض القضايا ذات الاهتمام العربي المشترك.

وإذا أخذنا هذه الحقيقة سالفة الذكر بعين الاعتبار، ومع عدم إغفال مدى تأثر العلاقات العربية/العربية بالتطورات الراهنة في النظام الدولي، فإنه قد يكون من الملائم أن نحاول في هذا الاستعراض العام لمسيرة الجامعة على مدار خمسة وخمسين عاماً تقديم رؤية كلية نقف من خلالها على حقيقة الدور الذي قدر لهذه المنظمة العربية الأم أن تضطلع به.


جامعة الدول العربية لم تفلح في بعض الأحيان  في التصدي بفاعلية لمعالجة أوجه الخلل وبعض جوانب القصـور في النظام الإقليمي العربي، ولكنهااجتهدت  في توفير الإطار التنظيمي العام الذي أمكن بواسطته معالجة بعض القضايا ذات الاهتمام العربي المشترك.

وتقديرنا أن تقديم مثل هذه الرؤية الكلية يعتبر ضرورياً لجذب انتباه الرأي العام العربي -على اختلاف مستوياته- إلى الجامعة ومحاولة تفهم حدود دورها.

ولكي تكون هذه الرؤية شاملة قدر الإمكان فإنه يحسن التركيز على عدد من النقاط الرئيسية التي نجملها فيما يلي:
- خلفية تاريخية عن الجهود التي مهدت لقيام جامعة الدول العربية في عام 1945.
- المقاصد أو الأهداف التي أنشئت الجامعة من أجلها، والتي جاء الميثاق -ميثاق جامعة الدول العربية- متضمناً لها.
- تصور عام لأهم الإنجازات التي قدر للجامعة أن تحققها في ضوء الظروف العربية والدولية المحيطة.
- تقويم عام لأداء جامعة الدول العربية على مدى خمسة وخمسين عاما.
- رؤية مستقبلية لدور جامعة الدول العربية -كمنظمة قومية عربية- وذلك في ضوء معطيات الواقع العربي المعاصر والظروف الإقليمية والدولية المحيطة.

أولاً - ظروف نشأة جامعة الدول العربية: خلفية تاريخية عامة
بداية، من الثابت أن قيام جامعة الدول العربية لم يكن بأي حال من الأحوال يمثل حدثا جديدا على صعيد العلاقات العربية/العربية. فالمؤكد أن فكرة الوحدة العربية كانت مطروحة منذ قرون عديدة مضت، بل كانت دوماً تأتي على قائمة الطموحات الكبرى التي تحمس لها الإصلاحيون العرب على اختلاف أفكارهم. ولذلك فليس من قبيل المبالغة التوكيد هنا على حقيقة أن قيام هذه الجامعة إنما عد -وبحق- تتويجا لحركة القومية العربية والفكر القومي العربي على امتداد التاريخ، وبالذات منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

على أن أحداً لا يستطيع في هذا المقام أن ينكر دور المؤثرات الخارجية في مرحلة التحضير لإنشاء الجامعة العربية وفى إخراجها على نحو معين.

والواقع أنه من دون الدخول في تفاصيل كثيرة ليس هنا مجالها -وخاصة لأنها أصبحت معروفة لدى جمهور الباحثين، بل ولدى قطاعات كبيرة من الرأي العام العربي- يمكن القول بأن بريطانيا كانت هي القوة الدولية الكبرى التي اضطلعت بدور مهم في مجال الإعداد لإنشاء جامعة الدول العربية، وذلك تحقيقا لأهداف سياستها -أي بريطانيا- في المنطقة وقتئذ. فقد كانت تصريحات المسؤولين البريطانيين حول مسألة الوحدة العربية والمشاريع التي كانت مطروحة في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين بقصد تحقيق هذه الوحدة بمثابة الضوء الأخضر للعديد من القيادات العربية لبدء سلسلة من الاتصالات الثنائية والجماعية ولتنظيم عدد من المشاورات لدراسة فكرة إقامة تنظيم عربي واحد يجمع شمل الأقطار العربية. وقد عرفت الاتصالات العربية التي جرت في هذا الشأن بالمباحثات التمهيدية. وفي هذا الإطار جرت لقاءات رسمية عديدة بين رؤساء الدول العربية وقياداتها انتهت بعقد مؤتمر تمهيدي بالإسكندرية خلال الفترة من 25 سبتمبر/أيلول إلى 10 أكتوبر/تشرين الأول 1944. وقد شاركت في هذا المؤتمر وفود سبع دول عربية هي: سوريا، شرق الأردن، العراق، المملكة العربية السعودية، لبنان، مصر، اليمن، بالإضافة إلى السيد موسى العلمي كممثل لعرب فلسطين.

والحقيـقة أن هذه المحادثات التمهيدية التي جرت بالإسكندرية عام 1944 قد عكست بوضوح تصورات الدول العربية المشاركة لفكرة الوحدة التي يقترح أن تجمع بينها. وقد تبلورت هذه التصورات حول صيغ ثلاث هي:
الصيغة الأولى وهي صيغة الدولة الموحدة بما لها من سلطة مركزية وبما تعنيه من زوال للسيادة القطرية ومحو للشخصية القانونية الدولية لكل دولة عضو. وقد كانت سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي أبدت استعدادها التام للقبول بهذه الصيغة، والقبول بالتالي بفكرة منح المنظمة العربية المقترح إنشاؤها كافة الصلاحيات


الصيغة غير القوية للتنظيم العربي المقترح هي التي رحجت عند وضع المشروع النهائي للميثاق الذي سيقوم عليه هذا التنظيم

والسلطات في مواجهة الدول الأعضاء.

وأما الصيغة الثانية فكانت صيغة الاتحاد الفدرالي، وهي التي تتمتع المنظمة المقترحة في ظلها وبمقتضاها بسلطات كبيرة نوعاً ما في مواجهة الدول الأعضاء. وواقع الأمر أن الدعوة إلى إقامة نوع من الوحدة أو الاتحاد فيما بين الدول العربية أوثق من مجرد تكوين هيئة أو إطار تنظيمي للتعاون الاختياري فيما بينها، كانت تمثل أحد الاتجاهات الأساسية التي برزت خلال المحادثات التمهيدية لإنشاء جامعة الدول العربية. غير أنه على الرغم من قوة هذا الاتجاه إلا أنه لم يقدر له الغلبة في النهاية، حيث مالت أغلب الوفود المشاركة -وعلى رأسها وفدا لبنان واليمن- إلى القبول بالصيغة الثالثة التي طرحت في هذا الشأن وهي صيغة الاتحاد الكونفدرالي والتي لا تسمح في إطارها بأدنى مساس بمبدأ السيادة الوطنية للدولة.

وعليه فقد كانت هذه الصيغة غير القوية للتنظيم العربي المقترح هي التي استقرت في الأذهان عندما بادر رئيس الحكومة المصرية إلى دعوة وزراء خارجية الدول العربية للاجتماع لوضع المشروع النهائي للميثاق الذي سيقوم عليه هذا التنظيم.

وقـد انعقد هذا الاجتماع فعلا في 8 فبراير/ شباط 1945، واستمرت جلساته حتى يوم 22 مارس/ آذار مـن العام ذاته، وهو اليوم الذي تم فيه التوقيع على الميثاق المذكور في صورته النهائية من جانب ممثلي ست دول عربية هي: سوريا، شرق الأردن، العراق، لبنان، المملكة العربية السعودية، ومصر. أما اليمن -وهي الدولة العربية السابعة التي شاركت في المحادثات التمهيدية لإنشاء الجامعة- فقد أرسل نص الميثاق إلى حكومتها للتوقيع عليه في صنعاء في 5 مايو/أيار 1945.
وبتصديق الدول السبع الأعضاء على هذا الميثاق ظهرت جامعة الدول العربية إلى الوجود ابتداء من يوم 11 مايو/أيار 1945 لتصبح أول منظمة عربية جامعة تنشأ في تاريخ العرب الحديث والمعاصر.

وكما هو معلوم يشتمل ميثاق جامعة الدول العربية على عشرين مادة، إضافـة إلى ثلاثة ملاحق: أما الملحق الأول فهو عبارة عن تصريح يتعلق بوضع فلسطين. وأما الملحق الثاني فكان يتعلق بالتعاون مع الدول العربية غير المشتركة في الجامعة. وأما ثالث هذه الملاحق فكان يختص بتعيين أول أمين عام للجامعة وهو السيد عبد الرحمن عزام.

ثانياً - أهداف جامعة الدول العربية ومقاصدها
لا شك في أن جامعة الدول العربية -شأنها في ذلك شأن كل منظمة دولية- قد أنشئت من أجل دعم الروابط وتحقيق المصالح المشتركة بين أعضائها. ولكن وحيث إن الجامعة ليست مجرد منظمة دولية عادية كتلك التي نعرفها في نطاق دراستنا لقانون المنظمات الدولية، إذ إنها منظمة ذات طابع قومي قبل أن تكون منظمة دولية إقليمية بالمعنى الفني الدقيق للمفهوم، لذا فقد كان من الطبيعي أن يحرص واضعو الميثاق على تضمينه العديد من الأهداف والأفكار النابعة من هذه الطبيعة القومية.

وبناء على ذلك فقد استنتج بعض الباحثين وبحق أن إشارة الديباجة على سبيل المثال إلى "الرأي العام العربي" لها دلالاتها المهمة في هذا المقام. فمثل هذه الإشارة إنما تكشف عن مدى إحساس واضعي الميثاق وإدراكهم العميق للطبيعة القومية للجامعة، وهو ما يعني أن أي تفسير لهذا الميثاق على أرض الواقع ينبغي أن يكون أحد منطلقاته الأساسية التوافق وتلك الطبيعة الخاصة لهذه المنظمة العربية الأم.

على أن التسليم بذلك لا يمنع من القول بأن ميثاق الجامعة قد تضمن -إضافـة إلى ذلك وللأسف- العديد من الأحكام الصريحة التي تؤكد على حقيقة أن هذه الجامعة لا تعدو في التحليل الأخير إلا أن تكون منظمة حكومية شأنها في ذلك شأن أي منظمة دولية أخرى.

فبداية نسجل أن هذا الميثاق قد جاء بصفة عامة أضعف في مبادئه وفي الأهداف التي نص عليها بروتوكول الإسكندرية لعام 1944 والذي كان ينظر إليه وقتئذ بأنه لا يرقى إلى مستوى الآمال العربية. فعلى سبيل المثال يلاحظ أن الميثـاق قد أسقط من نصوصه ذلك النص الذي ورد في البروتوكول والذي كان يقضي بعدم إمكان قيام أية دولة عربية بانتهاج سياسة خارجية تخالف سياسة الجامعة أو تصطدم معها صراحة. ولا شك في أن عدم تضمين الميثاق مثل هذا النص يعتبر خسارة كبيرة، حيث إن المدخل الحقيقي لتحقيق الوحدة العربية هو الوصول إلى حد أدنى مقبـول من التنسيق في نطاق السياسات الوطنية للدول الأعضاء. كما يلاحظ من جهة ثانية أن ميثاق الجامعة قد استبعد ما كان منصوصاً عليه في البروتوكول من الرغبة في "أن تـوفق البلاد العربية في المستقبل إلى تدعيمها (أي الوحدة العربية) بخطوات أخرى، وبخاصة إذا أسفرت الأوضاع العالمية بعد الحرب القائمة عن نظم تربط الدول العربية بروابط أمتن وأوثق".

ومع ذلك فليس في وسعنا أن نغفل في هذا الخصوص أهمية ما تضمنه نص المادة التاسعة من الميثاق والذي يؤكـد صراحة على حقيقة أن "لدول الجامعة العربية الراغبة فيما بينها في تعاون أوثق وروابط أقوى مما نص عليه هذا الميثاق أن تعقد بينها من الاتفاقات ما تشاء لتحقيق هذه الأغراض".

وطبقاً لنص المادة الثانية من الميثاق فإن "الغرض من الجامعة هو توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها وتنسيق خططها السياسية تحقيقا للتعاون بينها، وصيانة لاستقلالها وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها". كـذلك من أغراضها تعاون الدول المشتركة فيها تعاونا وثيقا بحسب نظم كل دولة منها وأحوالها في الشؤون الآتية:
أ ـ الشؤون الاقتصادية والمالية، ويدخل في ذلك التبادل التجاري والجمارك والعملة وأمور الزراعة والصناعة.
ب ـ شؤون المواصلات، ويدخل في ذلك السكك الحديدية والطرق والطيران والملاحة والبرق والبريد.
ج ـ شؤون الثقافة.
د ـ شؤون الجنسية والجوازات والتأشيرات وتنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين.
هـ ـ الشؤون الاجتماعية.
و ـ الشؤون الصحية.

وواضح مما تقدم أنه على الرغم من العمومية الكبيرة التي صيغ بها نص المادة الثانية سالفة الذكر، إلا أن الملاحظ أن هذا النص لم يشر إلى المقصد الخاص بحفظ السلم والأمن وما يرتبط به من وجوب العمل على تنسيق السياسات العسكرية للدول الأعضاء، وهو الأمر الذي تداركته بعد ذلك معاهدة الدفاع العربي المشترك لعام 1950.


تضمن ميثاق الجامعة تضمن العديد من الأحكام الصريحة التي تؤكد على حقيقة أن هذه الجامعة لا تعدو في التحليل الأخير إلا أن تكون منظمة حكومية شأنها في ذلك شأن أي منظمة دولية أخرى.

ولتحقيق هذه الأهداف العامة التي تضمنها نص المادة الثانية المشار إليه حرص واضعو الميثاق على بيان المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تسترشد بها الجامعة وتعمل على هديها في هذا الشأن. وقد تحددت هذه المبادئ -والتي لا تكاد تختلف كثيرا عما هو متعارف عليه بالنسبة لعموم المواثيق المنشئة للمنظمات الدولية- في الآتي:
1 - مبدأ المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء واحترام استقلال كل منها.
2 - مبدأ عدم جواز اللجوء إلى القوة في نطاق العلاقات العربية/العربية، والالتجاء بدلا من ذلك إلى الوسائل السلمية لتسوية أية منازعات يمكن أن تثور في نطاق هذه العلاقات، وذلك حفاظا على الروابط العربية المشتركة وتدعيما للعمل العربي المشترك.
3 - مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.

وتقديرنا أن جامعة الدول العربية لا تعتبر -من حيث استرشادها بهذه المبادئ الثلاثة- استثناء مما هو حاصل في نطاق المنظمات الدولية. فالقاعدة أن المبادئ المذكورة ينص عليها في عموم المواثيق المنشئة لأية منظمة دولية.

ثالثاً - إنجازات جامعة الدول العربية: نظرة تقويمية لمسيرة 55 عاما من العمل العربي المشترك
بداية لا يتسع المقام هنا -بشكل تفصيلي- لتناول الموضوع الخاص بإنجازات جامعة الدول العربية خلال ما يزيد على نصف قرن، وتقويم هذه الإنجازات إيجابا أو سلبا.
ولذلك فقد يكون من المفيد أن يعرض التحليل في هذا الخصوص للخطوط العامة لهذه الإنجازات، وذلك بهـدف إبراز صورة الجامعة لدى المواطن العربي وإلقاء الضوء عليها.

وعليه فقد يكون من المناسب التركيز هنا على عدد من المجالات التي قدر للجامعة أن تضطلع بدور إيجابي فيها، وذلك بصرف النظر عن النتيجة النهائية المتحققة. ويأتي على رأس هذه المجالات في تقديرنا ما يلي:

1 - تأييد قضايا الاستقلال الوطني للشعوب العربية: لا يوجد ثمة خلاف لدى جمهرة الباحثين العرب حول حقيقة أن جامعة الدول العربية قد اضطلعت بدور كبير ومهم في مجال تقديم كل عون ممكن لمساعدة البلاد العربية في صراعها ضد الاستعمار، وذلك على امتداد الوطن العربي. ومن ثم فلم يكن غريبا أن يحفل تاريخ الجامعة بنشاط واسع سواء على صعيد المنطقة العربية أو في أروقة المنظمات الدولية الأخرى كمنظمة الأمم المتحدة لدعم نضال الشعوب العربية التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار، ومنها على وجه الخصوص الشعب العربي في كل من تونس والمغرب والجزائر واليمن وفلسطين.
وقد نظرت الشعوب العربية على امتداد أقطارها -وخلال معارك الاستقلال التي خاضتها- إلى الجامعة باعتبارها رمزا قوميا من الناحيتين النفسية والفكرية.

2 ـ قضية فلسطين: لسنا بحاجة إلى التوكيد، بادئ ذي بدء، على حقيقة أنه منذ قيام الجامعة عام 1945 وحتى يومنا هذا لاتزال القضية الفلسطينية تمثل الشغل الشاغل لهذه المنظمة العربية القومية على اختلاف أجهزتها ومؤسساتها. فعلى إثر قيام دولة إسرائيل في 15 مايو/أيار 1948 بادرت جامعة الدول العربية إلى التدخل لمواجهة هذا الوضع الجديد. على أنه إزاء إخفاق العرب في التصدي للدولة اليهودية الصهيونية لم تتردد الجامعة في اتخاذ مجموعة من القرارات لمقاطعة إسرائيل اقتصاديا ومقاطعة كل الدول التي تتعاون معها في أي مجال من المجالات الاقتصادية أو الثقافية أو غير ذلك.
كما شكلت القضية الفلسطينية بجوانبها المتعددة الأساس لمعظم مؤتمرات القمة العربية منذ أوائل الستينيات. بل إن بعض هذه المؤتمرات قد عقد أساسا للنظر في موضوعات تتعلق بهذه القضية، ومن ذلك مثلا مؤتمر القمة العربي الذي انعقد بالقاهرة في يناير/كانون الثاني 1964 لبحث مسألة قيام إسرائيل بتحويل مياه نهر الأردن بهدف الاستحواذ على أكبر قدر من هذه المياه لصالحها وحدها.
وكما هو معلوم، فقد جاءت قرارات هذا المؤتمر صريحة في التوكيد على اعتبار أن إسرائيل تمثل الخطر الأساسي الذي يهدد الدول العربية في مجملها وليس فقط الشعب العربي الفلسطيني، الأمر الذي يستوجب عملا عربيا جماعياً لمواجهتها. كما أشارت هذه القرارات من جهة أخرى إلى أن تحويل مياه نهر الأردن يمثل عنصر تهديد خطير للأمن القومي العربي، وأن التضامن العربي هو السبيل الأول -إن لم


شكلت القضية الفلسطينية بجوانبها المتعددة الأساس لمعظم مؤتمرات القمة العربية منذ أوائل الستينيات.

يكن الوحيد- لدرء المطامع التوسعية والعدوانية للكيان الإسرائيلي.
واتساقا مع ذلك قرر المؤتمر إنشاء القيادة العربية الموحدة لمواجهة التهديدات الإسرائيلية، كما أكد ضرورة إشراك الشعب الفلسطيني في النضال لتحرير وطنه وتقرير مصيره. وقد تم بموجب ذلك إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية التي بدأت نضالها المسلح منذ ذلك الحين من أجل استعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
ولا ينبغي في هذا السياق أيضا أن نغفل حقيقة أن جامعة الدول العربية قد أولت اهتماما خاصا لقضية القدس بالنظر إلى أهميتها الدينية والتاريخية للعرب جميعاً. فعلى سبيل المثال كان من بين القرارات المهمة التي صدرت عن مؤتمر القمة العربي بالجزائر عام 1973 ذلك القرار الذي نص فيه على وجوب العمل العربي قدما من أجل تحرير مدينة القدس العربية، وعدم القبول بأي وضع من شأنه المساس بالسيادة العربية الكاملة على هذه المدينة المقدسة.
والواقـع أن موضوع القدس قد ظل -تقريبا- أحد البنود الأساسية والدائمة في كل اجتماعات جامعة الدول العربية سواء على مستوى القمة أو على المستوى الوزاري أو حتى على مستوى المندوبين الدائمين المعتمدين، حيث كان يتم دائما الإصرار على وجوب دعم النضال الفلسطيني لتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وكانت القمة العربية الاستثنائية التي عقدت بمقر الجامعة بالقاهرة في أكتوبر/تشرين الأول 2000 بهدف دعم الانتفاضة الفلسطينية وحماية المقدسات الإسلامية.
على أن المسألة الأصعب فيما يتعلق بموقف الجامعة إزاء القضية الفلسطينية إنما يتمثل في حقيقة أنها وإن كانت قد نجحت ولا شك في بلورة نوع من الإجماع العربي بشأن تأييد حقوق الشعب العربي الفلسطيني في مواجهة الأطماع الإسرائيلية والصهيونية، إلا أنها قد أخفقت في المقابل في التوصل إلى صياغة خطة عربية تفصيلية يمكن السير بمقتضاها في هذا الشأن. ولعل من بين الأمور القليلة المهمة التي حصل اتفاق عربي إيجابي بشأنها في هذا الخصوص، هو الاتفاق الذي أمكـن التوصل إليه في مؤتمر قمة الرباط عام 1974 بشأن اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي الخطوة التي تلتها بعد ذلك خطوة أخرى أكثر أهمية تمثلت في قبول فلسطين عام 1976 عضوا كامل العضوية في جامعة الدول العربية.

3 ـ تعزيز السلم والأمن العربيين والتسوية السلمية للمنازعات التي تثور في نطاق العلاقات العربية/ العربية: لا شك في أن جامعة الدول العربية باعتبارها منظمة سياسية بالدرجة الأولى تهدف أول ما تهدف إلى المحافظة على صيانة أمن واستقلال الدول الأعضاء وحل ما قد ينشب بينها من منازعات بالطرق السلمية.
والواقع أنه في حدود الإمكانات المتاحة والصلاحيات الممنوحة نجحت الجامعة في ذلك إلى حد ما. ويكفي أن نشير في هذا الشأن -وعلى سبيل المثال- إلى حالة النزاع العراقي الكويتي عام 1961 حيث نجح العمل العربي الجماعي في إطار الجامعة في احتوائه وضمان انسحاب القوات الأجنبية (البريطانية) من الكويت.
والحقيقة أنه على الرغم من أن ميثاق جامعة الدول العربية قد اعتبر من جانب غالبية الباحثين متخلفا نسبيا بالمقارنة بغيره من المواثيق المنشئة للمنظمات الدولية فيما يتعلق بالوسائل التي قررها لتسوية المنازعات الدولية سلميا، إلا أن الثابت هو أن الجامعة قد استطاعت في العمل أن تطور كثيرا من نظامها في هذا الشأن. وقد برز ذلك بشكل خاص في استحداث أساليب جديدة لحل وتسوية المنازعات التي تثور فيما بين الدول الأعضاء بطريقة سلمية.
والواقع أن أداء الجامعة العربية في مجال التسوية السلمية للمنازعات وتعزيز السلم والأمن العربيين لم يقتصر على استحداث وسائل أو أساليب جديدة غير منصوص عليها في الميثاق لتسوية هذه النزاعات سلمياً، وإنما امتد التطوير أيضا إلى محاولة إيجاد آليات جديدة في هذا الخصوص. ولعل من أبرز المظاهر ذات الدلالة التي يمكن الإشارة إليها هنا ما يلي:
أ ـ بروز دور دبلوماسية القمة العربية، فطبقاً لما تكشف عنه الخبرة التاريخية وخاصة منذ بداية الستينيات، يمكن القول بأن جامعة الدول العربية قد نجحت -في حدود معينة- في تطوير نظام اجتماعات القمة العربية ليصير بمثابة أحد العوامل المهمة التي يعول عليها في التصدي للمنازعات والخلافات العربية، إن لم يكن بواسطة الجامعة ذاتها فعلى الأقل تحت مظلتها.
على أنه يلاحظ على دبلوماسية القمة العربية أنه على الرغم من الفائدة الكبرى التي يمكن أن تحققها هـذه الصورة من صور العمل العربي المشترك في مجال تسوية المنازعات، إلا أن هذا النوع من أساليب فض المنازعات سلمياً في نطـاق العلاقات العربية/العربية ظل حتى عهد قريب متخلفا في نواحٍ كثيرة بالمقارنة بغيره من النظم المماثلة. فأولا يلاحظ أن القمة العربية ظلت لا تجتمع دوريا كما هو الحال مثلا في





استطاعت الجامعة  أن تطور كثيرا من نظامها   وقد برز ذلك بشكل خاص في استحداث أساليب جديدة لحل وتسوية المنازعات التي تثور فيما بين الدول الأعضاء بطريقة سلمية.



إطار منظمة الوحدة الأفريقية، إلى أن تم تقنين دوريتها في قمة القاهرة الاستثنائية في أكتوبر/تشرين الأول 
2000. كما أن العمل العربي قد جرى -خاصة في السنوات الأخيرة- على أن يتغيب عدد ليس بالقليل من الملوك والرؤساء العرب عن حضور اجتماعات القمة، وذلك بعكس الحال مثلا بالنسبة لاجتماعات قمة دول الاتحاد الأوروبي أو قمة الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الأفريقية. وإضافة إلى ما تقدم فإن الخلافات الناجمة عن التوجهات السياسية المتباينة لبعض الدول العربية تعتبر بدورها من بين العوامل التي تفسر أن القرارات والتوصيات التي تصدر عن هذه الاجتماعات تظل -في التحليل الأخير- مجرد أمنيات ولا ترقى إلى مستوى التنفيذ في الكثير من الحالات.

ب ـ بروز دور اللجنة السياسية وخاصة خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، فالثابت أن دور هذه اللجنة لا ينبغي إغفاله حيث إنها اضطلعت بمهام كثيرة في مجال التسوية السلمية للمنازعات في إطار العلاقات العربية/ العربية. وقـد حدث ذلك على سبيل المثال وبصفة خاصة في أزمة الضفة الغربية عام 1950، حيث عهد إلى هذه اللجنة ببحث الأزمة في مختلف جوانبها.

ج ـ تعاظم الدور السياسي للأمين العام، فقد اضطلعت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية كذلك بدور مهم في مجال التسوية السلمية للمنازعات، إما بمبادرة من الأمين العام نفسه أو بتكليف صريح من مجلس الجامعة. والواقع أن الأمثلة على هذا الدور كثيرة ومتنوعة نذكر منها على سبيل المثال دور الأمين العام السيد عبد الخالق حسونة فيما يتعلق بحالة النزاع العراقي الكويتي عام 1961، ومنها كذلك الدور المهم الذي بذله الأمين العام السيد محمود رياض في أزمة الحرب الأهلية اللبنانية وخاصة خلال عامي 1975 و1976. وهناك أيضا المحاولات التي بذلها الأمين العام الحالي  د. عصمت عبد المجيد لتحقيق المصالحة العربية وجمع الشمل العربي الذي مزقته أزمة الاحتلال العراقي لدولة الكويت في الثاني من أغسطس/ آب 1990 وتداعياتها التالية.
على أنه مما تجدر الإشارة إليه فيما يتصل بجهود الجامعة العربية في تطوير نظامها الخاص بتسوية المنازعات سلميا، حقيقة أنها لم تفلح إلى اليوم في إنشاء جهاز تناط به مهمة الفصل في المنازعات ذات الطابع القانوني التي قد تثور فيما بين الدول العربية كمنازعات الحدود، فالثابت أنه على الرغم من أن واضعي الميثاق قد سلموا بأهمية الدور الذي يمكن أن يضطلع به الجهاز المذكور (محكمة العدل العربية) في نطاق العلاقات العربية/العربية، إلا أن الجهود التي بذلت في هذا الشأن منذ أوائل الخمسينيات لم يقدر لها أن تتبلور في صورة واقع مادي ملموس إلى اليوم.
وتقديرنا أن إنشاء جهاز قضائي في نطاق جامعة الدول العربية قد بات أمرا ضروريا ولا شك ليس فقط من أجل أن تستكمل الجامعة بناءها المؤسسي، حيث إنه من المهم بالنسبة لأية منظمة دولية عامة أن يكون لها جهازها القضائي الخاص، وإنما أيضا لأن هناك نوعية من المنازعات لا يصح التعامل معها أو إدارتها إلا من خلال مثل هذا الجهاز، ونعني بها المنازعات القانونية كتلك التي تثور مثلا بشأن: تفسير الاتفاقات المبرمة فيما بين الدول العربية الأعضاء، ومنازعات الحدود، وكذلك المنازعات التي تثور فيما بين أجهزة الجامعة نفسها والتي تثور فيها مسائل تنازع الاختصاص.
ولذلك فنحن نهيب بالقائمين على أمر الجامعة العربية أن يبادروا دون تردد إلى سرعة وضع نص المادة 19 من الميثاق -والذي يشير إلى أهمية إنشاء محكمة عدل عربية- موضع التطبيق.
رابعا - تقويم أداء جامعة الدول العربية في ضوء الإنجازات المحققة
إذا نظرنا إلى جامعة الدول العربية بوصفها منظمة دولية تجمع بين "دول"، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الطابع التقليدي الذي تميز به الميثاق المنشئ لهذه المنظمة، لأمكننا القول بأن ثمة إيجابيات عديدة قد تحققت، ولكن -في المقابل- كانت هناك أيضا بعض السلبيات التي لا ينبغي لنا أن نقلل من شأنها.
1 ـ ففيما يتعلق بالجوانب الإيجابية في أداء جامعة الدول العربية فإنه يمكن الإشارة إلى الأمور الآتية:
أ ـ ليس ثمة خلاف لدى غالبية الباحثين حول أن الجامعة قد نجحت في أن تجعل من نفسها إطاراً عاماً للتشاور ولتبادل وجهات النظر فيما بين الدول العربية. ومنذ إنشائها في عام 1945 ظلت النظرة إلى هذه الجامعة على أنها "بيت العرب الكبير".
ب ـ كذلك نجحت الجامعة عبر مسيرة حياتها التي جاوزت الخمسة والخمسين عاما، أن تبرم العديد من الاتفاقات التي استهدفت مـن خلالها وضع قواعد عامـة تنطبق على الدول العربية كافة. والحق أنه إذا كانت بعض هذه الاتفاقات قد لقيت قبولا من جانب بعض هذه الدول، إلا أن البعض الآخر منها قد ظل للأسف مجرد حبر على ورق. ولعل من أبرز هذه الاتفاقات الاتفاقية التي تناولت موضوع إنشاء سوق عربية مشتركة، وكذلك اتفاقية الدفاع العربي المشترك.
ج ـ وهناك أيضا الجانب الإيجابي الذي تمثل في إنشاء مجموعة من الوكالات (المنظمات) المتخصصة والتي وافق مجلس الجامعة عليها أو دعا الدول الأعضاء إلى الانضمام إليها. ومن أهم هذه الوكالات: اتحاد البريد العربي، والاتحاد العربي للمواصلات السلكية واللاسلكية، ومنظمـة العمل العربية، والمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة، والمنظمة العربية للعلوم الإدارية.

2 ـ أما فيما يتعلق ببعض أوجه القصور التي شابت أداء جامعة الدول العربية طيلة الفترة الماضية فيمكن أن نشير من بينها إلى ما يلي:
أ ـ فهناك من ناحية أولى حقيقة أن الجامعة لم تفلح -في نهاية الأمر- في دعـم العمل العربي الجماعي، كما لم تتمكن من حشد الجهود العربية المشتركة من أجل التصدي لقمع العدوان الذي تعرضت له بعض الدول الأعضاء كالعدوان العراقي على دولة الكويت عام 1990. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الخصوص أن الجامعة قد أخفقت في ذلك على الرغم من وجود اتفاقية الدفاع العربي المشترك المبرمة عام 1950 والتي كان من الممكن الارتكان إليها للتغلب على بعض أوجه القصور التي تشوب الميثاق فيما يتعلق بهذا الجانب من جوانب العمل العربي المشترك.
ب ـ كذلك، فمما يؤخذ على جامعة الدول العربية حقيقة أنها وإن كانت قد تبنت القضية الفلسطينية منذ بداياتها الأولى واعتبرتها القضية العربية المركزية، إلا أن الجهود التي بذلت من أجل توحيد الصف العربي دفاعا عن هذه القضية لم تصل إلى حد الحيلولة دون قيام دولة إسرائيل، أو حتى الحيلولة دون تمكينها من المضي في تحقيق أطماعها وتوسعاتها على حساب الحقوق العربية الأصيلة والمشروعة.
ج ـ بل إنه يؤخذ على الجامعة أنها لم تصل إلى حد إيجاد أو بلورة سياسات مشتركة فيما بين الدول الأعضاء سواء في إطار المؤسسات والمنظمات العربية ذاتها أو في إطار المنظمات الدولية غير العربية كمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك كمبدأ عام.
د ـ كما لم تنجح جامعة الدول العربية منذ إنشائها وحتى الآن في بناء صلات مادية أو خلق بنية تحتية تربط بين الدول الأعضاء. ويكفي أن ندلل على ذلك بأن نشير، مثلا إلى حقيقة أن الدول العربية -وعلى الرغم من كل الروابط التي تجمع بينها والتي لا نكاد نجدها في أي تجمع دولي آخر- لا يوجد خط سكة حديد واحد أو طرق برية مناسبة تربطها معا.

وواقع الأمر أن إخفاق جامعة الدول العربية في تحقيق بعض الغايات المتوخاة منها لا يعزى بالدرجة الأولى إليها -أي الجامعة- وحـدها بقدر ما يعزى إلى اعتبارات وأسباب خارجية تتمثل أساسا فيما يلي:
1 ـ فأولا يمكن القول بأنه وإن كان صحيحا أن الجامعة قد قصرت عن تحقيق حلم الوحدة العربية الشاملة واكتفت بأن تكون مجرد تنظيم إقليمي يكفل تنسيقا محدودا بين دول حريصة على سيادتها القطرية، إلا أن السبب الحقيقي وراء ذلك إنما يكمن في غياب الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء. فهذه الدول هي التي تعزف عن دفع مسيرة العمل العربي المشترك، وهي التي تبالغ في تمسكها بالمفهوم التقليدي للسيادة الوطنية وهو المفهوم الذي لم يعد يصادف قبولا وخاصة في ضوء التطورات الراهنة في النظام الدولي كثورة المعلومات وثورة الاتصالات فضلا عن تنامي ظاهرة


نجحت الجامعة في أن تجعل من نفسها إطاراً عاماً للتشاور ولتبادل وجهات النظر فيما بين الدول العربية. ومنذ إنشائها في عام 1945 ظل ينظر إلى هذه الجامعة على أنها "بيت العرب الكبير

الاعتماد الدولي المتبادل.
2 ـ وهناك، أيضاً السبب المتمثل في الطابع التقليدي للميثاق. فكما سلف القول فإنه على الرغم من حقيقة أن إنشاء جامعة الدول العربية قد جاء تتويجا لحركة المد القومي العربي منذ بدايات القرن العشرين -وبالذات خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، إلا أن مشروع الوحدة العربية كما صيغ رسميا فـي الميثاق الحالي للجامعة قد جاء واهنا إلى حد بعيد. ويكفي أن نشير في هذا الشأن وعلى سبيل المثال إلى حقيقة أن مجلس الجامعة ليس بوسعه -من الناحية القانونية- أن يصدر أي قرار مهم إلا بإجماع الدول الأعضاء (المادة السادسة من الميثاق). ومـؤدى ذلك أن كل دولة عربية عضو في الجامعة تعتبر متمتعة بما يشبه "حق الفيتو" المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
على أن المشاهد في ضوء الخبرة التاريخية للجامعة أن العيب الحقيقي الذي يشوب أداءها ويقلل من فعاليتها لا يرجع بالأساس إلى قاعدة الإجماع هذه، وإنما يرجع في المقام الأول إلى غياب الإرادة السياسية للدول الأعضاء. وليس أدل على ذلك من حقيقة أن العديد من القرارات التي أصدرتها الجامعة -وبإجماع الدول الأعضاء- لم تجد طريقها إلى التطبيق العملي.
3 ـ كما أن هناك -من بين أسباب القصور التي تعوق أداء الجامعة العربية- السبب المتمثل في عدم وجود نظام فعال للجزاءات في نطاقها، مما يجعلها عاجزة عن فرض هيبتها والاحترام الواجب لها في مواجهة أية دولة عضو تمعن في انتهاك أحكام الميثاق. وهنا لا يتردد المرء في القول بأن ميثاق جامعة الدول العربية قد جاء من هذه الناحية أضعف بكثير مما عليه الحال في ميثاق الأمم المتحدة الذي تضمن نظاما متكاملا للجزاءات التي توقع على الدولة العضو التي تخالف أحكامه على نحو يهدد السلم والأمن الدوليين.
وعليه، فإن أحد المداخل المهمة لتعزيز دور جامعة الدول العربية في مجال تعزيز العمل المشترك، إنما يتمثل -بحسب اقتناعنا- في تطوير نظام الجزاءات بما يسمح بتخويلها سلطة تقديرية واسعة تتيح فرض إرادتها عند اللزوم، وذلك أسوة بما عليه


لم تتمكن الجامعة من حشد الجهود العربية المشتركة من أجل التصدي لقمع العدوان الذي تعرضت له بعض الدول الأعضاء على الرغم من وجود اتفاقية الدفاع العربي المشترك المبرمة عام 1950 والتي تكفي للتغلب على بعض أوجه القصور في الميثاق

الحال في نطاق منظمة الأمم المتحدة.
4 ـ على أنه ينبغي الإشارة -من باب الإنصاف- إلى حقيقة أن جامعة الدول العربية لا تعيش في معزل عن التطورات العالمية والإقليمية المحيطة. فمما لا شك فيه أن هذه التطورات كثيرا ما تؤثر -إيجابا أو سلبا- على أداء المنظمات الدولية عموما ومن بينها جامعة الدول العربية. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا في هذا الخصوص وعلى سبيل المثال، بأن من بين عوامل نجاح الجامعة في احتواء بعض الأزمات والنزاعات العربية/العربية كأزمة النزاع العراقي الكويتي عام 1961، ذلك العامل المتمثل في انشغال الدولتين العظميين -الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي- بخلافاتها الخاصة مما حال دون إمكان قيام الأمم المتحدة بدور إيجابي بالنسبة إلى هذه الأزمة.

خامسا - جامعة الدول العربية: رؤية مستقبلية
بصفة عامة يمكن القول بأن ثمة اتجاهات رئيسية ثلاثة تتبلور حولها آراء الباحثين بشأن مستقبل جامعة الدول العربية:
1 ـ فهناك بداية اتجاه ضعيف يذهب أنصاره إلى المناداة بوجوب إلغاء الجامعة وتصفيتها لأنها فشلت في تحقيق أهدافها ولأن بقاءها على وضعها الحالي يعتبر عقبة أساسية في سبيل إقامة مشروعات أخرى للوحدة العربية أو للعمل العربي المشترك تكون أكثر قدرة على مواجهة احتياجات الشعوب العربية وتحقيق آمالها والاستجابة لتطلعاتها المشروعة. كما يستند أنصار هذا الاتجاه الأول -وفيما يبدو-  إلى حقيقة أن ثمة سوابق عديدة في العمل الدولي لجأ خلالها الأطراف المعنيون إلى تصفية منظمة دولية قائمة واستبدلوا بها منظمة دولية جديدة. ومن ذلك مثلا عصبة الأمم التي زالـت رسميا عام 1946 بعد أن حلت محلها منظمة الأمم المتحدة. وهناك أيضا حالة منظمة الوحدة الأفريقية التي أنشئت في عام 1963 لتحل محل العديد من التنظيمات والتكتلات الأفريقية التي كانت موجودة حتى ذلك الحين.


إذا تخلى العرب عن العمل المشترك وحاولوا  الانخراط في نظام إقليمي أوسع فإن ذلك يعني حتما ولو بالتدريج ذوبان الحقوق العربية والتمايز العربي، وسيكون هذا الخطر عظيما إذا قدر للعرب أو فرض عليهمأن ينخرطوا فرادى في هذا النظام المقترح

2 ـ وثمة اتجاه ثان يذهب مؤيدوه إلى القول بوجوب المحافظة على بقاء جامعة الدول العربية، وذلك على الرغم من كل المآخذ التي تؤخذ عليها فيما يتصل بأدائها على مستوى تعزيز العمل العربي الجماعي، والمنطق الذي ينطلق منه هذا الفريق من الباحثين يتمثل في مقولة أساسية مؤداها أن الإبقاء على الجامعة -بوصفها المنظمة العربية الأم التي ينهض عليها النظام الإقليمي العربي كنظام دولي فرعي- إنما هو أفضل بكثير من تصفيتها، وذلك لأنه ربما يكون من غير المؤكد -في ضوء الحالة الراهنة للعلاقات العربية/العربية- أن تتفق الدول العربية على صياغة تنظيمية أخرى أفضل من الصياغة الحالية التي تمثلها هذه الجامعة. وبعبارة أخرى فإن ثمة تخوفا لدى أنصار هذا الاتجاه الثاني من أن يكون البديل عن جامعة الدول العربية -في ظل الأوضاع العربية والدولية الراهنة- هو المزيد من الانقسام والتشرذم العربيين.
3 ـ وأما الاتجاه الثالث في هذا الخصوص وهو الأكثر واقعيـة والأقرب إلى المنطق في تقديرنا، فيدعو إلى وجوب المبادرة فورا وبجدية إلى العمل من أجل تطوير الجامعة وتدعيم أجهزتها ومؤسساتها، وذلك من خلال تعديل الميثاق على نحو يكفل لهذه المنظمة العربية الأم القدرة المناسبة على تحقيق أغراضها وتخويلها السلطات والصلاحيات اللازمة لذلك.
وبعبارة أخرى فإن مؤدى ما يقول به أنصار هذا الاتجاه الواقعي هو أنه قد بات ضروريا للغاية إعادة النظر في ميثاق جامعة الدول العربية، بل وفي نظامها القانوني برمته لكي يتلاءم والتطورات الحادثة على الساحتين العربية والدولية.
فالجامعة هي إذن وعلى الرغم من الكثير من أوجه القصور التي شابت أداءها خلال فترة الخمسة والخمسين عاما الماضية لاتزال تشكل الإطار التنظيمي الملائم لتجسيد آمال الأمة العربية.
وواقع الأمر أن البحث في مستقبل جامعة الدول العربية ليس منبت الصلة بالبحث الخاص بمسار النظام الإقليمي العربي في وضعه الراهن ومنظورا إليه في نطاق علاقاته بالنظام الدولي العالمي وبالتطورات الجارية على المستوى الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.
وعموما فإن جامعة الدول العربية وسواء اعتبرناها مرآة تعكس منظومة التفاعلات العربية أو فاعلا من فواعل النظام الإقليمي العربي، تتأثر ولا شك بمجمل الأوضاع العربية والدولية المحيطة. وليس أدل على ذلك من حقيقة أن التطورات التي حدثت على صعيد العلاقات المصرية الإسرائيلية ابتداء من منتصف السبعينيات -وتحديدا منذ عام 1979- قد أحدثت تأثيرات سلبية بعيدة المدى على أداء الجامعة طيلة الفترة الممتدة من العام المذكور وحتى عام 1989.
كما أنه ليس بخاف ما أحدثته أزمة الغزو العراقي لدولة الكويت منذ بدايتها في الثاني من أغسطس/ آب 1990 وما تلاها من تداعيات من آثار سلبية على وضع الجامعة والتي بدت عاجزة تماما عن القيام بأي خطوة إيجابية ذات شأن في احتواء هذه الأزمة على غرار ما فعلته في عام 1961 إبان أزمة العراق والكويت الأولى إزاء هذه الأزمة.
وفي محاولة لتشخيص حال جامعة الدول العربية خلال الفترة التي تلت انتهاء حرب تحرير الكويت في فبراير/شباط 1991 -وعبر المستقبل المنظور- ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن ثمة احتمالات رئيسية أربعة يمكن تصورها في هذا الشأن وهي على النحو التالي:
الاحتمال الأول وهو الذي يتمثل في استمرار بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، فالاجتماعات العربية في إطار الجامعة تنعقد بانتظام -وخاصة على مستوى مجلس الجامعة أو حتى على مستوى القمة بعد التوصل إلى اتفاق بشأن تقنينها- والأمين العام يتحرك ولكن المحصلة النهائية لا تكاد تكون شيئا يذكر.
الاحتمال الثاني وهو احتمال الحرب الباردة العربية كتلك التي نشبت في أواخر الخمسينيات وأوائـل الستينيات، ويشير القائلون بهذا الاحتمال إلى أن الخلافات العربية/العربية لاتزال قائمة وتهدد التضامن العربي والعمل المشترك فيما بين دول الجامعة، كما أن الانقسام في الصف العربي الذي أحدثته أزمة حرب الخليج الثانية لايزال قائما -ولو جزئيا- حيث لم يقدر للجامعة أن تخطو خطوات إيجابية ذات شأن في اتجاه تحقيق المصالحة العربية.
أما الاحتمال الثالث فهو الاحتمال الذي يقوم على فكرة إحياء التضامن العربي، ويتحمس أنصار هذا الاتجاه لفكرة إقامة نظام عربي جديد يأخذ في الاعتبار كافة الظروف والمتغيرات المحيطة من عالمية وإقليمية وعربية والتي استجدت منذ أوائل التسعينيات كانهيار الاتحاد السوفياتي وانفراد الولايات المتحدة -مؤقتا- بزعامة العالم، وما سمي بعملية السلام بين العرب وإسرائيل، وكذلك المشروعات الجماعية المطروحة كمشروع الشرق أوسطية والمشروع المتوسطي. والمقولة الأساسية التي ينطلق منها القائلون بأهمية إقامة نظام عربي جديد مؤداها أن الدول العربية لن تستطيع أن تحقق مصالحها الحقيقية -الجماعية منها والفردية على حد سواء- في علاقاتها مع هذه التجمعات والمشروعات الإقليمية المطروحة إلا إذا تعاملت معها من منطلق تنظيمي عربي جماعي.
وأما الاحتمال الرابع والأخير من بين الاحتمالات المتصورة لمستقبل جامعة الدول العربية كإطار تنظيمي عربي، فهو الذي يذهب أنصاره -وهم قلة على المستوى العربي- إلى التوكيد على ضرورة أن ينخرط العرب في نظام إقليمي أوسع كالنظام الشرق أوسطي. وتقديرنا أن هذا الاحتمال هو أخطر الاحتمالات الأربعة المتصورة لمستقبل الجامعة. فمما لا شك فيه أن الانخراط في نظام إقليمي أوسع سيعني حتما -ولو بالتدريج- ذوبان الحقوق العربية والتمايز العربي، وسيكون هذا الخطر عظيما إذا قدر للعرب -أو فرض عليهم- أن ينخرطوا فرادى في هذا النظام المقترح.
____________
* أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة