أحمد فياض-غزة

ساد العلاقات الإيرانية الفلسطينية حالة من التعاطف والتضامن شهدت صعودا وهبوطا بين شرائح مختلفة من المجتمع الإيراني منذ بديات الثورة الإيرانية وإلى الآن، غير أن تعاظم هذه الحالة بدأ خلال انتفاضة الأقصى وصعود حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى سدة الحكم بعد فوزها في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

بدايات العلاقة
وتعود العلاقات الإيرانية الفلسطينية إلى الأيام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية على نظام الشاه محمد رضا بهلوي في فبراير/شبط 1979، حين كان أول أعمالها على المستوى العملي طرد السفارة الإسرائيلية من طهران، وتحويلها إلى مقر لتمثيل منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى المستوى المعنوي استقبلت الوفد الفلسطيني برئاسة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في طهران استقبال الفاتحين، بعد أن قطعت القيادة الإيرانية الثورية علاقاتها بإسرائيل.

ومنذ ذلك التاريخ احتلت القضية الفلسطينية والدعوة للجهاد مكانة خاصة في السياسة الخارجية الإيرانية على مستوى منظومة القيم الأيديولوجية والأبعاد الثورية الهامة في الخطاب الأيديولوجي الرسمي بالرغم من التداخل في العلاقة بين السياسة الخارجية الإيرانية وكثير من المبادئ الأيديولوجية الثورية مثل تصدير الثورة وغيرها، فالحل النهائي لمشكلة الفلسطينيين عند المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي كان ومازال يكمن في الجهاد الكامل ضد النظام الصهيوني.

"
احتلت القضية الفلسطينية مكانة خاصة في السياسة الخارجية الإيرانية بالرغم من التداخل في العلاقة بين السياسة الخارجية الإيرانية وكثير من المبادئ الأيديولوجية الثورية مثل تصدير الثورة

"
وبالمقابل على المستوى الفلسطيني حظيت شعارات الثورة المعادية للاستعمار والصهيونية، وقضاؤها على نظام الشاه الذي كان ركنا أساسياً للاستعمار الغربي في المنطقة، وحديثها عن تحرير فلسطين ومقدساتها الإسلامية، بترحيب واسع من منظمة التحرير والشعب الفلسطيني، وبادرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) إلى إرسال عدد من كبار ضباطها إلى إيران لتدريب قوات الثورة المنتصرة، رغم أن جيش الشاه الذي انضم بمعظم ضباطه وجنوده إلى الدولة الوليدة كان من أفضل جيوش المنطقة تسليحاً وتدريباً وكفاءةً .

ولم يتوقف أحد -وبالذات من القوميين والتقدميين، والمثقفين عموماً- عند نوعية المذهب الديني الذي تنتمي إليه الثورة. ذلك أن المذهبية الدينية لم تكن تحتل في حياة الفلسطينيين خاصة في الأوساط الثقافية والسياسية والاجتماعية، ما تحتله هذه الأيام من تفسيرات وأبعاد.

فتور رسمي وتعاطف شعبي
غير أن حالة التعاطف والتأييد الإيراني مع القضية الفلسطينية لم تدم طويلاً، وسرعان ما انقلبت إلى فتور على المستوى الرسمي بعد فشل وساطة ياسر عرفات في وقف اندلاع الحرب بين العراق وإيران في سبتمبر/أيلول 1980، وفتح العراق أبوابه أمام منظمة التحرير التي كانت خرجت لتوها من بيروت في العام 1982، الأمر الذي فسرته إيران على أنه انحياز للجانب العراقي في الحرب التي استمرت بينهما ثماني سنوات، ورغم ذلك حافظت القيادات الإيرانية السياسية والقطاعات الشعبية المختلفة على التأييد اللفظي لنضال الشعب الفلسطيني ولحقه التاريخي في الحفاظ على أرضه ومقدساته.

عقب حرب الخليج الثانية في عام 1990 ومنذ أن بدأت مفاوضات التسوية في منطقة الشرق الأوسط، لم تكف القيادة الإيرانية عن انتقاد عملية المفاوضات السياسية بين القيادة الفلسطينية وإسرائيل، واستمرت إيران في إبداء مواقف عدم الثقة في النهج السلمي وقدرة الاتفاقيات المبرمة على حسم الصراع لصالح الفلسطينيين.

تحول جديد في العلاقة
وبنجاح حزب الله اللبناني -والذي يتلقى تأييداً من إيران- في إجبار قوات الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان وتعثر اتفاقيات السلام العديدة المبرمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ اتفاق أوسلو العام 1994، واندلاع انتفاضة الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول 2000،  اتخذ مستوى التعاطف الإيراني مع القضية الفلسطينية بعدًا آخرا على الساحة الفلسطينية، برزت تجلياته في بدء التأييد والدعم الإيراني المادي لكل من حركات، الجهاد الإسلامي، وحماس، وبعض أذرع كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح على مستوى التدريب والتمويل والدعم والإمدادات.

وبفوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي في العام 2006 بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، أبدت إيران دعمها وتعاطفها الكبير مع القضية الفلسطينية والحكومة الفلسطينية التي شكلتها حماس، بعد أن فرض العالم حصاراً مشدداً على الفلسطينيين لإرغام حكومتهم على الاعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة والاعتراف بالاتفاقات الموقعة.