جانب من الاجتماع الخامس لوزراء الخارجية العرب الخاص بانتفاضة الأقصى في القاهرة 22/08/2001

بقلم د. علي العبد الله

أولا: الموقف الفلسطيني
ثانيا: الموقف الإسرائيلي
ثالثا: الموقف العربي من خلال جامعة الدول العربية
رابعا: الموقف الإسلامي من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي

انفجرت انتفاضة الأقصى يوم 28/9/2000 إثر اقتحام الجنرال (القاتل) أرييل شارون للحرم القدسي الشريف محاطا بـ3000 من رجال الشرطة وحرس الحدود، وذلك في تحد سافر لمشاعر العرب والمسلمين، وعلى خلفية تأكيد سيادة إسرائيل عليه بعد أن بدا وأن عملية السلام قد وصلت إلى طريق مسدود رغم مرور تسع سنوات على انعقاد مؤتمر مدريد للسلام 1991 وسبع سنوات على توقيع اتفاق أوسلو 1993. فقد كشفت المفاوضات عن وجود أزمة عميقة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بسبب التناقض الحاد بين مواقفهما إزاء قضايا الحل الدائم خاصة بعد أن اتضحت طبيعة الصفقة المذلة المقدمة من قبل الأميركيين والإسرائيليين والتي لا تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية في قمة كامب ديفد/2 (11-25/7/2000) والتي سعوا فيها بالترغيب والترهيب إلى استدراج الطرف الفلسطيني إلى تقديم تنازلات كبيرة في قضايا الحل الدائم بما فيها التوقيع على وثيقة إنهاء الصراع مقابل اقتراحات عائمة وغير واضحة المعالم والحدود والتي توجت بتحميل الطرف الفلسطيني مسؤولية فشل المفاوضات وبسحب المقترحات التي اعتبرت "سخية" وقد ضيعها الفلسطينيون الذين "لم يتركوا فرصة لتضييع فرصة".

لذا كانت الانتفاضة التي أطلقتها قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية عبر تشبثها إلى أقصى حد "بالخطوط الحمر" الفلسطينية والجماهير التي نهضت لكسر سياقات غير مواتية قيدت حريتها ومرغت كرامتها الشخصية والوطنية بالذّل والمهانة, نوعا من الاستفتاء الشعبي الطوعي على خط القيادة من جهة وعلى مراوغة الكيان الصهيوني ومناوراته المكشوفة ورفضه للمبادئ الأساسية الثلاثة التي لا سلام من دونها وهي: القدس والمستعمرات (بدلا عن المستوطنات) وحق العودة، فضلا عن طبيعة المعروض بصدد الدولة الفلسطينية والذي لاعلاقة له لا بمعنى السيادة ولا بمعنى الاستقلال المتعارف عليه.

أولا: الموقف الفلسطيني

تعاملت إسرائيل مع اتفاق أوسلو باعتباره مدخلا لتقويض المشروع الوطني الفلسطيني. وقد تميز سلوكها برفض تنفيذ الالتزامات أولا ثم السعي إلى اتفاق جديد من أجل تخفيف هذه الالتزامات ثم المراوغة في تنفيذ الاتفاق الجديد والمطالبة بمفاوضات جديدة تؤدي إلى اتفاق مخفف آخر, وهذا كرس قناعة فلسطينية بعبثية الاستمرار في نهج كهذا ومرجعيات كهذه, وإن الطريق الوحيد لوقف هذا النهج هو طريق المقاومة، فانفجرت الانتفاضة كمدخل شعبي لتغيير مسار عملية السلام السابق ومضمونها, ورسالة إلى مراكز القرار الإسرائيلي والإقليمي والدولي للكف عن الاستخفاف والعبث بمصير الشعب الفلسطيني ونكران حقه في التحرير والحرية, وكمدخل لتغيير ميزان القوى لمصلحة المشروع الوطني الفلسطيني وتحديد أمين لشروط مفاوضات الحل الدائم وآلياتها وأسسها. وقد تكون إجماع وطني على إطالة أمد الانتفاضة وصولا إلى إنهاء تفرد واشنطن بإدارة وتوجيه العملية التفاوضية وإرساء المفاوضات على أسس تنفيذ قرارات الشرعية الدولية, وتحديداً القرارات 242 و338 و194 وليس التفاوض بشأنها.

نجحت الانتفاضة في بناء تحالف وطني قوي في الشارع الفلسطيني ضمّ جميع الفعاليات والقوى السياسية, وفي توجيه رسالة محددة إلى إسرائيل مفادها "أن لا أمن ولا استقرار دون الاستجابة لحق الشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على الأراضي التي احتلت عام 1967 ومن دون الاعتراف بمسؤولية إسرائيل عن مشكلة اللاجئين", فالصراع يدور حول حدود إسرائيل وحدود الدولة الفلسطينية والسيادة على الأرض, وحول حق اللاجئين.

انفجرت الانتفاضة في ظل وجود سلطة وطنية تحظى بشرعية إقليمية ودولية ولها هياكل أشبه بالدولة, والتي اتخذت من الانتفاضة موقفا إيجابيا بدأ بالوقف العملي -غير المعلن- عن التعاون الأمني مع إسرائيل الذي شكل أقوى رسالة موجهة إلى إسرائيل, وبمشاركة الأجهزة الأمنية التي غدت -مع الوقت- أكثر علنية, وفي توجيه موجة الانفجار إلى إسرائيل فقط والذي اعتبر نجاحا رائعا, ووضع مؤسساتها الإعلامية والأمنية والصحية في خدمة الانتفاضة, وجددت تمسكها بالحقوق الوطنية والفلسطينية وتطبيق القرارات الدولية ذات الشأن. وكانت -منذ سنوات- قد أوضحت تمييزها بين موقفها من إنجاح الاتفاق المرحلي لتثبيت نقطة انطلاق وتحقيق اختراق سياسي يضع القضية على جدول أعمال المجتمع الدولي وتأمين اعتراف دولي بالهوية الوطنية الفلسطينية تمهيدا لإقامة كيان وطني مستقل، وبين التمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية التي أقرت بها الشرعية الدولية والتي ستشكل -متى بدأت مفاوضات الحل الدائم- خطا أحمر, خالقة وحدة سياسية بين السلطة والمعارضة والانتفاضة، وربطت أخيرا بين الانتفاضة وإستراتيجية السلطة التفاوضية حيث حدد السيد ياسر عبد ربه وزير الثقافة والإعلام (في 5/11/2000) ثلاثة أهداف مركزية للانتفاضة هي:

  • استئناف مفاوضات السلام على أساس الانسحاب إلى حدود 1967.
  • توسيع قاعدة رعاية المفاوضات بإدخال الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي وروسيا والصين.. إلخ.
  • إنشاء قوة دولية في فلسطين لحماية السكان كمقدمة للوصاية على الأراضي المحتلة بينما يتم التفاوض في شأن مستقبلها.

انخرطت السلطة الوطنية في الانتفاضة عبر المشاركة الفعالة لحركة فتح التي تشكل العمود الفقري للسلطة والتي تعمل باستقلالية عنها وبتشابك وثيق معها في آن، فوحدها فتح -التي لها حضور في كل الوحدات الأمنية- كانت في وضع يخولها معاودة الكفاح المسلح (حركة حماس ظلت مترددة في القيام بدور مركزي في الانتفاضة وقد انحصر دورها -باستثناء العمليات الاستشهادية الأخيرة- في رفع أعلام الحركة وراياتها في المسيرات والجنازات والمهرجانات) وهذا عزز دور حركة فتح كقوة شعبية قادرة على تعبئة الشارع وقيادة المواجهات المسلحة ضد الجيش الإسرائيلي والمستعمرين (بدلا عن مستوطنين) والمستعمرات وزاد شعبية الرئيس عرفات.

لقد استدعت طبيعة التوزع الجغرافي نوعا من عسكرة المجابهة ومهاجمة حواجز التفتيش ومناطق التماس عند مداخل المدن، وهذا أفرز ظواهر متعارضة: إلحاق خسائر بالجيش الإسرائيلي والمستعمرين من جهة، وتبرير استخدام إسرائيل آلتها العسكرية من جهة أخرى, وهذا أثار تخوفا من عسكرة الانتفاضة بشكل يفقدها طابعها الشعبي ويدخل الشعب الفلسطيني في مواجهة مع جيش مهيأ لها ويدفعه إليها, وقد أدت حساسية إسرائيل للخسائر البشرية إلى الإفراط في الانتقام فأثارت ضدها مسألة المبالغة في استخدام القوة وخرق مبدأ التناسبية.

كما ظهر ما يشبه الإجماع الوطني ضد استخدام السلاح الاستعراضي في المسيرات أو استخدام المباني لإطلاق النار عن بعد على مواقع الجيش الإسرائيلي وعلى دعوة التنظيم (فتح) لاستخدام السلاح في أشكال دفاعية للرد على خطط اقتحام الجيش والمستعمرين للتجمعات السكانية المدنية وقد أصدرت السلطة تعليمات بهذا المعنى داعية إلى التركيز على الطرق السلمية.

ركزت الانتفاضة المجابهة على المستعمرات والمستعمرين -إن على الطرق الالتفافية أو داخل المستعمرات- بالتوازي مع حملة دبلوماسية قادتها السلطة لكشف مخاطر الاستعمار في الأراضي الفلسطينية المحتلة وكشف مخالفته للقانون الدولي وضرورة وقفه على خلفية اعتبار المستعمرات حجر الزاوية في قدرة إسرائيل على التمسك بمناطق واسعة من الضفة الغربية وقطاع غزة في مرحلة ما بعد الحل الدائم وإدامة احتلالها العسكري. وقد أعطى هذا التكتيك أكله في تركيز انتباه الرأي العام العالمي على المستعمرات ولاقانونيتها من جهة (فقد أصبحت "المستوطنات" بؤرة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وفي مركز الاهتمام الدولي – عوزي بنزيمان – هآرتس 1/7/2001)، وإجبار نسبة كبيرة من المستعمرين على الرحيل (رحل ما بين 20 و30% منهم) من جهة ثانية، وتحريك ضغط اجتماعي إسرائيلي لمنع المستعمرين عن الكشف عن مواقفهم إلى درجة إعلان بعض الإسرائيليين أن "العنف" الفلسطيني ضد "المستوطنات" وتغيير نظرة العالم إليها هو إنجاز السلطة الرئيسي في الانتفاضة. كما كان التركيز على مستعمرة غيلو محاولة لإبقاء التركيز على قضية القدس وإبقاء معركتها مفتوحة. وهذا أدى إلى تفضيل 63% من الإسرائيليين السلام على المستعمرات بعد أن غدت المستعمرات أقرب إلى رهينة تحت رحمة الفلسطينيين, وبعد أن نقلوا المجابهة إلى داخل "الخط الأخضر" -بالعمليات الاستشهادية- ليدفعوا الإسرائيليين إلى التخلي عن المستعمرات. غير أن تمسك الفلسطينيين بحق العودة والعمليات الاستشهادية أتاح للقاتل شارون تحقيق إجماع إسرائيلي، فقد صورت القيادة الإسرائيلية القيادة الفلسطينية بأنها تسعى إلى تدمير إسرائيل من الداخل عن طريق تغيير طابعها اليهودي من خلال إعادة أربعة ملايين فلسطيني إليها.

أما نقطة التركيز الثانية التي سعى الرئيس عرفات إلى إنجازها في ظل الانتفاضة فتأمين حماية دولية للشعب الفلسطيني. لقد سعى إلى استثمار المفاهيم الدولية السائدة: "التدخل لاعتبارات إنسانية", "معارضة التطهير العرقي والإبادة الجماعية", كما حصل في يوغسلافيا السابقة وتيمور الشرقية وكوسوفو.. إلخ, لكن التحالف الأميركي الإسرائيلي قاوم هذا الاتجاه وقلص فرص النجاح إلى الآن على الأقل.
وركز عرفات في حركته السياسية والدبلوماسية والإعلامية على حجم القمع الإسرائيلي ومدى الأذى الذي ألحق بالشعب الفلسطيني من جراء هذا العدوان, وطالب بإرسال قوات حماية دولية.

غير أن اعتماد شارون سياسة "ضبط النفس" في الرد على العمليات الاستشهادية فوت -إلى الآن على الأقل- على الرئيس عرفات تحقيق هذا الهدف رغم أن هذا التحرك لم يكن دون نتيجة حيث تزايد الاهتمام الدولي بالقمع الإسرائيلي وزاد التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني, واتسعت دائرة إدانة العدوان الإسرائيلي والدعوة إلى توفير حماية دولية (بيان المنظمات غير الحكومية في ديربان -نحو 3000 منظمة- الذي أدان إسرائيل بالعنصرية وهو ما يعني انحصار التأثير الإسرائيلي في الشعوب). لقد جلبت العمليات الاستشهادية أثرين متعاكسين هما اتساع دائرة العنف الإسرائيلي وتوحد الشارع الإسرائيلي وراء شارون, وارتفاع درجة الاهتمام الدولي بالوضع في فلسطين.

غير أن واشنطن تحركت لإنقاذ القاتل شارون من التدويل، وضغطت عبر رئيس جهاز المخابرات الأميركية جورج تينت لإقرار خطة تقوم على أولوية وقف إطلاق النار وتعليق الخطوات التالية على تنفيذه. واضطرت السلطة للقبول بخطة تينت لتلافي تحمل مسؤولية استمرار "العنف", وتبرير ضربة إسرائيلية كبيرة, ولإبقاء الباب مفتوحا على المجتمع الدولي وتلافي العزلة.

أما على صعيد الأحزاب والحركات السياسية والاجتماعية فقد اشتعلت الانتفاضة، وهذه الأحزاب تعيش مشكلات بنيوية وتنظيمية وبرنامجية -يمكن استثناء فتح– وهذا جعل بلورة خط إستراتيجي واضح أمرا صعبا إذ رغم أن هذه الأحزاب باتت منذ انطلاق الانتفاضة تجتمع يوميا وتضع برامج للتحركات الشعبية, خاصة بعد أن شكلت اللجنة الوطنية والإسلامية العليا لمتابعة الانتفاضة, وتشارك في تشييع الشهداء وفي التظاهرات والندوات وحلقات البحث وورش العمل, فإنها قد كشفت عن عجز واضح عن القيام بدور تعبوي وتوحيد حركة المقاومة الشعبية وتطويرها، وعن قصور في إغناء الحياة السياسية وترسيخ تقاليد ديمقراطية فيما بينها، وفي إعادة تطوير وضعها ودورها في مواجهة العنصرية والهمجية الصهيونية. كما يمكن ملاحظة غياب مؤسسات المجتمع المدني (اتحاد العمال, اتحاد المرأة, نقابة المعلمين, اتحادات الطلبة, التجار.. إلخ) عن المساهمة الواسعة في الانتفاضة كما كانت في الانتفاضة الأولى.

كل هذا جعل المشاركة الشعبية في فعاليات وأنشطة تخدم الانتفاضة وتديم حيويتها ضعيفة تقتصر على المشاركة في تشييع الشهداء, وغيب العصيان المدني والاعتصامات. إن عجز الحركة السياسية عن مأسسة الانتفاضة وتنشيط وتحديد دور ومهمات مؤسسات السلطة وأجهزتها يهدد بإضعاف فرص الاستمرارية. فلولا السلطة وفتح -التي شكلت لجان المقاومة الشعبية في الأحياء- لما استمرت الانتفاضة وبهذا الزخم. كما يمكن ملاحظة عجز هذه الأحزاب عن إيجاد إطار قيادي واحد يجمع السلطة والمعارضة والقوى الاجتماعية, ويوحد الطاقات ومراكز اتخاذ القرار. إن غياب الشارع عن الانتفاضة يشير إلى أصناف من العجز والقصور.

كما يمكن الإشارة إلى وجود تيارين إزاء وظيفة الانتفاضة داخل الساحة الفلسطينية والسلطة, تيار يدعو إلى استخدام الانتفاضة لرفع سقف المفاوضات, وآخر يدعو إلى مواصلة الانتفاضة وتعزيز قواعدها الجماهيرية وإلى التغيير المؤسساتي داخل السلطة. ولم ينضم الرئيس عرفات إلى أي من هذين التيارين.

ثانيا: الموقف الإسرائيلي

أثار انفجار انتفاضة الأقصى إرهاب الإسرائيليين الدفين, ويعاني الإسرائيليون من انقسام في الشخصية: نصف خائف ونصف متغطرس, والذي عبر عن نفسه بهذا التوحش استخدام الدبابات والمروحيات وقاذفات إف 16 والزوارق الحربية والرشاشات الثقيلة ضد المدنيين, وحصار اقتصادي وتضييق معيشي, وهدم بيوت واقتلاع أشجار وتجريف الأراضي الزراعية ومنع دخول المواد الغذائية والأدوية واغتيال القادة العسكريين والسياسيين والذي عكس -إلى حد كبير- عنف الخائفين, العنف الأكثر وحشية ودموية.

شارون يتوسط وزيرالدفاع بنيامين بن إليعازر (يسار) ورئيس هيئة الأركان بالجيش الإسرائيلي شاؤول موفاز
تعكس وحشية الإسرائيليين ضد الفلسطينيين مأزقا إسرائيليا حادا ترتب على حالة انسداد أفق بعد أن وجدت إسرائيل نفسها بعد أكثر من نصف قرن أمام حقيقة قاسية، وهي أن ثمة ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة, وأنها أمام أحد خيارين يقوض كل منهما أسس العقيدة الصهيونية: ضم الفلسطينيين إلى إسرائيل, أو التنازل لهم عن جزء من "أرض إسرائيل"، فهي لا تستطيع ضمهم إليها ومنحهم الجنسية الإسرائيلية لأن ضمهم ومنحهم الجنسية يغير طبيعة الدولة ويحولها إلى دولة ثنائية القومية, خاصة وأن تقديرات الخبراء الإسرائيليين تتوقع أن يصبح الفلسطينيون عام 2020 أكثرية (58%) من السكان. ولا تستطيع التنازل لهم عن جزء من "أرض إسرائيل" وتركهم يقيمون دولتهم الخاصة عليها والعيش فيها باحترام إلى جانب إسرائيل لأن التنازل عن جزء من "أرض إسرائيل" ينهي أسطورة أرض الميعاد, خاصة وأن الضفة الغربية (يهودا والسامرة حسب التسمية الإسرائيلية) هي الأرض التي قامت عليها -حسب رواية التوراة- مملكتا داود وسليمان.

لقد حطم الحضور الكثيف للحقيقة الفلسطينية أهم الأساطير المؤسسة للدولة اليهودية أسطورة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" بعد أن سعت إسرائيل لعقود إلى تغييب الشعب الفلسطيني كواقع تاريخي/اجتماعي/ثقافي, ووضع الدولة اليهودية أمام سؤال الوجود.

كما دفع انسداد الأفق إسرائيل إلى التوقيع على اتفاقيات سياسية مع الفلسطينيين وإلى التنصل منها وعدم تنفيذ الاستحقاقات المترتبة عليها, وإلى انتقال قوى "السلام" الإسرائيلية (بيريز في مجزرة قانا, باراك الذي وعد ناخبيه بإنهاء الصراع وأعادهم إلى مواجهة أشد عنفا, حركة السلام الآن التي طالبت القيادة الفلسطينية بالقبول بالعروض الإسرائيلية بغض النظر عن مضمونها) إلى قوى تشدد ومجابهة. لقد هرب الجميع إلى حصن ما يسمونه "الإجماع الوطني", كما دفع إسرائيل إلى قطع الطريق على المفاوضات حول قضايا الحل الدائم والعمل على تشتيت الكيان الفلسطيني قيد التشكيل وتفكيك الاجتماع الفلسطيني عن طريق تقطيع الضفة الغربية إلى 60 قطعة وقطاع غزة إلى 4 قطع, وحصر الفلسطينيين في دوائر حركة لا تستجيب للحياة البشرية وإطلاق يد الجيش في التصرف لجعل حياة الفلسطينيين داخل هذه المعازل أكثر صعوبة.

اعتمد الجنرال القاتل شارون في مواجهة الانتفاضة خطة مركبة من عدة مستويات:

1- إطلاق يد القيادة العسكرية للقيام بما تعتقد أنه ضروري لسحق الانتفاضة بصرف النظر عن المترتبات السياسية لذلك. وهذا قاد إلى سلسلة متواصلة من العمليات العسكرية "النوعية" شبه النظامية, بعد أن تم استبدال "ضربات محدودة ونوعية" بالضربة الواحدة الحاسمة لتحقيق الخطة نفسها والأهداف نفسها.

2- تبني ما سمي بـ "الدفاع الذاتي النشط" في الرد على العمليات الفلسطينية واغتيال القيادات العسكرية والسياسية, خيارا أوليا يمكن التحول عنه إذا ما فشل في تحقيق هدفه المركزي -وهو إنهاء كارثة أوسلو- أو استخدامه في تهيئة الأرضية للخيار الآخر وهو عملية عسكرية شاملة, فالخطة تستدعي تحويل المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية إلى جزر محاطة بقوات إسرائيلية وتصفية هياكل السلطة الفلسطينية (مائير شتيفليتس – يديعوت أحرونوت 4/7/2001) وقتل القادة لدفع الأوضاع إلى تسلم جيل جديد غير ملتزم باتفاقات أوسلو أو بالاعتراف بين الشعبين.

3- تبني ما اصطلح على تسميته بـ"منطقة التماس" القاضية بإقامة حاجز بين الشعبين كأسلوب لعزل الفلسطينيين في معازل (بانتوستانات) على 42% من أراضي الضفة الغربية وإطلاق اسم دولة عليها لإسكات المجتمع الدولي وسلب بقية الأراضي.

4- تركيز الحملة السياسية والإعلامية على الرئيس ياسر عرفات وتحميله مسؤولية العنف واتهام أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية -خاصة الأمن- بالقيام بعمليات تصنيع أسلحة وهو ما يعتبر مخالفة واضحة للاتفاقات المعقودة بين الجانبين, ورعايتها للعمليات الاستشهادية والتشجيع على قتل "المستوطنين" والتهديد بتصفيتها، لوضع السلطة الوطنية في موقف دفاعي وإبقاء الكرة في ملعبها عبر مطالبتها بالعمل على وقف "العنف" واعتقال منفذيه وتأمين فترة هدوء مطلق (أسبوع على الأقل) وربط التحرك السياسي بهذا الشرط كوسيلة لتجميد الوضع عند هذه النقطة لأن القاتل شارون لا يملك مشروعا سياسيا للحل ولا يريد المغامرة على حساب شعبيته ومستقبله السياسي.

5- تحريك الآلة الدبلوماسية والسياسية والإعلامية لتسويق السلوك العسكري الإسرائيلي وإعطائه غطاء دوليا عبر تصويره على أنه رد على اعتداءات فلسطينية على إسرائيل أو لمنع اعتداءات بالضربات الاستباقية ومقاومة "الإرهاب" مع الإعلان عن الاستعداد للدخول في مفاوضات سياسية مع السلطة بعد وقف "العنف" الفلسطيني ومطالبة العالم بالضغط على الرئيس عرفات لوقف العنف واعتقال النشطاء من حركتي حماس والجهاد ولجم أعضاء تنظيم فتح, ومطالبة أميركا بوضع اسم حركة فتح والرئيس عرفات على قائمة الإرهاب. وربطت تقديرات المحللين بين تبني هذه السياسة وبين مساع إسرائيلية لتحقيق هدفين هما:

  • هدف إستراتيجي يتعلق بكيفية الخروج من حالة الاستنزاف التي تشل إسرائيل وتنهكها وتهدد في كل لحظة بتدويل الأزمة, الأمر الذي تهابه إسرائيل.
  • هدف وجودي يتعلق بكون الانتفاضة, بزخمها وأهدافها, تهدد بعض الثوابت الإسرائيلية ومنها استمرار الاحتلال "والاستيطان" كما أنها –الانتفاضة- قد أحيت وبقوة الهوية الوطنية الفلسطينية لعرب إسرائيل الأمر الذي تعتبره إسرائيل تهديدا خطيرا لسلامها الاجتماعي.

كل هذا مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لتلافي تدويل الصراع عن طريق اتباع سياسة "ضبط النفس" في الرد على العمليات الاستشهادية من جهة والقبول بتوصيات تقرير لجنة ميتشل وتوصيات خطة تينت واستخدام توصيات الأخيرة التي ركزت على وقف إطلاق النار وجمع السلاح الفلسطيني غير "الشرعي" واعتقال نشطاء حماس والجهاد للتغطية على عدم الالتزام بتوصيات لجنة ميتشل واستخدام توصيات لجنة ميتشل للتغطية على تنصلها من تنفيذ استحقاقات اتفاق أوسلو، واستخدام استحقاقات اتفاق أوسلو للتغطية على عدم الالتزام بقرارات الشرعية الدولية ذات الاختصاص, والتظاهر بقبول فكرة إرسال مراقبين دوليين التي دعت إليها قمة الدول الصناعية في جنوا وربط تحفظها على الفكرة باعتبارات واقعية لا باعتبارات مبدئية, خاصة بعد أن أخرجها كولن باول من مأزق الالتزام بالقرار عندما أضاف إلى النص عبارة "بموافقة الطرفين" الأمر الذي منحها حق النقض بالإضافة إلى خلو القرار من أي تحديد لطبيعة المراقبة.

أراد القاتل شارون بسياسته احتواء المكاسب الفلسطينية التي تحققت في مجالات رفع الاهتمام الدولي حول الأوضاع عامة والاستعمار خاصة, ووقف التدهور الحاصل على الأرض وخاصة بعد أن أظهر المجتمع الإسرائيلي حالة من حالات الذعر والقلق تتناقض مع التصريحات المتغطرسة. لقد تحسس الإسرائيليون هشاشة تصوراتهم بعد أن أعادت تطورات الصراع العسكرية والسياسية بعث جوهر الصراع -وهو قضية أرض وحق تاريخي- إلى الصدارة وبعد انكشاف حدود القوة الإسرائيلية بعد الصمود الفلسطيني الأسطوري في مواجهة الانتفاضة (الفلسطينيون لم يعودوا يخافون إسرائيل, ويصبح العدو عسيرا على الهزيمة عندما يكف عن الخوف من خصمه – روبرت فسك – الاندبندنت 12/8/2001). إن تسلل فلسطينيين إلى مواقع عسكرية إسرائيلية في غزة يكشف أن الفلسطينيين بصدد كسب الحرب, وإن الإسرائيليين على وشك الهزيمة لسببين:

  • أن الجيش الإسرائيلي لم يعد قويا.
  • أن ثلثي الإسرائيليين اعترفوا بالهزيمة عندما قالوا في استطلاع للرأي أنهم لا يريدون الحرب وأنهم يريدون الفصل بين الشعبين.

الخبير العسكري الإسرائيلي مارتن فان كريفلد ليبراسيون (27/8/2001 ) قال إن تلك المواجهة التي أفرزت مشكلات نفسية: توتر, فصام, اكتئاب, أثرت في معنويات الإسرائيليين عامة والجنود خاصة نتيجة إدراكهم أنهم تحولوا من "مقاتلين" إلى "قتلة" يطلقون الرصاص على مدنيين عزل, ونتج عن ذلك تشكل حركة داخل الجيش "حركة هناك حدود" تنادي بالامتناع عن أداء الخدمة في الضفة الغربية وقطاع غزة (امتنع 600 جندي حتى الآن عن الذهاب إلى الضفة والقطاع)، كذلك ازداد الهروب من المستعمرات بعد أن ألحق الفلسطينيون بهم خسائر مباشرة (هرب ما بين 20 و30% من المستعمرين), ناهيك عن الهجرة إلى الخارج وتراجع الهجرة إلى إسرائيل.

لقد تصاعدت حدة الخطاب اليميني والتحق اليسار والوسط بمعسكر اليمين في إطار ما سمي بالإجماع الوطني وزاد التنسيق بين الجيش والمستعمرين وشكل المستعمرون حركة "الحارس" لحماية المستعمرين على الطرق والدفاع عن المستعمرات وازدادت شعبية الجنرال القاتل شارون, رغم تصاعد حدة النقد له, لأنه لم يأت بالأمن إلى الآن, ودعوته إلى حسم الصراع عبر إعطاء الجيش فرصة تحقيق النصر (لقد أصبح الجيش قطا، حيث فقد قدرته الردعية, ومن أجل أن يستعيد قدرته يجب أن تقع الحرب ـ موشى شاحل يديعوت أحرونوت 10/6/2001).

ثالثا: الموقف العربي من خلال جامعة الدول العربية

تظاهرة في القاهرة تندد بإسرائيل وأميركا (أرشيف)

ارتبط الموقف العربي من انتفاضة الأقصى بثلاثة عناصر متداخلة أولها: الشارع العربي، فقد نقلت أكثر من عشرين فضائية عربية صور الانتفاضة ببطولاتها وتضحياتها وبوحشية الإسرائيلي وبسالة الفلسطيني, وحولتها إلى قضية الشارع العربي, فخرجت التظاهرات في معظم العواصم العربية من المحيط إلى الخليج حتى في الكويت التي لها "تحفظات" على الرئيس عرفات, خرجت فيها تظاهره كبيرة (10 آلاف متظاهر) أحرقت علم أميركا محررة الكويت من العراق. لقد فرضت الفضائيات تعريب الانتفاضة وأعادت الشارع العربي إلى الاهتمام بالقضايا العربية ليشكل عامل ضغط على الحكومات العربية.

ثانيها: المصلحة الوطنية للدول العربية التي أعطت أولوية لمصالحها الوطنية الضيقة على حساب المصالح العربية, ولم يقتصر تأثير ذلك فقط في مجرد قيام كيانات مستقلة تحاول صياغة تاريخها وثقافاتها بمعزل عن الإطار العربي بل امتد هذا التأثير إلى توجيه السياسات الوطنية لبناء روابط مع قوى أجنبية تحظى بالأولوية على ما هو قائم في الإطار العربي. لذا رأت في تفاعل مواطنيها مع انتفاضة الأقصى مدعاة للخوف على استقرارها وأمنها بانتقال الانتفاضة إلى شوارع مدنها.

وثالثها: العامل الأميركي في القرار السياسي العربي حيث لا تريد معظم الدول العربية الاصطدام بالولايات المتحدة الأميركية إما لما لها من مصالح معها (مساعدات اقتصادية, عسكرية, أمنية, حماية من خصوم داخليين وإقليميين)، أو خوفا من الضغوط الأميركية السياسية والاقتصادية والعسكرية، أو لكلا السببين. وأميركا تريد منها عدم تقديم الدعم أو المشاركة في القضية الفلسطينية وأن تتصرف على قاعدة القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين فقط.

مؤتمر القمة العربي في عمان (أرشيف)
لذا جاء رد فعل الدول العربية على انفجار انتفاضة الأقصى والتوحش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين مزيجا من الخوف والقلق والتردد والتجاهل.. إلخ. وهذا قاد إلى التباس مواقفها وتحركاتها، فقد تبنت في القمة العربية الطارئة (القاهرة 21-22/10/2000) دعم الانتفاضة وحددت لذلك مبلغ مليار دولار، ولكنها لم تف بوعودها ولم ترسل إلا مبالغ زهيدة وعادت في القمة الدورية الأولى (عمان 27-28/3/2001) فتراجعت خطوة إلى الوراء بسحب عبارة "دعم الانتفاضة" واستبدال "مساعدة الانتفاضة" بها لإسقاط الطابع السياسي للدعم واستبدال المساعدة وطابعها الإنساني بها, وكانت شكلت لجنة متابعة اجتمعت عدة مرات (القاهرة أكتوبر/تشرين الأول 2000 دمشق ديسمبر/كانون الأول 2000 تونس يناير/كانون الثاني 2001 عمان فبراير/شباط 2001 القاهرة مارس/آذار 2001) لدراسة مدى التقدم الذي حصل في توفير المال والعمل على سرعة إيصاله إلى الفلسطينيين دون أن تحدث نقلة في الوضع, كما اجتمع وزراء المال والإعلام العرب في مقر جامعة الدول العربية (القاهرة نوفمبر/تشرين الثاني 2000) لوضع خطة عمل إعلامية وآلية عمل صندوقي الأقصى والانتفاضة دون حصول تبدل يذكر.

لقد ذهبت الدول العربية لخوض معارك بعيدا عن الساحة الرئيسية في الأمم المتحدة للمطالبة بحماية دولية للفلسطينيين وفي ديربان لإدانة عنصرية إسرائيل، وبقيت بعيدا عن ساحة الصراع الأساسية استجابة للعناصر الثلاثة سابقة الذكر التي اقتصرت مساهمتها فيها على الإدانات اللفظية في البيانات وعلى تأييد الانتفاضة ومدها ببعض المال بعد أن حولته إلى قرض دون فائدة, ناهيك عن اختلافها على قطع العلاقات السياسية والتجارية مع إسرائيل وتفعيل المقاطعة العربية ضدها.

أما على صعيد الشارع العربي فبعد موجة التظاهرات الأولى وعودة الروح إلى الشارع العربي لبعض الوقت, حيث شكلت لجان دعم الانتفاضة ولجان مقاطعة البضائع الأميركية ولجان مقاومة التطبيع ودخول الشباب العربي في معركة على شبكة الإنترنت انتصارا للحق الفلسطيني، عادت الجماهير العربية رغم أنها لاتزال تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها الأولى (استطلاع رأي أجراه الدكتور شبلي التلحمي في مصر والإمارات وعمان والكويت) إلى سابق عهدها, مع بعض النبضات التي تشي بوجود نار تحت الرماد، فقد نجحت الدول العربية في تطويع جماهيرها بالقمع تارة وبالضغط النفسي والسياسي أخرى.

رابعا: الموقف الإسلامي من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي

إندونيسيون يشتركون في تظاهرة بجاكرتا تستنكر الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (أرشيف)
لم يختلف موقف دول منظمة المؤتمر الإسلامي عن موقف دول جامعة الدول العربية بل كاد يكون صورة كربونية عنه, حيث لم تسفر اتصالات الرئيس عرفات وزياراته إلى دول المنظمة بعد فشل قمة كامب ديفد/2, واتضاح النوايا الأميركية الإسرائيلية إزاء الأقصى عن أكثر من الاتفاق على عقد الدورة (18) للجنة القدس في مدينة أغادير بالمغرب (28-29/8/200). وكان المعتقد أن المساس بالحرم القدسي الشريف سوف يدفع إلى تحرك عربي/إسلامي غير مسبوق يجعل العالم يعيد ترتيب أوراق القضية انطلاقا من معايير ومفاهيم صحيحة أو أقرب إلى العدل ويعترف بمعاناة الشعب الفلسطيني وحقه في الحياة والاستقرار مثل باقي شعوب العالم, والتي أكدت في بيانها الختامي على التمسك بالسيادة الفلسطينية على القدس, قبل أن تضطر دول منظمة المؤتمر الإسلامي إلى عقد قمة إسلامية طارئة في الدوحة (12/11/2000) بعد انفجار الانتفاضة واجتماع طارئ لوزراء خارجية المنظمة، ولكن دون أن تزيد على موقفها السابق شيئا اللهم إلا إقرار فكرة الدعم المالي التي أقرتها القمة العربية الطارئة في القاهرة ومطالبة الأمين العام للمؤتمر إسرائيل بدفع تعويضات للفلسطينيين عن الأضرار التي ألحقتها بهم, مع ملاحظة تجدد الخلافات بشأن مسألة العلاقة مع إسرائيل والتطبيع معها وقطع العلاقات التجارية والسياسية بها.

أما شعوب الدول الإسلامية فموزعة بين هموم المعيشة والاضطهاد والقتل وبين الانشغال بقضايا الخلافات المذهبية لذا كانت مساهمتها متواضعة (بعض التظاهرات في إندونسيا وإيران وتركيا (في تركيا محاولة لمحاكمة شارون كمجرم حرب), وتأثيرها محدود في دولها.

خاتمة:
يتصدى الفلسطينيون للإسرائيليين في معركة دامية وصعبة, يخوضونها على قاعدة التفوق الأخلاقي والمعنوي والاستعداد للتضحية والبذل, وبالاعتماد -إلى الآن على الأقل- على أنفسهم بعد أن أدركوا محدودية الدعم العربي والإسلامي وكلهم ثقة أن دمهم سيحرك العالم ويغير مواقفه, فالاستمرار في المجابهة وتحمل ضريبة الدم يمكن أن يعمق مأزق إسرائيل ويقنعها أن لا أمن ولا استقرار دون حل القضية الفلسطينية, وأن الحل يستدعي الإقرار بإقامة دولة فلسطينية في حدود 4 يونيو/ حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشريف والاعتراف بحق اللاجئين. فالاستمرار وإطالة أمد عدم الاستقرار أطول فترة ممكنة مع التحرك السياسي والدبلوماسي لشرح المواقف والحقوق والسعي لتأمين مظلة عربية وإسلامية ودولية, هو رهان الفلسطينيين لدفع الإسرائيليين والأميركيين إلى تغيير مواقفهم, خاصة بعد أن توفر إجماع وطني على مواصلة الانتفاضة ومباركة كل أساليبها.
إن اعتماد القاتل شارون على خطة الأرض المحروقة واستنزاف الفلسطينيين حتى يرضخوا لشروطه, وعدم امتلاكه إستراتيجية لما بعد المجابهة (إنه يتكتك بالإستراتيجية) سيجعله عرضة للسقوط إذا ما نجح الفلسطينيون في امتصاص ضرباته وتعويض الخسارة, وقد أثبتوا أنهم أهل لذلك, وقد لمس الإسرائيليون ذلك، "فالجيران" الخائفون المستسلمون الموجودون خلف الجدران المحيطة "بالمستوطنات" ليسوا مجرد عمال مبتسمين ينتظرون يوم عمل عندهم وإنما هم فلسطينيون متطرفون في وطنيتهم بدرجة لا تقل عن اليهود أنفسهم" (موشية شوكير هآرتس 1/7/2001) خاصة وأن الصراع يدور في ظل معادلة صفرية: كل مكسب لطرف هو بالضرورة خسارة للطرف الآخر.
____________
* باحث عربي خبير في الشؤون الإستراتيجية