العلاقات مع دول الجوار

لكل من إيران وتركيا علاقات تاريخية مع العراق لكنها غير مستقرة، ومن الطبيعي أنها تتأثر سلباً أو إيجاباً بعوامل كثيرة منها الطائفية الدينية والمصالح السياسية والاقتصادية إضافة إلى قضايا الحدود. كما تخضع لتأثيرات خارجية عديدة ترتبط بدول الجوار الجغرافي الأبعد التي تقع في الإقليم ذاته أو حتى خارجه، ناهيك عن تأثيرات القوى العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة أو بعض دول الاتحاد الأوروبي المتنفذة. ولا يمكن هنا تجاهل دور روسيا، لكن سيكون هناك شأن متميز للاحتلال في صياغة العلاقات الجديدة بين العراق وهذه الدول وخاصة إيران وتركيا، فكيف ستتعامل إيران وتركيا مع العراق المحتل وكذلك العكس وخصوصاً في ظل المتغيرات الحادة الجديدة التي طرأت على المشهد السياسي العراقي والإقليمي والتي لم تكن معروفة في السابق كطبيعة تشكيلة حكام العراق الجدد وتبعيتهم الكاملة لسلطة دولة الاحتلال؟ وكيف ستتعامل الأخيرة مع هاتين الدولتين؟ وما هي انعكاسات ذلك على علاقاتهما بالعراق؟

1-
العلاقات الإيرانية العراقية
المتغيران الأساسيان والمهمان جدا في العلاقة بين إيران والعراق يتركزان أولا في سقوط النظام السياسي العراقي المعادي لإيران وبروز قوى محله مسيطرة، معظمها إن لم تكن كلها موالية أو حليفة لإيران. وثانيا احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة التي لا تربطها بإيران علاقات ودية على أقل تقدير، ولكن في الوقت نفسه ترتبط الدولتان بعلاقات قوية جداً مع الأحزاب السياسية الشيعية في العراق. فمن المعروف أن هذه الأحزاب حظيت بالحماية الإيرانية الكاملة والتأييد والدعم السياسي والمالي منذ فترات بعيدة، وكانت تنطلق في نشاطها السياسي والعسكري المعادي للنظام العراقي السابق من إيران. ومن المعروف أن بعض هذه الأحزاب قد وقفت إلى جانب إيران في حربها مع العراق. وفي الوقت نفسه يرتبط معظم هذه الأحزاب وخاصة المهمة منها بعلاقات أقل ما يقال عنها إنها علاقات تحالف مع الولايات المتحدة تعاونت معها للتهيئة للاحتلال وخلال العدوان العسكري عليه وتتعاون معه بصورة مباشرة وتحت سلطته في مرحلة الاحتلال.

في ضوء هذا الواقع يتوقع أن تكون لإيران علاقات مستقبلية متميزة ليس فقط مع هذه الأحزاب ذات النفوذ الواضح في ما يسمى مجلس الحكم الانتقالي وإنما مع حكومة العراق المستقبلية. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك إيجابيا على العلاقات المتشنجة حاليا بين إيران والولايات المتحدة خاصة أن السلطة المحتلة التي يعود لها الأمر والنهي وهي الولايات المتحدة، لها -كما أشرنا- دالة مهمة على الأحزاب الشيعية المؤثرة اليوم في العراق وترتبط معها بعلاقات مميزة. وعليه فإن التوقعات تشير إلى أن انفراجاً في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران سيحل محل الأزمة الراهنة رغم كل المؤشرات السلبية التي ترافق موضوع العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن النشاط النووي الإيراني. فمن المعروف أن كلاً من أوروبا والأحزاب الشيعية المتنفذة في العراق ستلعب دور الوسيط في التقريب بين وجهات النظر في الدولتين سواء تعلق الأمر بالخلافات النووية أو في الشأن السياسي الإيراني أو بالنسبة إلي العراقي.

إن احتمال زيادة النفوذ الإيراني في العراق أمر متوقع جداً لكنه لا يمكن أن يبرز إلا بعد فترة، خاصة أنها تملك نفوذاً مؤثرا ليس فقط في الأحزاب الشيعية أو الأحزاب والشخصيات العراقية الأخرى المتحالفة مع الولايات المتحدة بل يمتد هذا النفوذ ليشمل الأحزاب العراقية الكردية المتنفذة على الساحة الكردية. فعلاقات التعاون بينها تعود إلى عهد الشاه وقد شهدت تطورا واضحا خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية وفترة ما بعد حرب الخليج وبمعرفة أميركية إن لم يكن بمباركة منها.

أما الثوابت في العلاقات العراقية الإيرانية فهي تاريخية ودينية، ويمكن أن تتطور إيجابياً إذا ما سلمت النيات وتم التخلص من إرث الحرب العراقية الإيرانية وهو ثقيل جداً ولا يمكن تصفيته إلا في إطار علاقات حسن جوار حقيقية مع عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما، والاستفادة ما أمكن من أخطاء الماضي مع التركيز على استثمار ما هو إيجابي بدلا من التركيز على سلبيات الماضي، والتطلع دائما إلى تعزيز تعاون اقتصادي وسياسي وثقافي يضمن للجميع الاستقرار والأمن والمصالح المتبادلة.

2- العلاقات العراقية التركية
لم تكن العلاقات العراقية التركية السياسية حسنة مع النظام السابق وذلك لوجود مشاكل ترتبط أساساً بالعلاقات التركية المميزة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى العلاقات المائية، فالمعروف أن دجلة والفرات ينبعان من تركيا، والموقف التركي من هذين النهرين يتناقض مع الموقف القانوني الدولي.
المشكلة الكردية كذلك كانت في صميم العلاقات العراقية التركية بحكم الوجود القومي الكردي في كلا البلدين، ولذلك يحاول كل من الطرفين الاستفادة منها طبقا لمصالحه وأولوياته.

المشكلة الكردية ستظل قائمة في كل من تركيا والعراق وسيكون لها دورها المؤثر في العلاقات العراقية التركية وكما كانت دائماً، خاصة أن الأكراد في العراق -بدعم أميركي- يلعبون الآن دورا خطيرا ومؤثرا في السياسة العراقية ويمكن أن يكون لهم أوراق جديدة ستؤثر في طبيعة العلاقة المستقبلية على المشكلة الكردية في كل من إيران وتركيا. ولكن مثل هذا التأثير لن تظهر مؤشراته الأولية وانعكاساته إلا بعد فترة طبقا لحسابات ترتبط أساسا بأهداف وخطط الولايات المتحدة وإسرائيل الخاصة بالمنطقة أكثر منها بالقضية الكردية نفسها واهتمامات الأكراد بمستقبلهم.

المتغير الجديد في تركيا هو وصول "حزب إسلامي" إلى سدة الحكم يحمل توجهات قد تختلف عن توجهات سابقه في الحكم وخاصة في موضوع عدم السماح للقوات الأميركية بالانتقال عبر الأراضي التركية إلى شمال العراق قبل العدوان العسكري الأميركي على العراق وخلاله.

هذا التطور الذي اعتبر في حينه تحولا كبيرا في الموقف التركي، ترك أثرا سلبيا مؤقتا في العلاقات بين حكومتي تركيا والولايات المتحدة. ولكن سرعان ما تغير هذا الموقف بسبب ضغوط أميركية وحتى إسرائيلية كبيرة على الحكومة التركية، فقد صوت البرلمان التركي على قانون يسمح بإرسال قوات عسكرية تركية إلى العراق لمساندة قوات الاحتلال في مواجهة المقاومة العراقية المتصاعدة. وإذا كانت هذه الأزمة قد تم تجاوزها بعدما استجابت الحكومة التركية لمطالب الحكومة الأميركية خاصة أن الأخيرة تملك أوراق ضغط عديدة يمكن استخدامها ضد تركيا تأتي في مقدمتها القضية الكردية وتطوراتها على الساحة العراقية والتي يمكن أن تنعكس سلبا وبصورة مباشرة على الأمن القومي التركي، هذا عدا الحديث عن حزب العمال الكردستاني التركي ودوره المستقبلي.

يضاف إلى ذلك حاجة تركيا إلى النفط العراقي وأهمية مشاركتها في إعمار العراق لأسباب اقتصادية وسياسية، وحاجتها الماسة إلى القروض الأجنبية سواء من الولايات المتحدة أو من مؤسسات "بريتن وودز". كما أن الضغوط الأميركية على تركيا التي لم تحصل بعد على عضويتها في الاتحاد الأوروبي ستشهد تطورا من طبيعة أخرى تجعل الأخيرة مضطرة إلى تقديم التنازلات، لذلك فالعلاقات العراقية التركية ستكون مرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ومصالحهما الأساسية، فكلما تحسنت العلاقة بينهما فسينعكس ذلك إيجابياً على العلاقات بين تركيا وعراق المستقبل في ظل السيطرة الأميركية.

أما في شأن الأقلية القومية التركمانية فقد لعبت وما زالت تلعب دورا أقل أهمية من القضية الكردية في العلاقات العراقية التركية، ولا أعتقد أن هناك مشاكل مستعصية الحل بشأنها، فالأمر لا يتعدى حقوق أقلية قومية يجب احترامها طبقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان. لكن هذا لا يعني أن الحكومات التركية المتعاقبة لم تحاول استغلالها للضغط على حكومات العراق خاصة بعد عام 1958 بهدف تحقيق بعض الأهداف السياسية والاقتصادية كما هو الحال بالنسبة إلى ما يسمى قضية الموصل التي يثار بشأنها جدل غير رسمي تركي لتحقيق أهداف تتجاوز تركيا نفسها.

3- الأمم المتحدة والعراق
فشلت منظمة الأمم المتحدة في منع وقوع العدوان العسكري واحتلال العراق، فلقد أصابها شلل كامل بسبب النفوذ الأميركي الواسع في جميع أنشطتها. الأمين العام للأمم المتحدة سُقط في يده، ولم يبق أمامه إلا هامش بسيط للحركة وهو بروتوكولي، أي من دون دور سياسي مؤثر، وحتى بياناته التي أصدرها منذ بدء العدوان حتى اليوم التي تنقصها الجرأة والقوة لم تعدُ أن تكون ردود أفعال متناقضة في عديد من الأحيان لا أهمية لها، عدا الجانب المعنوي الذي يبدو في بعض اللحظات مهماً فقط لمن لا حول لهم ولا قوة. كما لم يكن لحضوره اجتماعات مجلس الأمن إلا أهمية رمزية أمام من يملكون سلطة اتخاذ القرار وهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن وخاصة الأكثر تأثيرا وسلطة الولايات المتحدة.

لم تحل كل من روسيا وفرنسا وإلى حد ما الصين والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن دون منع استخدام القوة ضد العراق، لكنها تمكنت من الحيلولة دون صدور قرار من مجلس الأمن يسمح للولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا وأستراليا باستخدام القوة المسلحة ضد العراق، كما لم تتمكن هذه الدول من معالجة الوضع بعد الاحتلال في فرض دور محوري للأمم المتحدة يمكنها من معالجة المسائل الإنسانية القائمة، بل أعطي لها دور استشاري وهامشي بعد حين خاصة في القرارين 1483 و1500. لكن هذه الدول بالمقابل تمكنت إلى حد ما من عدم السماح بإنهاء دور الأمم المتحدة العالمي وهو ما عبر عنه عدد من أعضاء اليمين المحافظ الأميركي الحاكم.

قبلت الأمم المتحدة بدور التابع في العراق، ويبدو أن قبولها هذا كان على أمل أن تتمكن من تطويره مستقبلا. وفعلاً استطاعت أن تتحرك وتأخذ دورها بالتزايد بسبب مطالبة عدد كبير من الدول وخاصة فرنسا وألمانيا بأن يكون للمنظمة دور أساسي في العراق، ولكن تفجير المبنى الذي كانت تشغله الأمم المتحدة وقتل عدد من العاملين في المنظمة ومنهم الممثل الخاص للأمين العام في العراق دي ميلو دفعاها إلى سحب موظفيها الأجانب العاملين في العراق. ونقل مقر الأمم المتحدة إلى نيقوسيا في قبرص بمعنى إلغاء دور الأمم المتحدة لكي لا تكون شاهداً على استمرار الجريمة خاصة بعد ارتفاع أصوات من داخل مجلس الأمن بإعادة السيادة العراقية إلى الشعب العراقي.

لكن زيادة نشاط المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال وتزايد أعداد القتلى والجرحى بين صفوف القوات الأميركية المحتلة وظهور أصوات داخل الولايات المتحدة تطالب بانسحاب القوات من العراق، أو زيادتها التي تعني زيادة في التخصيصات المالية التي باتت ثقيلة كما يبدو، والتي تبلغ الآن نحو 4 مليارات دولار شهريا، اضطرت الإدارة الأميركية إلى مراجعة موقفها من الأمم المتحدة، وفكرت في مشروع قرار تحصل منه على موافقة بمشاركة قوات باسم الأمم المتحدة، ولكن بقيادة أميركية. وفعلا تمكنت من استصدار القرار 1511 الذي أرادت منه أن يكون وسيلة "يائسة" لإضفاء شرعية مفقودة على احتلال غير قانوني وفرض اعتراف بمجلس "عراقي" قامت قوات الاحتلال بتعيينه من دون صلاحيات تمكنه من تمشية الأمور التي أوكلت إليه ولكن من دون سلطة فعلية إذ إن قراراته مجرد توصيات تخضع لمصادقة الحاكم الأميركي.