لقاء مكي

لا يفاجئ الحراك الاجتماعي والسياسي الذي تثيره الصحافة في مصر أحدا من المهتمين والمراقبين، فعراقة التجربة الصحفية وشعبيتها في هذا البلد وتطوره السياسي وأنماطه السلطوية التي سعت إلى وقف أو تجميد هذا التطور في حدود مسيطر عليها، كل ذلك وسواه جعل من الصحافة المصرية جزءا أصيلا من دعوات الإصلاح السياسي وليس مجرد مرآة عاكسة لتطوراته وبات الصحفي المصري يتولى صناعة الحدث بدلا من أن يكون مجرد ناقل له.

ضرورات الإصلاح القانوني

"
السلطة المصرية تعاملت مع حماسة الصحافة المصرية ونزوعها القومي أو الليبرالي أو حتى الإسلامي بطريقة مزدوجة، إذ إنها سمحت بتعدد الصحف كما سمحت بتعدد الأحزاب لكنها ربطت كل ذلك بقوانين ضابطة وضاغطة جعلها تبدو وكأن سقف الحريات فيها أعلى من بعض مثيلاتها العربية، فيما هي تمارس قدرا كبيرا من الكبت

"
لم تعرف الصحافة المصرية الكثير من الاختلاف أو التباعد عن السلطة الحاكمة بعد ثورة يوليو عام 1952بل إن الصحافة كانت أهم وسائل الدولة لتنفيذ برامجها السياسية والأيديولوجية، لكن فترة السبعينيات من القرن الماضي شهدت تغييرات جوهرية في السياسة المصرية سمحت وإن بشكل محدود ومبرمج بتعددية حزبية وإصدار صحف حزبية أو مستقلة لأول مرة منذ الثورة، وظلت هذه الصحف تسعى باتجاه منحها حريات حقيقية تتناسب ودور مصر وكذلك ريادتها الصحفية في المنطقة، غير أن هذه المساعي لم تصل إلى نتائج حاسمة لاسيما بعد إصدار قانون الطوارئ إثر اغتيال الرئيس السادات عام 1981 واستمراره حتى يومنا هذا .

عطل قانون الطوارئ الحياة السياسية والصحفية في مصر أو أعاق تطورها على الأقل، وفي ميدان الصحافة أتاح هذا الوضع للسلطة تشريع العديد من القوانين أو تعديل أخرى لغرض السيطرة على مضامين وسائل الإعلام والتحكم في آليات إصدار الصحف وملكيتها، وفي الوقت نفسه إعطاء هامش من حرية الرأي يصفه عضو في مجلس نقابة الصحفيين المصريين بالهامشي والمحدود حيث "مازالت هناك قيود وحواجز وحدود لا يمكن تخطيها في العمل الصحفي بمصر" على حد قول النقابي المصري، لكن السلطة ربما اعتقدت أن هذا الهامش يمكنه امتصاص زخم المطالبين بالحرية ولو لبعض الوقت.

وربما تكون التشريعات الإعلامية المقيدة للحريات أبرز ما يطالب دعاة إصلاح الصحافة في مصر بتغييره، وهنا لا يتوقف الأمر على مضامين القوانين بل إنه يبدأ بالتشظي الواسع لهذه القوانين، حيث تتوزع النصوص التي تتعامل مع قضايا النشر وإصدار الصحف على: قانون المطبوعات، قانون العقوبات، قانون تنظيم الصحافة، قانون وثائق الدولة، قانون العاملين المدنيين، حظر أخبار الجيش والأحكام العسكرية، قانون الأحزاب وقانون المخابرات، وقد عمل هذا التشظي على توسيع دائرة القيود التي تحاصر الصحفيين من كل جانب.



السيطرة المحكمة
وفي داخل هذه القوانين التي يرى الدكتور محمد سليم العوا أن بعض بنودها يخالف عشر مواد على الأقل من الدستور المصري يتشكل نمط من السيطرة المحكمة على مضامين الصحف يتيح للدولة غض الطرف إن شاءت عن الكتابات التي تحمل آراء ناقدة أو التدخل بحزم يصل إلى حبس الصحفيين لمدد غير قصيرة وفرض غرامات باهظة قد تؤدي إلى إجبار بعض الصحف الصغيرة على التوقف وتمنع الصحفيين لاسيما الشباب منهم من التطرق إلى ما يمكن أن يزعج السلطات.

وفي تقريرها السنوي لعام 2003 تصف المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن القوانين الخاصة بالصحافة والنشر تتسم بالغلظة والغموض وترى أن هذه القوانين قيد رئيسي على ممارسة الحق في إبداء الرأي والتعبير، وهي – أي القوانين- سمحت للحكومة المصرية بإغلاق عدد من الصحف مثل صحيفتي الدستور والشعب، ووضع عدد كبير من الصحفيين في السجن بتهم مختلفة أبرزها القذف والسب التي يرى المطالبون بالإصلاح أن قوانين الطوارئ المصرية  تعمدت أن تخلط بينها وبين حق النقد للمؤسسات أو الشخصيات الرسمية والعامة، وبالطبع فالأمثلة على ذلك كثيرة لكن آخرها كان قرار محكمة جنايات القاهرة أواسط أبريل/نيسان من العام الحالي بسجن ثلاثة صحفيين مدة عام وغرامة مالية على خلفية ما نشروه من معلومات حول قيام الشرطة بتفتيش مكتب وزير الإسكان وهو ما فسرته المحكمة على أنه سب وقذف بحق الوزير.

ولعل ما يجدر الانتباه إليه أن الكثير من الصحفيين الذين قضوا أحكاما بالسجن بسبب كتاباتهم الصحفية ثبت فيما بعد أن ما كتبوه كان صحيحا لكنهم لا يعوضون عن الأحكام القضائية التي نفذوها أو عن خسائرهم المادية والمعنوية، ومن أشهر القضايا من هذا النوع قصة محاكمة وسجن الصحفي مجدي حسين -الأمين العام لحزب العمل ورئيس تحرير صحيفته (الشعب)- الذي قضى حكما بالسجن مدة سنتين مع صحفيين من جريدته إضافة لإلغاء ترخيص حزبه وإغلاق جريدته بسبب نشره موضوعا يتهم فيه وزير الزراعة المصري السابق يوسف والي بالتعامل مع إسرائيل وشراء بذور فاسدة منها، وهي معلومات ظهر فيما بعد أنها صحيحة.

الحق في إصدار الصحف




تسيطر الدولة في مصر على كم ونوع الصحف من خلال التعقيدات البيروقراطية الشديدة التي تفرضها القوانين الحالية على آليات إصدارها برغم أن الدستور يتيح للأفراد والأحزاب ذلك، وقد اعتبر الصحفيون المصريون في مؤتمرهم العام الرابع في العام الماضي 2004 أن من بين أهم شروط الإصلاح السياسي والإعلامي التأكيد على حق إصدار وتملك الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية وتشجيع الصحافة الإلكترونية واحترام حقها في الوصول إلى قارئها.

ويقتضي الحصول على رخصة لإصدار صحيفة في مصر موافقة العديد من الجهات مثل المجلس الأعلى للصحافة وهو هيئة حكومية والأجهزة الأمنية المختلفة وأخيرا مجلس الوزراء ومثل هذه الموافقات تعد أمرا صعبا ومعقدا، فضلا عن ارتباط الموافقات بدفع مبالغ كبيرة تصل إلى مليون جنيه للصحف اليومية ونصف مليون للأسبوعية، ولذلك يفضل الناشرون طريقة أخرى هي إصدار الصحيفة بتصريح من خارج مصر (من قبرص بشكل خاص) لكن الكادر والمقر والتوزيع والجمهور والموضوعات كلها مصرية وبذلك يتخلص الناشرون من القيود القانونية والمالية، لكن ضريبة ذلك تكون الخضوع لقانون التعامل مع الصحف الأجنبية التي تتيح للسلطات المصرية مصادرة العدد قبل توزيعه أو منعها من التوزيع تماما وهو ما يعني الحكم عليها بالإغلاق.

وبطبيعة الحال فإن مثل هذا الأسلوب سيوحي بوجود فرص للتعددية الصحفية لكنه يمنح السلطات المصرية في الوقت ذاته حق الرقابة القبلية الذي عفا عليه الزمن بذريعة التعامل مع صحافة أجنبية.

فشل آليات الكبت




إلى جانب كل هذه العوائق القانونية والإدارية والأمنية التي تعترض حرية العمل الصحفي في مصر فإن السلطات أضافت إليه قيودا أخرى تتعلق بحرية تدفق المعلومات ووصولها إلى الصحفيين، وبرغم أن الصحفيين المصريين نجحوا بعد سنتين من الاحتجاجات في إلغاء ما يعرف بالقانون 93 لسنة 1995 الذي قضى بحبس الصحفي الذي ينشر وثائق وكذلك الموظف الذي زوده بها، برغم إلغاء هذا القانون فان تعقيدات إدارية مقصودة تقف في وجه حصول الصحفيين على المعلومات من مصادرها الرسمية وهو ما يعيق عمل الصحافة ورسالتها من جانب ويقود إلى إيقاع بعض الصحفيين في فخ المعلومات الخاطئة التي تقودهم إلى الحبس أو الغرامات العالية من جانب آخر.

"
السلطة في مصر جزء من نظام عربي فشل في تطوير آلياته السياسية والاجتماعية وهي لم تستطع السيطرة على الصحافة أو استيعابها فكريا رغم نها تتعامل مع تجربة صحفية عريقة وناضجة

"
ولعل مشكلة السلطة في مصر أنها جزء من نظام عربي لم تتطور آلياته السياسية والاجتماعية كما حدث في بقاع عديدة من العالم، لكنها لم تستطع وضع الصحافة في دائرة السيطرة الكاملة لأنها تتعامل مع نمط مهني عريق وتجربة صحفية وسياسية ناضجة لا يمكن كبتها تماما تحت أي ذريعة أو قانون وهي في الوقت نفسه لم تتمكن من احتواء هذه الصحافة أو استيعابها بالإقناع بسبب غياب الظرف الذي ساد مثلا إبان العهد الناصري والذي كان وعاء أيديولوجيا للصحافة المصرية كرسته ظروف تلك المرحلة، وهو الأمر الذي تغير منذ اتفاقيات كامب ديفد.

غير أن السلطة المصرية تعاملت مع حماسة الصحافة المصرية ونزوعها القومي أو الليبرالي أو حتى الإسلامي بطريقة مزدوجة، إذ إنها سمحت بتعدد الصحف كما سمحت بتعدد الأحزاب لكنها ربطت كل ذلك بقوانين ضابطة وضاغطة جعلها تبدو وكأن سقف الحريات فيها أعلى من بعض مثيلاتها العربية، فيما هي تمارس قدرا كبيرا من الكبت الذي يجعل عدد الصحفيين المعرضين للعقوبات فيها أعلى من كثير من الدول العربية وحتى الدول النامية، ويمكن أن نؤشر هنا إلى أن مصر جاءت في المركز التاسع عربيا والـ(128) دوليا في حجم الحريات الصحفية فيها من ضمن 167 بلدا شمله تقرير منظمة مراسلون بلا حدود الخاص بحرية الصحافة لعام 2004، ودون شك فإن النتيجة لا يمكن أبدا أن تكون مقنعة قياسا لأهمية مصر ودورها الإقليمي وتجربتها الصحفية التي بلغ عمرها نحو 180 عاما.




_______________
الجزيرة نت

المصادر
1- التقرير السنوي للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان لعام 2003 - الجزء الخاص بحرية الرأي والتعبير
2- التقرير النهائي للمؤتمر العام الرابع لنقابة الصحفيين المصريين عام 2004