د. ثناء فؤاد عبد الله


مقدمة
الحزب والسياسة والديمقراطية
أحزاب الدول النامية

مقدمة

الدكتورة ثناء فؤاد عبد الله
تعني التعددية السياسية الإقرار بوجود التنوع، وأن هذا التنوع يترتب عليه اختلاف المصالح والاهتمامات والأولويات. ويرى هنري كاريل أن التعددية تعني ترتيبات مؤسسية خاصة لتوزيع السلطة الحكومية والمشاركة فيها(1).


وللتعبير عن الاحتياجات المختلفة، غدت الأحزاب السياسية ظاهرة هامة يصعب التخلي عنها في النظم السياسية الحديثة، حيث استطاع نظام الأحزاب تنظيم ممارسة الشعب لحق الاقتراع العام، وأعطى لهذه الممارسة معناها السياسي كما منح العمل البرلماني مضموناً سياسياً معبراً عن رغبات وآمال كافة الطبقات ليشكل بذلك "لب الديمقراطية"(2).


وفى الحقيقة فإن كل ما يتعلق بالسياسة من قضايا اجتماعية أو أيديولوجية أو تنظيمية يجد متنفساً له في الحياة الحزبية، مما مكن الأحزاب من الاضطلاع بدور هام في الحياة الديمقراطية، وبوجه عام يقول البعض إن الأحزاب هي بالدرجة الأولى "محاولة للتقريب بين الرأي العام والسلطة"(3).


وبصورة مبسطة ومفصلة يرى بوردو Burdeau أن الحزب "تنظيم يضم مجموعة من الأفراد، تدين بنفس الرؤية السياسية وتعمل على وضع أفكارها موضع التنفيذ، وذلك بالعمل في آن واحد على ضم أكبر عدد ممكن من المواطنين إلى صفوفهم، وعلى تولى الحكم، أو على الأقل التأثير على قرارات السلطات الحاكمة"(4).


أما ماكس ويبر Max Weber فيرى أن اصطلاح الحزب يستخدم للدلالة على "علاقات اجتماعية تنظيمية، تقوم على أساس من الانتماء الحر. والهدف هو إعطاء رؤساء الحزب سلطة داخل الجماعة التنظيمية، من أجل تحقيق هدف معين أو الحصول على مزايا عادية للأعضاء" (5).


وبمتابعة الفكرة التي يدور حولها البحث، نقول إن التعريف العصري للحزب ينظر إليه باعتباره مجموعة من الأشخاص تجمعهم مبادئ محددة، ويعملون من أجل ترويج هذه المبادئ ونشرها، ويقوم هؤلاء الأشخاص في الغالب بوضع دستور مكتوب لحزبهم يتضمن شروط العضوية وأصول انتخاب المسؤولين وكيفية العلاقة داخل الحزب (6).


وبالطبع فإن صورة "التنظيم الحزبي" تختلف من حزب إلى آخر وفقاً للعلاقات القائمة بين المستويات التنظيمية المختلفة، ومدى السلطة المسموح بها في كل مستوى، ومدى التجدد الجيلي في مستويات القيادة، وطبيعة العلاقة بين القوى المختلفة داخل الحزب (7).



من الضروري الإشارة إلى أن محور الدراسة يرتكز على اعتبار مشكلة الحزب الوطني الديمقراطي هي جزء لا يتجزأ من مشكلة العملية السياسية في مصر بوجه عام

وإذا كانت "الديمقراطية" هي الفكرة المحورية التي تدور حولها هذه الدراسة، وبما أننا نتفق مع برهان غليون في توجهه باعتبار أن إشكالية الديمقراطية من وجهة النظر المجتمعية تتعلق بموضوع الديمقراطية داخل الحركات السياسية، "أي بتحليل نوعية العلاقة التي تربط، داخل الأحزاب السياسية، بين القيادة والقاعدة" وبما أن هذه الدراسة تتناول موضوع الديمقراطية داخل الحزب الوطني الديمقراطي في مصر، لذلك كله نرى ضرورة الإشارة إلى أن محور الدراسة يرتكز على اعتبار مشكلة الحزب الوطني الديمقراطي هي جزء لا يتجزأ من مشكلة العملية السياسية في مصر بوجه عام. فالعلاقة داخل الحزب تعكس العلاقة بين النخبة والمجتمع عموماً وتعبر عنها. وكما يذكر برهان غليون "فالحزب هو مصغر الدولة في المجتمع" وبالتالي فإنه لا انفصال بين مشكلة الأحزاب ومشكلة الدولة (8).


هذا مع ملاحظة الصعوبات التي تكتنف عملية الدخول إلى العالم الداخلي للأحزاب، وكشف خباياه ومكنوناته. ومع معرفتنا بالاتجاهات التي ترى أن كل حزب -مهما كانت المبادئ التي يعتنقها وبصرف النظر عن برامجه- فإنه يقع في قبضة عدد من القيادات يشكلون عصبه الإداري ويدافعون عن مصالحهم(9) (القانون الحديدي للأوليغارشية) ومعرفتنا أيضاً بالاتجاهات الأخرى التي ترى على العكس إمكانية وجود تنظيمات ديمقراطية تنبني على المساواة والمبادرة وتوزيع السلطات والتحرر من ربقة القيود البيروقراطية، فإنه بين التوجهين السابقين، لدينا الحافز للإبحار في عالم الحزب الوطني الديمقراطي في مصر لعلنا نقف على بعض الحقائق التي تمس بصورة مباشرة عملية التحول الديمقراطي في مصر في مرحلتها الراهنة التي نجازف بالقول إنها المرحلة الأكثر دقة والأعمق تأثيراً في مسيرة مصر السياسية.


الحزب والسياسة والديمقراطية
في كل تجمع إنساني تساهم عدة عوامل في تركيب السلطة به، ومن هذه العوامل المعتقدات السائدة من ناحية، وضرورات الواقع من ناحية أخرى.
ووفقاً لهذا المنطق، فقد رؤي أنه في كل تجمع -نقابات، اتحادات، شركات، وبالتالي في الأحزاب- هناك سمة مزدوجة هي المظهر الديمقراطي، بينما تتحكم قلة في توجيه دفة الأمور.


وعلى الرغم من أن موريس ديفرجيه يحرص على توضيح هذه الرؤية وإثباتها، إلا أنه حرص بصورة أقوى على تأكيد ما أسماه "الشرعية الديمقراطية" والتي يراها "لا تزال العقيدة المسيطرة في العصر الحاضر، إذ هي التي تسبغ الشرعية على الحكم" (10). وباعتبار أنه يتوجب على كل الأحزاب أن تولي عناية كبيرة لمسألة اتخاذها مظهر "الإدارة الديمقراطية"، فإن ذلك يقتضي (11):

  • انتخاب القادة على كل المستويات.
  • تجديد القيادات دورياً.
  • اتصاف القيادة بالجماعية مع تحديد سلطاتها.

وبالطبع تبقى القضية الأكثر حساسية فيما يتعلق بمسألة الديمقراطية داخل الأحزاب هي قضية "السلطة" "فالذي يمتلك ذرة من السلطة يبذل جهده لأن ينميها دائماً"(12).



الدول العربية ملكية أو جمهورية ترفض التعددية السياسية الحقيقية، وتنظر إليها على أنها تهديد لسيطرتها، وبالمنظور العام فإن الأحزاب العربية تعيش في ظل دولة سلطانية لا ترحب بوجود "سياسة شعبية" وتستبعد العديد من القوى السياسية في "اللعبة العامة"

ومع أن هذه الدراسة لا تستهدف بأي حال من الأحوال التركيز على الجدل الذي أثير بين أصحاب نظريات "النخبة" ومنهم بارتيو وموسكا وميشلز صاحب نظرية "القانون الحديدي الأوليغارشية"، ومن تبنوا وجهات نظر معارضة لهذه النظريات، فإن إلقاء بعض الضوء على هذه التوجهات قد يجعلنا أكثر قرباً للنظرة الواقعية في معالجة الموضوع.


ففي ضوء التوجه العام لهذه النظريات (نظريات النخبة) في أي حزب سياسي، هناك قلة تتولى السيطرة على الحزب وتستحوذ على عملية صناعة القرارات، وتتولى هذه القلة توجيه الحملات الانتخابية واختيار المرشحين، أي أنهم يتصرفون باعتبارهم الأداة التنفيذية الممثلة لإرادة الجماعة الحزبية في مجموعها. ولأن هذه القلة المسيطرة تتمتع باستقلالية عن باقي الأعضاء، فإن الرقابة على أعمال الحزب تكون في أضيق نطاق، ويقوم رئيس الحزب أو القيادات في قمة الحزب بالعمل الرئيس مع الاكتفاء بتوجيه بيانات عامة عن نشاط الحزب إلى باقي الأعضاء (13).


وقد واجهت هذه الرؤية انتقادات من جانب بعض علماء السياسة والاجتماع على اعتبار أنها تضمنت تعميمات ليس من الحتمي أن تنطبق على كل حالة، كما أن بعض الانتقادات التي وجهت لهذه النظريات قامت على أساس أنه ليس من المؤكد في كل الحالات أن تتعارض وتتناقض مصالح القيادات ومصالح باقي الأعضاء، وأنه حتى في الحالات التي تتوافر فيها إمكانية السيطرة، فإن ذلك لا يعني أن السيطرة قد وقعت بالفعل (14).


ومع معقولية هذه الانتقادات إلا أن الفكرة التي تذهب إلى أن المظهر الديمقراطي والواقع الأوليغارشي هو سمة جميع الأحزاب تظل فكرة لها اعتبارها، خاصة في ضوء ما يطلق عليه "الاعتبارات العملية" أو ما يسميه ديفرجيه "الفعالية العملية". ذلك أنه إذا كانت الأحزاب المعاصرة تتميز قبل كل شئ بتنظيماتها، فإن القيادة في الأحزاب التي تسعى لإثبات مظهرها الديمقراطي تسعى للحصول على طاعة وتبعية الأعضاء سواء بالإقناع أو بالإكراه، وذلك عبر أساليب يطورها الحزب. والمهم هنا أن الأحزاب تجهد في أن تحتفظ "بالمظهر الديمقراطي".


أما بالنسبة لقادة الأحزاب، فهم يختارون في الغالب وفقاً للقواعد الديمقراطية، حيث التعيين يأتي على سبيل الاستثناء.


ومع ذلك فإن هناك أهمية للاعتراف بأن كل الأحزاب ذات التركيب الديمقراطي تلجأ إلى تطبيق أسلوب الأوتوقراطية "المقنعة"، ومن هنا يقول ديفرجيه أن "نصيب الأوتوقراطية يختلف صغراً وكبراً، ولكنه موجود على كل حال"(15).


وبناء على ذلك ونظراً للاعتبارات العملية وبالمنظور الواقعي، فإنه يفضل ألا نتصور أن الأحزاب تجمعات نموذجية لتطبيق ديمقراطية مثالية "لم تطبق مطلقاً"، وإنما يظل مع ذلك "الهامش" الذي نتحرك في إطاره وهو "المساحة" التي تحرص عليها الأحزاب ذات التركيب الديمقراطي، بالمعنى الذي يبعدها تماماً عن سمات الأحزاب الفاشية.


وهنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي العناصر أو الظروف التي تسمح أو تسهل زيادة المساحة الديمقراطية في الأحزاب السياسية؟
وللإجابة عن هذا السؤال نحيل القارئ إلى دراسة حديثة(16) رأت أن الديمقراطية داخل الأحزاب المعاصرة تتأثر بالعوامل التالية:

  1. مدى رسوخ النظام الحزبي واستقراره.
  2. طبيعة النظام الانتخابي المعمول به في إطار النظام الحزبي.
  3. التباين بين نظام الأحزاب المتعددة ونظام الحزبين.

أما الصورة العامة التي تم طرحها فهي أن الديمقراطية داخل أي حزب تزداد كلما كان النظام الحزبي مستقراً وراسخاً، وفي حالة نظام الانتخاب الفردي حيث يتاح لعضو الحزب إمكانية أن يتمرد على حزبه وترشيح نفسه بمنأى عنه إذا اختلف مع قيادته، وكذلك في حالة نظام الأحزاب المتعددة حيث يكون المجال السياسي أكثر اتساعاً لأن عملية الالتقاء عند الناخب الوسطى تكون أقل احتمالاً مما هي في حالة نظام الحزبين.


على أن التنبيه الذي يجب الإشارة إليه هو أن هذه الافتراضات تتباين في مدى مصداقيتها، فعلى سبيل المثال قد يؤدي النظام الحزبي المستقر إلى تزايد قوة قيادات الأحزاب، وبالتالي زيادة هيمنتها على الحزب، كذلك ليس صحيحاً على وجه العموم أن الديمقراطية في نظام الحزبين أقل مما هي في نظام الأحزاب المتعددة (17).


أما الافتراض الثاني والمتعلق بطبيعة النظام الانتخابي، فإن الدراسة المشار إليها تعتبره "أهم الافتراضات وأكثرها مصداقية، وينطبق على مختلف أنواع التعدد الحزبي".


على صعيد آخر، فإنه مما لا شك فيه أن هناك علاقة بين مدى الديمقراطية داخل أي حزب ونوعية النظام السياسي الموجود فيه الحزب. وهنا يرى برهان غليون أنه إذا تعرض حزب ما للقمع "في إطار دولة استبدادية" فإن ذلك يقلل من ميل الحزب إلى اتباع قواعد احترام العمل الديمقراطي داخل صفوفه، وقد يدفعه ذلك إلى التخلي عن أو استبعاد المناقشة المفتوحة والاجتماعات والانتخابات والمؤتمرات الحزبية، . . . ويتوصل إلى احتمال أنه من الممكن لحزب ما -حسب الموقع الذي يحتله والجمهور الذي يستند إليه- "أن يتحول من حزب شبه ديمقراطـي أو مفتـوح أو يعتمـد على التعدديـة إلى حزب فاشي مغلق معاد لأية روح مبادرة ذاتية لأعضائه"(18).


ولا شك أن هذا التصور يدفعنا للاهتمام بنوعية العلاقة بين أنماط الأحزاب السياسية ونمط السلطة الحكومية (19). فكلما أمكن تحقيق درجة عالية من التشابه أو الانسجام "الديمقراطي" بين هياكل ومنظمات المجتمع -ومنها الأحزاب- مع نمط السلطة فـي الحكومة، أمكن ضمان درجة عالية من الاستقرار.


أحزاب الدول النامية


أحزاب الدول العربية والإسلامية هي تعبيرات شكلية عن حقائق اجتماعية ساكنة جامدة لا تتبدل ولا تتغير، والواقع الاجتماعي الذي تمثله قد يكون عشيرة أو طائفة أو غيرها

تثير أحزاب الدول النامية جدلاً واسعاً، حيث لا يعتبرها البعض أحزاباً بالمدلول السياسي العلمي لهذا المصطلح. ذلك أن مجرد تشكيل مجموعة من الأفراد الموجودين في السلطة لتنظيم مسيطر لا يجعل منه حزباً سياسياً. أما بالنسبة لما يطلق عليه "الأحزاب الأيديولوجية" فإنها في الغالب تكون تنظيمات تردد شعارات سياسية في سياق منظومة شمولية لا علاقة لها بالديمقراطية من قريب أو بعيد.


ومن هنا تأتي بعض الأوصاف التي تطلق على أحزاب الدول النامية والتي تتراوح بين وصفها بالضعف والهشاشة، وبين اعتبارها تنظيمات مؤقتة قصيرة العمر، ولا تنطوي على أيديولوجيات قوية (20).


من ناحية أخرى تذهب بعض التوجهات المتشددة نوعاً ما في وصف أحزاب الدول العربية والإسلامية إلى اعتبارها "تعبيرات شكلية عن حقائق اجتماعية ساكنة جامدة لا تتبدل ولا تتغير، والواقع الاجتماعي الذي تمثله هذه الأحزاب قد يكون عشيرة أو طائفة أو غيرها"(21).


وفي حقيقة الأمر، فإنه حتى في حالة اعتبار هذه التوجهات تنطوي على نظرة متشائمة ومتشددة في تحليلها لواقع الأحزاب السياسية في الدول النامية، فإننا نرى أنها تنطوي على قدر لا بأس به من الصحة وكثير من المصداقية.


ويعود ذلك في الأساس إلى اختلاف السياق الاجتماعي الذي وجدت فيه أحزاب الدول النامية في ظل واقع سياسي واقتصادي وثقافي مختلف عما هو في الدول المتقدمة. فأحزاب الدول النامية تعيش في ظل مناخ ينوء بالولاءات التقليدية، ويعاني من أزمات اقتصادية تجعل نسبة كبيرة من السكان تعاني وربما تعيش على حد الكفاف، هذا فضلاً عن تفشي الأمية وشيوع قيم ثقافية ضد الديمقراطية في ظل أنظمة حاكمة تسلطية أو عسكرية، وكل ذلك يعني ضمن ما يعنيه أن الحياة الحزبية -بمدلولها المعروف في الدول المتقدمة- ليست ممكنة في ظل هذه الظروف المعاكسة.


وبالتالي فإن قضية الديمقراطية داخل أحزاب الدول النامية هي انعكاس مباشر لظروف الدول التي تعيش فيها. وبالنظر إلى واقع وظروف النظم السياسية في الدول العربية، فإنه سيكون من السهل علينا معرفة السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لأحزاب هذه الدول. فالدول العربية ملكية أو جمهورية ترفض التعددية السياسية الحقيقية، وتنظر إليها على أنها تهديد لسيطرتها، وبالمنظور العام فإن الأحزاب العربية تعيش في ظل دولة سلطانية لا ترحب بوجود "سياسة شعبية" وتستبعد العديد من القوى السياسية في "اللعبة العامة"(22)


والنتيجة المنطقية لما سبق بالنسبة لمدى الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب العربية، أنها تكون في أسوأ حالاتها، فلا تمثيل انتخابي حقيقيا بين القاعدة والقيادة، والقيادة فردية يسعى الجميع للإجماع حولها على الدوام، وتقوم القيادات العليا "بتعيين" قيادات المستويات الوسطى والمستويات التالية دون إعمال لآلية الانتخاب. وفي بعض الأحيان قد تلزم الأحزاب أعضاءها التزامات شخصية واجتماعية بما يتجاوز الحدود المطلوبة بين حياة الفرد وواجباته الحزبية (23).


أما عن سلطة القيادة، فإن النموذج الشائع في علاقاتها داخل الأحزاب هو "نموذج السلطة الزعامية المستمدة من القيم الأخوية ومونة الأخ الأكبر"(24) والذي ينشأ نتيجة ظروف اجتماعية وتاريخية محددة.


وبالطبع فإنه في ظل دولة تقوم على قاعدة مزدوجة من الاستحواذ والإقصاء ونمو علاقات التطرف والعنف، فإن العلاقة بين الأحزاب ونظرة الأحزاب إلى بعضها البعض لا يمكن أن تكون من طبيعة ديمقراطية. فالحزب وهو "المالك الأوحد للحقيقة ومعايير الصحة" ينظر للآخرين باعتبارهم جماعات معادية أو مضللة أو خادعة. وفي هذه الحالة فليس ثمة منافسة ولا سياسة وإنما مهاترات ومؤامرات واتهامات متبادلة على الدوام.


وفي المجمل العام، فإننا يمكن أن نشير إلى ملاحظتين أساسيتين:
أولاً: في حالة وجود الحزب في سياق دولة تطلق العنان لأساليب غير ديمقراطية، فإنه ليس من المتوقع أن تكون درجة الديمقراطية داخل الحزب على مستوى يعتد به، والعكس صحيح.


ثانياً: غياب الديمقراطية داخل أي حزب لا ينفصل عن مجمل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيش الحزب وأعضاؤه في ظلها.
والحقيقة أن نقاشاً واسع النطاق يدور حالياً في الدول المتقدمة حول مستقبل الأحزاب، في ظل مستجدات عصر الاتصالات والمعلومات وتطور أجهزة الإعلام وتعاظم تأثير التلفزيون الذي أدى في نظر البعض إلى ما أطلق عليه "التراجع التدريجي لدور الآلة الحزبية".


وإذا كان صحيحاً أن دور ومركز وآليات عمل الأحزاب السياسية يمكن أن تشهد تغيرات مستقبلية واسعة النطاق، إلا أنه حتى الآن على الأقل -بالنسبة لمجتمعات الدول النامية ومنها العربية- فإن الأحزاب السياسية في حالة وجودها وتفعيل نشاطها وإصلاحها وتحسين البيئة السياسية التي تعمل في ظلها، يمكن أن تساهم في دعم عملية التحول الديمقراطي فيها خاصة وأن هذه المجتمعات لا تزال تعيش مراحل انتقالية، وتشهد خبرات سياسية جديدة، ولم تترسخ فيها بعد تقاليد العمل السياسي.


ومن هنا نقول إن وجود الأحزاب السياسية بمدلولها العلمي المعروف حالياً، ما يزال يمثل ضرورة لدفع خبرة العمل السياسي في هذه المجتمعات في المراحل الراهنة.
إلا أن ذلك لا يعنى استبعاد أن تشهد المجتمعات النامية تطورات مماثلة أو قريبة الشبه بما تشهده الدول المتقدمة فيما يتعلق بنشوء ظاهرة الجمعيات الجديدة ذات الأهداف والمضامين المختلفة، حيث أنه من المعروف أن العديد من الظواهر تبدأ في الدول المتقدمة ثم تنتشر إلى غيرها، وهو ما حدث بالنسبة لظاهرة الأحزاب نفسها والتي بدأت في الغرب ثم توالى انعكاسها في بقية أنحاء العالم.

هذا على الرغم من أن النقاش الدائر حالياً في الدول المتقدمة يجري على قاعدة ما يطلق عليه مجتمع ما بعد الأحزاب، بينما في الدول النامية ومنها العربية يجري في ظل ما يطلق عليه مجتمعات ما قبل الأحزاب.
________________
باحثة متخصصة في الدراسات الديمقراطية

للتعليق والتعقيب اضغط هنا