إعداد: نزار رمضان

لم تعد أزمة جدار الفصل أزمة سياسية فحسب، بل شكل هذا الجدار رحلة عذاب يومية للآلاف من الفلسطينيين الذين شطر الجدار مدنهم وقراهم بل بيوتهم أيضا، فشكلت منطقة الشمال الفلسطيني العبء الأكبر حيث المناطق الزراعية والأراضي الخصبة التي أبيدت عن بكرة أبيها، إضافة إلى هدم العديد من المنازل التي اعترضت خط سير هذا الجدار، الأمر الذي خلف حالة من الإرباك اليومي أصابت حياة الفلسطينيين الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وحتى النفسية.

عائلة أبو محمد الباز من قلقيلية تمثل قصة مأساوية لآثار هذا الجدار الفاصل، حيث انقسمت العائلة إلى قسمين، الأب وامرأته المسنة أصبحوا غربي الجدار والأبناء وأسرهم احتجزوا شرقي الجدار، رب الأسرة وزوجته يعانيان من ارتفاع نسبة السكر في الدم، ولهذا كان الابن الأكبر لعائلة الباز ينزل يوميا من منزله إلى منزل والده لإعطائه إبرة الأنسولين، حيث لا يبعد بيته عن بيت أبيه عشرة أمتار، لكن ظلم الجدار حرم الأب ابنه وأصبح الأمر يتطلب مسيرة 15 كيلومترا حتى يصل الابن إلى أبيه المريض يوميا لمعالجته، هذا إذا كان الباب الحديدي مفتوحا وسمح المحتلون له بالدخول.

جدار الفصل يخترق المزارع

وضحة الباز قالت إن هذا الجدار هو غضب من الله، فنحن الآن بحاجة إلى وسيلة نقل بعد أن استيقظنا فجرا لنجد بيتنا الذي كان على الشارع العام محاصرا بين المزارع البعيدة التي لا تصلها الطرق المعبدة، فالشارع المعبد الذي كان يمر أمام منزلنا حال بينا وبينه الجدار وأصبح يبعد عنا مسافة 27 كيلومترا، نحن في مصيبة دون شك، كيف سننقل أمتعتنا ووقودنا.. كيف سيصل الأطفال إلى المدارس، خاصة خلال المطر في فصل الشتاء، إنها لحياة مؤلمة وصعبة في ظل هذا التغير المفاجئ الذي لم نكن نحلم به.

لكن الصعوبة الكبرى التي تواجه هذه الأسرة تكمن في تغريد الطفلة المعاقة التي كانت تنقلها يوميا سيارة جمعية الأمل للمعاقين لأنها مصابة بإعاقة شديدة في جميع أطرافها، ورغم صغر سن تغريد التي لم تدخل بعد عامها السابع إلا أن وزنها بسبب عدم الحركة يزيد عن 40 كيلوغرما ولهذا يصعب حملها.. السيارة لم ولن تستطيع أن تصل إلى المنزل بسبب عدم وجود طريق موصل إليه، الابن الأكبر منشغل في السير على الأقدام يوميا من منزله إلى منزل الوالد والوالدة لإعطائهم إبر الأنسولين، وبعدها يريد العودة إلى المدرسة التي يعمل فيها.. وتبقى تغريد مأساة الأسرة..، فهي بحاجة إلى علاج طبيعي يومي، من ينقلها؟ من يستطيع حملها؟.. حاول أشقاؤها شراء حمار لنقلها، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فمن يرفعها إلى الحمار؟ ومن ينزلها؟ ومن يمسكها طوال الطريق خشية انزلاقها؟ الحاجة وضحة تبكي بكاء مرا وهي تنظر إلى مأساة عائلتها، فالفقر من جانب والحصار والإغلاق من جانب آخر، واكتملت المأساة بانقطاع الطريق وانعزال البيت عن حركة المواصلات بسبب الجدار الفاصل.

هكذا يبدأ الصباح مظلما بالنسبة لهذه الأسرة وهكذا يحضر المساء، فأفراد الأسرة كلهم في غم وهم، الوالد والوالدة خلف الجدار يطوقهم المرض والألم إضافة إلى هم الجدار الذي حرمهم روية أبنائهم، وبقية الأسرة في الطرف الآخر، لا بد أن يمروا في رحلة عذاب وانتظار دامية حتى يسمح لهم بالوصول إلى خدمة والديهم.. والطفلة تغريد تعيش واقعها المؤلم.. لقد أغلق العالم أبواب الرحمة والإنسانية.. وبقية عائلة الباز تعيش عذاباتها في الطرف الآخر.
_______________
مراسل الجزيرة نت