مدخل مخيم البداوي

موفد الجزيرة نت-بيروت
 
عندما قررت زيارة مخيم البداوي لم يكن الشأن السياسي يحظى بالأولوية في التحقيق الذي سأجريه، ولكن كثرة الحديث عن الوضع المميز نسبيا الذي تعيشه مخيمات الشمال ومنها البداوي بسبب الرعاية السورية حفزتني كي استطلع البعد السياسي، وتحديدا علاقة المنظمات الفلسطينية الراعية لمخيمات الشمال مع القوات السورية الموجودة في لبنان وأثر ذلك على العلاقات الفلسطينية البينية.
 
ومن هذا المنطلق كان اللقاء مع أبو إياد مسؤول الصاعقة في مخيم البداوي، والذي عكس صورة لمسناها أثناء تجوالنا في المخيم.
 
مع إعادة الانتشار الأخير للقوات السورية في الشمال هل ستضعف الفصائل المؤيدة لسوريا؟

أبو إياد المسؤول في منظمة الصاعقة
هذا الموضوع طويل، فالوجود السوري في لبنان له مفهوم قومي، لماذا أتت سوريا إلى لبنان بالأساس؟ أتت لمهمة قومية لحقن الدم ومنع التقسيم ووقف الاقتتال الداخلي إضافة إلى ذلك منع الفلسطينيين من إقحام أنفسهم في حمام الدم اللبناني، طيلة سنوات الحرب الأهلية اللبنانية.
 
يعني سوريا عملت على إخراج الفلسطينيين من الحرب الأهلية اللبنانية كي يتفرغوا لقضيتهم؟
 
بالضبط حيدتهم تحييدا كاملا وبذلوا جهدهم في هذا الأمر رغم أن هناك من حاول إقحام نفسه، فسوريا عملت على تحييد الفلسطينيين من الوقوع في حمام الدم إبان الحرب الأهلية اللبنانية.
 
وسوريا بالعلاقة القومية تبقى درعا لحماية قضايانا وسندا ودعما لقضايا الأمة في مقدمتها القضية الفلسطينية. ناهيك عن التوأمة السورية اللبنانية التي باتت أمرا واقعا.
 
بصيغة أخرى هل من الممكن أن تتراجع أوضاع مخيمات الشمال بعد إعادة الانتشار السوري؟
 
بعد الانتفاضة في فلسطين بات الوجود الفلسطيني في لبنان شبه وجود سياسي وإعلامي. ومسألة إعادة الانتشار السوري تتعلق بالحكومتين السورية واللبنانية. والفلسطينيون موجودون قبل الوجود السوري وأثناءه وسيستمرون في وجودهم حتى العودة للوطن. فالفلسطينيون موجودون منذ نكبة 1948.
 
حاليا أوضاع المخيمات الفلسطينية حيث الوجود السوري أفضل من سواها نسبيا؟
 
ممكن أن تكون أكثر أمنا، وبفضل الموقف الرسمي والشعبي والوطني للبنان أعطى الفلسطينيين طمأنينة أكثر، لأنهم لا يرون فرقا بين الموقفين السوري واللبناني، فهناك موقف ومصير ومسار واحد وانعكاساته على القضية الفلسطينية انعكاسات إيجابية، فلماذا سيكون الفلسطينيون مذعورين ما دام هناك ارتقاء في الموقف الوطني الرسمي اللبناني.
 

هل توجد أسلحة في المخيم؟
 
أكيد توجد أسلحة في المخيم وهي أسلحة الفصائل، ولكنها ليست أسلحة ثقيلة ، يعني بعض الأسلحة الفردية التي لا تزال موجودة، فالبندقية يعتبرها الفلسطيني رمزا لنضاله ولاستمرار هذا النضال في مواجهة العدو الصهيوني.
 

لكن الرصاصة تقتل فالسلاح ليس مجرد رمز؟
 
نعم إذا استخدم خارج الموقع الطبيعي، فنحن السلاح -بقناعتنا- مقدس ويجب ألا يستخدم إلا في موقعه الطبيعي. وقد تجوب المخيم الآن وقد لا تلاحظ وجود السلاح أو قد لا تلاحظ إلا بندقية مع أحد الحرس أمام أحد المراكز، فالبندقية ما عادت تحمل في كل مكان وزمان.
 
يعني تتمسكون بالبندقية احتياطا لمستقبل الوجود الفلسطيني في لبنان؟
 
ممكن، فالشعب الفلسطيني في حرب دائمة مع إسرائيل ويمكن أن يتعرض المخيم لغارة جوية أو قصف مدفعي أو لإنزالات أو اعتداءات في كل زمان ومكان.
 
هل يوجد لمؤيدي عرفات (حركة التحرير الوطني- فتح) مكتب في المخيم؟
 
نعم يوجد لهم مقر رسمي عادي وليس مقرا عسكريا.
 

هل تعتبرونهم أعداء؟
 
لا... ليسوا أعداء نحن مختلفون سياسيا ولسنا في الخنادق في وجه بعضنا البعض.
 

هل لديهم ممثل في اللجنة الشعبية؟
 
لا... ففي المخيمات التي للمعارضة ثقل فيها لا وجود لتمثيل رسمي لجماعة فتح.
 
هل لكم ممثلون في اللجان الشعبية في المخيمات التي تسيطر عليها فتح؟
 
في عين الحلوة لنا ممثل، كنا موجودين قبل الخلاف وما بعد الخلاف وما نزال.
 
كيف يكون هناك تمثيل لكم بمناطق نفوذهم وليس لهم تمثيل بمناطق نفوذكم؟
 
في فترة من الفترات لم يكن لهم أي وجود في مخيمات المعارضة رسميا أو علنيا.
 

إذن مكتب فتح في المخيم هو جديد؟
 
نعم هو جديد وبعد الانتفاضة الأخيرة ومستفيدا من ظروف الانتفاضة، ونحن لسنا ضد أن يعود المناضلون إلى موقعهم الطبيعي.
 
مع وجود كتائب الأقصى المرتبطة بفتح أليس من المفترض أن تغير فصائل المعارضة نظرتها تجاه فتح أبو عمار؟
 
حصل ذلك وسيحصل وهناك إعادة نظر في الأمر، وكلما اقتربوا من مواقعهم الطبيعية اقتربوا منا.
 

يعني الخلاف مجرد خلاف سياسي؟
 
نعم مجرد خلاف سياسي وإذا انتهى الخلاف السياسي فلا شيء بيننا، ونحن نصادفهم يوميا في المخيم وبيننا وبينهم صباح الخير ... ومرحبا وما إلى ذلك.
 
أنتم متهمون وبعض الفصائل المؤيدة لسوريا بأنكم تقومون بدور استخباراتي لمصلحة سوريا ضد الفلسطينيين؟
 
صورة الأسد في مقر الصاعقة البداوي
لعلها أسطوانة استخدمتها بعض الأطراف المغرضة المضللة التي حاولت أن تنفرد في مواقفها دائما في الساحة حتى تتمكن من تحقيق مآربها وأدوارها، ولكن رفض عملية الانسلاخ، انسلاخ المواطن الفلسطيني عن جواره وأمته وعن واجباته القومية وعلاقاته القومية أمر أساسي. وربما لم يضعف الفلسطينيين إلا محاولات البعض إبعاد قسم كبير من المضللين (بفتح اللامين) عن هذه الجذور وعن هذا الانتماء.
كان القرار المنفرد في أوسلو وما آلت إليه الأمور، وفي كامب ديفد وما آلت إليه الأمور. ونحن نحمل المسؤولية للسبب الأول، وهي محاولات البعض إبعاد الفلسطينيين وسلخهم عن جذورهم القومية وعن انتمائهم الشعبي تحت شعار القرار الفلسطيني الوطني المستقل. نحن نقوى بأمتنا وبعمقنا القومي.

هنا في الشمال هل لديكم تنسيق مع المخابرات السورية؟
 
القوات العربية السورية موجودة في كل الأراضي اللبنانية ولها أجهزة أمن ولها قوات نظامية، فأي شيء تتعرض له المخيمات تتعرض له القوات السورية ويتعرض له الجيش اللبناني، فنحن جميعا عيون ساهرة لحماية مواقعنا وإن كانت مواقع لبنانية أو سورية أو فلسطينية.
 
في علاقتكم اليومية مع السوريين هل تتعاملون مع سياسيين أم حصرا مع الأجهزة العسكرية والمخابرات؟
 
ليس هناك وجود سياسي في لبنان للسوريين، ولكن الدور الذي يؤدونه دور سياسي.
 
لو أن شخصا من جماعة عرفات دخل المخيم هل تبلغون السوريين بالأمر؟
 
أي شيء يحصل فنحن على اتصال مباشر مع السوريين ومع الجيش اللبناني والجيش السوري مباشرة، وهم بدورهم يتصلون بنا أيضا.
 

مع الجيش السوري وليس مع المخابرات؟
 
المخابرات هي جزء من تشكيل الجيش، فهذه المخابرات التي يتكلمون عنها هي عبارة عن وحدات عسكرية تقوم بدور الأمن وهي جزء من تشكيل الجيش.
 
هل يؤوي مخيم البداوي مطلوبين على غرار ما يتهم به عين الحلوة؟
 
لا، الوضع مختلف فهنا يوجد تنسيق كامل، أي دعوة تأتي من القضاء اللبناني أو الجهات الأمنية اللبنانية يتم استقبال الدورية التي تحمل الاستدعاءات ويتم تبليغ المطلوبين للقضاء، وذلك عبر اللجنة الأمنية المشتركة المشكلة من الفصائل ويمكن أن تسميها القوة الأمنية المشتركة، وهي مشكلة من جميع الفصائل وعلاقاتها منسقة مع الدولة اللبنانية.
 

يعني هل يدخل الأمن اللبناني المخيم؟
 
نعم يدخل بدورياته وسياراته إلى المخيم ولكن إلى القوة الأمنية.
 

يعني الأمن اللبناني لا يعتقل المطلوب بنفسه؟
 
لا، ولكن ترسل القوة الأمنية وراء المطلوب إبلاغه أو استدعاؤه، ويوقع على التبليغ . وهذا متفق عليه إداريا مع القوى الأمنية اللبنانية في المنطقة هنا وبالتنسيق مع القوات العربية السورية.
 

وأكيد حركة فتح ليس لها ممثلون في اللجنة الأمنية؟
 
كما قلت سابقا لم يكن لهم وجود عندما تشكلت هذه اللجان.
 

يمكن أن يتغير الوضع الآن؟
 
هذا يعود للتقارب السياسي بين فتح وفصائل المعارضة، ونحن نرحب بهذا التقارب لأنه عودة للموقع النضالي الطبيعي.
 
أنتم متحالفون مع سوريا، فلماذا لا تخدمكم ببعض القوانين مثل قانون العمل والتملك مثلا؟
 
نتيجة لاستمرار التعقيدات في التركيبة اللبنانية فسوريا لن تحرج أحدا.
 
ما رأيك في من يقول إن سوريا مستفيدة من العمالة لديها في لبنان ومن مصلحتها أن يمنع الفلسطيني من العمل في لبنان؟
 
ما الذي تشكله العمالة الفلسطينية نسبة للعمالة اللبنانية والسورية؟ فهذا غير صحيح.
 

هل تشكل العمالة الفلسطينية بحدود 50 ألفا مثلا؟
 
لا تزيد على ذلك.
 

بالنسبة للقوى الوطنية اللبنانية هل طلبتم مساعدتها؟
 
نعم وبشكل مستمر، وهناك لقاءات دورية مع الأحزاب الوطنية.
 

إذن لماذا لا تلقون تجاوبا؟
 
هم يناضلون معنا وما نزال نناضل معا.

هل حركة أمل من بينهم؟
 
نحن نناضل مع حركة أمل ومع الحزب القومي السوري، ونناضل مع منظمة حزب البعث ومع كل الأحزاب اللبنانية.
 
ألا تعتقد أنه لو اجتمعت مثلا كتلة حزب الله والحزب القومي السوري وكتلة وليد جنبلاط وغيرهم من المتعاطفين معكم، ألا يمكن تغيير هذه القوانين؟
 
أبنية مرتفعة في البداوي
نعم يمكن أن يتحقق شيء ولكن بالمقابل ممكن أن يحدث خلاف داخل الوسط اللبناني والذي دائما وأبدا نحن نعمل على وحدته، لأن هناك عدوا مشتركا يبقى أكبر من كل خلافاتنا الداخلية ومن كل مشاكلنا.
 

يعني أنتم تتفهمون موقفهم؟
 
نعم نحن نتفهم موقفهم ونتفهم الوضع وخاصة فيما يتعلق بالإجماع الوطني اللبناني، وصعوبة تحقق هذا الإجماع وخاصة في المسائل التي تشكل نقاط اختلاف. ونحن والقوى اللبنانية ومعنا الشعب اللبناني الشقيق سنستمر في نضالنا لدى الحكومة اللبنانية ولدى الجهات المعنية من أجل إحقاق الحقوق المدنية الفلسطينية.

من الملاحظ أن معظم المساعدات لمخيمات لبنان تأتي من الدول الأوروبية ولا يقدم العرب شيئا، لماذا؟
 
ما جرت عليه العادة هي ألا يرسلوا مساعدات إلا إذا وقعت مشكلة أو مجزرة أو كارثة. ومنذ النكبة على العموم لم نعتد أن تصلنا مساعدات إلا عبر الأونروا.
 
ولكن عندما كانت المنظمة في لبنان كانت تأخذ المساعدات العربية مباشرة؟
 
منظمة التحرير لا تزال تتلقى المساعدات من الدول العربية وأوروبا ومن الدول المانحة وتحتفظ بها لصالح الصندوق القومي، ويستعمل قسم منها للضفة الغربية وقطاع غزة. أما ما يسمى بالشتات فليس لها علاقة وبخاصة المخيمات التي للمنظمة فيها وجود قليل أو ضعيف، ويمكن أن تصل مساعدات لأسر الشهداء لأن شهداء الثورة الفلسطينية ما يزال الصندوق القومي يدفع المخصصات لهم.
 

حتى الشهداء الجدد؟
 
الشهداء القدامى، أما الجدد فلم يعتمدوا من تاريخ الخلاف عام 1983. أحيانا يتم اعتماد بعض الحالات من خلال العلاقات الخاصة.
 

هل الذين يسقطون في خلافات داخلية يعتمدون كشهداء؟
 
يقدم التنظيم الذي يتبع له بطلب، وهناك لجنة في الصندوق القومي تدرس حالته وسبب وفاته، وممكن أن تعتمده وممكن لا، بحسب انطباق مواصفات الاستشهاد عليه، وهذا سابقا.
 
لو حصل اشتباك الآن بين مجموعة تتبع لفتح أبو عمار وفصيل آخر، هل يعتمد القتلى من الصندوق القومي كشهداء؟
 
بالنسبة لأعضاء فتح يتم اعتمادهم كلهم بدون أي شروط، أما الفصائل الأخرى لا، وقد يواجهون بالتعقيدات والعراقيل.
 

ومن يقتل في عمل ضد إسرائيل في جنوب لبنان؟
 
ممكن أن يكون وضعه محرجا للصندوق القومي وسيدفع له.
 
أثناء القصف الإسرائيلي الأخير هل استشهد فلسطينيون واعتمدوا؟
 
كما قلت كل من يسقط بقصف أو معارك فالصندوق القومي ملزم به. أما في القضايا الأخرى مثل وفاة أثناء الخدمة أو المرض، كما حالي الآن لو توفيت أثناء خدمتي، يقوم تنظيمي برفع طلب بشأني ممكن أن يعتمد وممكن لا، وعندي خمس وثلاثون سنة في الثورة.
 
هذا يعني أنكم قانونيا ما تزالون مرتبطين بالصندوق القومي وتقدمون طلباتكم بشكل اعتيادي؟
 
نعم بالطبع، فالمسائل الإنسانية لا نحاول أن نوسع الشرخ فيها حتى لا يصيب الضرر العائلات، ونحاول الحفاظ عليها رغم كل الخلافات.
 

هل تصلكم من الصندوق مساعدات للمخيمات؟
 
أحيانا إذا طلبنا قد يصل بعضها، ففي أحداث 1984 طلبنا صيانة الشبكة الكهربائية فاستجابوا لطلبنا وعملوا على تغيير الشبكة كلها.