بقلم/ عبدالنور بن عنتر

د. عبد النور بن عنتر
في الوقت الذي بلغ فيه البناء الأوروبي أرقى مستوى التكامل فوق القومي تصعد فيه تيارات قومية محلية مهددة أقدم الدول-الأمم في العالم وأرقى تجربة تكامل إقليمي في التاريخ، إذ توالت الانتصارات الانتخابية لأحزاب اليمين المتطرف والتي قد تزعزع أسس الديمقراطية الأوروبية العريقة. وبلغت أوجها في بلدان مثل النمسا وإيطاليا والبرتغال وهولندا… أين تشارك تشكيلات يمينية متشددة في الحكم. الزلزال السياسي الذي هز فرنسا في رئاسيات أبريل/ نيسان 2002 (وصول جون-ماري لوبان إلى الدور الثاني) أظهر مدى انكشاف الديمقراطيات الغربية أمام اليمين المتشدد. مع هذا الزحف يبدو أن أوروبا القيم تعيش أزمة، في ما تشهد أوروبا الأمن غليانا بدأ إعلاميا ليصبح سياسيا رسميا، مع الاهتمام الأوروبي بمسألة الهجرة لا سيما السرية منها. عودة موضوعة الهجرة السرية إلى واجهة الأحداث قبل وبعد قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في إسبانيا جاءت في إطار تحرك أوروبي جماعي بعد المد المتشدد قاريا. لكن هل يعني هذا الزحف إمكانية تربع اليمين المتطرف بمفرده (دون تحالفات مع أحزاب أخرى) على الحكم في الدول الأوروبية أم أن هناك بوادر تبدد الموجة اليمينية المتطرفة؟.

- 2000-2002.. سنوات المد
- اليمين المتشدد.. الشبه والاختلاف
- اليمين المتشدد.. /ميركا والعرب
- اليمين المتشدد والعنف
- الاتحاد الأوروبي والمد اليميني المتشدد
- مؤشرات صعود وهبوط
- موقف الطبقة السياسية والنخبة المثقفة
- محنة اليمين التقليدي

2000-2002.. سنوات المد


ما يقلق الاتحاد الأوروبي هو تنامي اليمين المتشدد في دول أوروبا الشرقية المرشحة للانضمام للاتحاد قريبا

إذا كان اليمين المتطرف دائما حاضرا في المشهد السياسي الأوروبي، فإن الجديد يكمن في انتصاراته الانتخابية التي مكنته من المشاركة في ائتلافات حكومية في العديد من البلدان وفي ظرف ثلاث سنوات فقط (2000-2002) تغير المشهد السياسي الأوروبي تماما بدخول تيارات شعبوية ويمينية متطرفة ائتلافات حاكمة.

  • في 3 فبراير/ شباط 2000 حاز الحزب الليبرالي النمساوي بزعامة يورغ هايدر على 27% من الأصوات في الانتخابات التشريعية جعلت منه القوة السياسية الثانية في البلاد وسمحت له بتشكيل ائتلاف مع المحافظين.
  • في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001 تحصل حزب الشعب الدانماركي الذي تتزعمه بيا كارسغارد على 12% من الأصوات في الانتخابات التشريعية جعلت منه القوة الثالثة في البلاد وشريكا للحكومة الليبرالية المحافظة. رغم أن الهجرة ظاهرة حديثة في الدانمارك وأن الأجانب لا يشكلون إلا 4% من السكان، يعتبر هذا الحزب أن هؤلاء يشكلون خطرا على البلاد.
  • في 13 مايو/ أيار 2001 فاز سيلفيو بارلسكوني بالانتخابات التشريعية بتحالفه مع اليمين المتطرف المتمثل في الحزب ما بعد الفاشي (النيو-فاشي سابقا) الذي يتزعمه جيان فرانكو فيني ورابطة لومبارديا بزعامة أومبرتو روسي.
  • في 17 مارس/ آذار 2002 تمكن الحزب الشعبي البرتغالي بزعامة باولو بورتاس (وزير الدفاع الحالي)، من الحصول على 8.8% من الأصوات في التشريعيات. رغم حداثة عهد البرتغال بمشاكل اللاأمن، إلا أن هذا الحزب يتخذ منها متجره السياسي.
  • في مارس/ آذار 2002 حقق اليمين المتطرف نصرا في الانتخابات البلدية في هولندا عندما حاز قائده بيمس فورتوين على 34% من الأصوات مسيطرا بذلك على مدينة روتردام. ويقترح فورتوين، الذي اعتبر الإسلام "متخلفا"، حذف مبدأ "عدم التمييز" من الدستور الهولندي (نسخة هولندية من الأفضلية الوطنية التي ينادي بها لوبان في فرنسا). اغتيل فورتوين في 6 مايو/ أيار 2002. إلا أن ذلك لم يضعف من عزيمة أتباعه وأنصاره حيث تحصل حزبه على 26 مقعدا (من أصل 150) في البرلمان إثر تشريعيات 15 مايو/ أيار 2002، مما مكنه من الحصول على أربع حقائب وزارية في الائتلاف الحاكم الجديد (إلى جانب الديمقراطية-المسيحية والليبراليين) منها وزارتا الهجرة والشؤون الاقتصاد.
  • في النرويج، حاز حزب التقدم الذي يتزعمه كارل إيفار هاغن على 3.15% من الأصوات في تشريعيات 1997.
  • في بلجيكا يعتبر حزب فلانس بلوك أول قوة سياسية في مدينة أنفرس والذي يتزعمه فيليب دوينتر صاحب كتاب عنوانه "شعبنا أولا" (نسخة بلجيكية من شعار "الفرنسيون أولا" الذي يرفعه لوبان، و"ألمانيا أولا" الذي ينادي به الجمهوريون في ألمانيا). رغم أن اليمين المتطرف البلجيكي لا يشارك في السلطة إلا أنه يلعب دورا في الحياة السياسية، وهذا رغم الحصار المفروض عليه من قبل الأحزاب الأخرى.
  • في فرنسا تمكن جان-ماري لوبان في 21 أبريل/ نيسان 2002 من المرور إلى الدور الثاني من الرئاسيات.

أما الدول الأوروبية القليلة التي بقيت حتى الآن في منأى عن المد اليميني المتطرف فهي بريطانيا وألمانيا (رغم الصعود من حين والآخر للتشكيلات المتطرفة في الانتخابات الإقليمية كما حدث في ساكس-انهالت عام 1998 أو في هامبورغ في سبتمبر/ أيلول 2001) وإسبانيا. ويبدو أن هذا يفسَّر بتربع الأحزاب الكبرى على المعارضة أو على الحكم بقوة مما سمح لها بالمناورة دون الحاجة لتحالفات سياسية غير طبيعية. بينما ضعف الأحزاب اليمينية التقليدية في بعض دول مثل إيطاليا، النمسا… جعلها تعجز على الفوز بالأغلبية وبالتالي الحاجة لائتلافات حكومية يلعب فيها اليمين المتطرف دور الحكم. الدول الأوروبية غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هي الأخرى تعيش تحت وطأة صعود قوى اليمين المتطرف. سويسرا مثلا تشهد نموا لحزب اتحاد الوسط الديمقراطي (الذي حقق انتصارات في الانتخابات الإقليمية الأخيرة لا سيما في زيورخ) وهو حزب معارض للانضمام لأوروبا ومعاد للمهاجرين. لكن ما يقلق الاتحاد الأوروبي هو تنامي هذا التيار في دول أوروبا الشرقية (المجر والجمهورية التشيكية وبولندا) المرشحة للانضمام للاتحاد قريبا.

اليمين المتشدد.. الشبه والاختلاف


اليمين المتطرف معاد لأوروبا الاقتصادية لكنه أوروبي حتى النخاع دينيا وثقافيا

نظرة تحليلية للمشهد السياسي الأوروبي في شقه المتشدد تحتم الحديث عن اليمين المتطرف الأوروبي بصيغة الجمع، ذلك أن هذا التيار متعدد ومتشعب رغم قواسمه المشتركة التي لا جدال فيها. وسنلخص أوجه الشبه والاختلاف بين هذه الأحزاب في مجموعات من النقاط.

أوجه الشبه

  • تعتبر جميعها أن الهجرة هي المسؤول الأول عن المشاكل التي تتخبط فيها المجتمعات الأوروبية، وبالتالي تطالب وتسعى لوقفها تماما بل وبعكس التيار بترحيل الأجانب من أصل غير أوروبي.
  • تبدي عداء لأوروبا التي تعتبرها مسؤولة عن تدني مستوى المعيشة وتفاقم الفوارق وتزايد الهجرة. وهي سيادية الخطاب والبرامج وتعِد باسترجاع السيادة الوطنية (النقدية، الاقتصادية، القانونية…).
  • تتبنى مبدأ "الأفضلية الوطنية" وهو مبدأ مؤسس لأيديولوجيتها، ومعناه منح الحقوق (السياسية والاقتصادية والاجتماعية…) للسكان الأصليين فقط وإقصاء المهاجرين والأجانب. هناك شعارات تصب في نفس المبدأ مثل "فرنسا للفرنسيين"، ألمانيا للألمان"…
  • تقر كلها بالحمائية الاقتصادية وتنادي بغلق الحدود أمام المنتجات الأجنبية لحماية المنتجات المحلية. وهذا يصب في نهاية الأمر في رفض أوروبا لأن أكثر من 60% من مبادلات الاتحاد الأوروبي التجارية هي بينية.
  • هذه الأحزاب ليبرالية التوجه وفي نفس الوقت حمائية مما يجعلها تعيش تناقضا أيديولوجيا. بل إنها (مثال الحزب الهايدري والأحزاب الإسكندنافية) تتبنى سياسة ليبرالية متشددة تتناقض وقاعدتها الانتخابية العمالية المتنامية.
  • تدعي كلها أن الهوية الوطنية في خطر وأن عليها حمايتها من الغزو الأجنبي المتمثل في المهاجرين أو الأوروبيين من أصل أجنبي. وتتميز كلها بخطاب هوياتي شديد الحدة يتخذ غالبا بعدا عنصريا.
  • الآخر والأجنبي الذي يشكل خطرا على الهوية الوطنية والأوروبية أيضا (الملاحظ أن اليمين المتطرف معاد لأوروبا الاقتصادية لكنه أوروبي حتى النخاع دينيا وثقافيا) هو العربي-المسلم. نقطة الالتقاء الأساسية بينها هي معاداتها للإسلام فحتى غير المعادية للسامية منها مثل تشكيلة فورتوين هي مناهضة للإسلام، تتحدث كلها عما تسميه "خطر الأسلمة".
  • ترفض المجتمع المنفتح والمتعدد الثقافات والعولمة التي تختزلها في أغلب الأحيان في الأمركة، لكن مناوأتها لأميركا ليست مطلقة.
  • برامجها ديماغوجية وغير عملية وخطابها شعبوي يمزج بين كراهية الأجانب ورفض المهاجرين ومناهضة الجبائية والمخاوف الأمنية والمواقف القومية والحمائية…
  • تشترك في "البعد الاحتجاجي/الشعبوي" على حد تعبير جون-إيف كاميو (الباحث الفرنسي المتخصص في اليمين المتطرف) حيث ترفض النظام القائم وترى أن اليمين التقليدي ليس يمينيا بما فيه الكفاية، لكن هذا لا يمنعها من دعم مرشحيه.
  • التصويت لهذه الأحزاب هو تصويت رفض وقطيعة ومناوأة للنظام الحاكم. فهو على حد تعبير بيار-أندريه تاغياف، (الجامعي الفرنسي المتخصص في الحركات الشعبوية)، "تصويت احتجاجي" أكثر منه "تصويت انخراط"، لكن "الانخراط الإيديولوجي قد يلي التصويت وآثاره الرمزية".
  • تتميز كما يلاحظ تاغياف بالخلط بين البعدين الاحتجاجي المناهض للنظام الحاكم والبعد العنصري (معاداة الأجانب) وخلال التسعينيات كانت الغلبة للبعد العنصري في خطابها.
  • كلها شديدة الشخصنة (لوبان في فرنسا وهايدر في النمسا ودوينتر في بلجيكا وكارسغارد في الدانمارك…). وتلعب فيها الزعامة الملهمة دورا مركزيا إلى درجة أن كيانها يكاد يتوقف على زعمائها.


الأحزاب الأوروربية المتطرفة لا تتفق في ما بينها فقط بل وتتعارض لأسباب أيديولوجية ووطنية
أوجه الاختلاف

  • لا تتبنى كلها خطابا وطنيا منغلقا على الذات. فإذا كان هذا شأن الجبهة الوطنية الفرنسية، فإن تشكيلات مثل الأحزاب الهولندية تبدو أكثر انفتاحا.
  • العامل التاريخي أو الشوق إلى الماضي لا يشكل عاملا حاسما في أيديولوجيتها باستثناء الأحزاب الفرنسية (الماضي الاستعماري وعقدة الجزائر) وبحدة أقل بكثير الحزب الليبرالي الهايدري.
  • بعض التيارات مثل رابطة الشمال الإيطالية محلية التوجه وخطابها المعادي للمهاجرين يندرج في إطار مختلف عن خطاب التيارات الأخرى مثل حزب لوبان. فهي تستهدف المهاجرين وجنوب إيطاليا (المتهم بهدر أموال شمالها) والدولة المركزية الإيطالية.
  • رغم أن التيارات المتطرفة عموما محافظة اجتماعيا فإن لبعضها أيديولوجية غير محافظة مثل الحزب الهولندي الذي كان زعيمه شاذا جنسيا. وهكذا مواقف تتناقض وأيديولوجية حزب لوبان المتمسك ببعض "قيم" اليمين المتطرف مثل العائلة. هذا الاختلاف كان من بين أسباب رفض فورتوين لأي علاقة مع لوبان.

هذه الأحزاب لا تتفق في ما بينها فقط بل وتتعارض لأسباب أيديولوجية ووطنية. حاول لوبان التقارب من اليمين المتطرف الألماني والإيطالي في البرلمان الأوروبي لكن باءت محاولته بالفشل بسبب رفضهما. دوينتر البلجيكي يرفض أن يقارن بـ هايدر ولوبان ويقول إن نموذجه تاتشر. لكن هذا لا يعني القطيعة التامة بين هذه التيارات. فمثلا شارك برونو ميغري زعيم الحركة الوطنية الجمهورية (الفرنسية) في تجمع في النمسا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001 نظمه أندرياس مولزر (أحد كوادر الحزب الليبرالي والمستشار الثقافي لهايدر) وحضره ممثلون عن الحزب الليبرالي وعن اليمين المتطرف البلجيكي (دوينتر) والمجري.

يبدو أن المصالح القومية تشكل عقبة أمام التقارب بين هذه الأحزاب، فاليمين المتطرف النمساوي لم يتمكن من التقارب من نظيره الإيطالي بسبب قضية أديج الأعلى وتيرول (وهما مقاطعتان كانتا تخضعان للإمبراطورية النمساوية تم التخلي عنهما لإيطاليا عام 1919 وتم الاتفاق عليهما نهائيا عام 1946 وعام 1969). حزب هايدر يثير باستمرار قضية الأقلية الألمانية (السودات) في الجمهورية التشيكية، أما اليمين المتطرف التشيكي فيتمسك بها، في ما ينادي اليمين المتطرف الألماني (خاصة حزب الاتحاد الشعبي الألماني الذي فاز عام 1998 بالانتخابات الإقليمية في لندر ساكس-أنهالت في ألمانيا الشرقية سابقا لكنه غاب عن انتخابات أبريل/ نيسان 2002 إذ لم يقدم فيها أي قائمة انتخابية) باستعادة كل الأراضي التي فقدتها ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية. وهكذا تلقي المطالب الترابية بظلالها على العلاقات بين اليمين الأوروبي الذي أصبح بحكم قوميته المتشددة يريد إعادة النظر في حدود أوروبا الموروثة عن الحرب العالمية الثانية. في هجمة جديدة ضد أوروبا، نادى هايدر باستفتاء شعبي للمطالبة بإغلاق المفاعل النووي التشيكي في تاملين، مغذيا بذلك الهواجس حيال توسيع أوروبا شرقا مثيرا استياء الجمهورية التشيكية.

لهذه الأسباب وأخرى لم يتمكن اليمين المتشدد من تشكيل "أممية يمينية متطرفة". فهل سينجح هايدر في مشروعه توحيد هذه الأحزاب في الانتخابات الأوروبية (البرلمان الأوروبي) عام 2004؟.

  • كل الأحزاب الأوروبية اليمينية المتطرفة تشارك أو تسعى للمشاركة في ائتلافات حكومية، وهذا رغم عدائها الشعبوي للنظام القائم، باستثناء اليمين الفرنسي المتشدد الرافض لذلك.
    - على عكس الحال في دول أوروبا الجنوبية تعبر الأحزاب المتطرفة في النرويج والدانمارك كما يقول كاميو عن "شعبوية رخاء" أكثر منها "شعبوية أزمة"، ذلك أن معدل البطالة في النرويج ضعيف جدا وأن الموارد النفطية تضمن للسكان مستوى عاليا من العيش.
  • تطرفها متعدد الأبعاد حسب بيئتها السياسية، فهناك تطرف إقليمي-انفصالي (رابطة الشمال الإيطالية وفلامس بلوك في مقاطعة فلامند البلجيكية) وتطرف وطني (فرنسا والنمسا)… والملاحظ أنه في حال الرابطة الإيطالية تطور هذا التطرف العرقي-الإقليمي والاحتجاجي إلى تطرف عرقي-قومي معاد للأجانب كما يقول تاغياف.

اليمين المتشدد.. أميركا والعرب


الجالية العربية-الإسلامية في الغرب متهمة بتشكيل طابور خامس أو بمحاولة تدمير القيم الغربية من الداخل

أغلب التيارات اليمينية الأوروبية المتشددة معادية لأميركا أو على الأقل مناهضة لها ولظاهرة الأمركة، حيث لا ترى في العولمة إلا أمركة لأوروبا (لوبان يندد بما يسميه "الأوروعالمية"). لوبان وهايدر يساندان صدام حسين ليس حبا في العراق وإنما كرها في أميركا ومقتا على سيطرتها على العالم. لكن هذا التباعد الأيديولوجي مع الولايات المتحدة لم يمنع التضامن الغربي ضد العرب والمسلمين، على أساس أن العدو المشترك هو الآخر العربي-الإسلامي. والجدير بالملاحظة أن الخطاب المتشدد حيال المهاجرين وضرورة غلق أبواب الهجرة وفرض الاندماج أو الرحيل على المهاجرين زاد حدة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، حيث أصبحت الجالية العربية-الإسلامية في الغرب متهمة بتشكيل طابور خامس أو بمحاولة تدمير القيم الغربية من الداخل. وتثير هذه القضية نقاشا في الأوساط المثقفة والأكاديمية الغربية خاصة المتشددة منها. فها هو الباحث الأميركي جيمس كورث ينصح الغرب، بمفردات دينية (توراتية)، عدم السماح للمسلمين بالإقامة في البلدان الغربية أو منحهم المواطنة مؤكدا على ضرورة ترحيلهم واحتوائهم في الشرق الأوسط.

اليمين المتشدد والعنف

توقيف المتهم بمحاولة اغتيال الرئيس الفرنسي شيراك في يوليو /تموز الماضي
ففيما تسعى الأحزاب المتشددة للتمأسس، تعمل التنظيمات المتطرفة على تطوير عقلية قتالية تتخذ من العنف وسيلة للتعبير ليس فقط حيال الأجانب بل حيال رموز السلطة القائمة. وقد قادت ثقافة العنف هذه إلى إقبال أحد المتطرفين الفرنسيين على محاولة اغتيال الرئيس الفرنسي في 14 يوليو/ حزيران 2002. والخطر يكمن في أن هؤلاء النشطاء يمزجون بين الانخراط السياسي الرسمي والنشاط غير الشرعي. فالشاب الذي حاول اغتيال شيراك كان ضمن قائمة الحركة الوطنية الجمهورية التي يتزعمها ميغري خلال الانتخابات البلدية الفرنسية في الدائرة 18 لباريس عام 2001، وينشط أيضا في "الوحدة الراديكالية" وهي تنظيم يضم غلاة المتطرفين ظهر إلى الوجود عقب الانشقاق داخل الجبهة الوطنية في نهاية 1998 والذي أدى إلى ميلاد حزب ميغري. وفي ألمانيا تلجأ المجموعات النازية-الجديدة إلى استخدام العنف مما يهدد بظهور إرهابي نازي. (إحراق مقر إقامة للاجئين واغتيال أفريقي والاعتداء على المساكن الجماعية للعمال المهاجرين…).

أوروبا والمد اليميني المتشدد

حرصا منهم على احترام المبادئ المؤسسة لأوروبا (ديمقراطية وحقوق الإنسان وحريات أساسية…) أدرج الأوروبيون في الاتفاقات المؤسسة للاتحاد مواد تؤكد على الالتزام بهذه المبادئ. وتشير معاهدة امستردام لعام 1997 في المادتين 7 (الخاصة بالعقوبات) و9 (الخاصة بشروط الانضمام) إلى إمكانية تعليق ممارسة حقوق دولة عضو بسبب خرق خطير ومتكرر للمبادئ الديمقراطية. رغم أنها أدرجت في المعاهدة لضمان الطبيعة الديمقراطية للأعضاء الجدد من دول أوروبا الشرقية، فهي تبدو وكأنها لا تستبعد مخاطر "ردة" ديمقراطية في إحدى دول الاتحاد. طبعا لم يكن المشرع الأوروبي يتوقع أنها ستستخدم قريبا ضد دولة غربية عضو (النمسا).

تجربة النمسا

يورغ هايدر
لما شكلت الحكومة النمساوية بمشاركة حزب هايدر مطلع عام 2000 تعرضت النمسا لسيل من الانتقادات الأوروبية خاصة من بلجيكا وفرنسا ثم لعقوبات وطوق دبلوماسي. لكن النقاش كان حادا بين معارض ومساند للعقوبات وانتهى الأمر برفع العقوبات على النمسا في سبتمبر/ أيلول 2000 وربح اليمين المتطرف النمساوي أول معاركه الأوروبية. يبدو أن أوروبا كانت تتخوف من طوفان شعبوي يؤدي إلى وصول أحزاب متشددة إلى السلطة في الدول الأعضاء. ويجب التذكير هنا بأنه لأول مرة في التاريخ تشترك تشكيلة سياسية متطرفة تحمل قيما تتعارض والقيم المؤسسة للاتحاد الأوروبي في حكومة في بلد عضو.

لكن أوروبا لم تتخذ نفس الإجراءات الحماسية لما شكل بارلسكوني ائتلافا حاكما مع اليمين المتطرف، وهذا رغم الانتقادات الفرنسية. إلا أن فرنسا لُقنت درسا تاريخيا من قبل يمينها المتطرف في رئاسيات 2002. الجدير بالملاحظة أن موقف الاتحاد الأوروبي حيال النمسا يفتقر إلى الحكمة السياسية بل يبدو وأنه كان محددا بحجم النمسا وحداثة عضويتها (1995). ومن غير الممكن أن نتوقع موقفا أوروبيا مماثلا تجاه دول من الوزن الثقيل كألمانيا وفرنسا أو بريطانيا. وحسبنا أن الموقف الأوروبي إزاء النمسا كان أساسا رسالة موجهة للدول المرشحة للانضمام (بولندا والمجر والجمهورية التشيكية)، والتي تعرف صعودا للتيار المتشدد، أكثر منه للأعضاء الحاليين. ثم إن النمسا لم تصبح جحيما للأجانب ولم يتعرض هؤلاء لمطاردات عرقية كما حدث للمغربيين في إسبانيا (رغم ضعف اليمين المتطرف فيها).

مسؤولية أوروبا الموحدة عن التشدد
كل الأحزاب الشعبوية الأوروبية (ليس كل ما هو شعبوي يميني متشدد) تتبنى خطابا حمائيا وبالتالي فهي رافضة لأوروبا مفضلة المصالح الوطنية. وقد عبر لوبان عن هذا الاتجاه في الرئاسيات الأخيرة لما نادى بالانسحاب من مؤسسات الاتحاد الأوروبي وإلغاء اليورو وإعادة العمل بالفرنك… ويحمل زعماء الأحزاب اليمينية المتشددة أوروبا مسؤولية مشاكل بلدانهم. لكن هل يعني هذا أن المصوتين لصالحه هم ضد أوروبا تتساءل الباحثة الفرنسية آن-صوفي كروزي. والتي تقول إن هناك من يرى أن أوروبا ليست رهانا انتخابيا فهي قائمة ومتجذرة، وهناك من يرى أن نجاح اليمين الأوروبي المتشدد يعبر عن الرفض الشعبي للبناء الأوروبي. لكل فريق حججه المقنعة ومن الصعب تغليب طرف على الآخر. لكن استطلاعا للرأي صدر في مايو/ أيار 2002 أظهر أن 28% فقط من المصوتين للوبان يؤمنون بأفكاره الخاصة بأوروبا بتراجع بنسبة 11 نقطة مقارنة مع نفس الاستطلاع في مايو/ أيار 2000.

يؤكد باسكال لامي، المفوض الأوروبي المكلف بالتجارة (في حوار لجريدة "لومند" الفرنسية بتاريخ 27 أبريل/ نيسان 2002) أن أوروبا ليست السبب في صعود اليمين المتطرف بل هي الحل، وأن الدول الأوروبية لها مشاكل متشابهة مما يفسر ظهور هذه الموجة المتشددة في بلدان عديدة في نفس الوقت. ويعتبر أن الحكومات الأوروبية لم تشرح لمواطنيها وراشات الاتحاد وجدول أعماله، ولم تحدثهم عن السياسة الزراعية المشتركة أو توسيع الاتحاد شرقا أو منح تركيا وضع دولة مرشحة للانضمام للاتحاد.

كما رأينا أعلاه تتفق كل القوى المتطرفة على رفض البناء الأوروبي الحالي وتستغل الغضب الشعبي من قواعد الاتحاد الأوروبي التي أصبحت تتحكم حتى في الحياة العادية للموطنين. وما زاد الأمور تعقيدا تستر الحكومات وراء القوانين الاتحادية لتفسير عجزها في بعض المجالات لكنها لا تترد في مخادعة الرأي العام خلال الحملات الانتخابية رغم علمها أن بعض القرارات السياسية المحلية لا يمكن اتخاذها دون الضوء الأخضر من الاتحاد. للتذكير أن اليمين المتطرف ليس القوة الوحيدة التي تحمل أوروبا الكثير من المآسي بل هناك تيار وطني واسع (من أحزاب يمينية معتدلة ويسارية معتدلة) أو ما يسمى بالأحزاب السيادية (تريد إعادة بسط السيادة الوطنية في بعض المجالات) تركز حملاتها الانتخابية على التنديد بأوروبا.

مؤشرات صعود وهبوط

هل هذه الموجة اليمينية المتشددة عابرة أم هي باقية وستتثبت في السنوات القليلة القادمة؟ الاتجاه الحالي ينحو نحو تبددها. ففي النمسا شهد حزب هايدر تراجعا في الانتخابات البلدية في مارس/ آذار 2001. ويتوقع أن يسجل تراجعا في التشريعيات المقبلة**. أما في فرنسا، فرغم وصول لوبان للدور الثاني في الرئاسيات فإن اليمين المتطرف لم يحدث المفاجأة في تشريعيات يونيو/ حزيران 2002 حيث خفت تماما بريقه ولما يفز ولو بمقعد واحد في البرلمان الفرنسي. في ما حصد اليمين التقليدي الأغلبية الساحقة. كانت هذه الانتخابات فرصة ذهبية له للدخول بقوة للبرلمان بفضل صدمة الرئاسيات لكنه فشل في ذلك مما يعني أن سقف التحمل الفرنسي للأفكار المتطرفة أدنى مما يتصوره أقطاب اليمين المتشدد. المثال الوحيد الذي يسير في الاتجاه المعاكس هو هولندا حيث حقق اليمين المتطرف نجاحا في تشريعيات مايو/ أيار 2002. أما النموذج الإيطالي فيبقى هشا لا سيما بعد المظاهرات العارمة التي شهدتها البلاد مؤخرا تنديدا بالتوجه الليبرالي المتشدد للحكومة.

من الصعب استشراف مستقبل اليمين المتطرف الأوروبي عموما، لكن يمكن القول إنه لفرملة اليمين المتطرف ثم إضعافه وإرجاعه إلى حجمه السياسي الذي كان عليه في السابق (على هامش الحياة السياسية دون أن يكون له الوزن الكافي لرسم الخارطة السياسية) يتحتم على الحكومات الأوروبية أن تدخل نسبة عالية من الشفافية في التسيير السياسي واستقلال العدالة لوضع حد للفضائح المالية-السياسية التي تعطي صورة قاتمة عن الطبقة السياسية باتهامها (موجودة فعلا لكن الخطاب الشعبوي يبالغ فيها) بالرشوة المعممة. إصلاح العدالة قضية مصيرية لأن الانطباع السائد لدى الرأي العام في بلد مثل فرنسا هو أن هناك ازدواجية في العدالة، عدالة مرنة ومتسامحة مع الأقوياء والساسة وعدالة متشددة مع الضعفاء والمستضعفين. وعلى الأحزاب التقليدية أن تتعاطى مع قضية الهجرة بحزم ووعي بطريقة تسحب بها هذا الملف من خانة تخصص اليمين المتطرف دون أن تتبنى حلوله الجذرية أو تحمل الهجرة ما لا تطيق (يحمل المتطرفون الهجرة كل هموم بلدانهم!). وعلى أوروبا أن تعيد النظر في علاقتها مع "الآخر" الذي أصبح جزءا منها، بل وخرج من رحمها، ونعني الأوروبي من أصول أجنبية (عربية-إسلامية أساسا).

موقف الساسة والنخبة المثقفة


نقطة الالتقاء الأساسية الأولى بين غالبية السياسيين والمثقفين هي تحاشي وصف المصوتين لليمين المتشدد بالعنصريين

يثير صعود اليمين المتطرف ردود فعل قوية في الأوساط السياسية والثقافية الأوروبية وتتعدد المواقف حسب الاتجاهات السياسية، فاليسار السياسي يبدو أكثر انتقادا لليمين المتطرف وأكثر حزما لمناهضته، في ما يبدي اليمين التقليدي "لينا" في تعاطيه مع أنصار هذا التيار وتفادي وصفهم بالمتطرفين أو العنصريين قصد ربحهم لصالحه، ذلك أن المصوتين لليمين المتطرف يدلون عادة بأصواتهم لليمين التقليدي حال غياب ممثلين عن أحزابهم المفضلة. وبالتالي ينتهج اليمين التقليدي سياسة الاحتواء لأن تبدد الموجة المتطرفة تزيد من ثقله الانتخابي. وقد ظهر هذا الموقف بوضوح بين الدورين الأول والثاني للرئاسيات الفرنسية حيث اتسمت مواقف اليمين التقليدي بالاعتدال ومغازلة مصوتي اليمين المتطرف والانتقاد المستبطن للمظاهرات ضد لوبان. في حين كان اليسار أكثر تشددا متهما اليمين باللعب في ميدان المتطرفين بتبني أطروحاتهم السياسية كالمبالغة في الخطاب الأمني. أما اليمين فيعتبر أن الحديث ومعالجة القضايا التي هي حجه اليمين المتطرف المفضلة خير وسيلة لمكافحته وتقزيمه سياسيا.

أما الطبقة المثقفة فهي عموما ضد التيار المتطرف بشقيه اليساري واليميني وإن كان هذا الأخير أخطر بكثير في نظرها بسبب مواقفه العنصرية. لكن النخبة المثقفة منقسمة على نفسها، فمنها من يعتبر أن صعود اليمين المتطرف خطرا على الجمهورية الفرنسية وقيمها، ومنها من يقلل من شأن هذا الخطر مؤكدا على ضرورة التصدي السياسي للقضايا التي يتلاعب به المتطرفون ومعالجتها لسحب البساط من تحت أقدامهم. وتستغل فئة من المثقفين المعادين للعرب والمسلمين الوضع لتزيد من حدة انتقاداتها للإسلام عموما، بحجة أن عدم الحديث عن هذا الموضوع يفتح الباب لخطابات عنصرية. ونلاحظ أن بعض الفئات المثقفة تدعي مناهضة الخطاب الشعبوي لكنها تنتهج خطابا شعبويا لما يتعلق الأمر بالإسلام وذلك على طريقة الخطاب الشعبوي الرسمي للسياسيين مثل بارلسكوني وغيره.

ربما نقطة الالتقاء الأساسية الأولى بين غالبية السياسيين والمثقفين هي تحاشي وصف المصوتين لليمين المتشدد بالعنصريين، وكأنهم يريدون سلك منهج بيداغوجي غرضه فهم وتفهم سلوك معظم هؤلاء لإخراجهم من دائرة التطرف. أما الثانية فتتعلق باستبعادهم فرضية حظر الأحزاب اليمينية المتطرفة على أساس أن خير سبيل لمكافحة نفوذها هو معالجة المشاكل التي تغذيها.

محنة اليمين التقليدي

إدموند شتويبر
كثيرا ما يقال –وعن حق في أغلب الأحيان– إنه على الأحزاب التقليدية معالجة القضايا التي يتخذها اليمين المتطرف وسيلة لتعبئة الناخبين. لكن إذا كان المنطق الإيداني الذي يتبناه اليسار باسم التسامح يبقى ديماغوجيا ولا يعالج الأمور فإن منطق المعالجة الاسترجاعية التي يعمل بها اليمين التقليدي تحوي مخاطر جمة، حيث تجعله يعمل نيابة عن المتطرفين وبالتالي تطبق بعض "حلولهم" بطريقة رسمية.

طبعا كما يلاحظ كاميو تشدد الأحزاب التقليدية في بعض المجالات كالأمن والهجرة يؤدي إلى تقزيم اليمين المتطرف كما حدث في ألمانيا حيث قاد تشدد الحزب الديمقراطي-المسيحي وهجماته على حكومة غيرهارد شرودر إلى إضعاف اليمين المتشدد. لكن الانزلاق نحو التطرف خطير. فإيدموند شتويبر (الذي كان منافساً لشرودر في الانتخابات) شعبوي الخطاب ورغم دعمه توسيع الاتحاد شرقا فهو يحذر من غزو عمال دول أوروبا الشرقية سوق العمل الألمانية، كما أن مواقفه حيال قانون الجنسية (رفض تجنيس الأجانب وازدواجية الجنسية) قريبة بل وتتطابق ومواقف اليمين المتطرف.

في فرنسا تبنت حكومة اليمين المعتدل قانونا ألغت بموجبه دور قاضي الأطفال، إلى جانب التراجع عن بعض مواد قانون افتراض البراءة (الذي أصدرته الحكومة اليسارية السابق) بتمديد مدة الحجز الاحتياطي مثلا بينما فرنسا تحطم الرقم القياسي أوروبيا من حيث طول هذه المدة وكانت قد أدانتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في هذا المجال.

ختاما يمكن القول إنه نظرا للتعبئة السياسية والشعبية التي تشهدها الدول الأوروبية يبدو من الصعب على اليمين المتطرف على المدى القريب والمتوسط على الأقل الحصول على أغلبية برلمانية تمكنه من وضع برامجه حيز التنفيذ. فرغم صعوده فإن الأحزاب التقليدية لم تفقد وزنها بل مازالت قوية كما أظهر ذلك الفوز الكاسح لليمين المعتدل في فرنسا. ومن المرجح أن يعود اليمين المتطرف في المستقبل القريب إلى حجمه الطبيعي، أي الموقف الاحتجاجي-العنصري والعمل على هامش النظام السياسي دون أن يكون له تأثير في التوجيه السياسي. إلا أن الخطر يكمن في مواصلته لعب دور الحكم في اللعبة الديمقراطية عبر الانتخابات لا سيما في الدول ذات الأنظمة الانتخابية النسبية (مثال إيطاليا) مما قد يحتم على الأحزاب التقليدية التشدد في سياستها محققة بذلك مسعى التيار المتطرف الذي طالما حلم بممأسسة كراهية الأجانب… لكن حتى وإن حدث ذلك فإن نداء أوروبا أقوى من نداء التطرف، كما أن المصالح بين الدول الأوروبية متداخلة بحيث يستحيل فيها تطبيق برنامج شعبوي دون الإضرار بمصالح البلد الذي تنفذ فيه. كما أن الصدمة التي أحدثها هذا التيار بانتصاراته المتتالية أقنعت الكثير من المواطنين الأوروبيين لا سيما الذين ينحدرون من أصول أجنبية بضرورة الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات مستقبلا. وللتذكير أن اليمين المتطرف يستفيد أساسا من نسب الامتناع عن التصويت في المجتمعات الأوروبية والتي بلغت مستويات عالية في دول مثل فرنسا. بحكم قناعتهم السياسية المتشددة فإن المصوتين للأحزاب المتطرفة هم دائما أكثر تعبئة ومشاركة في الانتخابات من المصوتين المعتدلين. كما يبدو أن اليمين المتطرف في بعض البلدان بلغ أعلى مستوياته التعبوية، ومن الصعب عليه إقناع ناخبين جدد. وفي الوقت نفسه من الصعب إقناع المصوتين لصالحه بالعدول بسهولة عن سلوكهم الانتخابي (الذين صوتوا للوبان في الدور الأول من الرئاسيات جددوا له ثقتهم رغم الضغط الإعلامي والشعبي).

هكذا يبدو وكأن أوروبا اللاتسامح والشعبوية تحل محل أوروبا التسامح. لكن القضية نسبية، ذلك أن الطوفان الشعبوي لم يحدث وأن أوروبا لم تتحول إلى جحيم للأجانب، بل إنهم يتمتعون (ممارسة وليس كلاما فقط) بحقوق كثيرة لا يتمتعون بها في أوطانهم الأصلية. وبالتالي يجب تفادي التعميم وإصدار الإعدام قبل المحاكمة. طبعا تنامي التيار الشعبوي عموما واليميني المتطرف خصوصا يستهدف أساسا الأجانب، لكن الأمور لم تصل إلى درجة ذلك السواد الأعظم الذي تبديه بعض التحليلات والتعليقات لا سيما خارج أوروبا.
ــــــــــــــ
باحث عربي مقيم في فرنسا وأستاذ في جامعة مارن لافالي
** أعد المقال قبل الانتخابات التي شهدت تراجعاً قياسياً لحزب هايدر(حزب الأحرار)

المصادر:
1- Pierre-André Taguieff, L’illusion populiste, Paris, Berg International, 2002, 182 p.
2- Gilles Mastalski, « Vienne divise Prague », Limes (Lyon), n°4, automne 2000, pp. 144-157.
3- Giovanni Maria Del Re, « Ombres haideriennes sur l’Allemagne », Limes, n°4, automne 2000, pp. 103-111.
4- Jean-Yves Camus, « Du fascisme au national-populisme : métamorphoses de l’extrême droite en Europe », Le monde diplomatique (Paris), mai 2002, p. 3.
5- Christian Semler, « Derrière les violences xénophobes de l’été : aux sources de l’extrémisme de droite allemand », Le monde diplomatique, octobre 2000, pp. 8-9
6- Anne-Sophie Crouzet, « Le populisme en Europe », Fenêtre sur l’Europe, 03/06/2002,
www.fenetreeurope.com
7- Le monde (Paris), 19-20/05/2002.
8- Le Nouvel Observateur (Paris), 13/06/2002.
9- James Kurth, « The New Protracted Conflict : The War and The West », Orbis (Philadelphia), vol.46, n°2, spring 2002, pp. 321-332.