كمال القصير

رغم أن سوريا تعد من الدول التي أبدت دعما ملحوظا لتوجهات الإدارة الأميركية في العقد الأخير كما حدث في الحرب الأولى على العراق، وكذلك التعاون بشأن ملف القاعدة، فإن التقييم الأميركي للجهود السورية في محاربة الإرهاب مستمر في النظر إلى سوريا كإحدى الدول الداعمة للإرهاب. وينبغي أن نشير هنا إلى أن الموقف الأميركي يتراوح بين الضغط والاتهام من جهة، وسلوك الطرق الدبلوماسية والحوار من جهة ثانية.

محددات الموقف الأميركي
ويؤطر الموقف الأميركي تجاه الجهود السورية في محاربة الإرهاب  عناصر أهمها:

  • طبيعة الفهم والاستعمال الأميركي لمصطلح ومفهوم الإرهاب الذي قد يمتد حسب التصور الأميركي ليشمل قضايا تعد من صميم الأمن الإقليمي السوري.
  • عناصر الضغط والتصعيد داخل الإدارة الأميركية تجاه سوريا.
  • جماعات الضغط واللوبيات مثل (AIPAC وJINSA) كنتيجة للتقاطع الحاصل بين مسألة دعم سوريا للإرهاب والأمن الإسرائيلي، سواء تعلق الأمر بحزب الله أو بالفصائل الفلسطينية، باعتبارها تنظيمات إرهابية حسب التصنيف الأميركي.

بين التصعيد والحل الدبلوماسي
بالنظر إلى الثقل التاريخي لسوريا والتحولات الجذرية التي تعيشها المنطقة، فإن قلق سوريا يبدو طبيعيا من الدعاية الأميركية ضدها كما يلاحظ في ردود أفعال المسؤلين السوريين على تصريحات الإدارة الأميركية واتهامها المباشر وغير المباشر لسوريا بدعم الإرهاب.

وقد صرح وزير الخارجية السابق  كولن باول في لقاء مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يوم 20 يونيو/حزيران 2003 بأنه إذا واصلت سوريا دعمها للإرهاب فعليها أن تتحمل العواقب. وفي الخريف من السنة نفسها أعاد ملف ملاحقة العناصر الإرهابية  سوريا إلى واجهة الأحداث وزيادة الضغط عليها.

و في خطابه عن حالة الاتحاد يوم 2 فبراير/ شباط 2005 قال الرئيس الأميركي جورج بوش بنبرة تصعيدية "إننا كي نعزز السلام في الشرق الأوسط الكبير علينا أن نجابه النظم التي تواصل رعاية الإرهابيين وتسعى للحصول على أسلحة الدمار الشامل، فسوريا ما زالت تسمح باستخدام أراضيها وجزء من أراضي لبنان من قبل الإرهابيين الذين يسعون إلى تقويض كل فرصة للسلام في المنطقة ... و نتوقع من سوريا أن تنهي كل أشكال الدعم للإرهاب وتفتح الباب أمام الحرية".

و في الاتجاه نفسه حذرت كوندوليزا رايس يوم 8 فبراير/ شباط 2005 سوريا من الاتجاه نحو العزلة، ومن أن الوقت قد حان لتظهر سوريا رفضها للعزلة عن طريق وقف دعمها للمسلحين الإسلاميين الذين يريدون تدمير عملية السلام في الشرق الأوسط. ووجهت رايس كلمات شديدة لسوريا عندما وصفتها بأنها "أبدت عدم مساعدتها" من خلال دعم الجماعات الإسلامية.

وإذا كانت وزيرة الخارجية الأميركية قد أعلنت أن سوريا لم تبد التعاون المطلوب، فهي نفسها قد صرحت يوم تنصيبها خلفا لكولن باول  بأن أهم ما سيميز فترة الرئيس بوش الحالية هو الميل إلى الدبلوماسية عوض القوة، وبأن أفضل مكان لبداية العمل الدبلوماسي سيكون هو سوريا ورغباتها في استرجاع مرتفعات الجولان.

والمؤكد الآن هو أن الإدارة الأميركية غير مقتنعة تماما بمستوى المجهود السوري لمحاربة الإرهاب كما تريده الولايات المتحدة، بل إن التصريحات الرسمية مستمرة في اعتبار سوريا داعمة للإرهاب.

فقد صرح الناطق باسم الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر في 12 يناير/ كانون الثاني 2005 بأن العلاقة مع سوريا مبنية على قاعدة جوهرها ماذا تفعل سوريا لمحاربة الإرهاب؟

وأضاف "نحن نعتقد أن ما قامت به سوريا في التنسيق المتعلق بملف القاعدة  خطوات إيجابية رغم كونها خطوات صغيرة، لكن هناك خطوات كبيرة لابد أن تقوم بها سوريا في هذا الاتجاه، فسوريا بدعمها للإرهاب تساهم في إفشال و تعطيل عملية السلام"، ورغم ذلك قال باوتشر "نحن نريد الاستمرارية لعلاقتنا مع سوريا ويدعم ذلك وجود سفير للولايات المتحدة بسوريا وكذلك الزيارات الرسمية، لكن هذه العلاقة لابد أن تنبني على قاعدة المجهود السوري في محاربة الإرهاب".

الدور الإعلامي في الحملة الأميركية
وتبدو كذلك في المشهد الإعلامي الأميركي الحملة البارزة للصحافة تجاه الموقف السوري من الإرهاب، ومن نماذجها ما كتبه غلين كيسلر في واشنطن بوست، وقد لاحظ أنه رغم تعاون سوريا في الحرب ضد تنظيم القاعدة، فإن واشنطن ما زالت تشعر بمخاوف جدية تجاهها، والمشكلة عند الولايات المتحدة ليست في التحدث إلى سوريا، وإنما في إقناع دمشق بتنفيذ ما تريده الإدارة الأميركية.

و يظهر أن المؤشر الأساسي لدى الإدارة الأميركية لالتزام سوريا بالحملة العالمية على الإرهاب هو -كما أوضح كولن باول سابقا أثناء مقابلة مع قناة NBC- أن توقف سوريا تهريب الأسلحة والعراقيين عبر الحدود، مؤكدا أن المهم هو ما سيفعله الرئيس الأسد لا ما يقوله، وذلك تعليقا على وعود الرئيس الأسد بإغلاق مكاتب الفصائل الفلسطينية بدمشق.




_______________
الجزيرة نت