سلطان بن مبارك الشيباني

التقريب مُقَوّم رئيسي من مقومات الإصلاح والوحدة الإسلامية، فهو يُوصِل المسلمين بِمختلف طوائفهم إلى لون واضح من ألوان التعاون القائم على المحبة، وعلى ترك العصبية، والترفع عن التنابز بالألقاب، والبعد عن سوء الظن.

وهذا من شأنه أن يطلق العنان للتفكير في حرية وهدوء والتماس للحقيقة، دون خوف أو اضطراب أو بلبلة. وهو ما يدفع الجميع حتما إلى السعي إلى ما فيه الصالح العام.

والتجربة التاريخية الإباضية مع مفهوم التقريب سجلت نتائج إيجابية يمكن أن يُنظر إليها بعين الاعتبار، بعيدا عن الانغلاق الذي عاشه الإباضية في شتى عصورهم، وكانت وراءه دواعيه وأسبابه.

وبقدر ما كان هذا الانغلاق والانزواء مانعا من تطبيقهم العملي للتقريب، لم يكن في الوقت ذاته مؤثرا في تغيير مبادئهم ووجهة نظرهم إلى الآخرين من إخوانهم المسلمين، فظلت الأفكار والمبادئ ثابتة في عقولهم، ومتى وجدوا سبيلا أسقطوها على أرض الواقع، وخاضوا غمار تجربتها.

مبادئ للتقريب
سيرة عملية في التقريب 
الولاية والبراءة

مبادئ للتقريب

أما مبادئهم الفكرية المعينة على التقارب فمن أهمها:

"
باب الاجتهاد عند الإباضية مفتوح وهم يأخذون بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها، ولعلمائهم استقلالية في الرأي حتى ولو أدى بهم إلى مخالفة عامة الإباضية

"

1- يتفق الإباضية مع سائر الفرق الإسلامية في اعتبار القُرآن الكريم كلام الله وحيه وتنزيله، وأنه المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي، وليست لهم في تفسيره آراء شاذة أو مناهج مبتدَعة، بل جل اعتمادهم فيه على أمهات كتب الفن من شتى المدارس الإسلامية.

2- الحديث الشريف هو المصدر الثاني عندهم من مصادر التشريع، وجميع مصنفاته خاضعة لميزان النقد والتصحيح والتضعيف حسب قواعد علم الحديث، وهم يعدون (مسند الإمام الربيع بن حبيب) من أصح كتب الحديث من حيث الجملة، أما تفصيلا فتسري عليه القواعد المتبعة في هذا الفن كعامة كتب الحديث "عند السنة". والإباضيّة يحتجون بأحاديث كتب الصحاح الأخرى ويأخذون بِها إذا ثبتت صحتها، واستشهادهم بِها كثير في مصنفاتهم.

3- إِجماع الأمة معتبر عند الإباضية إذا صح طريقه وتوافرت شروطه، وهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي. ولم يشذّ الإباضية عن منهج عامة الأصوليين في إثبات حجّية الاجتماع، وبيانِ أن ما وقع اتفاق الأمة عليه حقٌّ وصواب، لا يجوز لأحد خلافه.

4- باب الاجتهاد عند الإباضية مفتوح لم يغلق إلى يومنا هذا، وهم يأخُذون بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع، ويراعون مقاصد الشريعة، ويعملون بالقواعد الأصولية والفقهية، ولعلمائهم استقلالية في الرأي، حتى ولو أدى بهم إلى مخالفة عامة الإباضية، ومصنفاتهم حافلة بالنقل عن عامة فقهاء الأمة والأخذ عنهم.

5- من مبادئ الإباضية في أصول الدين: المرونة والتسامح في معاملة سائر فرق الأمة، وإن بلغ الخلاف بينهما ما بلغ، فكانوا أشد احتياطا من إخراج أحد منهم من الملّة بسبب معتقده مادام مبْنِيا على تأوّلِ نصٍ شرعي، وإن لَم يكن لتأويله أساس من الصحّة ولا حظ من الصواب حسب رأيهم.

ومن هنا اشتد إنكار الإمام محبوب بن الرحيل (ق3هـ) على هارون بن اليمان الذي حكم بشرك المشبّهة وخُروجهم من الملة، وأطبقَ الرأي الإباضي على تصويبه وتَخطئة هارون.

ومن كلام الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت1287هـ) في هذا الجانب: "إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك، من قبل معرفةٍ بأصوله، فإنه موضع الهلاك والإهلاك".

6- ومن خصائص الإباضية: عدم التعصب لأئمتهم حتى أنه لا مزية عندهم لرأي إمام المذهب جابر بن زيد على من سواه، وربما قال أحد أئمتهم الكبار قولا ولم يتابعْهُ عليه أحد.

7- من مبادئ الإباضية: مراعاة الخلاف في بعض المسائل الفقهية العَمليّة. فهم يفتون بغير الأعدل من الأقوال إذا رأوا المسألة تَحتملُ رأيا لأحد علماء الأمة ولو من مخالفيهم.

وقد حكم العلامة موسى بن علي (ق3هـ) بعدم تفريق المرأة من زوجها بعد الدخول إذا كان زواجهما بدون إذن وليها. وأخذ علماء عُمان بِهذا الرأي ردحا من الزمن مع عدم ترجيحهم له، مراعاة لاجتهاد الحنفية القائلين بعدم اشتراط الولي.

سيرة عملية في التقريب

"
حين ظهرت دعوات التقريب في الفترة الأخيرة كان الصوت الإباضي موحدا حول ضرورة نبذ التفرق والتعصب والسعي إلى لمّ الشمل والتقارب

"

ومن الناحية العملية سعى الإباضيّة إلى التقارب مع المذاهب الإسلامية بمختلف الوسائل التي تتيحها لهم مبادئهم الفكرية السابقة، وتعايشوا مع بقية المسلمين تحت ظل دولة واحدة، حيث يصف ابن الصغير المالكي في تاريخه الدولةَ الرستمية (وكانت للإباضيين) في المغرب بأنها دار "تَجمعُ الغرباء، من نزل بِها استوطنها وسكنها لما يرى من العدل والأمان على نفسه وماله".

وعُمان سجّلت تجربة طويلة في تآخي أتباع الإباضية والسنة والشيعة والزيدية في وطنٍ واحد، وهذا مشهد تعاقبت أقلام الرَّحالة الذين زاروها على تقييده ورصده.

والمشهد ذاته تكرر في الشرق الأفريقي، فكانت (سلطنة زنجبار) تحوي ضمن رعاياها طوائف الأمة الإسلامية قاطبة. ولم يكن بدعا أن نرى لبعض علماء الإباضية شيوخا غير إباضيين درسوا عليهم، ونرى لهم في المقابل تلامذةً من غير مذهبهم. فالتواصل العلمي قائم بكل مرونة ورحابة، وللدولة الواحدة قضاتها ومستشاروها وممثلوها من جميع المذاهب، بل تعدى ذلك أحيانا إلى أن يضم البيت الأسري الواحد أفرادا من مذاهب مختلفة.

وحين ظهرت دعوات التقريب في الفترة الأخيرة كان الصوت الإباضي موحدا حول ضرورة نبذ التفرق والتعصب، والسعي إلى لم الشمل والتقارب، وشارك ممثلهم أبو إسحاق اطفيّش (المتوفي عام 1965م) مشاركة فعالة في المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدسِ الشريف سنة 1350هـ/1931م، وكان له نشاطه المشهود في مصر للتقريب.

ومن أفكار سليمان باشا البارونِي (المتوفى عام 1940م) الإصلاحية: دعوته إلى (جامعةٍ إسلامية) تلم شتات المسلمين، وترأب صدعهم. وكان يستهجن كل حركة مذهبية بغيضة تنخر في صفوف أبناء الإسلام. وقد وجدت دعوته صداها عند أعلام الإباضية والمسلمين.

الولاية والبراءة

وليس عند الإباضية ما يقف عائقا من التقارب مع بقية المذاهب، إلا ما قد يراه البعض في مبدأ "الولاية والبراءة" ونظرتهم إلى مخالفيهم وعدم ترحُّمهم عليهم.

وهذا المبدأ ركن ركين في الاعتقاد عند الإباضية، والاستمساك به استمساك بعروة وثيقة تضمن للمجتمع الإسلامي وحدة صفه، وتحفظ للشخصية الإسلامية اعتبارها وشرفها.

ولا يرى الإباضية فيه ما يدعو إلى مخاصمة غيرهم، فإن الحب والبغض أمران قلبيان لا يتعارضان مع المعاملة بالحسنى، ولا يجْرم شنآن قوم على الحيف والجور.

"
قرر الإباضية من عصورهم القديمة مبدأ ترك الاشتغال بما مضى، جريا على قاعدة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز:
"تلك دماء سلَّم اللهُ منها أسِنتنَا، أفلا نُسلِّم منها ألسنتنا؟"

"

وخلاصة الأمر أن كل من نطق بالشهادتين ولم ينقضهما بإنكار ما علم من الدين بالضرورة فهو مسلم لا يخرج من ملة الإسلام، فلا يسفك دمه إلا بحق؛ وذلك بارتداده عن الإسلام أو زناه بعد إحصان أو قتله النفس المحرمة بغير حق. ولا يستباح ماله ولا عرضه، وله حقه في الإرث من أهل الإسلام، ويدفن في مقابر المسلمين، ويجهّز كما يجهز غيره من المسلمين.

وبالجملة فإن له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ما عدا المحبة في الله إن أصر على ترك فريضة واجبة، أو فعل فاحشة ظاهرة.(3) وإن من فضل الله على هذه الأمة أن حفظ لها وحدتها في كليات الدين، فهي تلتقي على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولا تختلف في أركان الإسلام الخمسة، وتعبد إِلها واحدا، وتتبع رسولا واحدا، وتستمسك بكتاب واحد مع الإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب، وتتجه إلى قبلة واحدة.

وكفى بذلك جامعا بين فئاتها وموحدا لشتاتها، فلا يسوغ الإباضية مع هذا إخراج أحد من أبناء الإسلام عن حظيرته بسبب خلاف مذهبيّ لا يتعدى جزئيات مسائل الدين. وهذا رابط قوي يجمعهم بسائر أبناء الأمة.

على أنهم قرّروا من عصورهم القديمة مبدأ ترك الاشتغال بِما مضى، جريا على قاعدة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: "تلك دماء سََّلم الله منها أسِنتَنا، أفلا نُسلم منها ألسنتنا؟"، فلم يفتؤوا يدعون إلى صرف النظر عما وقع بين الصحابة الكرام في العهد الأول، ويضربون صفحا عن نزاعات وشقاقات سلََفت، وينهون عن الخوض في مسائل هم في غنى عنها، ويمنعون الجهال من التعرض لعلماء الامة أو القدح فيهم أو استنقاصهم. ومن تأمل الضوابط المتينة التي بنوا عليها مبدأ الولاية والبراءة أدرك مدى تحرُّزهم في ذلك.

ومجمل الكلام أن دعوة التقريب عند الإباضية تلقى قبولا واسعا وسندا قويا، وللشيخ أحمد بن حمد الخليليّ –وهو من علمائهم المعاصرين– موقف إيجابي من فكرة التقريب، حيث رأى في المؤتمرات التي تعقد لهذه الغاية "دفعا قويا نحو رصّ الصف ووحدة الكلمة، والتصدي الحضاري لما يراد بالأمة الإسلامية"، مع تأكيده أن التقارب بين المسلمين لا يلغي الخصوصية الاجتهادية لكل مذهب منها.
_______________
كاتب عماني إباضي

شارك برأيك