جاءت كتابة مسودة الدستور العراقي في ظروف سياسية وأمنية أقل ما توصف به هو أنها غير طبيعية، الأمر الذي كان له آثار واضحة على بنود هذه المسودة المثيرة للجدل.
 
خصوصية الظرف التاريخي
منذ احتلال العراق في أبريل/نيسان عام 2003 والبلد بكل طوائفه وأعراقه يعيش مناخا سياسيا جديدا، يشعر فيه الجميع أن اللحظة التاريخية الراهنة هي التي سيتشكل فيها حاضرهم ومستقبلهم، وأن من لم يجد لنفسه مكانا -في وقت يعاد فيه حاليا تشكيل كل شيء- فقد يكون من الصعوبة عليه لاحقا المطالبة بأي شيء، لاسيما في ظل مستقبل مجهول ومفتوح على كافة الاحتمالات.
 
انطلاقا من خصوصية اللحظة، واستتشعارا لحساسية التوقيت، بدأ كل مكون من مكونات النسيج الاجتماعي العراقي في رسم الملامح العامة لسلوكه السياسي، وتحديد الأطر المنظمة لنشاطه، ووضع قائمة بمطالبه، فجاءت معظم هذه المطالب –كما انعكست على صفحات مسودة الدستور وكما علق على ذلك الكثير من فقهاء القانون الدستوري- مكتسية بألوان طائفية أو عرقية قبل أن يغلب عليها اللون الوطني العام.(1)
 
مشهد يرسم ملامحه الفائزون
"
سيطرة الشيعة والأكراد على السلطتين التشريعية والتنفيذية وفقا لانتخابات يناير/كانون الثاني التي قاطعها العرب السنة، أثرت بشدة في مراحل وآليات كتابة مسودة الدستور
"
مثلت انتخابات الثلاثين من يناير/كانون الثاني 2005 نقطة مفصلية في المشهد السياسي العراقي الذي كتبت مسودة الدستور متأثرة بمكوناته.
 
فقد أسفرت هذه الانتخابات -التي قاطعها العرب السنة لعدم يقينهم بتوافر ضمانات النزاهة– عن تشكيل الجمعية الوطنية الانتقالية في السادس عشر من مارس/آذار ثم الحكومة الانتقالية في الثامن والعشرين من أبريل/نيسان، وهيمنت عليهما الكتلتان الفائزتان الشيعية والكردية، وهذا يعني بعبارة أخرى أن السلطتين التنفيذية والتشريعية في العراق بأكمله أصبحتا تحت الهيمنة شبه الكاملة للشيعة والأكراد، الأمر الذي خلق حالة من الشعور بالتهميش والإقصاء لدى العرب السنة، وهو ما كان له أكبر الأثر في كل مراحل وآليات كتابة مسودة الدستور.
 
وقت ثمين يضيع
استغرق تشكيل الحكومة الفترة الممتدة من 30 يناير/كانون الثاني حتى 28 أبريل/نيسان وهو وقت طويل إذا قيس بعملية سياسية انتقالية محكومة بسقف الخامس عشر من أغسطس/آب الذي حدده قانون إدارة الدولة للانتهاء من مسودة الدستور. وقد تسبب كل هذا الوقت في خلق 
إشكاليات سياسية وقانونية سيأتي ذكرها لاحقا.
 
هذا الوقت ضاع أغلبه في مفاوضات شاقة وصفقات لم تكن آنذاك سرا -وإن كان كشف النقاب عن المزيد من تفصيلاتها فيما بعد- جرت بين الحليفين الكبيرين (قائمة الائتلاف العراقي الموحد الشيعية والتحالف الكردستاني)، سواء لتوزيع الحقائب الوزارية أو للاتفاق على توجهات محددة يضمنانها مواد الدستور لاسيما فيما يتعلق بالصلاحيات الموسعة للأقاليم.(2)
 
هذا الوقت الكبير عطل سير عمل الجمعية الوطنية التي كان من المفترض عليها أن تسرع بتشكيل لجنة لصياغة المسودة تعمل على مهل وتأخذ وقتها في المداولات والمناقشات بتأن وروية من أجل التوصل إلى اتفاق يحل إشكاليات القضايا الحساسة المثارة، لكن قرار تشكيل اللجنة لم يخرج للوجود إلا في العاشر من مايو/أيار.
 
ولم يكن هذا هو الوقت الوحيد والثمين الذي ضاع على الجمعية الوطنية  وإنما ضاع وقت آخر طويل وثمين أيضا في تشكيل هذه اللجنة، حيث واجهت الجميع أسئلة كان ينبغي عليهم التوصل إلى إجابات محددة عنها، من ذلك:  
  • هل يقتصر تكوين هذه اللجنة فقط على من فازوا في انتخابات يناير/كانون الثاني؟
  • وهل لو سارت أمور كتابة مسودة الدستور على هذا النحو سيحظى الدستور بشرعية شعبية وسيخلو من المثالب القانونية؟ 
  • وماذا بشأن من قاطعوا الانتخابات ولاسيما من العرب السنة وهم يمثلون كتلة سكانية ضخمة من نسيج المجتمع العراقي؟
  • وما هي الوسيلة المثلى لإشراكهم في لجنة صياغة الدستور حتى ولو لم يكونوا شاركوا من قبل في الانتخابات؟
جدلية تمثيل العرب السنة

"
التهميش السياسي للعرب السنة كما بدا في لجنة صياغة الدستور أثار قلق دول الجوار وأقنع الإدارة الأميركية بأن الأمور إذا سارت على هذا المنوال فلن يعرف العراق استقرارا

"

كانت لجنة صياغة الدستور مشكلة في البداية من خمسة وخمسين عضوا هم على وجه التحديد:
  • ثمانية وعشرون عضوا من قائمة الائتلاف العراقي الموحد المدعومة من آية الله السيستاني.
  • وخمسة عشر عضوا من التحالف الكردستاني بزعامة جلال الطالباني ومسعود البارزاني.
  • وثمانية أعضاء يمثلون القائمة العراقية الموحدة بزعامة إياد علاوي.
  • وأربعة أعضاء يمثلون التركمان والآشوريين والمسيحيين واليزيديين.
ولم يكن في اللجنة من العرب السنة سوى عضوين فقط ضمن القائمة العراقية، وقد اثار ضعف تمثيل العرب السنة على هذا النحو سخطا وقلقا متزايدين ليس فقط في المحافظات ذات الأغلبية العربية السنية ولكن أيضا لدى دول الجوار لاسيما في السعودية وتركيا ومصر، وعند الأمم المتحدة، وامتد هذا القلق ليتردد صداه داخل الإدارة الأميركية نفسها بدءا من الرئيس جورج بوش الذي دعا إلى زيادة تمثل العرب السنة ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس التي زارت العراق خصيصا لهذا الغرض، مرورا بالعديد من مراكز الدراسات الأميركية القريبة من صناعة القرار في البيت الأبيض، التي أكثرت من تحذيراتها وربطت في أغلب دراساتها بين زيادة الفوضى الأمنية واستمرار استبعاد العرب السنة من العملية السياسية.(3)
 
نتيجة لكل هذه الضغوط أصبحت الأجواء مهيأة لزيادة تمثيل العرب السنة، ولكن الطريق إلى ذلك لم يكن هو الآخر ممهدا، فقد ثار سؤال جدلي بشأن الموقف العربي السني، حيث راح الكثيرون يتساؤلون: من هو الذي يحق له تمثيل العرب السنة؟ واستلزمت الإجابة عن هذا السؤال وقتا.
 
انعقد لهذا الغرض تجمع سياسي ضخم ضم معظم ألون الطيف السياسي ممن ينتمون إلى العرب السنة، وشملهم مؤتمر عرف باسم مؤتمر أهل السنة (غير اسمه بعد ذلك إلى مؤتمر أهل العراق) وتمخض عن اختيار خمسة وعشرين عضوا تقرر أن يكون خمسة عشر منهم أعضاء فاعلين في لجنة الصياغة والعشرة المتبقية يرافقونهم كمستشارين ولا يحق لهم الاشتراك في المداولات.


 
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد رغم كل العثرات التي أضاعت وقتا واستنزفت جهدا كان مطلوبا لما هو أهم وجدوه أمامهم حينما بدأت لجنة الصياغة أولى جلساتها في الخامس من يوليو/تموز عبر لجانها الفرعية الست التي وزعت عليها أبواب الدستور المقترح، وإنما كان هناك من يعمل في الخفاء ويحاول هذه المرة أن يستخدم أسلوبا غير ما هو معهود من الضغط والتحالفات السياسية، فظهرت في أجواء كتابة مسودة الدستور لغة تعتمد على سلاح التهديد والقتل وسياسية الاغتيالات المتعمدة والتصفيات الجسدية المنتقاة.


 
تصعيد أمني

"
اغتيال اثنين من لجنة صياغة الدستور المنتمين للعرب السنة كان يهدف إلى إقصائهم من المشاركة في كتابة الدستور لكن العملية وإن ألقت بظلالها على الأجواء إلا أنها لم تحقق هدفها السياسي 

"

أرادت أطراف ما في العراق أن تستفز العرب السنة ليعلنوا انسحابهم من لجنة صياغة الدستور، وذلك عن طريق تعريضهم لعمليات "تهديد وقتل متعمد" كما وصفها مكتب دعم الدستور التابع للأمم المتحدة في بغداد،
ونجحت هذه الأطراف بالفعل في قتل اثنين من الأعضاء القانونيين المنتمين للعرب السنة في اللجنة هما الدكتور ضامن حسين العبيدي والدكتور مجبل الشيخ عيسى.(4)
 
فهم العرب السنة الرسالة، واتخذ مجلس الحوار الوطني العراقي (جزء من مؤتمر أهل السنة) قرارا بتعليق مشاركة اعضائه في لجنة الصياغة بصورة مؤقتة إلى أن تتم الاستجابة لمطالبهم التي كان على رأسها:
  • فتح تحقيق دولي في حادثة الاغتيال ومعاقبة المسؤولين والمخططين والمنفذين.
  • توفر ترتيبات الحماية نفسها التي يتمتع بها سائر أعضاء لجنة صياغة الدستور من مختلف الأعراق والطوائف.
  • التأكيد من جديد من قبل رئاسة الجمهورية والجمعية الوطنية على أن إقرار الدستور في نهاية المطاف سيتم بالتوافق بين كل الأعضاء لا بالأغلبية.
وتدخلت أطراف عدة لإقناع العرب السنة بالعودة وتفويت الفرصة على من أراد إبعادهم، وكان من بين من بذلوا جهدا في تجاوز هذه العقبة بعض أعضاء الحكومة الانتقالية والجمعية الوطنية والأمم المتحدة والعديد من الأطراف الإقليمية، فاستجاب مجلس الحوار لهذه الوساطات وقرر بالفعل في الخامس والعشرين من يوليو/تموز العودة إلى لجنة الصياغة بعد الموافقة على جميع مطالبه. 
 
قضايا مفصلية لم تحسم

"
استدعاء شعار المظلومية أثناء الحديث عن قضايا الهوية ودور الدين والصلاحيات الممنوحة للأقاليم والمحافظات مثل إحدى معوقات عمل لجنة صياغة الدستور
"

لم تكد أعمال لجنة الصياغة تسير رغم كل ما سبق من معوقات ورغم كل هذه الأجواء والأنواء حتى فوجئ الجميع بأن التقدم بشأن الاتفاق على القضايا الأساسية والجوهرية المتعلقة بالهوية السياسية والدينية وطبيعة نظام الحكم، ولاسيما ما يتعلق منه بالفيدرالية وما يرافقها من الاتفاق على مسائل مهمة مثل الثروة والعلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم والمحافظات، وغير ذلك من قضايا مفصلية تسير ببطء وتأخذ جلسات مناقشتها وقتا طويلا يضيع في مجادلات ومجاذبات يغلب على أكثرها التشنج والتوتر واستدعاء إرث المظلومية الحاضر في الأذهان لاسيما لدى الكتلتين الشيعية والكردية.
 
فقد سيطرت على أعضاء لجنة الصياغة رؤيتان متباعدتان تتعلقان بالنظرة إلى فلسفة نظام الحكم في عراق ما بعد صدام حسين، النظرة الأولى يتبناها الأكراد والشيعة وتتأسس على مبدأ توزيع السلطات والثروات بين الأقاليم في شكل فيدرالي وعدم تمركزها بيد حكومة مركزية واحدة خوفا من تكرار تجربة الحكم الشمولي المستبد على حد وصفهم. في حين كان للعرب السنة رؤية مغايرة تقوم على إيجاد حكومة واحدة تتبع أسلوب اللامركزية وذلك خشية من أن يؤدي توزيع السلطة والثروة كما يريدها الشيعة والأكراد إلى تقسيم العراق ونشوب حروب أهلية بين الأقاليم والمحافظات.
 
تعارضت الرؤيتان وأخذت النقاشات الحادة تتواصل كل ذلك وهم محاصرون بوقت حدده قانون إدارة الدولة -كما سبق القول- بالخامس عشر من أغسطس/آب، ولذا فقد رفعت اللجنة الدستورية القضايا موضع الخلاف إلى رؤساء الكتل السياسية القادرين على اتخاذ قرارات يمكن أن تنزع فتيل أزمة الخلافات الشديدة، وقد جرت مفاوضات مكثفة بين رؤساء الكتل شارك فيها بفاعلية السفير الأميركي في بغداد زلماي خليل زاده، غير أن هذا المستوى العالي من المفاوضات لم يفلح في إنقاذ جهود كتابة الدستور، فيما اشتكى وفد المغيبين أو العرب السنة من تجاهله خلال كثير من المباحثات التي جرت واقتصار ذلك على الكرد والشيعة. 


 
المناورة برفع سقف المطالب
قبل ذلك وخلاله حاول البعض المناورة برفع سقف مطالبه بصورة تسببت أحيانا في زيادة حدة الاحتقان ليس داخل لجنة صياغة الدستور فحسب وإنما في أوساط الشارع العراقي نفسه، كان من ذلك على سبيل المثال دعوة رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عبد العزيز الحكيم إلى إقامة فيدرالية للشيعة في إقليم يضم تسع محافظات في الوسط والجنوب، فيما أصر الكرد على تضمين الدستور فقرة تتعلق بحق تقرير المصير... ولم يحصل أي من الطرفين على كل ما طالب به لكن هذا التكتيك أفلح في حصول كل منهما على جزء أساسي مما كان يريد.
 
تأجيلات غير كافية
"
بقدر ما كان الزمن يلاحق البعض فإنه كان ورقة رابحة في يد البعض الآخر لتمرير بنود مختلف عليها أو للتوصل إلى اتفاقات أو لعقد صفقات ومساومات في الربع ساعة الأخيرة

"
كان الزمن يلاحق الجميع ويمارس هو الآخر ضغوطه ويشعِر الكل بنوع من التوتر لذا فقد اهتدت الجمعية الوطنية الانتقالية إلى حل يعطي للجنة الصياغة فسحة من الزمن مقدارها سبعة أيام فقط، فقررت في الخامس عشر من أغسطس/آب بالإجماع تعديل قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، على أمل التوصل إلى اتفاق بشأن المسائل العالقة، لكن مساحة الشقة والخلاف بين الأطراف كانت أكبر من الأيام السبعة فجاء يوم الثاني والعشرين من أغسطس/آب والقضايا الجوهرية لاتزال تراوح مكانها لاسيما الأهم منها وهو مسألة نمط الفيدرالية المراد تمريره في الدستور إلى جانب موضوعات أخرى مثل الهوية وتوزيع الثروة واجتثاث البعث.
 
 
وقبل انتهاء المهلة القانونية في منتصف ليل الثاني والعشرين من أغسطس/آب أعلن حاجم الحسني رئيس الجمعية الوطنية أن الجمعية تسلمت مسودة الدستور من لجنة الصياغة، واعتبر ذلك إيفاء بالتزامات الجمعية، لكنه أردف أن تلقي الدستور سيقترن بمنح لجنة الصياغة أو من يمثلها ثلاثة أيام إضافية للتوصل إلى توافق بشأن القضايا المعلقة.
 
مرت الأيام الثلاثة ولم يكتمل النص، فمنحت اللجنة أياما ثلاثة أخرى كحل نهائي، وتنفس أعضاء اللجنة الصعداء على أمل التوصل في اللحظات الأخيرة إلى اتفاق.
 
واستمرت المفاوضات بين زعماء الكتل السياسية الذين لم يتفقوا على صيغة لإرضاء مطالب العرب السنة أو المغيبين عن الانتخابات لاسيما في موضوع الفيدرالية الأمر الذي أخرج مسودة الدستور بلا توافق بين الجميع.
 
انتهى الموعد ولم يغلق الباب
 برغم انتهاء المهل القانونية لكتابة الدستور وتسليمه إلى الجمعية الوطنية فإن الباب لم يغلق تماما أمام المزيد من التعديلات، حيث جرت تعديلات على بعض البنود قبل تسليم النص النهائي إلى الأمم المتحدة لغرض طباعته وتوزيعه على العراقيين قبل الاستفتاء عليه في الخامس عشر من أكتوبر/تشرين أول، وكان أبرز ما جرى من تعديلات يتعلق بهوية العراق حيث أثار النص الأول اعتراضات شديدة سواء من  السنة أو من الدول العربية وكذلك من الجامعة العربية، فاستعيض عن فقرة أن العرب في العراق جزء من الأمة العربية بالقول إن العراق عضو مؤسس وفعال في الجامعة العربية، كما جرت تعديلات أخرى تتعلق بالمياه ومنصب رئيس الوزراء.
 


وكذلك أجرت الجمعية الوطنية تعديلا جعل من غير الممكن رفضه إلا في حال صوت ضده "ثلثا الناخبين المسجلين" في ثلاث محافظات وليس "ثلثا الذين يدلون بأصواتهم" وفقا للبيان الصادر عن الجمعية يوم الإثنين الثالث من أكتوبر/ تشرين أول الجاري ثم عادت وتراجعت عنه بعد يومين نتيجة لانتقادات تعرضت لها من قبل الأمم المتحدة والإدارة الأمريكية.
 
ولم يقف الأمر عند هذا الحد وإنما جرى تعديل آخر في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين أول بعد مفاوضات أجراها الحزب الإسلامي العراقي مع الكتلتين الشيعية والكردية وبالتشاور مع القوى المغيبة تتعلق باللغة العربية في المناطق الكردية وبالنص على وحدة العراق وبقضية اجتثاث البعث والأهم -كما يقول الحزب في بيانه- بترحيل كافة القضايا غير المتفق عليها والتي كانت مثار جدل طوال الفترة الماضية إلى الجمعية الوطنية المزمع انتخابها بعد أربعة أشهر. وقد اعتبر الحزب أن هذه التعديلات مكسب ودعا أنصاره إلى "التعامل بإيجابية مع مسودة الدستور يوم الاستفتاء لتمريره".
 
غير أن قوى أخرى في الوسط العربي السني -وبخاصة هيئة علماء المسلمين ومؤتمر أهل العراق- اعتبرت ما أقدم عليه الحزب خرقا للصف، وتشتيتا للأصوات، وشراء للوعود دون ضمانات. وتخوفت من أن تؤدي فترة الثلاثة أشهر الفاصلة بين إقرار المسودة وانتخابات الجمعية الوطنية القادمة لإقرار أمر واقع يصعب تغييره، وأكدت أن الحق المخول لأي ثلاث محافظات على التعديلات المقترحة تجعل المسألة برمتها مخاطرة كان الصف العربي السني في غنى عنها.(5)
 
وبالرغم من تسليم المسودة وإعلان أن هذه هي الصيغة النهائية وتجييش كل الأطراف إمكاناتهم استعدادا ليوم الاستفتاء فإن باب التعديلات على بنود المسودة لايزال غير مغلق، ويبدو أنه سيظل كذلك حتى يوم الاستفتاء نفسه وهذا أمر وإن بدا مستغربا إلا أنه في البيئة السياسية العراقية ليس كذلك.(6)
______________
1- ملاحظات قانونية على بنود مسودة الدستور العراقي، د. عبد الله الأشعل، أستاذ القانون الدولي، والمساعد السابق لوزير الخارجية المصري، إسلام أون لاين. 
2- كشف الرئيس العراقي جلال الطالباني عن جزء من ذلك لاسيما المتعلق بوضع مدينة كركوك، في الانتقادات العلنية التي وجهها من السليمانية لرئيس الوزراء إبراهيم الجعفري أثناء مؤتمر صحفي عقده يوم الجمعة الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2005
3-      Iraqi Constitution Must Deliver Oil to Sunnis, Or It Won"t Deliver, The Christian Science Monitor, August 11, 2005, Edward P. Joseph, Michael E. O"Hanlon, Senior Fellow, Foreign Policy Studies
4- الأمم المتحدة، تقرير الأمين العام المقدم إلى مجلس الأمن الدولي بشأن تطورات الوضع في العراق يوم 7 سبتمبر/أيلول 2005 عملا بالفقرة 30 من القرار رقم 1546 لسنة 2004
5- بيان رقم 97 الصادر عن الحزب الإسلامي العراقي بشأن مسودة الدستور الصادر في 13 أكتوبر/ تشرين أول 2005. 
6- قبيل تسليم مسودة الدستور إلى الأمم المتحدة لطباعتها أعلن فؤاد معصوم نائب رئيس لجنة صياغة الدستور وحسين الشهرستاني نائب رئيس الجمعية الوطنية، أن تعديلات خمسة جرت على المسودة متعلقة بهوية العراق نصت على أنه جزء من العالم الإسلامي وعضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها وعلى المادتين 108 و110 المتعلقتين برسم السياسة المائية للعراق، وحذف المادة 44 التي كانت تنص على تطبيق الاتفاقات الدولية ما لم تتعارض مع الدستور العراقي، وإضافة المادة 135 التي تنص على أن يكون لرئيس مجلس الوزراء نائبين في الدورة الانتخابية الأولى. وصرح السفير الأميركي في العراق بأن مفاوضات تجرى لإدخال تعديلات على الدستور تنص على وحدة العراق، وأن تكون اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية المستعملة في كردستان، وأن أي تعديل للدستور يتم من خلال الاستفتاء وليس عبر ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية.