ياسر عرفات
بسم الله الرحمن الرحيم

(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)

صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ملك المملكة الأردنية الهاشمية.. أصحاب الجلالة والفخامة والسمو.. السيد كوفي عنان.. السيد عصمت عبد المجيد.. السيد عبد الواحد بلقزيز.. السيد سالم أحمد سالم.. السادة أعضاء الوفود المحترمين..

على أرض الأردن الشقيق وفي كنف شعبه المعطاء توأم الشعب الفلسطيني وبرعاية كريمة من جلالة أخي وابن أخي الملك عبد الله الثاني تنعقد قمتنا هذه بعد أشهر قليلة من انعقادها في أرض الكنانة وفي كنف شعبها العظيم وبرعاية رئيسها الأخ المبارك محمد حسني مبارك. وبهذه المناسبة أسجل لقمة القاهرة وبكل الاعتزاز ما أسفرت عنه من نتائج على صعيد القرارات الهامة، كما أسجل للرئيس مبارك عنايته المباشرة بمتابعة قرارات القمة ووضعها موضع التنفيذ في أدق مرحلة من مراحل العمل العربي المشترك ومواجهة التحديات المشتركة على كافة الجبهات، كما أثمن عاليا جهود لجنة المتابعة العربية التي وفرت لقرارات قمة القاهرة زخمها وآليات تنفيذها وأسجل كذلك وبكل الثقة وفاءنا لشعوب أمتنا العربية المجيدة في انعقاد القمة على نحو دوري مما يبعث الأمل لدى جماهيرنا العربية باستمرارية العمل العربي المشترك وتقدمه وفعالية آلياته وهذا ما يمنحنا يقينا بحتمية تطور الفعل العربي القومي ومضاعفة نفوذه ومردوده قوميا وإقليميا ودوليا.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو..
إننا نتطلع لهذا الإطار القومي وهذه المرجعية العربية الأكثر مسؤولية في حياتنا وقلوبنا خاصة وشعبنا يرتبط مصيريا على الدوام مع مصير أشقائه العرب، يتمسك على نحو مبدئي وفعلي بانتمائه القومي العربي ويستند في انتفاضة الأقصى المبارك بثقة وأخوة عليهم، ونحن نشكر لأشقائنا العرب جميعهم كل ما قدموه ويقدمونه لشعبنا من عون ومساعدة في هذه الأيام العصيبة كما نشكر جميع الأصدقاء في العالم على هذا الدعم والمساعدة التي يقدمونها لنا وعلى كافة المستويات، وإنني أيها الأشقاء الأعزاء على يقين من أن أحد الأبعاد الظاهرة للحرب الشرسة التي يشنها الإسرائيليون ضد شعبنا يتمثل في محاولة النيل من انتمائنا العربي ومن تمسكنا المبدئي بالحقوق والمقدسات التي هي وقبل أن تكون حقوقا فلسطينية ومقدسات فلسطينية تظل عربية إسلامية مسيحية وفي مقدمتها القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومهد سيدنا المسيح عليه السلام.

نعم أيها الأشقاء الأعزاء .. إن ما يجري على أرضنا وما يتعرض له شعبنا من التصعيد العسكري بما فيه استخدام الأسلحة المحرمة دوليا ضده مثل اليورانيوم المستنفد والغازات والقذائف المختلفة وحصار المدن والمخيمات والقرى ومحاولة تجويع شعبنا وعدم دفع مستحقاته الماليه والضريبية وسرقة أرضنا من خلال التوسع الاستيطاني وتجريف مزروعاتنا وهدم وتدمير مصانعنا وطرقنا ومساكننا وتقتيل وجرح أطفالنا وشبابنا ونسائنا.. ولا يمكن أن يتم كل هذا بهذه الصورة على هذا النحو من القسوة والوحشية لو لم يكن هناك مخططات خطيرة وكثيرة ليست موجهة إلى شعبنا الصامد المؤمن وانتفاضته في الأقصى المبارك والذي قال عنهم رسولنا الكريم بأنهم في رباط إلى يوم الدين.. فحسب، وإنما إلى أمتنا العربية جميعها.

وهذا تقرير من اللجنة الأمريكية الرسمية ومن اللجنة البولندية الرسمية لاستخدامهم اليورانيوم المستنفد وسأرسلها لجلالتكم لتوزيعها .

ولا يساورني أي شك في أن قادة الأمة هم أول من يدرك ذلك وأول من يعرف كيف يدعم الشعب الفلسطيني وكيف يمنع ذلك الاغتصاب الغادر به وبحياته ومقدراته بل يمنع العبث بالأمن والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط..

فمنذ قمة القاهرة وحتى تلك اللحظة التي تنعقد بها قمة عمان تضاعف عدد شهدائنا وجرحانا الأبطال وازداد عدد عمالنا العاطلين عن العمل بما في ذلك منع صيادينا من الصيد في بحر غزة واتسعت أعمال القمع الإسرائيلي قسوة وبطشا ووحشية وازدادت مساحات الدمار والقتل لشعبنا وأطفالنا ونسائنا وزهرات شبابنا ومنازلنا وأكواخ مخيماتنا ومساجدنا وكنائسنا ومدارسنا ومرافقنا ومزارعنا ولا أريد أن أصف ما يصيب كرامة مواطنينا على آلاف الحواجز العسكرية من خلال جرائم المستوطنين بهم واعتدائهم على أبناء شعبنا الأعزل واستمرار النهب الاستيطاني تحت فوهات مدافع الدبابات المنتشرة حول كل قرية ومدينة في فلسطين.

وما خطة المائة يوم التي أعلنها رئيس الأركان الإسرائيلي مؤخرا والتي أدت إلى تقسيم الضفة والقطاع إلى 64 مربعا عسكريا في إطار مخطط شامل لدخول مدننا ومناطقنا ولقتل قياديينا وكوادرنا وسحق عملية السلام إلا أحد الأدلة على همجية الاحتلال وتنكره التام لجميع الالتزامات والأعراف وأحكام القانون الدولي.

إن كل قرية وبلدة ومخيم ومدينة في وطننا أصبحت معزولة ومطوقة في إطار عملية العقوبات الجماعية والخنق الاقتصادي الذي لا يوجد له مثيل في عالم اليوم وذلك كله يجري أمام سمع العالم وبصره.

وأمام هذا يعود السؤال إلى فرض نفسه: ماذا نريد من القمة كفلسطينيين وكعرب؟ ماذا نريد وهذه المأساة الفظيعة تطوق أبواب كل بيت عربي وهو يرى الشهداء والجرحى كل يوم هؤلاء المصابون منا جميعا والذين يعبرون عن ضمير الأمة وتصميمها على حقوقها وكرامتها. إننا نريد الكثير من القمة وهذا أملنا وحقنا ونقول ذلك لأن الحكومة الإسرائيلية وجيشها لا تتورع عن نقض كل العهود والالتزامات وتحاول أن ترى كيف يكون رد الفعل العربي والدولي تجاه سلوكها الهمجي ضد شعبنا وتجاه موقفها السياسي الذي يتنكر لأسس وقواعد عملية السلام كما أن العالم وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي أن يدرك من جديد أن الصراع في منطقتنا هو الصراع مع احتلال توسعي إسرائيلي احتلال يجسد العنف والإرهاب.. وبأن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني حق العودة وتقرير المصير وكرامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف هي في ذات الوقت حقوق عربية والتزام عربي وشرط لابد منه لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

وما ينطبق على فلسطين ينطبق على الجولان وجميع الأراضي العربية التي بقيت تحت الاحتلال الإسرائيلي.. إننا نأمل أن ترسل قمتكم رسالة واضحة إلى إسرائيل أولا وإلى العالم بأسره ثانيا.. بأنه لايمكن بل يستحيل الاستفراد بشعب فلسطين أو النزول بحقوقه إلى مستوى أقل وأدنى مما قررته الشرعية الدولية وأن هذا الوضع يهدد الأمن والاستقرار إقليميا ودوليا بسبب إصرار إسرائيل على سياسة العدوان والبطش والاحتلال.

ومن هنا علينا العودة إلى ماتم الاتفاق عليه في شرم الشيخ لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 28/9/2000 وإعادة الأمن والأوضاع لطبيعتها العادية لأمننا وأمنهم ولتنفيذ هذه الاتفاقات المتفق عليها بالرعاية الدولية في شرم الشيخ ومدريد وغيرها.. كما أننا نأمل أن نجد السبيل لتحقيق الدعم لصمود شعبنا وفق ما قررته قمة القاهرة وتصحيح أي خلل قد وقع دون أن يضيق صدرنا في أن يكون أشقاؤنا معنا للدعم من الخطوة الأولى حتى الخطوة الأخيرة.

فالدعم ليس مجرد تلبية للحاجات الأولية في ظل حصار وعقوبات جماعية تريد القضاء على جميع مقومات الحياة الإنسانية وتجويع شعب فلسطين بأسره وإنما هي في الأساس تأكيد لشعبنا بأن أمته العظيمة ستظل سنده وعونه ولمتابعة الكفاح من أجل الحقوق العربية كلها كما حددتها قرارات القمة العربية وقرارات الشرعية الدولية.

وبديهي أيها الأشقاء الأعزاء أن نجد أفضل تعبيرات العزيمة الصادقة والإرادة الخيرة والموقف العربي الموحد لمعالجة قضية العراق وشعب العراق الشقيق على قاعدة إنهاء الحصار واحترام سيادة واستقلال دول المنطقة جميعها.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو..
لايجب أن يخطئ أي منا في تقدير نهج وخطة الحكومة الإسرائيلية الجديدة حيث إننا لم نر حتى الآن غير مزيد من الحصار والتطويق الشامل ومزيد من أعمال القتل والتنكيل ومزيد من القرارات الاستيطانية في القدس الشريف وفي سائر أرجاء الوطن الفلسطيني ومزيد من التحريض ضد الفلسطينيين والعرب ومزيد من محاولات فرض الرؤية الأنانية القاهرة غير المتوازنة على الإدارة الأمريكية الجديدة لمحاولة تحديد سياستها الشرق أوسطية وفق المواصفات الإسرائيلية والأهداف الخاصة لحكومة شارون.. هذا ما نراه ومن يرى غير ذلك فليأتنا به.

وهنا أرى التزاما علي أن أقدم لقادة الأمة وبكل الوضوح والتأكيد موقفنا من مسألة الإرهاب والعنف وهذان الأمران هما البضاعة المفضلة لدى البعض للمتاجرة بهما وكذلك موقفنا في السلام والمفاوضات. إننا ودون التفات للأغراض المريبة والتصريحات التحريضية على هذا الصعيد نعود لتأكيد موقفنا المبدئي والفعلي الرافض على نحو مطلق للإرهاب بكافة مظاهره وإرهاب الإفراد وإرهاب الدولة.

وعلى المجتمع الدولي أن يعيد قراءة الممارسة الإسرائيلية ضد شعبنا الفلسطيني بكافة أشكاله العسكرية والمعيشية والاستيطانية والاقتصادية.. وحتى الاعتداءات المتكررة ضد مقدساتنا الإسلامية والمسيحية وأن يدقق في أمر القرارات الدولية وإدانة إسرائيل في حربها الشرسة والمستمرة ضد الشعب الفلسطيني ومنها قرارات مجلس الأمن ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والعديد من المؤسسات والهيئات الدولية المستقلة وغير الحكومية.

أما فيما يتعلق بالعنف.. هنا لا بد من وضع النقاط على الحروف وبداية فإننا بدأنا العمل والتزمنا باتفاقيات ومؤتمرات السلام.. سلام الشجعان، ولازال شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية ملتزمة بهذا السلام ولاجدال في أن الاستيطان وسرقة الأرض والإصرار على محاولة تهويد القدس هي أعلى وأخطر أشكال العنف.

كما أن وجود معظم وحدات الجيش الإسرائيلي بدباباته ومدافعه وجنوده وأسلحته المحرمة دوليا وإطلاق يد المستوطنين والجنود لضرب الفلسطينيين واحتلال وسلب أرضهم واستخدام الطائرات لتدمير بنيتنا التحتية واغتيال قياداتنا وكوادرنا هو أعلى درجات العنف وأشدها تاثيرا خاصة حينما تترافق مع حصار وإغلاق شامل يشكل أسوأ أنواع العنف والعقوبات الجماعية المحرمة دوليا.

ورغم ذلك فإننا على جاهزية منذ الآن للعمل وبشكل مشترك وبمشاركة دولية وعربية لمواجهة هذا العنف أيا كان مصدره من خلال العودة الفورية إلى مائدة المفاوضات ومن خلال التنفيذ الدقيق لبنود الاتفاقات الموقعة وآخرها شرم الشيخ والتي كانت حصيلة حضور وجهد أميركي مصري أردني أوروبي ودولي مشترك.

لقد وافقت إسرائيل على بنود شرم الشيخ ولا نرى ما يمنع من العمل الفوري لتنفيذها على الأرض كذلك فإنه بيننا وبين الإسرائيليين اتفاقيات أبرمت وجزء منها لم ينفذ وقضايا كثيرة حسمت تفاوضيا وتنتظر التنفيذ وهي اتفاقيات تحمل توقيع الدول الراعية لعملية السلام وعدد من الدول الصديقة والشقيقة.. أما فيما يخص مفاوضات الوضع الدائم فقد كان الدخول المباشر إليها وفق ما نصت عليه الاتفاقيات وبحيث تشمل جميع القضايا وفي مقدمتها القدس الشريف واللاجئين والمستوطنات والحدود والمياه وغيرها وبشكل متكامل ومترابط مع بعضها وإذا طالت هذه المفاوضات بكثافة ووقعت إحدى أهم محطاتها في كامب ديفيد ثم استمرت بعدها حتى مفاوضات طابا ولم تكتمل لأسباب تتعلق بإسرائيل ومحاولتها للخروج عن قرارات الشرعية الدولية ومرجعية عملية السلام.. إن من يريد السلام حقا يجب أن لا يطرح فكرة العودة للبدء من الصفر كما لا يحق له تجاوز الاتفاقيات والمرجعيات ليضيع وقتا وجهدا في إيجاد اتفاقيات جديدة ومرجعيات مزعومة جديدة هذا إن لم يكن هدفه أصلا إضاعة الوقت والجهد لاستبدال أمل السلام بكابوس الحرب واستمرار الاحتلال واستبدال فرص الاستقرار بفرص الاستيطان وإلغاء حقوق الغير.

إننا نؤكد ثقتنا بقرارات قادة أمتنا العربية وتوجهاتهم القومية المسؤولة والعقلانية والعملية ودون هذا التوجه والالتزام ما كنا لنرى هذا الحضور الفعال لقضيتنا على كافة الصعد وما كنا لنلمس حرارة الدعم الفعال لمطلبنا العادل بتوفير حماية دولية لشعبنا لدى الغالبية العظمى من المجتمع الدولي وإن الحماية الدولية لهي حق مشروع من حقوق شعبنا مثلما حدث في كثير من الأماكن المشابهة لوضعنا وإلى أن يتحقق لشعبنا حقه الأساسي في العودة والاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.. هذا هو موقفنا وهذه هي رؤيتنا للحاضر والمستقبل فلسطينيا وعربيا وعلى كل الصعد رؤية تستند الى قرارنا الجماعي باعتماد خيار السلام العادل والدائم والشامل كخيار استراتيجي يلبي الحقوق ويوفر الامن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة ودولها وعلى كافة المسارات العربية ويوفر عوامل ثبات ورسوخ الاستقرار الاقليمي والدولي المنشود.

إننا وبكل المسؤولية وبكل الوضوح سنواصل صمودنا الشعبي بكافة الوسائل المشروعة والمقرة دوليا.. نعم هذه هي رؤيتنا وهذه هي سياستنا وهذا هو التزامنا ووفاء منا لحقوقنا ومقدساتنا ووفاء لشهدائنا جميعا ووفاء لكرامة وشرف وتراث امتنا العربية المجيدة.

لقد جئت اليكم يا إخوتي من أكناف بيت المقدس بمقدساته الاسلامية والمسيحية ويسعدني أن يكون معنا ممثلون عن بطاركة القدس وشيوخ القدس في هذا الاجتماع وفي هذا المؤتمر والذي ينزف دما ومن خليل الرحمن الذي يمزقه الاستيطان ومن غزة هاشم التي تصمد في وجه الحصار والارهاب ومن بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور الدامية ومن كل قرية ومدينة فلسطينية ترفع صوتها بالتكبير والتهليل إجلالا للشهداء وتمسكا بالحقوق والمقدسات فسلامهم وسلامي عليكم جميعا يا إخوتنا ويا قادتنا ويا عزتنا وعزوتنا وسند صمودنا.

________________
المصدر:
الموقع الرسمي للقمة العربية في عمان