بشار الأسد

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو.. السيد أمين عام جامعة الدول العربية.. 
أستهل كلمتى بتوجية الشكر إلى الأخ الملك عبد الله الثانى ملك المملكة الأردنية الهاشمية وشعب المملكة الشقيق على استضافته لهذه القمة العربية وعلى توفير أجواء العمل الصحيحة لأجواء عربية تبدو اليوم أكثر صحة من ذى قبل. ولا يفوتنى أن أنقل اليكم تحيات الشعب العربى السورى وتمنياته لمؤتمرنا بأن يخالطه النجاح وأن يحقق النتائج المأمولة منه والتى لاتقل بأى حال من الأحوال عن آمال وتطلعات الشعوب العربية فى الوطن العربى الكبير.
ومن دواعى السرور أن اشارك فى أول انعقاد دورى للقمة العربية منذ سنين عديدة بعد أن قررنا ذلك فى القمة غير العادية التى انعقدت فى القاهرة العام الماضى وهذا الانتظام بحد ذاته هو نقله نوعية فى العمل العربى المشترك ففيه تفعيل لدور جامعة الدول العربية الذى نتطلع أن يأخذ أبعاده الكاملة، وفيه تعزيز للموقف العربى فى مواجهة التحديات المختلفة، كما أنه يدل على قدرة العرب على الالتزام أنهم أرادوا ذلك، والأهم من ذلك أنه يدفع التنسيق العربى فى الفواصل بين القمم بهدف الوصول إلى القمة بأفضل الحالات وأكثرها فاعلية وهذا بحد ذاته يوازى انعقاد القمم من الأهمية إن لم يكن أهم، وهذا يعنى أننا خطونا خطوة إلى الأمام من خطوات الألف ميل.. وليس المقصود بأننا لم نخطو قبلها بل المقصود أن الطريق مازال طويلا وبالتالى فإن طموحاتنا كعرب لاتقف عند هذا الحد من التفعيل والتفاعل مع بعضنا البعض ومع ظروفنا الخارجية المحيطة بنا، بل إن دولاب التطوير الذى بدأ بالدوران لابد من أن نستمر فى دفعه كى لا يتوقف وهذا لايمكن أن يكون إلا من خلال الحوار المدروس والمصارحة وهذه المصارحة عادة ماتركز على تحديد مواقع الخلل فى الماضى أو مايمكن أن نسميه تقييما مشتركا أو موحدا للمراحل السابقة، فكثيرا ما كانت القمم العربية تصدر بيانات وتتخذ قرارات موحدة لتقييمات ومفاهيم مختلفة أو متناقضة إلى حد كبير وهو ما أدى إلى تعطيل تنفيذ العديد من تلك القرارات وإلى عدم اهتمام الكثير من دول العالم بتلك البيانات لمعرفتهم المسبقة بالوضع والنهج العربى فى مقاربة القضايا المطروحة.

أيها الأخوة..
نحن الآن مجتمعون فى هذه القمة وإن شعوبنا تتطلع إلينا منتظرة منا نتائج كبيرة لاتقف عند إصدار البيان او اتخاذ القرارات التى ستصدر فى ختام قمتنا وإنما تتجاوزها إلى أشياء أكثر أهمية وفى مقدمتها تطوير آليات العمل العربى المشترك ليس فى مجال واحد فقط بل فى كل المجالات وبلا حدود، وهذا يعنى ويتطلب زيادة الإيجابيات على حساب السلبيات وتعزيز نقاط القوة مقابل تضييق نقاط الضعف التى ماتزال كثيرة وعلى رأسها سوء التقدير وعدم قراءة الأحداث بشكلها الصحيح. ولذلك كثيرا مانرى أنفسنا كأمة تخاف عندما يجب أن تطمئن وتشعر بالراحة فى مواقع الخطر وفى ذروة التهديد وأحيانا تخلط بين الهروب والحكمة والتنازل والشجاعة وغالبا ما تتفاعل بقوة مع أمور لا تمسنا بشكل مباشر وأحيانا لا تعنينا بينما لاتشعر بأمور أخرى أكثر تاثيرا علينا وأحيانا أخرى تتبنى قضايا الآخرين على حساب الاهتمام بقضايانا دون أن نعرف أو نسأل أنفسنا لماذا.. وما كل ما قلته هنا يأتى فى إطار الكلام النظرى العام، والقمم العربية لا يفترض بها أن تكون موقعا للتنظير بل هى منبر للحديث عن الواقع وبالتالى لابد من الحديث عن أمثله واقعية والإشارة إليها فهى بالإضافة إلى كونها أمثله فإنها تجسد قضايا راهنة مطلوب منا مناقشتها ووضع تقييم وفهم موحد لها وبذلك فقط تكون قرارات القمة قابلة للتطبيق ويكون للبيان الختامى الواقع والتأثير المرجو لدى الشعب العربى وعند الشعوب الأخرى أيضا.

ومن العناوين التى أرى من المفيد أن نفكر بها بهدف تطويرها مجموعة من النقاط، أولا قضية الانفعالية العربية، الابتعاد عن الفاعلية والاتجاه باتجاه الانفعالية، أي الارتكاز ورد الفعل المبالغ به تجاه القضايا المطروحة أو القضايا الطارئة بشكل لا يتناسب مع حجم أو أهمية القضية بالنسبة للأمة العربية، وهذا يؤدى إلى تشتيت الزخم والتركيز العربيين باتجاهات ثانوية بعيدة عن الاتجاهات الرئيسية.
وعلى سبيل المثال تفاعلنا مع ردات أفعالنا تجاه تغير الحكومات الإسرائيلية وخاصة الحكومة الأخيرة.. قبل أن تتبدل هذه الحكومة بدأ العرب بتفاعل مع هذا الموضوع وتبدل المزاج العربى بشكل حاد وغير مسبوق ونتيجة تغير المزاج تغير التقييم ومن ثم تغير التفكير والتفسير وتغير الأداء وتغير القرار ونتيجة كل ذلك تغير مصير القضايا العربية.. كم فى ذلك من تصغير للأمة العربية للدول العربية للمواطنين العرب، كم فى ذلك من تقزيم للقضايا العربية أن نكون متحركين فى حركة إسرائيلية داخلية وغير ثابتين بثبات القضايا وبثبات الحقوق العربية، فإذا لا بد من ثبات المزاج والنهج والأداء وبالتالى القرار طالما أن الحقوق ثابته لا تتغير وبالتالى لا نغير بل نطور وعندها فقط نستطيع أن نبقى الجهود العربية مركزة باتجاه القضايا الرئيسية وليس باتجاه القضايا الثانوية.. غرقنا طبعا فى تحليل ومتى وصول رؤساء العديد من الحكومات الإسرائيلية وأيضا غرقنا فى تحليل معنى وصول المولود الجديد شارون ونسينا كل شيء وكاد يتحول إلى القضية المركزية، هذا الإنسان قد كاد أن يتحول إلى القضية العربية المركزية.
وابتدأنا بالمقارنة: من أفضل الخلف أم السلف؟ السلف أم سلف السلف؟ من أقرب للعرب ومن أقرب للسلام ومن أقرب للحرب؟؟ وكدنا ننقسم مع واحد ضد الآخر والبعض ارتعدت فرائصه والبعض الآخر شعر بعقدة الذنب بعد ظهور نتائج الانتخابات النهائية، وكدنا نصبح ناخبا موازيا أو ناخب ظل، أيضا انشغلنا بتحليل الفرق بين اليمين واليسار فى إسرائيل ولا يريد البعض أن يعرف بأن اليمين واليسار بالنسبة لإسرائيل هو موضوع داخلى أما بالنسبة للعرب فلا يوجد يمين ويسار فى إسرائيل، فمن يقتل ألف عربى هو يسار ومن يقتل عشرة آلاف عربى هو يمين وعندما ياتى من يقتل خمسة آلاف يصبح اليمين وسطا ويكون هناك يمين جديد بالنسبة لنا كعرب.. كل الإسرائيليين هم يمين.. المهم انشغلنا بتحليل كل هذه القضايا التى لاتقدم ولا تؤخر ونسينا الموضوع الأساسى أو النقطة الأساسية والجوهر ونسينا أن هناك شارعا إسرائيليا هو السبب، أما البقية والنقاط الأخرى فهى نتائج تقييم هذا الشارع الإسرائيلى بشكل سريع بعد عملية السلام وليس قبل عملية السلام لكى لا يقولون أننا ننطلق من منطلق عدوانى.. هذا الشارع قتل رابين عندما شك مجرد شك أن هذا الرجل قد يقدم شيئا للسلام.. أنا لا أقول قدم أقول قد، مجرد الشك جعلهم يقتلون هذا الإنسان بالرغم من أنه بطل تكسير عظام الفلسطينيين فى الانتفاضة الأولى. هذا الشارع أسقط بيريز عندما شك أنه أقل تطرفا من نتنياهو بالرغم من أن بيريز قدم هدية للشارع الإسرائيلى وهى مجزرة قانا.. هذا الشارع أسقط باراك عندما شك بأنه أقل تطرفا من شارون وعندما شك بأنه من خلال الطروحات الوهمية الكاذبة فمن الممكن أن يقدم شيئا لعملية السلام بالرغم من أن بارك كان قد قدم هدية للشارع الإسرائيلى أكثر من 400  شهيد فلسطيني والآن هذا الشارع هو نفسه يأتى بشارون.

طبعا نحن لسنا معنيين بالأسماء فمهما حفظوا من اهتماههم بقضايانا وحقوقنا سياتى يوم ويرتفع لهذا المستوى ومهما رفعوا من مطالبهم سيأتى يوم ويحفظوا المطالب إلى المستوى الذى نريد ولكن يأتينا البعض ليقول لنا من الأجانب أو من العرب يقول بأن شارون صحيح قد يكون بطل السلام لكن الشارع الإسرائيلى مختلف.
لماذا لا نسأل السؤال البسيط لهولاء، شارون يوصف بالعالم بشكل عام وحتى فى داخل إسرائيل بأنه رجل مجازر رجل قتل رجل يكره العرب، وهذا صحيح هو يكره كل شىء له علاقة بالعرب، هذا الشخص كيف أتى إلى الحكومة، هو رشح نفسه بإرادته لكن لم يصل بإرادته وصل بإرادة الشارع الإسرائيلى.. طيب كيف يريدون منا أن نقنع أنفسنا أولا وأن نقنع الشارع العربى ثانيا بأن هذا الشارع الإسرائيلى الذى انتخب رجلا بمواصفات شارون هو شارع يريد السلام هو شارع يريد إعادة الحقوق غلى العرب هو شارع غير معاد للعرب والمسلمين؟ كيف يمكن أن نقنع أنفسنا؟ فإذن علينا أن نركز على الشارع قبل أن نركز على الأشخاص أو الحكومات. ويأتى البعض ليقول لنا بأن شارون يجب أن يعطى فرصة.. طيب على الأقل نعرف ماذا يقصدون بكلمة فرصة ولماذا الفرصة، يعنى إذا كان هو نتيجة للشارع وليس سببا فلماذا لا نعطى الفرصة للشارع أولا إذا كان هو نتيجة فيعني بأنه مربوط بشارع متطرف لايريد السلام فما هو الهدف من هذه الفرصة؟ هل سيتحول شارون فجأة لحمامة سلام؟ هل سيتحول الشارع الإسرائيلى فجاة لشارع محب للعرب وشارع غير عنصرى؟

ثانيا ما المقصود بكلمة فرصة؟ الفرصة يعنى إعطاء زمن، ماهو الهدف من إعطاء هذا الزمن هل المقصود بالزمن لقتل المزيد من العرب أم زمن لتقديم المزيد من التنازلات؟ لنضع تعريفا لكى ننطلق فى اتجاه واضح لكى نعرف إلى أين نحن ذاهبون. فإذن لمعرفة حقيقة السلام المقبل لابد من معرفة حقيقة الشارع الإسرائيلى الذى بدأ عملية السلام فى مدريد عام 1991 بشامير واليوم ينهيها بشارون، بدأ بشامير وينهيها بشارون، وطبعا الأماء التى أتت بالوسط بينهما متشابهة لايوجد أى فرق بين الأول والأخير ومن فى الوسط من منهم قدم للسلام أخذوا كل شىء من السلام ولم يعطوا شيئا، ممن منهم قدم للعرب، قدموا الشهداء وأخذوا الارواح. فإذن علينا أن نحدد حقيقة الشارع ولا ننغلق بتحليل الأشخاص. قد يعطى هذا مؤشر لكنه ليس الجوهر، نقول رئيس حكومة عنصرى ونقول حكومة عنصرية ونقول أمن وجيش عنصرى وعندما نصل إلى المجتمع الإسرائيلى نطلب بأى منطق كل الأشياء التى سبقتها هى نتيجة للشارع الإسرائيلى فإذن هو مجتمع عنصرى وعنصرى أكثر من النازية والكل فى القعدات فى الجلسات المغلقة يتكلم بهذا الكلام وكل مواطن عربى يقول هذا الكلام ونحن نمثل الشعوب العربية ومن الطبيعى أن يتكلم ما يعبر عنه وجدان المواطن العربى وعلينا أن لا ننظر التعاريف من الغرب والشرق والشمال والجنوب نحن علينا أن نحدد التعاريف ونسوقها ولنكن جريئين ونحدد المفاهيم بشكل واضح فان لم نقم نحن بالتحرك فالعالم لن يتحرك معنا ولنكن حذرين من تحويل هذه القمة إلى حائط مبكى نجلس فيه نتشاكى ونتباكى أو أن نحوله إلى جمعية خيرية نلتقى بها لكى نطلب من العالم مد يد العون لنا علينا أن نكون جريئين ونتخذ القرارات الجريئة ونبتعد عن الحسابات الكثيرة التى نحسبها وأحيانا لا تفيدنا نحن بدءا من أقصى الغرب فى أمريكا مرورا بأوروبا حتى الشرق وأحيانا نحسب حسابا لصحيفة قد تهاجمنا فى مكان ما من العالم.

وعندما يأتى الأمر للشارع نقول بأنه شارع عاطفى، كل ما نراه اليوم من مسيرات ومظاهرات ابتدأت بالعاطفة لكنها اليوم استمرت بالعاطفة وبالوجدان العربى ومن غير المعقول أن نسعى جاهدين لتطبيق كل النصائح التى تأتينا من الدول الأخرى غير العربية وعندما يطلب منا الشارع العربى أن نطبق شيئا نقول هذا غير قابل.. بالعكس الـ 300  مليون سيدعموننا ماديا ومعنويا إذا اتخذنا القرار الواضح والجريء وعدا ذلك لن يقف معنا لا عربى ولا غير عربى وسننتقل من ضعف إلى ضعف فإذن يجب أن نكون واعين لعدم الوقوع فى فخ ربط مواقفنا وسياساتنا تجاه قضايانا بالأشخاص فى إسرائيل بل يجب ربط هذه المواقف والسياسات بالشارع الإسرائيلى الذى يظهر يوما بعد يوم أنه ضد السلام، نربط هذه المواقف بالشارع الإسرائيلى، يعنى كل مواطن إسرائيلى مسؤول عن كل شبر من الأرض العربية وكل مواطن إسرائيلى مسؤول عن كل روح لكل مواطن عربى يمكن أن تزهق، وبالتالى ربط هذه المواقف بالأشخاص هو ربط مؤقت يعنى كلما أتى شخص نختلف على تقييمه وبالتالى علينا أن نلتقى أو نختلف بحسب تبدل الحكومات والأشخاص فى إسرائيل وهذا لا يجوز، وعندما ياتينا البعض من غير العرب ليقول لنا ها قد ذهب فلان من رؤساء  الحكومات بدلوا مواقفكم نقول له نعم.. ذهب فلان لكن الشارع الإسرائيلى بقى هو هو بعقليته وبعنصريته وبتطرفه..

أما ما يطرحه البعض من أن شارون هو غير الشارع الإسرائيلى فهذه المقولة لم تعد مقنعة لأحد طبعا البعض يبرر دائما ذلك بالخوف والقلق لدى الإسرائيليين، دائما نسمع هذا التبرير ومع كل أسف يسوق بشكل كبير عند الأجانب وبشكل قليل عند بعض العرب ونتيجة هذا الخوف يحق لإسرائيل أن تخرق القوانين الدولية ويحق لها أن تقتل العرب ويحق لها أن تحتل أراضى ويحق لها أن تعيد الأراضى مجزأة وليست كاملة ولماذا يخاف الجار من جاره الجار الأول يخاف من الجار الثانى عندما يكون الجار الثانى له سوابق الاعتداء وبالتالى يتوقع الجار الأول أن يكون هناك عدوان من الجار الثانى عليه.. هذه حالة الحالة الثانية عندما يعتدى الجار الأول على الجار الثانى فيتوقع منه ردا فى يوم من الأيام.

وفى حالتنا نحن لم نكن فى يوم من الأيام معتدين على اسرائيل نحن دائما معتدى علينا وإذا كانوا يملكون أقوى جيش فى المنطقة يتفوق على العرب مجتمعين ومع ذلك يخافون، مم الخوف.. هناك ثلاثة أشياء يخاف منها الإسرائيليون النقطة الأولى يخافون من الماضى القمعى القريب الذى ابتدأ قبل الإعلان عن دولة فلسطين عام 1948 بعدة سنوات.. النقطة الثانية التى يخاف منها الإسرائيليون هى الماضى بمعناه العام، أي التاريخ، هم لا يمتلكون التاريخ نحن من يمتلك التاريخ وهم يعرفون ذلك تماما هم لم يتواجدوا فى هذه المنطقة منذ آلاف السنين بكل تاكيد.. النقطة الثالثة هى الأرض، كل مواطن أو كل إسرائيلى -لا أقول مواطن- يعرف بأنه لا يمتلك هذه الأرض، هذه الأرض ملك العرب وبالتالى إسرائيل دائما غير واثقة من نفسها.
وإذا كان هذا القلق وهذه المخاوف تبرر لإسرائيل كل ذلك فنتمنى أن نسأل المجتمع الدولى كم يحق للعرب بما أنهم هم المعتدى عليهم وهم الذين يجب أن يكونوا خائفين انطلاقا من ذلك يطرحون مقولة أمن إسرائيل وأمن المواطن الإسرائيلى وكأنه لا يوجد أمن للعرب وأمن للمواطن العربى.. لا بد من أن نطرح بالتوازى مع مبدأ استعادة الأرض كاملة مبدأ أمن المواطن العربى وبكل تأكيد يجب أن يكون له الأولوية بأن الإنسان المعتدى عليه هو الذى يعطى الأولوية بالأمن وليس العكس ونحن هو المعتدى عليه.
ويجب أن نضمن أن إسرائيل لن تقوم بالاعتداء على سوريا أو لبنان أو الأردن أو فلسطين أو مصر فى يوم من الأيام، لن تقوم بقصف منشأة فى العراق، لن تقوم باغتيال مسؤول فى تونس، لن تقوم باغتيال مواطن عربى فى مالطا وفى أى مكان من العالم، وبالتالى لا سلام من دون الأرض الكاملة ولا سلام من دون أمن المواطن العربى. وعندما نقول الأرض مقابل السلام فالأرض تشمل السلام والسلام يشمل الأمن وإذا لم يكن هناك أمن لا يمكن لهذا السلام أن يتم، أما ما يجب أن لا نخشاه وأن نطمئن له فهو ما يحدث الآن فى إسرائيل من أحداث ومآزق سياسية وما نسمعه من طروحات شاذة وتصريحات عدوانية وهذا يدل على بداية انهيار سياسى فى إسرائيل فكل دول العالم تمر فى أزمات مختلفة ويكون لديها العديد من الحلول لهذه الأزمات وإذا كان هنالك بلد لديه 100 حل لمجموعة من الأزمات فـ 99 حل تكون حلولا سياسية وقد يكون هناك حل أخير عسكرى وغالبا ما لا يستخدم أما بالنسبة لإسرائيل  فاذا كان لديها 1000 حل ف 1000 حل هى حلول عسكرية ومع ذلك فالحل العسكرى ينتقل من فشل إلى فشل فى إسرائيل. طبعا البعض يطرح أحيانا أن ننقذ إسرائيل من مأزقها أو من مآزقها السياسية الداخليه، اعتقد عندما نفعل ذلك ستتحول إلى مآزق عربية وما يجب أن نتفاءل به هو أن الانتفاضة لازالت مستمرة وبزخم وتدخل شهرها السادس وهى أكثر ثباتا والمد القومى فى حالة نهوض بالتوازى مع الانتفاضة وكنتيجة مباشرة لها وبالتالى هناك ولدينا قاعدة قوية لكى ننطلق منها باتجاه المستقبل إلى أين يمكن أن نصل من كل ذلك.
إلى أين يمكن أن نصل من كل ذلك بعد عشر سنوات من عملية السلام الفاشلة بامتياز وأؤكد على كلمة بامتياز لأنه من الصعب أن نجد شيئا أكثر من هذا العمل السياسى خلال العشر سنوات، بعد 10 سنوات من الضغوط القاسية المختلفة على سوريا لكى تقبل بهذا السلام الناقص، بعد عشرة أعوام من رفض سوريا لأى سلام غير عادل وشامل ويعيد الحقوق لأصحابها الشرعيين.. وبعد عشر سنوات من عدم التنسيق مع المسارالفلسطينى والتنسيق المستمر مع المسار اللبنانى ماذا كانت النتيجة.. كانت النتيجة المزيد من نقاط القوة والأوراق تضاف إلى رصيد سوريا. ماذا ستفعل سوريا بهذه الأوراق والنقاط بكل تأكيد ستستخدمها لصالح القضية الوطنية أى قضية الجولان لكن قبل كل ذلك سوف تستخدمها لصالح القضية القومية القضية الفلسطينية.
نقول لإخواننا الفلسطينيين داخل هذه القاعة وخارجها وفى أى مكان من العالم بأن هذه هى أوراقنا فى خدمة القضية الفلسطينية بالرغم من عدم وجود تنسيق بيننا لمدة عشر سنوات فإن قضية فلسطين بقيت هى القضية المركزية بالنسبة لسوريا وبالنسبة لكل العرب وإخواننا فى الجولان يسمعون ويشاهدون الآن وهم لا يقبلون أن يكون حل القضية الوطنية فى سوريا على حساب قضية إخوانهم الفلسطينيين.. نقول عفا الله عما مضى.. فنحن لا نعيش على الماضى وإنما نتعلم منه الدروس والدروس المفيدة.. نحن نعيش الحاضر وننطلق من الحاضر باتجاه المستقبل، نمد يدنا لإخواننا الفلسطينيين لنقول لهم نحن نقف معكم الآن فى خدمة القضية الفلسطينية مع العلم أن النهج والعقل والمنطق السورى لا يسير الا باتجاه هدف واحد وواضح ومحدد وهو عودة الحقوق العربية كاملة وغير مجتزأة ولا مجزأة ولا يسير باتجاه التنازل.. فاذن نحن نقف معكم لعودة القدس الشرقية كاملة، نقف معكم لانسحاب إسرائيل على الاتجاه الفلسطينى حتى خط الرابع من حزيران 1967، نقف معكم لعودة اللاجئين بأكملهم بدون استثناء، نقف معكم لقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، نقف معكم لدعم الانتفاضة الباسلة وبعودة أى حق عربى لا بد له أن يعود.. وبكل الأحوال نحن ما نملك من أوارق ورصيد استخدمناه فى الماضى بالرغم من عدم وجود هذا التنسيق لمصالح القضية الفلسطينية ولحماية ظهر الشعب الفلسطينى عندما حاول الإسرائيليون الالتفاف عليه من الخلف من خلال لعبة المسارات. وأنا قلت لأحد المبعوثين منذ عدة أشهر عندما أتى بهدف إعادة إطلاق المسار السورى الإسرائيلى قلت له إذا كان الإسرائيليون يعتقدون بأنهم قادرون أن يضغطوا على سوريا من خلال المسار الفلسطينى فهم واهمون أما إذا كانوا يعتقدون بأنهم يستطيعوا أو يريدوا أن يضغطوا على المسار الفلسطينى من خلال المسار السورى  فسوريا لا يمكن أن تكون عصا بيد إسرائيل ضد الفلسطينيين فى أى حال من الأحوال.

أيها الإخوة..
إن ما نعيشه اليوم من حالة نهوض قومى فى الشارع العربى هو نتيجة لعوامل مختلفة وعلى رأس هذه العوامل الانتفاضة الفلسطينية التى دخلت شهرها السادس والتى لولاها لكان من الصعب بلوغ ذلك الحد خلال تلك الفترة الزمنية القصيرة ومن واجبنا أن نحافظ على بريقها كى لا تصبح شأنا يوميا عربيا وروتينا لا يؤثر فينا فهى ليست حالة معنوية نشعر بها بل هى حالة معنوية مادية ستترك آثارها علينا من خلال كونها مركز جذب واستقطاب للعاطفة والعقل العربيين وما يعنيه ذلك من توحيد للمشاعر والأفعال على المستوى العربى وبالتالى من الضرورى جدا دعم هذه الانتفاضة بالوسائل والطرق المختلفة أولها الدعم المادى المباشر وبشكل إسعافى للحد من التاثيرات السلبية للحصار المفروض على المدن والقرى الفلسطينية لتركيعها والقيام بحملة دولية لتثبيت شرعية الانتفاضة التى هى شكل من أشكال المقاومة.. والمقاومة حق مشروع للشعوب المحتلة أراضيها والمسلوبة حقوقها وبهذه الطريقة نتمكن من إحباط المحاولات الإسرائيلية الهادفة إلى إعطائها صفة الإرهاب، وثالثا من خلال التنسيق العربى العربى بشكل عام وهذا سيكون له تأثير معنوي إيجابى كبير على أهلنا فى فلسطين الذين يرون فى التضامن العربى احتياطيا استراتيجيا لقضيتهم وبالتالى فإن تضحياتهم لن تكون من دون ثمن.
وانطلاقا من هذه النقطة أي التضامن العربى لا نستطيع تجاوز موضوع العلاقة العراقية الكويتية التي لم تستطع بعد تجاوز أزمة الماضى ومازالت تستنزف الأمة ككل وتؤثر على استقرارها وكلنا نشعر بوطأة معاناة الشعب العراقى الشقيق بسبب الحصار الجائر ونرى الأخطار المحدقة بوحدته الوطنية وبدوره القومى وبنفس المقدار نشعر بقلق الأشقاء الكويتيين مما حصل فى الماضى ونقدر مشاعرهم وهناك صيغ كثيرة لحل أية مشكلة والمهم هو توفر النية الصادقة لتجاوز الماضى ولقد اثبتت العقود القليلة الماضية أن الخلافات بين الدول العربية مهما اشتدت وتعقدت ستحل عاجلا أم آجلا، فلماذا لا نحلها عاجلا بدلا من آجلا، فكل يوم قبل الحل فيه خسارة وكل يوم بعد الحل فيه ربح وأول من يربح أو يخسر هما الكويت والعراق والثانى بعدهما هو بقية الدول العربية ونحن على استعداد للقيام بكل ما من شأنه حل هذه المسألة ومهما تكن الظروف والمعطيات فإن رفع الحصار عن العراق لم يعد يحتمل أى تأخير فهذا الموضوع يتجاوز الإطار الأمنى والسياسى ليصبح قضية إنسانية تتنافر نتائجه مع مبادئنا وأخلاقياتنا العربية فلنبادر كعرب لرفع المعاناة عن العراق آخذين بالاعتبار المصالح القومية وقلق وهواجس الكويت المشروعة وليكن هناك موقف عربى.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو..
مرة أخرى أؤكد على رغبتنا الصادقة فى السلام لنا كعرب وللعالم ككل وإننا إذ نشدد على السلام العادل والشامل والمستند إلى مرجعية مدريد والذى لا يتحقق إلا باستكمال الانسحاب من الأراضى اللبنانية بالإضافة إلى الانسحاب الكامل من الأراضى السورية والفلسطينية حتى خط الرابع من حزيران عام 1967 وعودة القدس الشرقية كاملة مع عودة كل اللاجئين الفلسطينيين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وأن هذه البنود التى نشدد عليها يرفضها الإسرائيليون بحجة أنها شروط مسبقة على الرغم من أنها قرارات لمجلس الأمن وبالتالى فهى تمثل الشرعية الدولية التى وافق عليها العالم أجمع وأقرها وهذا يعنى أن إسرائيل لا تريد أية ضوابط يقرها المجتمع الدولى من أجل تحقيق السلام مثبتة كل يوم عدم وجود رغبة لديها فى الوصول إلى سلام حقيقى وتصريحات مسؤوليها ضد لبنان وسوريا ومصر وفلسطين وغيرها لهى دليل لا يحتاج إلى برهان وهى أقل شانأ من أن يرد عليها.. وهم يعرفون تماما كيف سيكون الوضع إن أخطؤوا التقدير خاصة وأنهم لم ينسوا هزيمتهم فى لبنان على يد المقاومة اللبنانية منذ أقل من عام وهنا لا بد من التأكيد على ما تم الاتفاق عليه فى القمة العربية الأخيرة فى القاهرة حول ضرورة متابعة إنشاء محكمة لمجرمى الحرب لمحاكمة الإسرائيليين الذين ارتكبوا مجازر ليس فقط بحق انتفاضة الأقصى بل أيضا لمحاكمة كل إسرائيلى له علاقة مباشرة بقتل عربى واحد فى أى مكان من العالم وقد يعتقد البعض أن هذا مجرد حلم  لكنه قابل للتحقيق ولو فى زمن متأخر المهم أن نقرر ونصمم وبكل تأكيد سنحقق ما نريد.
كما أنه من الضرورى إعادة الاعتبار لقرار الأمم المتحدة الذى اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية وبالطبع لا ننسى أهمية تطبيق أحكام المقاطعة العربية لإسرائيل بإيقاف كل أشكال التعاون والتعامل معها من قبل الدول العربية لأى سبب وبأي ظرف حتى تخضع لشروط السلام كلها وتقوم بتطبيقها وبالمقابل علينا التسريع بعملية تفعيل العلاقات العربية العربية فى مجالات مختلفة وخاصة الاقتصادية منها وذلك بالإسراع فى تطبيق السوق العربية المشتركة وبالإضافة إلى ذلك لا بد من تفعيل وتطوير ميثاق الجامعة العربية بعد نصف قرن من قيامها وتبدل الظروف بشكل واسع وعميق، وأخيرا أدعو الإدارة الجديدة فى الولايات المتحدة للاستفادة من أخطاء ودروس الماضى بشكل عام ومعرفة أنه لا يمكن تجاوز الشارع العربى فى القضايا التى تمس حقوقه وكرامته كما نتمنى على روسيا والاتحاد الأوروبى وبقية الدول الصديقة فى العالم أن يكون لها دور فاعل وإيجابى فى منطقتنا.

واختم كلمتى بأننا كمسؤولين حالة مؤقتة أما الاستمرار فهو للشعوب وشعبنا العربى شعب عريق لا يستكين مهما طال الزمن أو قصر لذلك علينا أن نرتقى إلى مستوى طموحات هذا الشعب وأن نتجاوز الخلافات لأن ما يوحدنا أكثر مما يفرقنا والكل ينظر إلينا كعرب.. أي أننا جميعا فى مركب واحد شئنا أم أبينا فالأحرى بنا أن نحسن قيادة وتوجيه هذا المركب بالشكل الذى يخدم مصالحنا ويضع لشعبنا قاعدة متينة من التعاون والمشاركة والشعور بالمصير المشترك.
والسلام عليكم
________
المصدر:
الموقع الرسمي للقمة العربية في عمان