محمد عبد العاطي

الصراع على عائدات النفط في نيجيريا ليس هو السبب الوحيد في ما تشهده من اضطرابات، فمشكلات هذا البلد الأفريقي الكبير كثيرة ومعقدة ولا يمكن اختزالها في سبب واحد.

لكن ورغم ذلك فإن مسألة السيطرة على النفط واحتكار عائداته وتركزها في دائرة ضيقة من أبناء مجتمع يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، أجج لهيب الصراعات العرقية والاضطرابات الدينية التي تشهدها نيجيريا والتي ازداد أوارها في السنوات الأخيرة.

التأثيرات الاجتماعية للنفط

أوباسانجو: لقد أعمانا النفط وأبعدنا عن قيمنا وجعلنا أكثر توحشا وقسوة
يرى كثير من النيجيريين وبخاصة علماء الاجتماع أن سوء توزيع العائدات النفطية تسبب في آثار اجتماعية سلبية على المجتمع النيجيري، فقد زاد من حدة الصراع الطبقي.

شهد المجتمع شرائح اجتماعية مترفة أصبح لها ثقافتها الخاصة وأساليب معيشتها التي تتناسب مع دخولها المرتفعة، ونجم عن ذلك مظاهر لا تخطئها العين في أماكن السكن ووسائل المواصلات.

هذه الفوارق الطبقية تسببت في مشاعر من الحنق لدى السواد الأعظم من الشعب النيجيري والذي راح بدوره يكيل الاتهامات لهذه الشرائح تارة بالفساد وأخرى باحتكار الثروة في دوائرها الضيقة التي لا تخرج عن الأقرباء والمعارف.

وتسبب اعتماد الاقتصاد النيجيري على النفط في بروز سمات نفسية غلبت على الكثير من أبناء جيل وصفته وزيرة المالية نديدي عثمان بأنه "جيل من الكسالى"، ولخصت آثار اعتماد هذا الجيل على الدخل السهل الناجم عن النفط بقولها "لقد جعلنا البترول كسالى.. فعندما كنت طفلة تعلمت أنه يجب أن أستخدم عقلي وأجتهد كي أنجح.. أما جيل البترول الحالي فلا يهتم بذلك ولا حتى يفكر فيه.. لقد أفسدنا البترول".

ولم تكن وزيرة المالية وحدها الناقمة على ما أحدثته العوائد النفطية من تأثيرات سلبية -اجتماعية ونفسية- في المجتمع، فقد وصل أمر الشعور بالغضب من سوء استخدام هذه العوائد إلى الحد الذي دفع الرئيس النيجيري نفسه أولوسيغون أوباسانجو للقول أمام حشد جماهيري في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 "لقد أعمانا البترول والغاز وأبعدانا عن قيمنا، بل جعلانا أكثر توحشا وقسوة".

التأثيرات الاجتماعية والنفسية لسوء استخدام العوائد النفطية ليست هي كل ما يمكن قوله عن دور النفط في ما تشهده نيجيريا من اضطرابات، فللقضية أبعاد سياسية أخرى ألقت بظلالها على الصراع الدائر هناك.

الأبعاد السياسية
الشركات الأميركية المحتكرة لاستخراج النفط النيجيري تسببت في مزيد من الاحتقان السياسي الذي تشهده البلاد.

فالولايات المتحدة تولي أهمية خاصة للنفط في دول غربي القارة الأفريقية عموما ونيجيريا خصوصا، حيث تنتج هذه المنطقة حاليا 4.5 ملايين برميل يوميا، ومن المتوقع أن تزداد قريبا إلى 6 ملايين بحلول العام 2008، وهي بهذا تعتبر واحدة من أهم مناطق العالم إنتاجا للطاقة خاصة في ظل عدم استقرار الأوضاع في دول الشرق الأوسط.

وتأتي نيجيريا على رأس الدول الأفريقية التي تصدر النفط إلى الولايات المتحدة، حيث يحتل النفط النيجيري المركز الخامس بالنسبة لها بكمية تبلغ 1.5 مليون برميل يوميا.

ديك تشيني

ويتوقع خبراء الطاقة الأميركيون وعلى رأسهم ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي أن تقفز الواردات النفطية للولايات المتحدة من القارة الأفريقية من 15% في الوقت الحالي إلى 25% خلال الأعوام القليلة القادمة، وهو ما يوازي النسبة نفسها التي تستوردها واشنطن من نفط الشرق الأوسط.

وتنافس الدول الأوروبية أميركا على النفط النيجيري فمصالح الطرفين في مجال البترول والغاز الطبيعي بعيدة من التطابق والتآلف. فبريطانيا ترى أنها الأولى بالاستفادة من بترول نيجيريا لكونها كانت مستعمرتها لفترة طويلة يضاف إلى ذلك أن نيجيريا عضو في رابطة الكومنولث فضلا عن كون شل البريطانية العالمية شركة من أقدم الشركات وجودا في منطقة دلتا النيجر حيث آبار النفط النيجيري. وتذكر المصادر أن بريطانيا تعتمد على 10% من البترول النيجيري، ولذك سيظل اهتمامها بهذه المنطقة قائما. وقد قامت الحكومة البريطانية مؤخرا بتعزيز تعاونها الأمني مع نيجيريا وسمحت أبوجا بالقيام بدور تأمين المنطقة من خلال تعاون أمني بين بريطانيا ونيجيريا. 

وبحكم كون نيجيريا واحدة من أكبر الدول الأفريقية إنتاجا للنفط وبحكم اعتزامها زيادة طاقتها الإنتاجية خلال السنوات القادمة بنسبة تصل 50%، يتضح قدر الاهتمام الذي توليه الولايات المتحدة والدول الأوروبية بهذا البلد، والذي يعبر عنه بعض الغاضبين النيجيريين من السياسات الغربية "بمزيد من التدخل في الشؤون الداخلية النيجيرية في المستقبل".

تأتي هذه التداعيات السياسية في الوقت الذي ترتفع فيه كذلك حدة الانتقادات من جانب دعاة حماية البيئة الذين ينحون باللائمة على التلوث البيئي الذي تشهده بعض مناطق نيجيريا، ومن جانب منظمات مناهضي الفساد ودعاة إنقاذ القطاع العام، وتزايد مطالب سكان منطقة دلتا النيجر التي يتركز فيها معظم النفط النيجيري بالحصول على نصيب أوفر من هذه العوائد لاستغلالها في تنمية مناطقهم.

ويعزى عدم استقرار الأوضاع في قطاع العمال إلى النفط، حيث يطالب هؤلاء النيجيريون الشركات الأجنبية العاملة في هذا القطاع -خاصة الأميركية- بتقاسم عوائد النفط بشكل عادل.

وغير بعيد عن الاضطرابات الناشئة عن سوء توزيع العائدات النفطية، انتشرت عمليات نهب النفط نفسه وهي العمليات التي تتسبب في فقدان ما يقارب 10% من الإنتاج الكلي للنفط النيجيري.

وقد تسبب سوء توزيع عائدات النفط واحتكارها في أيدي فئة قليلة العدد مرتبطة المصالح بالشركات الأميركية إلى قيام العمال بإضرابات كثيرة، وقيام مسلحين نيجيريين بشن هجمات على أنابيب النفط وخطف رهائن من العاملين الأجانب في هذه الشركات، الأمر الذي جعل قضية النفط أحد مسببات الاضطرابات السياسية التي تشهدها البلاد جنبا إلى جنب مع الإرث القديم من الاضطرابات العرقية والصراعات الدينية.

_______________
قسم البحوث والدراسات -الجزيرة نت

المصادر:
1- Opec The official website

2-
The OPEC Annual Report
3- The world factbook
4- Nigeria Economy - 2003
5- Democracy: How Has It Fared? especialy, Protests Over Fuel Prices. An analysis article written by Tokunbo Adedoja & Joseph Ushiageli.
5- البترول لعنة يتمنى النيجيريون ألا تزول، هناء دكروري، الأهرام، 24 يناير/كانون الثاني 2004.